هدى حمد: أنا وهلال وزواج مكتبتينا

هدى حمد: أنا وهلال وزواج مكتبتينا
هدى حمد
تزوّجتُ هلال في فبراير 2006. جاء بكتبه، وجئت بكتبي، كأننا كنّا نعرف منذ البداية أن بيتنا لن يكتمل من دون مكتبة. ولأن الشقة التي جمعتنا كانت ضيقة، سرعان ما مدّت كتبنا أذرعها من حيزها الضئيل على الرفوف، وانتشرت في غرف المعيشة والنوم، حتى صار البيت أشبه بمكتبة صغيرة تتخلّلها حياة يومية.
ذات مرة، حاول أحد أصدقاء هلال أن يثنيني مازحًا عن الزواج، فحكى لي عن غرفته أيام العزوبية وقال: «ستتعثّرين عشر مرات قبل أن تبلُغي مُرادكِ». لم أجد أمام هذا الوصف إلا أن أضحك.
زُوِّد سريرنا، الذي تلقيناه هدية، بخزائن في قاعدته، ما ساعدنا على تخزين مزيد من الكتب، ولا سيّما تلك التي كانت تنال نصيبها من شغف القراءة قبل النوم. وحين انتقلنا من شقتنا في العذيبة إلى أخرى في الموالح، ثم إلى بيتنا في العامرات، حرصت -لأجل توزيع ثقل الأمتعة- على وضع الكتب في أعالي الصناديق التي حشرتُ فيها أيضًا أغراض المطبخ والثياب والأغطية. وبينما كنت أراقب عمّال النقل من شرفة البيت، لمحْتُهم يتلصّصون على الصناديق، لكنهم ما إن رأوا الكتب حتى تركوها ومضوا إلى أعمالهم، فتخيلت يومها -على نحوٍ طريف- أنّ الكتب قد حمتنا من احتمال السرقة.
فرّغنا، في بيتنا الجديد ذي الطابقين، غرفةً كاملة لكتبنا، كان لكلٍّ منا قواعد مغايرة في الترتيب، يزعج بها الآخر. هلال ينجذب إلى نظامٍ صارم على الأرفف، وإن بدا المكان في ظاهره مهلهلًا وفوضويًّا، أما أنا، فكنت أحب أن يبدو محيط المكتبة مرتبًا أكثر من الكتب على الأرفف، طمعًا في منح القراءة رفاهيتها.
تيقّنتُ منذ البدء أنّ زوجي يكابد معضلة التخلص من الكتب، ويجد صعوبة في التبرع بها، بينما كنت أكثر جرأةً منه على التخلي! وليت الأمر اقتصر على الكتب. لقد احتفظ هلال بكل شيء، بالمعنى الحرفي للكلمة: رسائل المراهقة، وآلات التصوير التي اقتناها منذ أيام المدرسة، وبعضها لا يعمل، ومع ذلك يصرّ على الاحتفاظ بها، ممّا يثير حنقي. وحتى أشرطة الأغاني القديمة، الميّتة المعدمة الحياة، ظلّت في مكانها، وقد تدلّت أحشاؤها إلى الخارج. ولعلي لا أخفيكم سرًّا، فقد تعمّدتُ إخفاءها في الخزائن المعتمة، حتى لا أضطر إلى رؤيتها!
ضِقنا بغرفة المكتبة بعدما حشرنا فيها منضدة الحاسوب وكرسيًّا ذا عجلات، فصار الاكتظاظ مزعجًا. اختلفنا مرارًا حول صناديق الكتب الممتلئة وضرورة تفريغها، وما يستلزمه ذلك من التبرع ببعضها لإفساح المجال لغيرها، لكن الأمور كانت تنتهي دائمًا بالصمت والتراجع، فلا نُكمل ما نبدأه أبدًا.
قلّما أتيح لنا الجلوس معًا في المكتبة بفعل هذا الاكتظاظ، ففكّرت أن أتخلص من دورة المياه الملحقة بها، وأن أكسر نافذتها لتغدو مساحتها أوسع. أردتُ زجاجًا بارتفاع ثلاثة أمتار وعرض ثلاثة، أُطلّ من خلاله على أزهار حديقتي المشرئبة، وأنا أحتسي قهوتي على كرسيٍّ هزّاز. لكن هلال لم يكن ينظر مثلي إلى المكتبة على نحو شاعري، فلم يرضَ بكسر دورة المياه، ولا النافذة، ولا بالتبرع بالكتب الزائدة!

تزايدت الكراتين كلما عدنا من سفر أو من معرض للكتاب. ومع الوقت، بدا لي أن تشارك البيت والمطبخ وغرفة الجلوس يختلف تمامًا عن تشارك المكتبة، فالكتب التي تُهدى لنا سرعان ما تصبح ملكية مشتركة، حتى إن بعض هدايانا لبعضنا كانت كتبًا. وفي حفلات التوقيع، كنّا غالبًا ما نحصل على توقيع مشترك، فأقول له مازحةً: «لا فكاك لنا من بعضنا... لدينا كتبٌ بتواقيع مشتركة». عادةً ما يرتبط الأزواج ببعضهم بفضل الأبناء، أما نحن، فقد ورطتنا المكتبة في رابطة أكثر تجذرًا.
يوم داهمت الرِّمة مكتبتنا، اختلفنا حول السبب. كان الأمر جليًّا بالنسبة إليّ؛ فالملاحق الثقافية الورقية المصفرّة التي ظلّ هلال يحتفظ بها بدت لي السبب الأقرب، ومنها «الملحق الثقافي العُماني» الذي صدر في ثمانينيات القرن الماضي، وملحق «شرفات» الذي صدر في بداية الألفية الجديدة. ومع أنني عملت سنوات طويلة في ملحق «شرفات» وكتبت فيه جُلّ عملي الثقافي، لم أشعر يومًا بالحاجة إلى الاحتفاظ بأعداده، على خلاف هلال الذي ظلّ يحتفظ بها بدأب. ومن ثَمَّ كان له تفسيرٌ آخر، فقد أصرّ على أن الرمة اقتحمت المكتبة بسبب المطر الذي تسرّب من شقوق النافذة.
وبغضّ النظر عمّا حدث، كان لا بد من اتخاذ قرار، وإن بدا ثقيلًا علينا معًا. لا أدري إلى الآن لماذا جلستُ آنذاك وقد احتدّ الأمر بيننا، وكتبت الفصل الأول من روايتي «لا يذكرون في مجاز»، حتى إن بطلة الرواية كانت تواجه، هي الأخرى، مصيرًا غامضًا مع الرمة.
وجاءت كورونا لتجمعنا معًا في المكتبة لأطول فترة ممكنة. في العادة، كنّا نجلس فيها بالتناوب، يدخل أحدنا فيُفسح له الآخر المجال، فكلٌّ منا يحتجّ بقوة حين يتعلق الأمر بكتبه. هذه المرة، طال بنا الجلوس، فعملنا معًا على توضيب المكتبة وتنظيفها. أخرجنا رسائل قديمة تعود إلى أيام المراهقة، وعملات وطوابع بريد، وبطاقات تهنئة تبادلناها، ومجلات وأشياء صغيرة أخرى كانت قد استقرت بين الكتب. بدأت تلك التفاصيل تستثيرنا، ولا سيّما مراسلات مجلات الطفولة.
اختلطت كتبنا، وذابت في التصنيف الجديد الذي اعتمده هلال. وبقدر عمر زواجنا، تشكّلت مكتبتنا من ذوقين مختلفين تمامًا، لا يمتّ أحدهما إلى الآخر بصلة. أتذكر كيف أبقت آن فاديمان وزوجها جورج مكتبة كلٍّ منهما منفصلة عن الأخرى، تقول: «تحتل مكتبتي معظم الجهة الشمالية من شقتنا، بينما مكتبة جورج الجهة الجنوبية.» حتى وجدت نفسها بعد سنوات مستعدة لـ«مستوى أعمق من الشراكة هو توحيد المكتبتين.»

أفضى تزويج مكتبتينا إلى خلافات أخرى لم تتعلّق بترتيب الكتب وحده، بل امتدّت إلى طريقة العناية بها أيضًا. فقد منع هلال العاملات اللواتي تعاقبن على خدمة بيتنا من دخول المكتبة لتنظيفها، خشية أن يخلطن الكتب بعضها ببعض. ضايقني قراره، إذ لم يكن يرى، في ما يبدو، طبقات الغبار التي أخذت تتراكم على الأرفف والكتب. وكثيرًا ما كنا نحتدّ حين نبحث عن كتاب فلا نجده، ليتضح في الغالب أن أحدهم استعاره ولم يُعده إلينا!
حتى في القراءة، كان لكلٍّ منا طريقته، فبينما كنت أمرّر أقلام التحديد الملوّنة على صفحات كتبي وأدوّن الملاحظات المهمة للاستعانة بها في مقالاتي الثقافية، كان هلال يفضّل ترك الكتب المشتركة على حالها، إذ يمتلك ذاكرةً خصبةً تسترجع ما قرأ، في حين يلاحقني هاجس النسيان الذي يدفعني إلى ملء كتبي بالملاحظات. ومع ذلك، وبتواطؤٍ ضمني بيننا، لم أكن أجرؤ على ترك أثرٍ لقلمٍ واحد، ولو من رصاص، على صفحات كتبنا المشتركة.
اخترنا أنا وهلال، بمشقّة، الكتب والمجلات التي سنتبرع بها، فتحلّت أخيرًا مكتبتنا بشيء من الترتيب. وبدأ أسلوب هلال يفرض نفسه عليها خفية، دون أن أمانع ذلك، فثمة تحالف صامتٌ بيننا لا بد منه لتمضي المكتبة في حياتها الطبيعية.
في الأعلى، حيث لا تصل أيدينا، وضعنا مجلدات القواميس وكتب الفوتوقرافيا التي يحبها ويجمعها من حين إلى آخر. تفوح من بعضها رائحة الورق القديم، بأطرافه المصفرّة. أما أنا، فأحب كثيرًا الكتب التي تتناول العلوم المختلفة، خاصة تلك المرتبطة بالطبيعة والنفس البشرية، وتحوّلها إلى حكايات آسرة، ولذلك ادّخرتُ لها رفًّا أيضًا.
تبادلنا، في بداية علاقتنا، الكتب كرسائل صامتة، وكان لمحمود درويش النصيب الأوفر منها، فلم يمانع أي منا أن تأخذ دواوينه حيزًا بين كتبنا. أما الروايات فقد شغلت المساحة الأكبر، وكان هلال ينزعج من اختلاط الروايات العُمانية بغيرها ويصرُّ على تخصيص رفٍّ مستقل لها. ومع الوقت، تداخلت كتبنا أكثر، قصص «المكتبة الخضراء»، والروايات الكلاسيكية، ومؤلفات التاريخ... حتى بات فصلها عن بعضها أشبه بتدمير روابط شخصين متحابين.
بدا لي الحديث اليومي عن الترتيب مضجرًا لكلينا، فهو يعرف كيف يصل إلى الكتب بسهولة، بينما لا أستطيع الوصول إليها إلا بعد بحث طويل، فأبدو كمن يلعب معها لعبة الغميضة، خاصة وقد جمعت كتبنا أيضًا عددًا من المراجع والمعاجم التي احتجنا إليها في بحوث الجامعة، فقد درسنا التخصص نفسه في بلدين مختلفين، هو في عُمان، وأنا في حلب بسوريا.
خصصنا بعض الأرفف لإصداراتنا الشخصية، من دون أن تتجاور. وكم بدا التخلي عن الكتب المكررة صعبًا، ولا سيما تلك التي تُعمّرها الإهداءات. ذات مرة، تخلّيت عن نسختي الموقّعة من أحد الشعراء العُمانيين وتبرعت بها للسوق الخيرية، فوقعت في حرج شديد حين اشتراها الشاعر نفسه وأعادها إليّ، بشيء من العتب!

آمن كلانا بأن المكتبة تحيا بكتبها، كما تحيا بالحديث عن هذه الكتب، ومن هنا خطرت لنا فكرة أن نخصّص حيزًا صغيرًا نوصل من خلاله حديث مكتبتنا إلى الناس. كان هلال يحب التصوير والمونتاج، وكنت أحب الحديث عن الكتب، فتساءلنا: هل يكفي ذلك فعلًا لإنشاء قناة؟ لم نكن على يقين، لكننا أردنا خوض التجربة. اقتنينا عبر الإنترنت عمود إضاءة ومسجّل صوت، ووضّبنا ركنًا صغيرًا لقناتنا على يوتيوب.
كنتُ سأسمّيها «ألزهايمر»، وهو من أشد مخاوفي في الحياة، فقال لي هلال: «الاسم يعطي شعورًا سلبيًّا، ماذا لو كان النقيض؟ ما تفعلينه سيكون ضد النسيان». بدا لي العنوان دقيقًا ورقيقًا في آن. وهكذا زاحمت قناتنا «ضد النسيان» الكتبَ هي الأخرى؛ كاميرا مثبتة، وإضاءات، وكرسيّ صغير أجلس عليه.
أخال أن مكتبتنا تعرفنا الآن على نحو جيد، فجذورنا تمتد فيها منذ أكثر من عقدين، ولدينا دائمًا ما نودّ قوله لبعضنا عمّا نقرأ ونفكر. ولعلّي أقول، بتحريف صغير، ما قالته آن فاديمان لزوجها جورج: «سيكون علينا، أنا وهلال، أن نبقى معًا من أجل هذه المكتبة؛ فقد احترقت جسور العودة».

كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭
مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨
موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!
هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗
التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.