«تيم، سنة حب كاملة»: ما يتركه الحب في اللغة

بعض الكتب لا تُقرأ كما تُقرأ الكتب عادة. لها طقسها الخاص، نُهيِّئ لها شيئًا من حياتنا لنلتقي بحياتها، ونختار لها موسيقا تناسب مزاج المساءات الحزينة. نلتقي بعضها كما نلتقي حبيبًا قديمًا وسط الزحام، نتبيَّن ما فعلت به الأيام، وبعضها يأتي على موعد طال انتظاره. وهذه الكتب تحديدًا تعيد إلينا نشوة القراءة وسط المتشابه من الصفحات، وما أكثرها!
لعلَّ «تيم، سنة حب كاملة» للشاعر السعودي عبداللطيف بن يوسف واحدًا من تلك الكتب. لا أعرف تمامًا في أي رفٍّ أضعه، ربما إلى جوار «طوق الحمامة» لابن حزم، و«شذرات من خطاب محب» لرولان بارت، و«معجم الأشواق» لبسام حجار. فما يجمع هذه الكتب، مع اختلاف أزمنتها، جرأتها على الاقتراب من الحب في أكثر مناطقه وعورة؛ حيث لا تكتمل الحكاية، ولا تستقر العاطفة على يقين، وحيث ينفتح الحب على تجربة معقدة، تتشابك فيها الرغبة والانتظار والغياب والالتباس. ربما لهذا تستحق هذه الكتب أن نصغي إلى اضطرابات الحب فيها، وأن نتأمل أثره في المحب أكثر مما نتتبع أثره في المحبوب.
التقيتُ «تيم» مصادفةً في زيارةٍ خاطفةٍ لمعرض جدة للكتاب العام الماضي. كان الشاعر يومها في جناح منشورات ضِفَّة، الدارِ الناشرةِ للكتاب. تبادلنا أطراف الحديث، واقتنيتُ ديوانه، وأكرمني بإهداءٍ لطيفٍ ذكَّرني بمُعرِّفي على «إكس»: «مي زيادة». أعترف بأنَّ الاسم كان سببًا إضافيًّا دفعني إلى قراءة الكتاب؛ فمنذ أكثر من عشرين عامًا أحمل اسم «مي» في مواقع التواصل، وترافقني صاحبته في قراءاتي وأنشطتي، حتى غدا الاسم جزءًا من ذاكرتي الشخصية، ومن علاقتي الخاصة بالحب والكتابة وكل ما يجاورهما.
ولعلَّ هذا ما جعلني أقرأ الديوان بفضول المترقِّب، ولا سيَّما أنَّ عبداللطيف تخيَّل فيه حوارًا موازيًا بين شخصيتين تشبهان مي زيادة وجبران خليل جبران، تلتقيان في الحكاية نفسها. غير أنَّ الحكايات، مهما تشابهت بداياتها، لا تنتهي بالضرورة إلى المصير ذاته. لا يستقرُّ الكتاب في جنس أدبيٍّ واحد، فليس ديوانًا شعريًّا بالمعنى المألوف، ولا روايةً، ولا مجموعة رسائل، هو نسيج تتجاور فيه القصائد والنثر والرسائل والمقاطع السردية والتأملات في الحب وأحواله. قد يبدو هذا التعدد محاولةً للإفلات من التصنيف، لكنه في العمق أقرب إلى طبيعة التجربة نفسها؛ فالحب، مثلما تتعدد وجوهه، تتعدد لغاته وأشكاله.

يستدعي عبداللطيف ابن حزم منذ البداية، ويجعل من «طوق الحمامة» قاعدة ينطلق منها في بناء كتابه. ففيه وضع ابن حزم خريطة دقيقة للحب، تتتبع بداياته وعلاماته وأحواله، المحمودة والمذمومة، من الغيرة والوشاية والتعريض والرسائل إلى الوصال والفراق، وما يتركه كل هذا في نفس المحب. كان الحب عنده تجربة حية لا تبقى على حال وتتجدد أطوارها، وكان المحب فيها موضوعًا جديرًا بالرصد والتأمل.
يأتي رولان بارت، بعد قرون، معترفًا بفضل تراث ابن حزم، لينتقل من رصد أحوال الحب إلى تحليل خطاب المحب ذاته، ومن تتبُّع العلامات الخارجية للتجربة إلى الإصغاء إلى ما يعتمل في داخل صاحبها. فهو لا يهتم كثيرًا، في كتابه «شذرات من خطاب محب»، بما حدث بين العاشقين، إذ إن ذلك واضح ومألوف بحكم شيوعه واشتراك الناس فيه، بقدر اهتمامه بتشريح ما يحدث للعاشق وهو يعيش تلك الأحداث. فالانتظار، والغيرة، والغياب، والتعلُّق بأصغر الإشارات، وتأويل الصمت، ومشاعر الخوف والرغبة، كلها تفاصيل ذاتية قد لا تظهر للعيان، لكنها عند المحب تختزل القصة بأكملها.
لذلك يفكِّك بارت خطاب المحب إلى شذرات تنسجم مع طبيعة التجربة العاطفية نفسها، فالمحب لا يستقر في حالة واحدة، وإنما ينتقل بين حالات متداخلة، تستدعي كل منها حركةً أو انفعالًا أو طريقةً خاصة في الكلام. ويسمي بارت هذه الحالات «أشكالًا» (figures)، مُعيدًا إلى الكلمة معناها الحركي/الكوريقرافي؛ فالشكل هو حركة يؤديها المحب وهو واقع تحت تأثيرها، كأننا نراه ينتظر، ويتردد، ويراقب، ويتخيل، ويؤوِّل، ويحاول أن يمنح ما يحدث له معنًى.
ولهذا يقول: «الشكل هو العاشق في حالة اشتغال»؛ أي إن الشكل هو المحب وهو يعمل على شعوره، وعلى غياب الآخر، وعلى صورته في ذهنه، وعلى اللغة التي يحاول بها أن يفهم ما يعجز عن امتلاكه في الواقع. الحب عند بارت، بهذا المعنى، هو سلسلة من الحركات الداخلية التي تتحول، لحظة الكتابة، إلى لغة.
يواصل عبداللطيف في «تيم» وصف هذا الاشتغال، بأسلوب ورؤية مختلفتين. فالمحب في الكتاب يتحرك بين أشكال متعددة من الكتابة غير مكتفٍ بـ«الشكل» الواحد، كأن كل حالة عاطفية تستدعي لغتها الخاصة. تأتي القصيدة حين يفيض الشعور، والرسالة حين يصبح الغائب طرفًا في الكلام، والسرد حين تحتاج الذاكرة إلى ترتيب ما جرى، والتأمل حين يظل الشعور عصيًّا على التسمية. ومن خلال كل هذا يحاول الشاعر أن يعيد الاعتبار إلى خطاب العاشق، وأن يمنح ما يبدو هامشيًّا في التجربة العاطفية حقَّه في الكلام، ومن ثَمَّ تُحوِّل هذه الأشكال المختلفة الحركة من اللغة إلى معمار الكتاب وبنيته.
تتضح هندسة عبداللطيف في «تيم» حين نتأمل الزمن الذي اختاره للحب؛ اثني عشر شهرًا واثنتي عشرة رسالة، سنةً كاملة يتبدل فيها الحب تحت ضغط الوقت. فالنبرة التي تحملها الرسالة التي تُكتب في مطلع السنة ليست ذاتها النبرة التي تحملها الرسالة التي تصل في نهايتها، إذ تتسع المسافة، ويتبدل الحنين، ويُغيِّر الانتظار التفاصيل الصغيرة من شهرٍ إلى آخر.
الحب في هذا الكتاب طاقةٌ تتدفق في الأشياء الصغيرة فتُضفي عليها ثِقلًا استثنائيًّا. ومع الانتظار، يتبدَّل إيقاع الوقت؛ فالدقيقة تمتدُّ كأنها قرن، واللحظة العابرة تختزن في طيَّاتها زمنًا كاملًا تستعيده الذاكرة. هكذا يغدو الشعور مقياسًا آخر للزمن، ويصبح ما يمرُّ سريعًا في حياة الآخرين طويلًا في قلب المحب. ثم تأتي اللغة لتحتفظ بما عجزت اللحظة عن إبقائه، فتكتسي الكلمات اليومية بفائضٍ من المعنى، وتُمنح الذاكرة فرصةً لاستحضار الماضي برؤيةٍ جديدة.
ولذلك لا تبدو «هي» و«هو» في «تيم» شخصيتين منغلقتين على حكايتهما بقدر ما يتحولان إلى صوتين أوسع منها. «هو» ينصرف إلى كل الرجال الذين أحبوا وانتظروا وكتبوا وحاولوا فهم ما يفعله بهم الغياب، و«هي» تتحدث بلسان كل النساء اللواتي وجدن أنفسهن في الجهة الأخرى من الحكاية ويُعدن ترتيب علاقتهن بما يُقال وما لا يُقال.
ولعلَّ أجمل ما يلتقي فيه هذا كله مع مي زيادة تلك العبارة التي اقتبسها عبداللطيف عنها: «الكلمة التي لا تموت تختبئ في قلوبنا، وكلما حاولنا لفظها تبدلت أصواتنا، كأن الهواء لم يستعدَّ لتلقي نبراتنا.» تضع مي يدها على جرح التجربة؛ فالكلمات التي نعجز عن قولها لا تفنى، فتتيه باحثةً عن مستقر آخر لها. تتسلل إلى القلب، ثم تعود في رسالة أو قصيدة أو ذكرى، وقد لا تعود بالصوت الذي خرجت به أول مرة. ولعلَّ عبداللطيف، حين أسكن بعض كلماته الهوامش، كان يمنحها ذلك المأوى؛ «مأوى الخائفين من قول الحقيقة دفعة واحدة.»

أفهم الآن شيئًا من «تيم» لم أفهمه في القراءة الأولى، ولعلَّ الطبعة الجديدة بما تحمله من جديد ساعدتني على ذلك. الكتاب لا يحاول أن يحفظ سنة من الحب كما تُحفظ الوقائع في دفتر يوميات، إنه لا ينقل الزمن كما وقع، وإنما يعيد صنعه في اللغة. فالزمن يمضي، والأشياء تتغير، والذاكرة نفسها تعيد ترتيب ما عاشته، وتبقى الكتابة في مكان ما بين التجربة وغيابها. السنة التي يكتبها عبداللطيف لم تنتهِ حين انتهت شهورها، فقد ظلت معلقة في اللغة. كل ما مرَّ فيها صار قابلًا لأن يُستعاد، وكل ما تعذر قوله وجد لنفسه، ولو متأخرًا، مكانًا بين الصفحات.
أغلقت «تيم» وأنا أفكر في ذلك الإهداء الأول، وفي مي زيادة التي قادتني إليها مصادفة صغيرة، وفي جبران، وفي الرسائل التي ظلت تحمل بين سطورها ما عجز اللقاء عن قوله، وفي أولئك الذين تركوا للكتابة مهمة حمل ما أثقل عليهم قوله في الحياة.
ربما نكتب لأننا نعرف أن الأشياء ستنتهي. نكتب كي نذكر أنفسنا بمن نكون، أو بالأحرى بمن كنا، قبل أن يعيد الزمن ترتيب الأشياء فينا.
ثم نضع القلم.
لكنَّ شيئًا منا يظل عالقًا في المسافة بين ما عشناه وما استطعنا قوله، بين من أحببناه والصورة التي رسمتها له الكلمات، وبين شعور اللحظة الأولى وما آل إليه حين تأملناه بعد حين. الكلمات، حين تقال، لم تعد ملكنا، وربما خانت ما قصدناه. ولعل في نهاية عاشقَيْ عبداللطيف عبرةً أخرى: أن الكتابة قد تكون محاولة للإنقاذ، لكنها قد تكون أيضًا فعلًا من أفعال الخسارة.
ولعلني أستعير، بتصرف، جملة عبداللطيف التي ظلت ترافقني بعد إغلاق الكتاب:
«كلما كتبتُني، نقصتُ مني»
الكتابة لا تستطيع إنقاذنا من النهايات، ولكنها تستطيع منح ما انتهى فرصة أخرى ليعيش، ناقصًا، في اللغة.

كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭
مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨
موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!
هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗
التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.