أقدام جديدة داخل حديقتي تمرُّ‏

الفنان: عمران
الفنان: عمران

أقدام جديدة داخل حديقتي تمرُّ‏

بثينة الإبراهيم

تلقّيت قبل سنوات نبتةً لم أعُد أتذكر اسمها، وأظنها كانت من الصبّاريات، قيل لي إنها تحتاج إلى السقاية مرةً واحدةً في الأسبوع. حاولت الاحتفاء بالنبتة واشتريت لها أصيصًا جميلًا من البورسلين باللون الأزرق السماوي. بحثت وقتها عن طرائق العناية بالنبتة كي لا أتسبّب في ذبولها جهلًا مني، غير أنها لم تقضِ عندي أسبوعًا حتى بدأت أزهارها الرقيقة بالتساقط وتبعتها أوراقها الثخينة التي تعلوها طبقة تشبه الشمع، وهذا ما أوحى إليّ أنها ستكون أقوى من غيرها.

اقترحت عليّ أختي وضعها على الشرفة، ظنًّا منها أنها تفتقد الشمس. نفذت اقتراحها، لكنني حين عدت إليها بعد يومين وجدتها قد اسودّت وذوت. قطعت عهدًا على نفسي بعدها ألّا أعتني بنبتة لأني لا أصلح لذلك، فإذا كان لسان العرب يقول إن «البثن» هي الأرض الطيبة والأرض السهلة اللينة، فلماذا لم تزهر في رعايتي إذن؟! لم أجد جوابًا مباشرًا عن سؤالي هذا ولا تفسيرًا لما حدث للنبتة، فركنتُ إلى أنني لا أصلح للبستنة والعناية بالنباتات، بل دفعني الأمر إلى التساؤل إن كنت أدرك حقًّا في قرارة نفسي أنها كائنات حية!

في الحقيقة، لم تتعدَّ علاقتي بالنبات باقات الزهور القليلة التي تلقيتها في حياتي، أو شجرتَي الزيتون والليمون في باحة بيتنا القديم، أو أشجار الكينا التي تملأ المدارس في سوريا، أو حتى أشجار الدفلى التي تطوّق بعض بيوت المنطقة هناك. بل إني أكاد أجزم أنني لا أعرف إلا نزرًا يسيرًا من أنواع الزهور والأشجار، وإن كان اسمي يدل على عكس ذلك! فلماذا أستغرب موت النبتة في رعايتي إذن؟ لعلها شعرت بجهلي وأحست بأنها ستلقى على يديّ ما لا تطيق، فاختارت حرق نفسها وإنهاء حياتها برغبتها لا رغمًا عن أنفها! 

دفعتني ذكرى نبتتي المنتحرة إلى استجلاء علاقة الإنسان بالنبات، فوجدت أنها تعود إلى نهاية العصر الجليدي، إذ انتقل الإنسان الأول من مرحلة الصيد وجمع الثمار إلى الزراعة المنظمة في المناطق الخصيبة في بلاد الرافدين، لتبدأ أولى مراحل استئناس البشر للنبات. تطوّرت تلك العلاقة لاحقًا لتخرج من إسار الحاجة إلى إشباع الجوع، لتتحول إلى رغبة في إشباع الحاجة إلى الجمال، فسعى الإنسان بعد الاستقرار في البيوت إلى تزيين مكانه، دون قطع الخيط الذي يصله بأسلافه من جامعي الثمار وساكني الكهوف. وباتت قيم الجمال في مختلف صورها وجهًا آخر من وجوه تطور الإنسان، وعُدّت ضرورة لرفاهه. ولا أدل على ذلك إلا تفوّق عدد أنواع نباتات الزينة التي تُزرع اليوم، على أنواع المحاصيل الزراعية ومحاصيل البستنة.

وليس بالأمر المستغرب إذن أن تُعد حدائق بابل، التي جمعت بين الإبداع في الهندسة والزراعة، من عجائب الدنيا السبع. ولا هو بالأمر العجيب أن يسعى الملك الفرنسي لويس الرابع عشر إلى إنشاء حديقة ليس كمثلها حديقة في قصر فرساي، بعد أن كلّف المهندس أندريه لو نوتر بتصميم الحديقة وتخطيطها. فلعلّه أراد أن تكون الطبيعة طوع يده، وأن يتحكّم بها بصورة أو بأخرى، وأن يضفي عليها نظامًا يخلّصها من فوضاها.

في فِلم «قليل من الفوضى» (A Little Chaos)، بطولة كيت ونسلت وألان رِكمان (وهو المخرج أيضًا)، تصف «مدام دو برا» في مشهد الحفل الذي يقيمه الملك بمناسبة افتتاح حدائق فرساي، قدَر الوردة، التي تخرِج جنابذها وتزهر وتذوي لاحقًا، لأنها معرّضة لشتى الظروف والأحوال، لكنها لا تولي اهتمامها لكل هذا، وإن قست عليها الظروف، لأنها ساهية عما يحدث حولها، وتواصل ما تفعله حتى النهاية من دون أي أحكام على جمالها، ولا تطلب من البستاني إلا الصبر والرعاية وشيء من دفء الشمس، وهذا هو مبلغ آمالها. 

وعلى عكس ما وصفت به «المدام دو برا» الزهور في الفِلم، فقد وجدها الكاتب البلجيكي موريس ميترلينك، في كتابه «ذكاء الأزهار»، أنها كائنات ذكية تعرف كيف تواجه صروف الحياة وتحصل على ما تريد. ولعلّه، لهذا السبب، رأى في شجرة الغار المهيبة التي ينوف عمرها عن مئة عام في مدينة بروفنس نموذجًا للبطولة والصمود. 

غلاف «ذكاء الأزهار» 
غلاف «ذكاء الأزهار» 


لا يفكّر كثير منا بكفاح النبات ومعاناته كي يحصل على الماء وضوء الشمس ليعيش، وأحسب أن كثيرًا منا يرى وجود النبات وحياته على الأرض من المسلّمات، ذلك لأن كفاحه في سبيل البقاء خفيٌّ عن الأعين التي ترى الناتج فقط، ولا ترى ما يجري تحت التربة! والأمر نفسه يصدق على الكتابة، إذ يصل إلينا المؤلَّف من غير أن نعرف شيئًا عن حال المؤلِّف وقت كتابته.

تعتني الكاتبة البريطانية جينيت ونترسن بحديقتها وتربط بين العمل في الحديقة وبين عملية الكتابة، وتهتم بالبستنة وتؤمن بها بقوة، بل إنها ذهبت لتتلقّى وسام الإمبراطورية البريطانية من الأمير تشارلز آنذاك، وهي تلبس الثياب الفاخرة، لكن ذرات التراب لا تزال تختبئ تحت إبهامها في أثر بقي من غرسها بصيلات الزعفران في النهار الفائت! تقول إنها تغرس شتلات من زهور اللبن الثلجية قبيل انتهاء موسمها، وترى في ذلك فعلًا يتعدى البستنة، إنه فعل يطيل إيمانها بالمستقبل ورجاءها أن تشهد ربيعًا آخر.

قالوا لأحد الشعراء قديمًا إن أردتَ أن تتعلّم الصبر فاعتنِ بنبتة. وهذا ما فعلته إميلي ديكنسون في حياتها، إذ اشتهرت بعنايتها بالحديقة، أكثر من شهرتها بكتابة الشعر. وقد درست علم النبات في أكاديمية أمهرست، وبدأت منذ سنٍّ صغيرة تجفّف النّباتات وتصنّفها في ألبوم خاص بذلك، وعملت أيضًا في المستنبت الزجاجي العائد لوالدها. يقول الباحثون إن ثلث قصائد ديكنسون يقوم على صور مستوحاة من حديقتها والمروج والغابة المحيطة ببيت أسرتها، حيث اعتادت التنزّه مع كلبها والبحث عن زهور بريّة. استحبّت ديكنسون الانطواء، «وودّعت الحياة التي تعرفها»، واستعاضت بحديقتها عن العالم الخارجي وآثرت الابتعاد عنه، وأزهرت حديقة روحها في قصائد عذبة اكتُشفت بعد موتها. تقول في إحدى قصائدها -ومنها اقتبست عنوان هذا المقال-: «أقدام جديدة داخل حديقتي تمرُّ/ أصابع جديدة تحرك سطح التربة‏/ شاعر متجول فوق شجر الدردار/ يهتك أسرار العزلة.‏... ولا يزال الربيع الكئيب يرجع/ ولا يزال الثلج المحافظ على مواعيده يعود‏».

ربّما كانت هذه أيسر طريقة لتعلّم الكتابة والحياة أيضًا. فتقليب التربة يشبه تقليب الأفكار في الذهن لانتقاء أصلحها، وغرس البذرة يشبه لحظة كتابة الجملة الأولى، وانتظار أن تشطأ البراعم يشبه لحظة الكُمون التي يقضيها الكاتب انتظارًا «لاختمار» الفكرة، حتى يتوالى ظهور السوق الصغيرة، وتتناسج الأفكار فيكتمل العمل. 

اكتشفت «مومو»، بطلة الرواية التي تحمل اسمها للكاتب مايكل إنده، سرّ الزمن الذي يحاول الرجال الرماديون سرقته، فرأت بتلات زنابق الزمن تتفتّح ويضوع شذاها الزكي في المكان، ثم لا تلبث أن تذبل وتذوي وتتفتّح أخرى غيرها أجمل منها، وعرفت أنها كانت عندئذٍ تقف في أعماق قلبها، وأن الزهور التي شاهدتها تتفتح وتذوي هي لحظاتها في الحياة، وأشار عليها الأستاذ «أورا» أن تنتظر مثل رقود بذرة في الأرض قبل أن تنبت، فهذا ما تستغرقه الكلمات كي تكبر داخلها.

تقول ونترسن: «إن البستنة سردٌ متواصل، مثل رواية الحكايات، والأمر يقود إلى آخر. والحديقة تشبه القصة، إذ دائمًا ما تحدث فيها أشياء بعد أن يأوي البستاني إلى فراشه بوقت طويل. وتنمو الأشياء وتمتد وتتغير وتنشئ حياة مثيرة بنفسها. أما أنا، بوصفي كاتبة، فأخلد إلى النوم وفي ذهني فكرة، وتظل هناك طوال الليل. أفتح الباب الخلفي صباحًا وأجد أن أزهار التوليب التي رفضَت النظر إليّ الليلة الماضية، قد تفتحت تحت الشمس».

أنا موقنة في قرارة نفسي بأني لست بارعة لا في العناية بالنباتات ولا بمعرفة أسماء الزهور البرية وغير البرية، كبراعة صديقتي العزيزة ريوف خالد، التي تتبّعت الزهور البرية في طريقها إلى المدرسة وفصّلت الحديث عن أنواعها، ولكني أحب القراءة عن النبات والزهور وأحب معاني اسمي الخضراء الكثيرة، حتى تحريفات جدتي لاسمي التي تحوّلني إلى نوع من العشب! وأدرك مثلما أدركت جينيت ونترسن أن زراعة أزهار اللبن الثلجية يمثل دوام الأمل وتجدّده كل يوم، و«تغدو البستنة مدعاة استرخاء وتأمل وليس مردّ ذلك إلى العمل الشاقّ والمُجهد فيها، بل لأنها تعيدنا إلى حالة ذهنية وعاطفية أكثر حرية، فتغدو علاجًا للقلب».

لوحة من لوحات التكفير عن ذنب قتل النبتة
لوحة من لوحات التكفير عن ذنب قتل النبتة


اقترحت عليّ صديقة عمري أن أغيّر اللوحة ذات الألوان المحايدة التي أعلقها في غرفتي، والتي تحمل عبارة «اسعَ إلى ما يوقد جذوة روحك!»، وأهدتني بدلًا منها لوحةً رقيقة تصور أصيص نبات مورقٍ مُخضَر -لا أعرف ما نوعه- ثم أتبعتُها بلوحة أخرى لأزهار دوّار الشمس (الزهرة المفضّلة عند فان قوخ!)، وساعة حائط تزدان بأوراق خضراء، وأرجو من كل قلبي أن تكون هاتان اللوحتان كافيتين للتكفير عن ذنب قتلي النبتة الأولى!


كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭

مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨

موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!

هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗

التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁

القراءةالكتب
نشرة إلخ
نشرة إلخ
أسبوعية، الأربعاء منثمانيةثمانية

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.

+20 متابع في آخر 7 أيام