دوللي وبريخت، أو فن الاعتراف بالصنعة

الفنان عمران
الفنان عمران

دوللي وبريخت، أو فن الاعتراف بالصنعة

إيمان العزوزي

في أثناء دراستي للغة الإنقليزية، حرصت أستاذتي على تقريب الثقافة الأمريكية إليّ عبر بوابة الموسيقا، وتحديدًا أغاني دوللي بارتون، فصارت الأغنية مفتاحًا لما كنت أتلمّسه ببطء في الكتب. ومع أنني لم أدرك آنذاك كل كلمات بارتون، تشربتُ أحاسيسها؛ كرامة النفس في مواجهة الفقر، وتداعيات العمل المرهق، وصورة الأم التي تكافح لمنح أبنائها ما لا تستطيعه، والطفل الذي يراقب العالم من الهامش ويملك القدرة على رواية حكايته. ومع الوقت، بدأت تلك الكلمات التي كانت مجرد أصوات غريبة تتحول إلى قصص، ثم إلى مواقف اجتماعية، وانتهت بتساؤلاتٍ حول الطبقة والجندر والعمل والنجاح والصورة التي نرسمها لأنفسنا.

ولهذا ظلّت دوللي بارتون عالقةً في ذاكرتي، واحدةً من الأصوات التي رافقتني في مرحلة فارقة من حياتي. وحين بلغني خبر وفاتها، عادت تلك الأغاني محمّلة بذكرى تلك السنوات، ومشفوعة بتقديرٍ لهذه السيدة التي خلّدت ذكرى والدها الذي لم يتسنَّ له تعلّم القراءة والكتابة عبر مشروع مكتبة الخيال. تقول بارتون: «قبل أن يُتوفى والدي، أخبرني أن مكتبة الخيال ربما كانت أهمّ إنجازاتي على الإطلاق؛ ولا يمكنني وصف ما عنى لي ذلك، فقد أسّستها تكريمًا له». وقد تطور هذا المشروع، الذي بدأ بتوزيع 6,000 كتاب عام 1995، ليوزِّع اليوم ما يزيد عن ثلاثة ملايين كتاب شهريًّا على الأطفال دون الخامسة في أنحاء العالم.

شاءت الصدفة أن أسمع نبأ وفاتها عندما كنت غارقة في قراءة سيرة «برتولت بريخت، حياته، فنه، وعصره» للكاتب فردريك أوين، فتمازجت في ذهني صورتان تبدوان للوهلة الأولى متباعدتين: بريخت، المسرحي الألماني الماركسي ومنظّر المسرح الملحمي، وبارتون، نجمة موسيقى «الكانتري» الأمريكية. فما الذي يجمع بينهما؟ وكيف يمكن لدوللي بارتون أن تكون مدخلًا لقراءة تجربة كاتبٍ توفي منتصف القرن الماضي؟

تحطيم الجدار الرابع

يبني بريخت تجربته المسرحية على ضرورة منع المتفرج من الاندماج الساذج في العالم المسرحي؛ فالمسرح الملحمي الذي أسّسه يُذكّر الجمهور دائمًا بأن ما يراه هو عملٌ فنيٌّ مُصطنع، وذلك من خلال تقنية «التغريب». وقد استلهم بريخت هذا المفهوم من الناقد السوفياتي فيكتور شكلوفسكي، الذي وصفه بـ«التشويه الخلّاق»، ويقصد به انتزاع الأشياء من سياقها المألوف والمبتذل لإعادة إدراكها بوعيٍ ونقدٍ وجدل. وبناءً على ذلك، فعلى الممثل البريختي ألَّا يذوب في الشخصية، وأن يحافظ على مسافةٍ تفصل بينه وبينها، عارضًا إياها أمام الجمهور بدلًا من تقمصها كليّةً، إذ يمكنه -على سبيل المثال- مخاطبة الصالة مباشرةً لكسر «الجدار الرابع» أي الجدار المتخيل الذي يفصل المسرح بجدرانه الثلاث عن الجمهور أو يصبغ وجهه أبيضًا دلالة على الفزع، أو الإعلان عن الأحداث مسبقًا عبر لافتات عوضًا عن تركها لعنصر المفاجأة.

بهذا يصبح كسر الوهم الواقعي وسيلةً للحفاظ على يقظة المتفرج النقدية، وهي الوظيفة الأساسية لأثر التغريب، فإذا بدا العالم المسرحي طبيعيًّا ومكتملًا ومحتومًا، تعذّر التفكير في تغييره. أما حين يكشف المسرح عن كونه بناءً قابلًا للتفكيك، فإن الواقع الذي يمثله يغدو بدوره بناءً تاريخيًّا واجتماعيًّا قابلًا للتغيير.

ورؤية آلية كسر هذا الواقع لا تفسد العمل في نظر بريخت؛ لأنها في المقابل تمنح المتلقي إمكانية مساءلته. ففي حين يستثير المسرح الأرسطي التقليدي انفعالات المشاهد ويغيّبه عن استخدام عقله عبر استدراجه إلى شبكة الأحداث، وإجباره على التماهي مع الشخصيات في إطار ما يُعرف بـ«الكثارسيس» أو«التطهير الأرسطي»، فإنه يضعه في حالةٍ أشبه بالتنويم المغناطيسي تمنعه من إدراك الزيف المعروض أمامه.

بريخت ودوللي في مكتبتي
بريخت ودوللي في مكتبتي

دوللي، حين تصبح الشخصية العامة عرضًا مسرحيًّا

رغم أن حالة دوللي بارتون لا تستند إلى تنظير مسرحي مكتمل، على غرار ما وضعه بريخت، فإنها تنطوي على ممارسة ثقافية تتقاطع مع هواجسه الفنية.

تعتمد صورة بارتون العامة على المبالغة، فشعرها الأشقر الضخم، ومكياجها الصارخ، وأزياؤها اللامعة، وكعوب أحذيتها العالية، وجسدها الذي يُعرَض بأسلوب يتجاوز عمدًا حدود «الطبيعي» أو «الراقي»، كلها عناصر تشكّل هويتها البصرية. وتصف بارتون نفسها دائمًا بأنها تجد متعةً في «المبالغة في الأناقة والبذخ»، لأنها تجد في ذلك تعبيرًا صادقًا عن شخصيتها.

تضرب هذه الصورة بجذورها في طفولة بارتون في تينيسي، حيث نشأت في أسرة فقيرة، ووجدت في نساء بلدتها نموذجًا للجمال والأنوثة. وفي حين كان شعرهن المصبوغ ومكياجهن اللافت وأزياؤهن الجريئة يُصنَّف لدى البعض علامةً على الابتذال الريفي، رأت فيه بارتون بريقًا يستحق المحاكاة. تتذكر بارتون أنها كانت تتأمل إحداهن وتقول لنفسها: «هكذا أريد أن أبدو عندما أكبر». ومن هذا الإعجاب الطفولي تبلور المظهر الذي غدا، بمرور الوقت، علامة مسجلة باسمها.

تدرك بارتون أن مظهرها هو اختيارٌ مقصود وتؤكد ذلك في أغلب تصريحاتها: «يتطلب الأمر الكثير من المال لتبدو بهذا القدر من الابتذال»، وقد أسهمت هذه المبالغة في لفت الأنظار إلى أعمالها والاهتمام بما تكتبه وتنتقده، وهو ما يشبه إلى حدٍّ بعيد صنيع بيكاسو بالأنوف في لوحاته؛ حين قال: «لقد رسمت الأنوف مائلة لأجبر الناس على النظر إليها». يجسّد هذا جوهر أسلوبه في المدرسة التكعيبية، القائم على تفكيك الملامح وإعادة تركيبها من زوايا مختلفة، لجذب انتباه المشاهد وإجباره على تأمّل العناصر المألوفة بمنظورٍ جديد. ومثل بيكاسو، كانت بارتون واعيةً تمامًا بالصورة التي تقدّمها، فهي تدرك أنها تؤدي شخصية، والجمهور يدرك ذلك أيضًا، ومع ذلك لا يفقد هذا الأداء بريقه أو صدقه، بل يصبح إظهار الصنعة جزءًا لا يتجزّأ من بناء المصداقية ذاتها.

يمكننا قراءة مظهر دوللي بارتون بوصفه نوعًا من «الجيستوس» الثقافي لدى بريخت، الذي استلهمه بدوره من شخصية شارلي شابلن. ويشير الجيستوس عند بريخت إلى السلوك أو الإيماءة أو طريقة الكلام التي تكشف موقع الشخصية داخل علاقة اجتماعية، بحيث يعبّر الجسد عن علاقات السلطة والطبقة والمصالح ويجعلها بيّنة وواضحة. فيصبح المظهر حاملًا لمعنى اجتماعي، وهو ما يكتسب أهمية خاصة في حالة بارتون، لأن صورتها الفنية نشأت من علاقتها المباشرة بالبيئة التي جاءت منها. 

فقد جعلت بارتون من مظهرها مجموعة علامات تمثل ثقافة جنوبية وشعبية كثيرًا ما عوملت باعتبارها أقل شأنًا أمام الذوق النخبوي. ومع اتساع شهرتها، انتقلت هذه العلامات من الهامش الثقافي إلى قلب الثقافة الجماهيرية الأمريكية، وأصبح ما كان يُقرأ بوصفه «رخيصًا» أو «مبتذلًا» جزءًا من صورة امرأة استطاعت أن تحقق نجاحًا هائلًا من دون أن تتخلى عن جذورها. 

الثقافة الشعبية بوصفها أداة للنقد

ولعلّ ما يجمع بريخت ودوللي بارتون، إلى جانب مسألة التغريب وكشف الصنعة، هو استثمارهما الأشكال الموسيقية الشعبية لدفع المتلقي إلى التفكير في الواقع الاجتماعي. فقد أدرك بريخت مبكرًا أن الأغنية والكاباريه (بمعناه المسرحي)، بما تمتلكه من إيقاع مألوف وقدرة على الوصول إلى جمهور واسع، يمكنها تجاوز وظيفة الترفيه لتصبح جزءًا من بناء المعنى. وتظل «أوبرا القروش الثلاثة» أبلغ مثال على هذا النقد الاجتماعي، حيث تتداخل الأغاني مع بنية العمل لتطرح أسئلة حول الفقر والجريمة والملكية والأخلاق البرجوازية. 

في أعمال دوللي بارتون تتحول قصة طفلة ومعطفها المرقع في أغنية «Coat of Many Colors» إلى قضية اجتماعية ويصبح المعطف ذاكرةً للفقر والحب والعار والكرامة، وهي القصة التي أعادت بارتون تقديمها في كتاب للأطفال ضمن مشروع «مكتبة الخيال»، مانحةً الحكاية حياةً جديدة لدى جيلٍ آخر. وفي أغنيتها «Nine To Five» تستخدم إيقاعًا مرحًا ولحنًا شديد القابلية للتذكر لتروي تجربة العمل الرتيب وما يصاحبه من استغلال وتمييز ضد النساء. بريخت وبارتون أدركا قوة الشكل الشعبي، فهو مع بساطته يحمل فكرة مركبة، ويحكي، في الوقت نفسه، تجربة اجتماعية كاملة.

مع كل هذه التوافقات، يظلّ من الخطأ مساواة التجربتين؛ فبريخت صاحب مشروع تنظيري وسياسيٍّ واعٍ، أراد توظيف المسرح لتمكين المتفرج من التفكير في العلاقات الاجتماعية والسياسية بدل الاكتفاء بالتطهير العاطفي. في المقابل، تعمل بارتون ضمن مشروع مختلف لا يسعى إلى إلغاء التعاطف، بل تحثّ جمهورها على التماهي مع أغانيها ليروا أنفسهم في قصصها.

ولعل هذا هو السبب في أن أغاني دوللي بارتون كانت عونًا لي -أنا المراهقة التي كانت تتعلم الإنقليزية وتحاول فهم الثقافة الأمريكية من منظور خارجي- في سبر أغوار ما يكمن خلف المظاهر، وهي في ذلك تشبه بريخت؛ فكلاهما يذكّرنا -بأسلوبه الخاص- بأن الفن لا يحتاج إلى إزالة القناع ليقول الحقيقة، ففي بعض الأحيان يكفي أن يُرينا كيف صُنع ذلك القناع.


كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭

مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨

موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!

هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗

التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁

القراءةالكتب
نشرة إلخ
نشرة إلخ
أسبوعية، الأربعاء منثمانيةثمانية

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.

+20 متابع في آخر 7 أيام