هل السخرية من «أثر الفراشة:عزام» دافعٌ لمشاهدته؟

فلم «نيو لاي» الصيني استفاد من السخرية الجماعية، لكن لم يرتكب خطيئة الصناعة بالذكاء الاصطناعي.


تصميم: أحمد عيد
تصميم: أحمد عيد

هل السخرية من «أثر الفراشة:عزام» دافعٌ لمشاهدته؟

أمين فصي

في الصين، بدأ «نيو لاي» كفلم أنيميشن مثير للسخرية؛ تدور قصته بين حيوانات في غابة، وتبدو صورته كأن الحاسوب لم يكمل تصديرها. لكن رداءة الصورة نفسها تحولت إلى ظاهرة، وبدأ الجمهور يشاهده بدافع الفضول والسخرية، حتى قفز في شباك التذاكر وأصبح ينافس أفلامًا أضخم مثل «الأوديسة»!

اليوم، يدخل «أثر الفراشة: عزام» صالات السينما السعودية محاطًا بنقاش مشابه، واتهامات باستخدام الذكاء الاصطناعي، وسخرية من مستواه البصري، يقابلها دفاع من فريق الفلم عن طريقة إنتاجه التي تنافي ما عُرض على الجمهور.

فهل تصبح السخرية هذه المرة دعاية مجانية؟ وهل يكون «عزام» النسخة السعودية من ظاهرة السخرية الجماعية التي دفعت الجمهور إلى مشاهدة «نيو لاي»؟

«أمَّا! فلم (Ai) بالسينما؟!»

طُرح العرض الدعائي لـ«أثر الفراشة: عزام» في نهاية مارس 2026، واستقبله الجمهور بموجة من السخرية لأن صورته اعتمدت على الذكاء الاصطناعي كما رأوا. وفي حديثٍ إلى «إي تي بالعربي»، رد محمد الجعيد بأن العمل استغرق نحو عامين ونصف، وشارك فيه رسامون ومؤدو أصوات سعوديون، نافيًا أن يكون الفلم مولَّدًا بالذكاء الاصطناعي بالكامل، مع إقرار فريق العمل باستخدامه في بعض مراحل التحريك والإخراج.

لكن هذا التفريق لا يغيِّر كثيرًا مما يصل إلى الشاشة. فحين تظهر تفاصيل غير ثابتة، وتشوهات، واندماج غير طبيعي بين العناصر والخلفيات، تصبح نسبة استخدام الأداة أقل أهمية من أثرها في الصورة النهائية. ولهذا بقي السؤال الذي ردَّدتُه منذ الإعلان حاضرًا بعد المشاهدة: «أمَّا! فلم سعودي بالذكاء الاصطناعي؟! وفي السينما كمان؟!».

ماذا قدَّم «أثر الفراشة: عزام»

هذا فلم، كما يقول مُنتجه، وقد أوفى بوعده بتقديم «فلم» فعلًا: قصة لها بداية ونهاية، وحبكة دائرية تعود في نهايتها إلى حيث بدأت، وأشرار ينالون عقابهم، وأبطال يحصلون على مكافأتهم، كما في أفلام المغامرات الكلاسيكية. وبالطبع، هناك ذلك الحدث الصادم الذي يأتي في وقته ليذكِّرك بأن خلف الفلم سيناريو كُتب ورُتِّب.

يحكي الفلم قصة «عزام»، صبي من الرياض يسافر مع والدته وخاله إلى «ديرتهم» جنوب السعودية استعدادًا لزواج أخته «الهنوف». «عزام» ملتصق بهاتفه معظم الوقت، حتى يقوده انشغاله به إلى حادثٍ مع سيارة آيس كريم في عسير، فيدخل بعده في غيبوبة مؤقتة. وفي غمضة عين، يجد نفسه في عالم الفراشات.

هناك، يقابل «عزام» مجموعة من الشخصيات التي ترافقه في مغامرته، وسط صراع بين قوم الفراشات وقوم «الهوايش»، كما يسميهم الفلم. وبين مطاردة وأخرى، تمر الشخصيات بحوارات تربوية واضحة المقصد، كُتبت لتترك رسائلها عند الطفل.

ويصل الفلم إلى أحد أهم كشوفه حين يلتقي «عزام» بـ«عثّ الأطلس»، الشخصية التي حكمت عالم الفراشات، ليكتشف أنه والده، ثم يسمع منه الحكمة التي يلخص بها الفلم رحلته: «بدلًا من البحث عن أحد، ابحث عن نفسك داخل نفسك».

حضرت الفلم في يوم عرضه الأول، الخميس 10 سبتمبر، وكانت القاعة ممتلئة بنحو 30% تقريبًا، معظمهم من الأطفال والعائلات. الرقم وحده لا يكفي للحكم، لكن ما كان واضحًا داخل القاعة هو تفاعل الأطفال أنفسهم؛ كانوا منسجمين مع الأحداث، ويضحكون باستمرار كلما رددت الشخصيات مفردات جنوبية مثل «شقومش» و«افلحوا». وهذه الضحكات لا تعني النجاح، إذ تحتمل أيضًا أنها صدمة من مدى الغرابة، فالأطفال يميزون حاليًّا المحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي.

روح الأخوين قريم غلبت عسير 

عندما بدأت مشاهد عالم الفراشات، جاءني صوت صغير في رأسي يقول: «شجابنا عند تنكربيل؟» الأشجار والألوان ومساكن الكائنات وملابسها دفعتني إلى عالم الجنيات الأوربي أكثر من عسير. وكلما توغل «عزام» فيه، اقترب أكثر من الفانتازيا التي عرفناها عبر ديزني والحكايات الأوربية، ومنها قصص جمعها الأخوان قريم، وهما كاتبان ألمانيان اشتهرا بجمع الحكايات الشعبية مثل «رابونزل» و«سنو وايت». ولذلك ظل السؤال: لماذا عسير إذن؟ وما الذي أخذه هذا العالم من المكان الذي انطلق منه؟

يمكنني أن أصنع للفلم تأويلًا ينقذه: العالم موجود داخل رأس «عزام»، وهو طفل يقضي معظم وقته على الهاتف مستهلكًا الألعاب والمحتوى الخارجي؛ فربما جاءت مخيلته مشبَّعة أصلًا بهذه الصور. عندها يصبح منطقيًّا أن يدخل من عسير إلى عالم لا يشبهها.

لكن خوفي أنني الوحيد الذي يقوم بهذا العمل نيابة عن الفلم؛ فلا أتذكر أنه أعطاني ما يكفي لربط تصميم العالم بهذه الفكرة. وإذا لم يكن ذلك مقصودًا، يبقى الاحتمال الآخر: أن عالم الفراشات اتخذ الشكل الأكثر جاهزية والأشهر في المخزون البصري للمولدات الآلية عند تخيل «عالم فانتازيّ»، وهنا يعود سؤال الصورة والذكاء الاصطناعي من باب آخر.

صبية الشبَّاك لهم من الحقِّ نصيب

المشاهد السعودي الصغير ما زالت خياراته المحلية في السينما محدودة، رغم أن الإقبال على أعمال مثل «شباب البومب» يشير إلى متعة مشاهدة شخصيات تتكلم مثله وتعرف مفرداته. وسبق أن فعلت دبلجة «ناجا 2»، بإخراج مالك نجر، شيئًا قريبًا حين وزعت شخصياتها على لهجات عربية مختلفة، وجعلت سماع اللهجة المألوفة جزءًا من متعة الأنيميشن.

أما «عزام» فيفعل ذلك من داخل البيئة السعودية نفسها؛ يبدأ من الرياض وينتقل إلى عسير ببيوتها وطبيعتها وأكلها ولهجاتها. ورغم الهفوات البصرية والجدل حول الذكاء الاصطناعي، يُحسب للفلم أنه أعطى الطفل تفاصيل يعرفها على شاشة السينما، وقد تعلق بذاكرته أكثر من رسائله التربوية المباشرة.

وربما يحتاج جيل الآيباد إلى هذا النوع من الأفلام أكثر مما يحتاج إلى شرح الموروث له؛ أحيانًا تكفي كلمة أو لهجة أو بيت يراه على الشاشة ليقترب منه.

إحقاقًا للحق

إحقاقًا للحق، جاء الفلم بالفعل بصورة تعتمد على الذكاء الاصطناعي في مُخرجها النهائي، وإن تكثفت الجهود البشرية في الخلفية. الكثير من الحركات غير المنطقية، والخلفيات مموَّهة في معظم الأحيان، خصوصًا في العالم الخيالي. وإذا كان هناك مساحة لتأويل: «الجمهور منسجم وأكمل الفلم ما المزعج إذن؟» فإن المشاهد ينسجم أيضًا مع مقاطع خيانات الفواكه معروفة النهاية، وهذه فطرة الإنسان! فإنه على شعوره بشرخ في عقيدته الفنية عند مشاهدة الذكاء الاصطناعي، إلا أنه عندما تأخذه القصة ينسجم! تخيَّل… 

«عزام» وصل إلى السينما وفعل ما يفترض أن يفعله الفلم: وجد راعيًا تجاريًّا («جيتور» عبر شركة التوريدات الوطنية)، وتحمَّلت شركة قنوات للتوزيع كفَّةً من تلك الجرأة (وإن كان حضور الراعي داخل الفلم زائدًا عن حاجته)، ووصل إلى شاشة يدفع الناس تذكرة لمشاهدته عليها. والأهم أنه قدَّم فلم أنيميشن سعوديًّا يدخل في تفاصيل البيئة المحلية، بدل الاكتفاء بوضع شخصية سعودية في الواجهة وترك التفاصيل الثقافية في زاوية أخرى.

وفي التفاصيل نفسها أشياء أصابها الفلم، وأخرى تمنيت لو تركها وشأنها. اللهجات من أجمل ما فيه؛ شخصيات تتحدث بالجنوبي، وأخرى بلهجات من مناطق مختلفة من السعودية، وكل لهجة تعطي الشخصية نبرة مختلفة. لكن في المقابل، تكرر الشِّعر في السيناريو على نحو مزعج، خصوصًا عبر شخصية «راعي» التي أثقلت بعض المشاهد بأمثلتها، ثم جاءت استعارة جعلتني أضرب رأسي: «أمون أو لا أمون، تلك هي المسألة»، في استعارة مباشرة من شكسبير لم أعرف ماذا تفعل هنا بالضبط.

أثر الفراشة الذي نسوه

بعد المشاهدة، لم أجد لـ«أثر الفراشة» ارتباطًا مقنعًا بالحبكة أو بعسير، بعيدًا عن الأجنحة التي رسمها الفلم. لكن ربما يظهر أثر الفراشة الحقيقي خارج الشاشة.

صديق شاهد الفلم معي أوصى به آخرين لأنه استمتع بالمشاهدة والضحك على أخطائه. وهنا يعود «نيو لاي»: حين تتحول السخرية إلى سبب للمشاهدة، تصبح هي نفسها توصية.

من المبكر معرفة إن كان «عزام» سيكرر نجاحه في شباك التذاكر، لكن إذا خرج المشاهد وهو يقول لغيره: «لازم تشوفونه»، فربما تكون الفراشة قد بدأت فعلًا تحريك جناحيها؛ حتى وإن كان هذا الارتباط لا يمنطق أثر الفراشة.


لا تكتفي بسؤال: هل أعجبني الفلم؟

اسأل: لماذا أثر فيّ دون غيره؟

تجد الإجابة في «مكتبة سينماء» على منصة «سينماء».

النشرة السينمائية
النشرة السينمائية
أسبوعية، الخميس منثمانيةثمانية

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.

+10 متابع في آخر 7 أيام