«It Ends».. هل يضمن العمق فِلماً جيدًا؟

«جيل Z» يصنع أفلامه بإمكانات محدودة


تصميم: أحمد عيد
تصميم: أحمد عيد

«It Ends».. هل يضمن العمق فِلماً جيدًا؟

عبدالرحمن الشريف

بعد قرابة شهر من آخر مرة شاهدت فيها فِلمًا ممتعًا في السينما، ذهبت في عطلة نهاية الأسبوع لمتابعة فِلم «It Ends» دون توقعات، إذ أني أتجنب متابعة تشويقات الأفلام؛ لأنها غالبًا ما تحرقها هذه الأيام. بدل ذلك، اطّلعت على بعض التقييمات التي أثارت فضولي لانقسامها التام بين مشيدين بالعمل وعمقه، أو كارهين له تمامًا. دخلت الفِلم برفقة علبة فشار كبيرة لأدلّل نفسي، ولينقذني إن أصبت بالملل. ولكن، على عكس ذلك تمامًا، فالفِلم جذبني منذ أولى دقائقه، وأثار فيّ الفضول لمعرفة الآتي، وكيف ستنتهي معضلة الشخصيات.

فِلم أول بإمكانيات بسيطة

يُعدّ «It Ends» الفِلم الطويل الأول من إخراج وكتابة الأمريكي أليكساند ألم، البالغ من العمر ثمانية وعشرون عامًا. صُوّر الفِلم بطريقة متقطعة من سنة 2021 إلى سنة 2024 لميزانيته البسيطة والمقدرة بثمانين ألف دولار أمريكي، أي ما يعادل 300,400 ريالٍ سعودي. عُرض الفِلم لأول مرة في مهرجان ساوث باي ساوث ويست سنة 2025، حيث اشتُري لتوزعه شركة (Neon)، المعروفة بتوزيع العديد من الأفلام الناجحة على مستوى المهرجانات وشباك التذاكر، مثل «Parasite» و«Anora» و«Longlegs». وعندما اكتسحت شباك التذاكر أفلامُ رعب لمخرجين في بداية مسارهم، مثل «Obsession» لكري باركر، و«Backrooms» لكاين بارسونز، منبئًا بصوت واعد في أفلام الرعب والتشويق.

هل من مَخرج؟!

تتمحور قصة الفِلم حول أربعة أصدقاء حديثي التخرج من الجامعة، اجتمعوا بعد انخراطهم في الحياة العملية: «جايمس»، متشائمٌ لكنه منطقي وعملي، وانتهى به المطاف في العمل في مجال لا يطيقه لجني المال والمضي في الحياة؛ «داي» ذات نظرة إيجابية للحياة، اتّبعت شغفها، لكنها تجد نفسها غير سعيدة أحيانًا؛ «فيشر» الحسّاس والمتخوّف؛ «تايلر» المنغلق على نفسه والمنعزل عن أصدقائه. وبعد شرائهم الطعام ليلًا، وتبادلهم أطراف الحديث في السيارة، انعطف بهم المسار ليجدوا أنفسهم في طريق يمتد بهم بلا نهاية، وهم يحاولون العثور على مخرج.

يُصنّف الفِلم في خانة الرعب والتشويق، وبما أن أحداث القصة محصورة في السيارة والطريق، فهو من أفلام المكان الواحد، مثل «Phone Booth» و«Panic Room» و«Buried».

شخصيات حقيقية لكن…

من بداية الفِلم يتّضح أنه صُنع بميزانية بسيطة للغاية، نتابع فيها أربع شخصيات فقط. رغم ذلك، نجح المخرج في تنفيذ الفِلم بصورة تليق بالسينما، وصاغ حوارات سلسة تساعد المشاهد في التعرّف سريعًا على الشخصيات بطريقة مسلية ومضحكة، ساعدت الممثلين أيضًا على التناغم، وجعلت بداية الفِلم تمضي بانسيابية، رغم أن تجسيد شخصية «داي» و«تايلر» كان أقوى من «فيشر» و«جايمس».

استفزتني شخصية «جايمس»؛ لأنه، بعد دقائق فقط من وقوعهم في الورطة، سأل سؤالًا وطرح فرضية يتضح منهما أنه يعلم أن ما يحصل أخطر مما يبدو عليه، وكأنه مُلمٌّ بالحبكة كالكاتب، ويتحدث بلسانه لتمهيد القصة للمشاهد بدلًا من محاولة الخروج من المأزق؛ مما شكّل ردة فعل غير طبيعية تمامًا، وأبعدني عن الشخصية. أضف إلى ذلك أن الفِلم لم يعطِني فرصةً كافية للتعرف على تلك الشخصيات بعمق يتحيح لي التعلق بهم أو الاكتراث لهم ولمعضلتهم، خصوصًا وأن الأخطار التي تواجههم في ظاهر الأمر تُختزل في خطر ضياعهم في الطريق الممتد، وخطر ما حولهم في الغابة على ضفتيّ الطريق، وتوترهم النفسي. وعليه، وبعد انقضاء نصف ساعة، لم أجد نفسي قلقًا عليهم، حيث إن مأزقهم بالنسبة إليّ بسيط بعض الشيء؛ لأن مصيرهم أن يجدوا طريق العودة ولو بعد حين.

مما زاد الطين بلة أن في الفِلم شخصياتٍ فوق أننا لم نتعرّف عليهم بما يكفي، يتجلّى بمرور الرحلة أن هناك شخصيةً أساسية تبرز لاحقًا أكثر من غيرها، الأمر الذي لم يتضح لي منذ البداية، وشتّتني عن التركيز في رحلة تلك الشخصية بالذات، التي لو استُثمر فيها مزيد من الوقت لكان تطوّرها أوضح، لزيادة فهمنا إياها واهتمامنا بمصيرها بشكل أكبر.

الخطيئة الأعظم: أن تكون مملًّا

القاعدة الأولى، وقد تكون الوحيدة في السرد القصصي، وخصوصًا السينمائي، هي ألّا تكون مملًّا. وإن كان الملل قد يُغتفر في بعض الأفلام الدرامية، فهو الخطيئة الأعظم حينما نتحدث عن أفلام الرعب والتشويق. لذلك، ورغم فضولي لمعرفة الإجابات، بدأ صبري ينفد كلّما امتد الطريق بهم في مأزقهم، حيث إنني لم أستنتج كيف ستنتهي القصة بالضبط، لكنني، وقُبيل منتصف الفِلم، اكتشفت الرمزية المبطّنة للفِلم، وأن المخرج استخدم الحدث المرعب (طريقٌ بلا نهاية) مجازيًّا ليوصل رسالته، وحينها وجدت أن الفِلم لم يعجبني.

الفِلم لا يتجاوز الساعة والنصف، ولا يحتمل أكثر من ذلك؛ لأنني، وبمرور الوقت، وجدت نفسي أنظر إلى الساعة متحيّنًا بداية الإجابات والنهاية، خصوصًا وأنني، ولأول مرة، أكلت الفشار كاملًا خلال ساعة فقط. حينها وددتُ من الفِلم أن ينتهي رغم بدايته الواعدة، بل وخطر على بالي أن هذا الفِلم يُفضّل مشاهدته في السينما، لا لأجل لغته البصرية أو القوة الإنتاجية، بل لأنني لو شاهدته في المنزل للَهوتُ بجوالي سريعًا، أو نمت، أو أوقفت الفِلم وانتقلت إلى مشاهدة شيء آخر.

عمق يتنكر بالبساطة

الفِلم عميق في فكرته، وذكي في طريقة طرحها بشكلٍ يبدو بسيطًا في الظاهر، في حين أنه يطرح أسئلة وجودية، مثل التسليم والقبول بالطبيعة العبثية للحياة، كما شاهدنا في فِلم «Everything Everywhere All at Once»، والاستمتاع بالوجود رغم المصاعب، مما يساعدنا في خلق المعنى لأنفسنا من خلال التفاصيل الصغيرة في حياتنا، كما نجد في فِلم «Perfect Days». ورغم انجذابي لتلك المواضيع، وتقديري لتناول المخرج مواضيع بهذا العمق في فِلم رعب، لم تكُن تلك الأفكار جديدة بالنسبة إليّ، ولم يتعمّق في تمحيصها بالشكل الكافي.

لذلك، بعد انقضاء الفِلم، أحسست بأن العمل كاد أن يكون أفضل لو كان حلقة من مسلسل مثل «Black Mirror»، خصوصًا بعد قراءتي لبعض المراجعات التي شبّهت الفِلم بعملٍ معاصر مقتبس من مسرحية «No Exit» للفيلسوف جان بول سارتر، التي تحكي قصة ثلاثة أشخاص غرباء عن بعضهم البعض يجدون أنفسهم محتجزين في غرفةٍ بلا نوافذ أو أبواب؛ ليدركوا أنهم موتى، وأنهم في الجحيم معًا.

يدل ذلك على أن قصة الفِلم وفكرته عميقتان، حيث أنها قورنت بعمل أحد أعظم الفلاسفة الوجوديين في القرن العشرين. لكن، لعل العيب يكمن في الطريقة السردية والوسيط المُستخدم في السرد. رغم ذلك، أشيد بنضج رسالة الفِلم ومغزاه مجدّدًا، التي، ورغم مللي نوعًا ما من طريقة طرحها، جعلتني أتفكّر في الرحلة التي أخَذَنا فيها الكاتب والمخرج باختياراته المتفرّدة، وإن كانت بعيدة عن الكمال. لأنه، ورغم ما ذكرت، فصانع الفِلم طرح قضية يتّضح أنها تمسّه وتمس الجيل المعاصر لعمره، بل خاطر في طرحها بهذه الطريقة المميزة والناضجة رغم صغر سنه. لذلك، غالبًا فإني سأذهب لمشاهدة جديده؛ لتقديري لصوته الكتابي والسينمائي.

لمن هذا الفِلم؟

إن دخلتم متوقعين فِلمًا مرعبًا ومثيرًا بالمفاجآت، فهذا الفِلم ليس لكم؛ لأنه ذو رتم هادئ، ويتباطأ حتى يصل إلى وجهته النهائية المُبطّنة، وهو ما سيخيّب آمال وتوقعات الكثيرين من محبي أفلام الرعب والتشويق. لكن إن كنت لا تمانع الأفلام التي تحمل الرسائل المبطنة، ذات الإيقاع البطيء، والتي تستند على التجربة التي يعيشها المشاهد مع الشخصيات بدلًا من الوجهة أو الإجابات، فقد يكون الفِلم لك. وعليه، فإني أصنف الفِلم أنه فِلم تشويق نفسي أكثر؛ لأنه، ورغم استخدامه بعض أدوات الرعب لطرح موضوع عميق، لم يكُن مخيفًا البتة. ويبقى السؤال: هل تشفع الفكرة الرائعة أو الموضوع العميق للفِلم إن كان الطرح مملًّا؟


ساعتان في قاعة السينما كفيلة بأن تغيّر مزاجك،

لكن كتابًا معرفيًّا عميقًا قد يغيّر الطريقة التي ترى بها الأفلام إلى الأبد.

اكتشف ذلك في «مكتبة سينماء» على منصة «سينماء».

النشرة السينمائية
النشرة السينمائية
أسبوعية، الخميس منثمانيةثمانية

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.

+10 متابع في آخر 7 أيام