«لعبة جهنم»… من ثلاثين حلقة إلى ثلاث ⏪
اتجاه جديد يتشكّل في الدراما العربية.


«لعبة جهنم»… من ثلاثين حلقة إلى ثلاث!
عهود أبو خيرة
لم تكُن لديّ رغبة في الالتزام بمسلسلٍ جديد وطويل يجبرني على قضاء ساعات أمام الشاشة حتى أصل إلى نهاية حكايته. كنت أبحث عن وسيلة خفيفة لتمضية الوقت، فوجدت نفسي غارقة في التمرير العشوائي على هاتفي؛ تلك العادة السيئة التي أحاول جاهدةً التخلص منها. لكن سرعان ما لاحظت ظهور مقطع تلو الآخر عن مسلسل واحد: «القصة الكاملة: "لعبة جهنم"». كان الجميع يتحدثون عنه، وبعضهم يوشك على كشف أحداثه. وحين اكتشفت أن الحكاية لا تتجاوز ثلاث حلقات، أغلقت هاتفي وشغّلت التلفاز فورًا، وبدأت مشاهدة العمل من دون أن أعرف شيئًا عن أحداثه، باستثناء أنه مستوحى من جريمة حقيقية.
جريمة «عن بُعد»
يبني المسلسل حكايته على تقاطع ثلاثة عوالم تفصل بينها المسافات والطبقات الاجتماعية. في العالم الأول نلتقي «علاء» (محمد فراج)، رجلًا يحيط نفسه بصورة المتدين، فيما تخفي هذه الواجهة شخصية متلاعبة تثقلها ضائقة مالية خانقة ويطاردها ماضٍ قاسٍ. وعلى الطرف المقابل يظهر «سليم» (عمر رزيق)، مراهق ثري يعيش خارج مصر، وابن جرّاح مشهور، تحيط به مظاهر الحياة المثالية، لكنه يخفي خلفها افتتانًا مظلمًا بالتعذيب والموت. وبينهما يقف «حسن» (منذر مهران)، طفلٌ ينتمي إلى عائلة فقيرة، وهو الطرف الأضعف في حكاية لم يختَر أن يكون جزءًا منها.
يجمع الإنترنت «الدارك ويب» بين هذه العوالم التي ما كان لها أن تتقاطع في الواقع. حيث يختار «سليمٌ» «علاءً» لتنفيذ سلسلة من التحديات مقابل المال، ثم يبدأ «سليم» في اختبار حدود «علاء» ويدفعه إلى أفعال أكثر قسوة، حتى تتحول اللعبة من أوامر تُرسل عبر شاشة إلى جريمة تُرتكب على أرض الواقع.
قصة حقيقية أولاً!
قبل أن أتوقف عند الحبكة والشخصيات والإخراج، ثمة حقيقة واحدة فرضت نفسها على كل ما عداها: جوهر هذه الحكاية حدث بالفعل. في منتصف إحدى الحلقات، بلغت الأحداث من القسوة حدًّا جعلني أوقف المشاهدة وأبحث عن القضية الأصلية. كان يصعب عليّ تصديق أن عالمًا كهذا موجود فعلًا خارج خيال كاتب أو مخرج، لكن نتيجة البحث كانت أكثر صدمة: وجدت مقاطع من جلسات محاكمة المتهمين، واكتشفت أن كثيرًا من التفاصيل التي ظننتها إضافات درامية وردت في القضية نفسها، حتى إن أوصاف طريقة تنفيذ الجريمة جاءت قريبةً مما عرضه المسلسل. عندها اتضح أن العمل أعاد تشكيل الشخصيات وخلفياتها ودوافعها، أما فظاعة الجريمة فلم تكُن بحاجةٍ إلى خيال يبالغ فيها.
معرفة ذلك غيّرت علاقتي بالعمل وضاعفت أثره في نفسي؛ فما بدا في البداية حكاية متطرّفة عن عالم خفي، كان في حقيقته امتدادًا لواقعة شغلت الرأي العام. وهنا تكمن قيمة هذا النوع من الدراما: أنه يعود إلى قصص عربية من الواقع، ويعيد تفكيكها وفهمها، في وقت لا تزال فيه أعمال كثيرة تكتفي باستعارة حكايات من ثقافات أخرى وتغيير لغتها وملامحها.
ذكّرتني الصيغة التي يقدّمها «القصة الكاملة» بمسلسل «وحوش»، فكلاهما يعود إلى حوادث حقيقية شغلت الرأي العام، ثم يعيد بناءها في حكاياتٍ قصيرة ومشدودة، تمتد على حلقتين أو ثلاث، وتمنح القصة مساحتها الكاملة من دون إطالة.
خلف أكثر الوجوه طمأنينة
أكثر ما شدّني في المسلسل شخصياته؛ فبشاعة أفعالها تجعل محاولة فهمها صعبة وملحّة في الوقت نفسه. ما الذي يمكن أن يقود إنسانًا إلى تعذيب الآخرين والاستمتاع بأذيتهم؟ هل هو اضطرابٌ خفي، أم ماضٍ قاسٍ، أم ضغط اجتماعي، أم اختيارٌ إجرامي لا يحتاج إلى كل هذه التفسيرات؟
وتتمثل هذه التساؤلات في «علاء»، الشخصية الأكثر تركيبًا، فهو يحيط نفسه بصورة الرجل المتدين، بينما تكشف اختياراته أن خوفه على مكانته يفوق خوفه على حياة الآخرين. وقد التقط محمد فرّاج هذا التناقض بأداء جعل علاقتي بالشخصية مضطربة باستمرار؛ في لحظة يبدو رجلًا مذعورًا تحاصره الظروف، وفي اللحظة التالية يظهر شخصًا متلاعبًا ومستعدًّا لأن ينقل ثمن أزمته إلى من هو أضعف منه. وكلما اقتربنا من فهمه، ازدادت أفعاله إزعاجًا، لأن الوحشية هنا تصدر عن إنسان ندرك مخاوفه ونشهد اختياراته كاملة.
وعلى الطرف المقابل، زرع عمر رزيق، في دور «سليم»، خوفًا مختلفًا. فالشخصية لا تحمل أيًّا من العلامات التي اعتدنا ربطها بالمجرم؛ فهو مراهق متفوق من عائلة مرموقة، يَظهر في المدرسة بصورة «النبيل» الذي يدافع عن ضحايا التنمر. شخصٌ يمكن أن تثق به، وربما تأتمنه على حياتك. لكن خلف هذه الصورة يختبئ شغفٌ مظلم بالتعذيب والموت، ورغبة في تحويل آلام الآخرين إلى لعبة. وقد جسّد رزيق هذا التناقض بهدوءٍ بارد لا يشي بما تخفيه الشخصية؛ فسليم لا تحرّكه الحاجة إلى المال، ولا الرغبة في الانتقام أو الدفاع عن النفس؛ يفعل ذلك من أجل المتعة وحدها، وهذا ما يجعله أكثر رعبًا.
يضع المسلسل أمامنا قناعين تعوّد المجتمع الوثوق بهما: «علاء» يختبئ خلف التدين، و«سليم» خلف التفوق والأسرة المرموقة. كلاهما يستفيد من صورةٍ تمنحه القبول وتبعد عنه الشبهة. وهنا تكمن الفكرة الأكثر إقلاقًا في العمل: أخطر الأقنعة هي تلك التي يمنحها المجتمع ثقته مسبقًا.
ثلاث حلقات… اختصار له كلفته
المفارقة أن أكثر ما أحببته في المسلسل كان أيضًا سببًا في ضعفه. منحت الحلقاتُ الثلاث الحكايةَ إيقاعًا سريعًا ومشدودًا، وخلّصتها من المطّ الذي تعانيه مسلسلات كثيرة، لكن ضغط كل هذه الشخصيات ودوافعها داخل زمنٍ قصير دفع النص إلى الاعتماد المفرط على الفلاش باك. كلما احتاج المسلسل إلى تفسير سلوك شخصية، أعادنا إلى ماضيها؛ فنرى عائلتها وصدماتها ومخاوفها، ونحصل على إجابة جاهزة تشرح لنا كيف وصلت إلى ما هي عليه.
وجود الفلاش باك في حد ذاته لا يزعجني، لكن تكراره أفقده قيمته. فبدلًا من أن تكشف كل عودة إلى الماضي جانبًا يغيّر فهمنا للشخصية، تحولت المشاهد تدريجيًا إلى وسيلة سريعة لحشد المعلومات وتبرير الأفعال. والأسوأ أنه وبالرغم من كثرتها لم تمنح الشخصيات العمق الكافي؛ فقد عرضت لنا ما حدث لها، من دون أن تقنعنا دائمًا بأن تلك الحوادث تفسّر تحوّلها إلى هذا القدر من العنف. وفي بعض الحالات، بدا المسلسل وكأنه يحمّل صدمة واحدة من الماضي مسؤولية ميول إجرامية شديدة التعقيد، وهو تفسير أسهل وأبسط مما تحتمله الشخصية.
الخلاصة؟
في المحصلة، افتتح «لعبة جهنم» مسلسل «القصة الكاملة» بتجربة مشدودة ومقلقة، قادتها شخصيات مركبة وأداء لافت من محمد فراج وعمر رزيق. وأبرز ما يميّز المشروع رهانه على حكايات مستقلة ومكتملة، تمتد كل واحدة منها على حلقتين أو ثلاث؛ صيغة تبدو أقرب إلى إيقاع المشاهدة اليوم من مسلسلات الثلاثين حلقة، التي كان تفويت حلقتها الأخيرة كفيلًا بأن يحرمك من اكتمال الحكاية.
ومن هنا، يستحق هذا الاتجاه أن يتوسع، وأن يلتفت صنّاع الدراما العربية إلى ملفات المحاكم والحوادث التي شغلت الناس؛ فواقعنا مليء بحكايات لم تصل إلى الشاشة بعد. وتبقى مسؤولية الصانع أن يعيد بناءها بوعيٍ يحترم ضحاياها، ويكشف من خلالها ما تخفيه المجتمعات من تناقضات ومخاوف.

توفّر «مكتبة سينماء» آلاف الكتب والمواد المعرفية في السينما.
ابدأ رحلتك البحثية في مختلف الموضوعات السينمائية، من مجموعة «بلومزبيري» المتميزة، على منصة «سينماء».

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.