رواية «مدام بوفاري، أمي وأنا» وقراءتنا الناقصة لتاريخ أمهاتنا
.jpg)
رواية «مدام بوفاري، أمي وأنا» وقراءتنا الناقصة لتاريخ أمهاتنا
إيمان العزوزي
حين سأل الطبيب «سلوى»، بطلة رواية «مدام بوفاري، أمي وأنا» للكاتبة الفرنسية من أصول مغربية سميرة العياشي: «هل لديك سوابق مرضية في العائلة؟»، اكتشفت أنها لا تملك إجابة. فهي لا تعرف شيئًا تقريبًا عن التاريخ الطبي لنساء عائلتها، ولا عن الأمراض التي عانين منها، ولا عمَّا تركته تلك التجارب في أجسادهن. غير أن السؤال، بدلًا من أن يكشف عن جهلٍ طبيٍّ فحسب، يفتح أمامها فجوة آلمتها: ماذا تعرف في الحقيقة عن النساء اللواتي سبقنها؟
صدرت الرواية عن دار «لوب» (L’Aube) في يناير 2026، وهي العمل الروائي الخامس لسميرة العياشي، وتأتي امتدادًا لاشتغالها السابق على تاريخ الهجرة العمالية في رواية «بطن الرجال» 2023، التي استحضرت حياة العمال المغاربة في مناجم فرنسا. منذ بدايتها، تبدو الرواية كأنها انتقال من تاريخ الأب المهاجر إلى تاريخ الأم التي لحقت به، فهي تتحوَّل من السرد الاجتماعي للعامل الذي كان محور الروايات الكبرى عن الهجرة والعمل، إلى حياة المرأة التي بقي وجودها منحصرًا في الغالب داخل البيت وخارج تلك السردية. يمثل هذا التحول أهم مفاصل العمل، إذ يعيد كتابة تاريخ الهجرة من زاوية نسائية، ويسأل عن الثمن النفسي الذي دفعته نساء ما يُعرف بـ«التجمع العائلي» اللواتي وصلن إلى فرنسا في أواخر السبعينيات والثمانينيات.
ما أضفى قيمة فنية على هذا العمل هو نجاح العياشي في تحويل الموضوع إلى إشكالية في بنية الرواية ذاتها، فالذاكرة تتجنب الحكي الخطي، لتُروى عبر شظايا واسترجاعات وذكريات وأصوات ثقافية وشعبية، ومقاطع من رواية «مدام بوفاري» لفلوبير -المقررة في المناهج الفرنسية- ليصبح الشكل المجزأ محاكيًا لآلية عمل الذاكرة نفسها في محاولتها استعادة ما لم يُروَ أصلًا. وكأن الرواية تسعى إلى اقتفاء تاريخٍ لم يكتمل في وعي «سلوى»، فتضطر إلى جمعه من بقايا متناثرة. وهو ما جعل من الرواية عملًا هجينًا ومجزّأً، تتجاور فيه المشاهد ذات النفس السينمائي مع جملٍ قصيرة ومكثفة. وقد ارتأت الكاتبة أن هذا البناء هو ما يمنح النص كثافته الشعرية.
لا يضمن تشظي السرد بالضرورة نجاح العمل الأدبي، إذ تكمن قيمته في قدرته على إنتاج دلالات يعجز عنها السرد الخطي. وفي حالة العياشي، ينجح هذا البناء حين تتحول الفجوات إلى جزءٍ من الموضوع ذاته، كالأم التي لا تتكلم، والابنة التي تجهل ما تخفيه أمها، واللغة الأمازيغية التي لا تنتقل كاملةً إلى الجيل التالي، فيضاف إلى هذا التشظي الصمتُ كتقنية سردية أخرى.

أكثر ما شدّني لقراءة هذه الرواية عنوانها اللافت، الذي يستحضر شخصيةً أدبية أصبحت نموذجًا يستخدمه كثير من الكتّاب، ولا سيما النساء منهم. يشي العنوان في البداية بإجراء مقارنة مباشرة بين ثلاث نساء: «إيما»، والأم، والابنة، لكن الرواية تتجاوز هذه الرؤية الأولية لتطرح إشكالية أخرى، فبالنسبة إلى «سلوى»، كانت «إيما» بدايةً أولى الشخصيات التي مكنتها من تخيّل حياةٍ بديلة، لتصبح «مدام بوفاري» مرآةً لفتاةٍ ترى في أمها نموذجًا عالقًا بين قيود الزواج والبيت والمطبخ والهجرة والصمت. وهكذا، ترتبط الشخصيات الثلاث بخيطٍ رفيع، تتحول معه العلاقات العاطفية إلى شكلٍ من أشكال سلب إرادة المرأة.
ولكن كلما تقدمت «سلوى» في حياتها، أدركت أن نظرتها إلى أمها كامرأة خاضعة كانت قراءة ناقصة، فلم تكُن الأم خالية من الرغبات كما توهمت ابنتها، بل كانت تلك الرغبات تفتقر إلى لغةٍ تعبّر عنها في عالم ابنتها. تمتلك الابنة ناصية اللغة الفرنسية، والتعليم، والقدرة على التنقل، فضلًا عن امتلاكها السيارة والبطاقة البنكية وحرية اتخاذ قرار الطلاق وفرصة إعادة تشكيل حياتها، بينما تملك الأم أشياء أخرى لا تحظى بالاعتراف ذاته، كإدارة اقتصاد المنزل وتدبير الموارد، وحفظ الطقوس والذاكرة، واللغة الأمازيغية، والمعرفة الفطرية، واستراتيجيات البقاء. كل هذا شكّل إرثًا غير مادي للابنة؛ ففي جوهر الأمر، قد تصبح حياة المرأة التي لم تَكتبْ قط نصًّا بحد ذاته، ينتظر فقط قلمًا يحرره من قفصه.
من أذكى خيارات العياشي استهلال الحكاية بسؤال طبي بسيط عن التاريخ المرضي للعائلة، ليجعل من الجسد أرشيفًا لما عجزت الذاكرة عن روايته. لا تعرف «سلوى» شيئًا عن أمراض نساء عائلتها أو ما مررن به، لكنها تكتشف أن ما لم يُحكَ لا يعني بالضرورة أنه لم ينتقل، فثمة أشياء تُورَّث خارج الجينات، كالخوف والصمت وعلاقتنا بالألم، وما نتعلمه مبكرًا عن أجسادنا ورغباتنا وحدودنا.
تُذكّرني هذه الفكرة بفلم «حليب الحزن»، للمخرجة البيروفية كلوديا يوسا، الذي تدور أحداثه حول «فاوستا»، وهي شابة تعتقد أن خوف أمها وصدمة العنف الذي عايشته خلال سنوات الصراع في بيرو قد انتقلا إليها عبر الرضاعة، فصارت تحمل بجسدها ذاكرة لم تختبرها بنفسها. يتحول الجسد إلى وسيط لما عجزت الأم عن قوله، وتغدو الابنة في سعي دائم لفهم هذا الإرث الخفي، علّها تنجح في التمييز بين ما ورثته وما يخصّ حياتها الخاصة.
وهذا الإرث يحول الصمت داخل أسرة «سلوى» إلى طريقة لإنتاج الجهل بسبب فقدان التواصل؛ الأم لا تتحدث، والابنة لا تعرف كيف تصغي إليها عبر طرق أخرى تعتمدها الأم، فتظل التجربة عالقة في سوء فهم. غير أن الرواية تضعف قليلًا حين تشرح ما كان يمكن أن تتركه للتجربة نفسها، فكلما اتسعت لتفسير الصحة النفسية والهجرة والاغتراب، اقتربت أحيانًا من المقال الاجتماعي. وربما كانت ستصبح أشد تأثيرًا لو وَثَقت أكثر بقدرة التفاصيل على قول ما لا تستطيع التفسيرات قوله، فالرواية تكون في أفضل حالاتها حين تجعلنا نشعر بالألم قبل أن تشرح لنا من أين جاء.
حصدت الرواية اهتماما لافتًا في المشهد الأدبي الفرنسي بمجرد صدورها، وفازت بجائزة مجلة ماري كلير لعام 2026، وهي جائزة تمنحها لجنة تحكيم تضم كتّابًا ومكتبيين وأعضاء من هيئة تحرير المجلة، وتُنافس ضمن القائمة الرسمية للدورة الرابعة عشرة من جائزة الأدب العربي التي ينظمها معهد العالم العربي ومؤسسة جان لوك لاقاردير.
كلما قرأت رواية فرانكفونية نسائية، راودني سؤال لم أجد له إجابة بعد: هل تفترض هذه الكِتابات أن المرأة العربية، والمغربية بخاصة، تريد أن تتحول إلى قصة؟ وحتى لو سلمنا بهذه الرغبة، يظهر سؤال آخر: حين نكتب عن امرأة لا تعرف الفرنسية، هل نكتب معها وعنها؟ أم نتحدث باسمها إلى قارئ فرنسي يبدو مستعدًّا لرؤية العالم العربي من خلال هوسه الاستشراقي؟
تُظهر رواية «مدام بوفاري، أمي وأنا» هذه المفارقة؛ فلكي تستعيد الأم حضورها، تبدأ الرواية بصورتها كامرأة صامتة ومقموعة ومحصورة في البيت، لتتولى الابنة لاحقًا مهمة الكشف عما كان يختبئ خلف هذا الصمت. ومع أن السرد يعيد إلى الأم تعقيدها ورغباتها وأشكال مقاومتها، تظل الحكاية في جوهرها سردًا للابنة. قد نكون منحنا الأم صوتًا، لكننا لم نستشِرها في اللغة التي تود التحدث بها، فربما كانت ترغب في لغةٍ تصل إلى قريناتها في وطنها الأم وليس إلى المجتمع الفرنسي.

كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭
مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨
موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!
هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗
التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.