كيف نظر المؤرخون إلى إعادة توحيد السعودية؟ 🇸🇦

هناك ظاهرة لا تخطئها العين في الكتب التي تؤرِّخ لإعادة توحيد السعودية على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، وهي اعتماد كثير منها على الاستعارة في العنونة ووصف مسيرة التوحيد، وهذه ظاهرة لافتة باعتبار أنَّ الأصل في الكتابة التاريخية عمومًا استعمال اللغة المباشرة والحرفية. لكن في حالة السعودية والملك عبدالعزيز، ربما بدا لمؤلفي تلك الكتب أنَّ المجاز هو السبيل الوحيد لوصف حدث وشخصية يخرقان مجرى العادة والأمر المطرد، تمامًا كما ينتهك المجازُ مجرى الكلام المألوف.
والاستعارة في أبسط تعريفاتها: مجاز يقوم على المشابهة، كما نقول مثلًا «أسد»، ونعني الرجل الشجاع. ولأنَّ التشابه هو العتبة الأولى نحو الاستعارة، فإننا سنقرأ في هذه المقالة استعارات التوحيد من منظور أوسع، يتجاوز رصد التشابهات الشكلية إلى استكشاف الجوانب التصورية المتعلقة بنظرة هؤلاء المؤرخين إلى توحيد السعودية، والدلالات العميقة التي أسندوها إلى هذا الحدث.
من أبرز هذه الاستعارات «المعجزة»، وقد استعملها المؤرخ والصحفي السوري أحمد عسَّة (1915 - 2005) في كتابه «معجزة فوق الرمال»، وهو من الكتب التأسيسية في التأريخ لإعادة توحيد السعودية، وما تلا ذلك من تحولات سياسية واقتصادية. والاستعارة تصف هذه التحولات، وتصف أيضًا الملك عبدالعزيز، الذي يسميه عسَّة «الرجل المعجزة».
وفي الاستعارة معنى الأمر الخارق للمألوف؛ لأنَّ النقلة الحضارية الهائلة التي شهدتها السعودية تتطلَّب في العادة، كما يقول المؤلف، «عملًا جبارًا تتعاقب عليه الأجيال وتتعاون على صنعه.» فكان إنجاز الملك عبدالعزيز لها في جيل واحد بمثابة الأمر المخالف لنواميس الدول وسنن تطورها. وبهذا الاعتبار استحقت تلك النقلة وصف «المعجزة»، مع ما يحفُّ بهذا الوصف من إيحاءات دينية تتعلق بالاصطفاء والمنح الربانية.

ونجد في كتاب المؤرخ والمستشرق البريطاني جرالد دي قوري (1897 - 1984) «الجزيرة العربية الناهضة: تقرير عن زيارة لابن سعود زعيم السعوديين (الملك العربي القوي)» استعارة أخرى هي «النهوض». ومبناها على القوة والارتفاع، لأنَّ النهوض في معناه المباشر حركة إرادية من أدنى إلى أعلى، فكأنَّ الجزيرة العربية انتقلت مع الملك عبدالعزيز من «تحت» إلى «فوق». وهذه استعارة اتجاهية شائعة في كثير من الثقافات الإنسانية تربط بصورة تلقائية بين العلو في المكان والعلو في المكانة، ويختصرها بعض الباحثين بعبارة «الأكثر فوق».
والاستعارة هنا من صنيع الترجمة، فهي من اختيار مترجم الكتاب الدكتور عبدالعزيز بن صالح الهلابي أو ناشره دارة الملك عبدالعزيز. أمَّا العنوان الأصلي فهو «Arabia Phoenix»، أي «عنقاء الجزيرة العربية».
ولعلَّ الترجمة العربية عبَّرت عن «Phoenix/العنقاء»، وهو طائر أسطوري، بـ«الناهضة» لأنَّ اللفظة الأخيرة تختزن في دلالاتها الأصلية معنى الطيران. جاء في «لسان العرب»: «نهض الطائر: بسط جناحيه ليطير. والنَّاهض: فرْخ العُقَاب الذي وَفُرَ جناحاه ونهض للطيران». ومن المعلوم أنَّ «العنقاء» يُعبَّر عنها أحيانًا في الميثولوجيا العربية بـ«العُقَاب»، كما أشار إلى ذلك الجاحظ في كتاب «الحيوان». فهناك إذن تداخلٌ خفي بين «العنقاء» و«الناهضة».
والمهم أنَّ العنوان الأصلي يقوم أيضًا على الاستعارة، بل إنَّ الاستعارة فيه أوضح وأثرى، نظرًا لأبعادها الأسطورية وارتباطها بتراث الجزيرة العربية ومخيالها الشعبي. فقد كان بعض الأمم القديمة، ومنهم العرب، يعتقدون أنَّ العنقاء تنهض من الموت وترجع إلى الحياة بعد أنْ تستحيلَ رُفَاتًا. وهذا يعني أنَّ استعارة العنقاء للجزيرة العربية في عهد الملك عبدالعزيز هي من قبيل استعارات الانبعاث والتجدُّد، لأنَّ الجزيرة العربية كانت موطنًا لحضارات وممالك عظيمة كالثموديين واللحيانيين ومملكة كندة وغيرها، وهي أيضًا مهد الإسلام ورسالته الخالدة. ثم اعترتها مراحل ضعف وتراجع خلال الفترة الوسيطة، فكان في تأسيس السعودية على يد الإمام محمد بن سعود عام 1727، ثم إعادة توحيدها بعد ذلك على يد الملك عبدالعزيز عام 1932، انبعاثٌ لهذه الحضارات كلِّها كما تنبعث العنقاء من الرماد بعد أنْ ظُنَّ بها الفناء.
ويتبين من هذا أنَّ عسَّة ودي قوري يتفقان في التشخيص المجازي لإعادة توحيد السعودية ونهضتها باعتباره أمرًا خارقًا. لكنَّ الأول يصور هذا المعنى باستعارةٍ ذات بعد ديني «المعجزة»، والثاني يصوره باستعارة ذات بعد أسطوري «العنقاء». والمصدر واحد، وهو التراث الثقافي للجزيرة العربية بشقيه الديني والميثولوجي.

وتمتدُّ استعارات الطير في كتاب «صقر الجزيرة»، للمؤرخ واللغوي والأديب السعودي أحمد عبدالغفور عطار (1916 - 1991). فاستعارة «الصقر» هنا تتكئ على لقب معروف للملك عبدالعزيز، ولها امتداداتها في الذاكرة العربية، بحكم اقترانها تاريخيًّا بملوك كانوا مثل عبدالعزيز في إنشاء الدول وتثبيت أركانها، ومن أبرزهم «صقر قريش» عبدالرحمن الداخل مؤسس دولة الأمويين في الأندلس. وقد أشار إلى هذا البعد التاريخي الدكتور عثمان بن عبدالعزيز العسكر في مقدمته على الكتاب.
كما أنَّ للاستعارة امتداداتِها الأنثروبولوجية في حياة القنص عند العرب الأوائل -وربما الأواخر أيضًا- وما للصقر من مكانة محورية فيها؛ إذ به يقتدرون على ما عزَّ من الصيد واستصعب. وبهذا المعنى، يكون الملك عبدالعزيز «الصقر» الذي أدركت به الجزيرةُ العربيةُ غاياتِها وطموحاتِها التي تمنَّعَتْ عليها قبلَه تمنُّعَ الصيد على الصيَّاد.
والاستعارة وإنْ كانت صريحة في الإحالة إلى الصفات الحسية المتعلقة بالقوة، إلا أنها تدل أيضًا على الصفات المعنوية المتعلقة بالتبصر والحزم وحسن التدبير؛ ذلك أنَّ الصقر ينظر من الأعلى فتنبسط أمامه الرؤية، فإذا صمَّمَ لم تفته غايتُه، وعرف من الطريدة مداخلَها ومخارجَها فلم تُعْجِزْه. وهكذا كان الملك عبدالعزيز، يستشرف ببصيرته المستقبلَ ويُجلِّي الأمورَ ويكشف خفاءَها، حتى إذا عزم، أمضى عزيمتَه، فكان التوفيقُ حليفَه، أو أقْدَمَ، أنْجَحَ إقْدَامَه، فكان النصرُ أليفَه. وهذا المعنى الاستعاري هو الذي عبَّر عنه المؤرخ والشاعر خير الدين الزركلي بصورة مباشرة عندما قال في رثائه للملك عبدالعزيز:
يَقِظٌ كأنَّ لقلبه ولعينه
رصَدَيْن لا يُعْييهما مرْصُودُ
...
عَقْلٌ كأنَّ الغيبَ مُنْبَسِطٌ له
سفرًا ورأيٌ في الصِّعابِ سَدِيدُ
تتعاقبُ الأحداثُ دُهْمًا حولَه
ويُجِيلُ فيها طرْفَه فتحِيدُ
ونجد في كتاب المؤرخ السعودي خالد بن عبدالله العبودي «مولد أمة: كيف كنا وكيف أصبحنا (قصة السعودية من الولادة والتكوين إلى الريادة والتمكين)» استعارةً أخرى هي «الميلاد»، وهي أيضًا من المجازات الشائعة في كثير من الثقافات للدلالة على التحول والتغير والبدايات الجديدة. وإضافتها في العنوان إلى «الأمة» بمعنى الدولة الوطنية الحديثة لبيان أنَّ هذه الدولة ظهرت مكتملة، وللإشارة أيضًا إلى أنَّ هذا الظهور لم يكن ضربة لازب، وإنما سُبِقَ بـ«مخاض» طويل من التضحيات والأعمال الجليلة، كما يذكر المؤلف في مقدمة الكتاب.

وجميع الاستعارات السابقة هي استعارات جزئية تتعلق بكلمة واحدة، أمَّا في كتاب الأديب والكاتب السعودي عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري (1912 - 2007) «لسُرَاة الليل هتف الصباح: الملك عبدالعزيز (دراسة وثائقية)»، فإننا أمام استعارة تمثيلية مركبة، عُبِّرَ فيها بصورة كاملة، هي صورة الرَّكب المرتحل ليلًا، عن نضال الملك عبدالعزيز ورفاقه وهم يعيدون توحيد السعودية. ولهذه الاستعارة أيضًا أصولها الأنثروبولوجية في حياة العرب القدماء وعاداتهم في السفر، ففي ليل القوافل والصحراء، وعندما تُغرِي السكينةُ بالرُّقاد، ويطوي الظلامُ علاماتِ الطريق فيحجزُ عن السير مخافة التيه، يهبُّ أولو العزم والحزم إلى مواصلة المسير، وقد جعلوا الوصول إلى غاياتهم نصب أعينهم لا يصرفهم عنه صارف، وهذا ممَّا كانت العرب تفخر به وتتمدَّح، قال لبيد بن ربيعة:
وعانٍ فككتُ الكَبْلَ عنه، وَسُدْفَةٍ
سَرَيْتُ، وأصحابٍ هَدَيْتُ بِكَوْكَب
سَرَيْتُ بهم حتى تغيَّبَ نجمُهم
وقال النَّعُوسُ: نَوَّرَ الصُّبْحُ فَاذْهَبِ
وهكذا، فقد كان الملك عبدالعزيز وجنده السُّراةَ، وكان الوطنُ هو الصباحَ الذي لاحت لهم تباشيره بعد أن اجتازوا نحوه الصعاب وذلَّلُوها، كما يجتازُ الساري الفلواتِ ويقطعها، حتى إذا طلع عليه الصبحُ وجد نفسه قد بلغ المقصد أو قارَبَ فحَمِد مسْرَاه.
والعنوان ينبني على لحظة فعلية في التاريخ؛ لأنَّ الملك عبدالعزيز، كما هو معروف، دخل الرياض ليلًا في بدء مسيرة الاسترداد، أي أنه «سرى» إليها، لكنَّ الاستعارة تُوسِّع هذه اللحظة المفصلية في تاريخ الجزيرة العربية لتجعلَ الاستردادَ كلَّه سُرَى. ثم تعمق الدلالات الرمزية للوطن حين تجعله صباحًا، وتجعل الطريق الموصل إليه ليلًا، فيصبح الوصولُ إلى الوطن (السعودية) كأنَّه خروجٌ من الظلام إلى النور. وهي دلالاتٌ مقصودةٌ بالنظر إلى المقارنات التي يقيمها المؤلف في ثنايا الكتاب بين أوضاع الجزيرة العربية قبل التوحيد وبعده.
تلك هي الاستعارات الواصفة للبدايات، أمَّا الآن والسعودية ترفل في عهد الملك سلمان ورؤية ولي العهد محمد بن سلمان، وتخطو بثبات نحو قرنها الثاني منذ التوحيد، فإنَّ حقائقها على الأرض أكبر من المجاز وواقعها يسبق التخييل. لكن هذا لا يعني انتفاء الحاجة إلى الاستعارة؛ لأنَّ الاستعارة تتجاوز مسألة التعبير عن الحقيقة إلى تشكيل الوجود الإنساني نفسه، فبها نحيا، كما يقول جورج لايكوف ومارك جونسون في كتابهما الشهير.
ومن أبرز الاستعارات الحديثة عن السعودية والسعوديين «جبل طويق»، ولها وقعٌ خاص وفضلٌ على سابقاتها، لأنَّها لم تأتِ من مؤرخ أو باحث وإنما جاءت من التاريخ نفسه أو من صانع التاريخ، وأعني ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، الذي ضربها مثلًا لهمة الشعب السعودي ومُضِيه نحو تحقيق رؤيته غير عابئ بما يعترض طريقه، وكأنَّ التحديات والمصاعب تنجاب عن عزمه وتنزاح، كما تنجاب عوادي الأيام عن هذا الطود الراسخ في قلب الجزيرة العربية.

كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭
مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨
موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!
هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗
التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.