من نقرأ حين نقرأ الشعر المترجم

لطالما فضّلت قراءة الكتب باللغة العربية كلما تسنّى لي ذلك، فهي تمنحني من المشاعر ما لا أجده بالقدر ذاته في اللغات الأخرى. وحين أرغب بشدة في قراءة كتابٍ لم يُترجم بعد، أؤجل قراءته دون تردد، مهما طال الانتظار، متشبثةً بأمل أن يبادر مترجمٌ ما فينقله إلى العربية، ملبيًا رغبتي الملحّة في قراءته.
أميل غالبًا إلى الاستسلام حين يطول الانتظار أكثر ممّا ينبغي، فأكفُّ عن ترقب الترجمة، وقد أتخلّى عن فكرة قراءة الكتاب تمامًا. لكن حين يتعلق الأمر بديوانٍ أو كتابٍ شعري، فإنّني أعجز عن ذلك. فإذا طال انتظاري لترجمته، أُذعن لقراءته بالإنجليزية، وأجدني -دون وعي منّي- أترجم القصائد في ذهني ترجمةً فوضوية، أكتفي بها لأنتزع شيئًا من متعة القراءة، مع أنَّ متعتي بالإنجليزية لا تضاهي أبدًا متعتي بالعربية.
عدت مؤخرًا إلى قصائد الشاعرة الأمريكية ماري أوليفر، لكن هذه المرة بالعربية. سبق وقرأت عددًا من قصائدها بالإنجليزية قبل سنوات، ثم وقعت على ديوان «مثل آدم في جنته»، وهو مجموعة قصائد من اختيار الشاعر السعودي عبد الوهاب أبو زيد وترجمته.

تتواصل أوليفر مع قارئها حسيًّا، خاصة والطبيعة تيمة رئيسة في قصائدها، فعبرها تتأمل الإنسان وعلاقته بالعالم وبمن حوله. فتحتُ المختارات آملةً أن أبلغ تلك الحِسّية التي استعصت عليَّ في قراءتي الأولى، وربحتُ الرهان. فقد بدت القصائد واضحة، ولا سيما بعد تذوق مشاعرها ولمس وقع كلماتها، كأنّ انتقالها إلى العربية لم يكتفِ بنقل الألفاظ، بل أذاب المسافة بيني وبين النص.
ظهر ذلك حين قرأت قصيدة «قلقتُ»، التي تقول أوليفر في مقطعها:
I worried a lot. Will the garden grow, will the rivers
flow in the right direction, will the earth turn
as it was taught, and if not how shall
I correct it?Finally I saw that worrying had come to nothing.
And I gave it up. And took my old body
and went out into the morning,
and sang.
وحين قرأت ترجمة أبو زيد، وصلني قلق أوليفر على نحو أقوى مما شعرت به في قراءتي الأولى. أو، على نحو أدق، لم يعد القلق قلقها وحدها؛ صار قلقنا جميعًا: أوليفر، وأبو زيد، وأنا، وكل قارئ عربي تصل إليه القصيدة مترجمة:
قلقت كثيرًا. هل ستنمو أشجار الحديقة، هل ستجري
الأنهار في الاتجاه الصحيح، هل سيتغير التراب
كما عُلّم، وإن لم يحدث ذلك، كيف لي أن أصحح الأمر؟
…
وأخيرًا، اكتشفت أن قلقي لم يصل بي إلى شيء.
فكففت عنه. وأخذت جسدي الطاعن في السن
وخرجت إلى الصباح،
وصدحت بالغناء.
حين يطالع القارئ الأصل والترجمة، قد لا يرى بينهما فرقًا كبيرًا، وأنا شخصيًّا لم أكن أراه في البداية. المعنى العام حاضر في النصين، والقلق موجود، والحديقة والأنهار والجسد والصباح والغناء تنتقل جميعها إلى اللغة الأخرى. وربما يفضّل بعض القراء النص الأصلي، في حين يرى آخرون أن ترجمته العربية أجمل، وهذا تحديدًا ما حدث بيني وبين صديقتي.
قرأنا القصيدة باللغتين، لكن كل واحدة منا خرجت من قراءتها بإحساس مختلف. عارضتني حين أخبرتها أنني وجدت الترجمة أفضل؛ قالت إنه على الرغم من التشابه بين الكلمات فإن العربية، في نظرها، سرقت الشعور بأكمله. لم تكن ضد الترجمة، وإنما ضد ما قد تتسبب فيه من تغيير في وقع القصيدة على قارئها.
لها كامل الحق في هذه القناعة، وربما كنت سأشاركها قناعتها قبل سنوات. لكنني لم أعد أرى أن المترجم مطالَبٌ بالاختفاء خلف القصيدة، أو أن يظل أثره غائبًا عنها، بخاصة حين يتعلق الأمر بالشعر. فمترجم الشعر يتعامل مع كلمات لا تحمل معاني مستقرة يمكن استبدالها بمرادفاتها دون خسارة، فهو يتعامل مع إيقاع وصورة ونبرة وذاكرة وموسيقا وشعور، ثم يحاول أن يجعلها تعيش في لغة أخرى.
لهذا أجد أن الترجمة الشعرية ليست فعل نقل بالمعنى البسيط للكلمة، فالمترجم لا يأخذ القصيدة من يد الشاعر ويضعها في يد القارئ كما هي. هناك شيء ما يحدث في الطريق، وهذا ما يمنحه السلطة.
في أثناء قراءتي قصيدة «قلقت»، استوقفتني عبارة «وكففت عنه». في ذهني، ذهن القارئ العادي وليس ذهن المترجم، كان يمكن أن تكون «تخليت» أو «توقفت». لكن «كففت عنه» بدت لي مختلفة؛ فيها شيء من المقاومة، كأن القلق لم ينتهِ من تلقاء نفسه، وإنما اضطرت الشاعرة إلى أن تكفّ نفسها عنه. الفعل يصف محاولة واعية لوضع حد لما يستنزفها.
بدأت أقرأ القصيدة من خلال اختيار المترجم لكلمة لم أفكر فيها في الأصل، و«I gave it up» لا تحمل وحدها كل ما حملته «كففت عنه» لدي. وهذا يعني أن الكلمة العربية فتحت في القصيدة بابًا لم أره بالطريقة نفسها في الإنجليزية.
الأمر نفسه حدث في نهاية المقطع. تقول أوليفر ببساطة: «and sang»، أما الترجمة فتقول: «وصدحت بالغناء». «غنّيت» أقرب إلى ظاهر العبارة، لكن «صدحت» تمنح النهاية قوة صوتية ورمزية أكبر، كأن الجسد الذي خرج من القلق استعاد صوته كاملًا. قد لا يكون هذا هو الأثر الذي شعر به قارئ آخر، لكنه الأثر الذي وصل إليّ من العربية.
فهل خان أبو زيد أوليفر؟
ليست العلاقة بين المترجم والنص الذي يترجمه وليدة اليوم، فقد دارت حولها تساؤلاتٌ أزلية، لعل أهمها: هل تكمن مهمة المترجم في نقل نصِّ الكاتب حرفيًّا؟ أم في نقل الأثر الذي أحدثه النصُّ في لغته الأصلية؟
يرى بعضهم أن أمانة المترجم تقتضي الاقتراب من النص قدر الإمكان، وأن أي إضافة أو حذف أو انحراف في النبرة يُعد خيانةً بيّنة، وهو ما رسّخ تلك الصورة النمطية التي ابتدعتها اللغة الإيطالية: «المترجم خائن» (Traduttore traditore). غير أن ترجمة الشعر تضع هذه الفكرة أمام مأزق، إذ إن التمسك الحرفي بالكلمات قد يكون، في أحيانٍ كثيرة، أقصر طريق لفقدان روح القصيدة وجوهرها.
ربما كان خورخي لويس بورخيس من أكثر الكُتاب اشتغالًا بهذه الأسئلة: «لا توجد مشكلة أكثر التصاقًا بجوهر الأدب وغموضه المتواضع من تلك التي تطرحها الترجمة.»
يقارن بورخيس، في مقالته «نسخ هوميروس»، التي نشرها عام 1932، بين ترجمات مختلفة لهوميروس، ويبحث من خلال هذه المقارنة عن كيف يمكن للقصيدة نفسها أن تتخذ صورًا متباينة حين تنتقل من مترجم إلى آخر. يظهر هوميروس في بعض الترجمات أكثر فخامة، وفي أخرى أكثر غنائية أو بساطة. حتى إن بورخيس حين يُسأل أيُّ هذه الترجمات أكثر وفاءً؟ يجيب: «كلها أو لا واحدة منها».

لا يهمني في موقف بورخيس تحديدُ أيِّ الترجمات هي الأقرب إلى الأصل، بقدر ما يهمني تأكيده أن القصيدة لا تحتفظ بصورة ثابتة عند انتقالها إلى لغة أخرى. فكل مترجم ينتقي ما يراه أكثر حضورًا فيها، ليُبرز جانبًا ويغفل جوانب أخرى. ويعود بورخيس إلى المسألة ذاتها من زاويةٍ أخرى في محاضرته «موسيقا الكلمات والترجمة»، ضمن محاضرات جُمعت في «صنعة الشعر»، حيث يتوقف عند القيمة التي تضفيها أصوات الكلمات وإيقاعاتها على المعنى، فتحمل الكلمة الشعرية، جنب معناها، جرسَها الموسيقيَّ وموقعها في السياق، وما تثيره في اللغة من إحساس وذكريات.
لذا، فإن ما يشغل المترجم هو البحث عن الكلمة التي تستطيع في اللغة الجديدة أن تؤدي شيئًا من العمل الذي كانت تؤديه الكلمة الأصلية. ولهذا السبب، قد تبدو ترجمة ما أقرب إلى روح القصيدة من أخرى أكثر حَرْفية، لنجاحها في استعادة الأثر الذي تركته الكلمات في لغتها الأم. بل قد يجد القارئ في الترجمة أحيانًا أثرًا شعريًّا يفوق ما وجده في الأصل، وهو ما دفع بورخيس إلى تفضيل ترجمة ستيفان جورج لـ«أزهار الشر» على قصائد بودلير نفسها.
لهذا لست مقتنعة بفكرة أن المترجم الجيد هو الذي يختفي تمامًا. ربما يكون المترجم الجيد هو الذي يعرف كيف يظهر بالقدر الذي يسمح للقصيدة أن تعيش، فيوازن في حضوره وغيابه بما يخدم القصيدة. فهو ليس ملزمًا بكتابة قصيدة جديدة، لكنه أيضًا لا ينقل جسدًا جامدًا من لغة إلى أخرى، وإبداعه يظهر في محاولته خلق الحركة التي جعلت القصيدة حيّة في لغتها الأولى.
ولعل هذا قريب مما يجعل الترجمة عند فالتر بنيامين أكثر من مجرد نقل للمحتوى. ففي «مهمة المترجم»، يصف الترجمة بأنّها مرحلة من حياة العمل واستمراره. ووظيفة المترجم كما يرى بنيامين: «أن يسمح للنص بأن يبقى ويدوم، ولا يستحق البقاء اسمه إن لم يكن تحوّلًا وتجددًا. يتحول النص الأصلي، أي أنه ينمو ويتكاثر.»
إذا كان الأمر كذلك، من نقرأ حين نقرأ قصيدة مترجمة؟
ربما لا نقرأ القصيدة وحدها؛ نقرأ القصيدة كما عاشتها الشاعرة، وكما قرأها المترجم، وكما استطعنا نحن أن نقرأها بعد أن عبرت إلى لغتنا. نقرأ نصًّا تشكَّل من ثلاث حركات: كتابة أولى، وقراءة وسيطة، ثم قراءة جديدة تحدث داخلنا.

كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭
مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨
موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!
هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗
التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.