حين يصبح الأدب مهنةً لمن يملك ثمنها

حين يصبح الأدب مهنةً لمن يملك ثمنها
عزيز محمد
أعلنت جمعية الأدب المهنيّة مؤخّرًا عبر حسابها على منصة «إكس» عن إطلاق خدمة «منصة توقيع الكتب» للأدباء، وذلك في إطار استراتيجيتها لتعزيز أفضل الممارسات في القطاع الأدبي ودعم المنتسبين إليه. توفر الخدمة باقة من المزايا تشمل: تجهيز موقع التوقيع، والترويج للفعالية عبر منصات الجمعية، وإقامة ندوة نقدية متخصصة، إلى جانب حزمة من الخدمات الإعلامية.
اللافت عند الاطلاع على تفاصيل الخدمة وجود باقتين: أساسية بقيمة 2000 ريال، واحترافية بقيمة 5000 ريال. وبوجود هذا التفاوت في مستويات الظهور، يبدو جليًّا أننا لا نتحدث عن خدمات لوجستية بقدر ما نتحدث عن اقتناء رأس مال رمزي واجتماعي؛ فتصميم الخدمة يربط حجم الدفع بمستوى المرئية والوصول والمكانة، أي مستوى أعلى من الاعتراف. وفي كلتا الحالتين، يشتري الكاتب اعترافًا ممهورًا بختم جمعية الأدب المهنية، وهو ما يمنحه ثقلًا وموثوقية تتجاوز ما قد يحصل عليه عبر جهات أقل مكانة وموثوقيّة.
تبعًا لما تملكه الجمعية من أهمية مستحقة، أثار الإعلان جدلًا واسعًا، إذ تباينت ردود الفعل بين مؤيدين رأوا فيه تطورًا إيجابيًّا يواكب العصر، ومعارضين انتقدوا تسليع النقد وتحويل الكاتب إلى «عميل». دفع هذا الجدل الجمعية إلى إصدار بيانٍ توضيحي تضمّن عدة نقاط؛ منها أن الخدمة اختيارية وليست إلزامية، وهذا متفق عليه، ومنها تأكيدها على حياد النقد، مع أن طبيعة هذه الخدمة تنطوي على تضارب في المصالح يجعل من استقلالية النقد أمرًا بالغ الصعوبة.
استندت الجمعية كذلك إلى أن هذا النموذج مُتّبع عالميًّا، وهو ما رآه المعترضون تكريسًا لنهج تجاري لا ينبغي للجمعية تبنّيه أو فرض التكيف معه، ويجب بدلًا منه السعي نحو نماذج أكثر موثوقية. أما فيما يخص الاستدامة المالية للجمعية، لم يُوّجه الاعتراض إلى مبدأ الاستدامة بحدّ ذاته، ولكن إلى تحقيقه على حساب الكاتب الذي من المفترض أن تكون الجمعية مظلةً لدعم استدامته المهنية. وأخيرًا، وهي النقطة الأكثر التباسًا، تزعم الجمعية أن تقديمها لخدمات مدفوعة لا ينتقص من دورها في تقديم خدمات مجانية أخرى، وهو ما سأناقشه تفصيلًا في ثنايا المقال.
تستند هذه النقاط جميعها إلى مبدأ دعم الاقتصاد الثقافي، وتفترض أن الاعتراضات تنبع من عقلية ترفض تسليع الأدب وتحديث آليات ترويجه، مما يعيق نموه الاقتصادي. في المقابل، يعتمد الإعلان على أدوات ترويجية قديمة أو غير فاعلة، فالنقد الأكاديمي فقد الكثير من قوته التسويقية، كما أن جلسات التوقيع لا تجذب سوى جمهورٍ ملمٍّ مسبقًا بأعمال الكاتب، بينما يتطلب الترويج عبر وسائل التواصل الاجتماعي قاعدة متابعين تفتقر إليها حسابات الجمعية. لكن الخلل يتجاوز ذلك؛ فحتى لو طوّرت الجمعية أدواتها وزادت فاعليتها، سيظل الإشكال قائمًا، وربما يتجذّر أكثر. برأيي، لا ينبغي قراءة الإعلان بوصفه مجرد تطوّرٍ في نموذج عمل مؤسسي، فهو قبل كل شيء آخر، يمثل دلالةً على تحوّل عام في المشهد، تحوّل يكتفي، للأسف، بالتركيز على أعراض المشكلة وتجاهل جذورها، فيستفيد -غالبًا دون قصد- من استمرار تلك الأزمات، ويزيد من تكريسها وتطبيعها.
ما المقصود بالاستثمار في الأدب؟ أتصور أنه يعني بناء بنية تحتية ثقافية تُحقق عوائد اقتصادية مستدامة، تعود بالنفع على الكاتب والمؤسسة على حدٍّ سواء. يوحي إعلان الجمعية بوجود خللٍ في البنية الحالية، ففكرة «منصة التوقيع المدفوعة» ما كانت لتظهر وتُجدي نفعًا لولا استمرار عجز الكاتب عن الوصول إلى القراء.
من الطبيعي أن يستمر هذا العجز في ظل تراجع دور النقد، وضعف التغطية الإعلامية للكتب الجديدة، وسوء التوزيع، وفتور المكتبات والأندية الأدبية، ومحدودية دور الوكالات الأدبية محليًّا (والاستثناءات لا يُقاس عليها). وبدلًا من الاستثمار في معالجة هذه البنية التحتية، يُقدَّم للكاتب ما لا يعدو كونه أملًا فرديًّا مؤقتًا، إن لم يكُن وهمًا.
يكمن الإشكال في تسليع العوائق التي يفرضها ضعف البنية التحتية، وليس في تسليع الأدب بحدِّ ذاته، مما ينقل كلفة العمل الثقافي من عاتق المؤسسات والسوق إلى كاهل الكاتب، سواءً عبر الدفع المباشر أو التنازل عن الحقوق. هذا خللٌ لا يمكن للجهات المسؤولة التنصّل منه بذريعة تقديم بعض الخدمات المجانية، طالما أنها تساهم في خلق سوق يسلّع هذه الخدمات ذاتها، ويكرّس اختلال موازين القوى بين الكاتب والمؤسسة.
يتضح مدى عمق المشكلة عند ملاحظة استمرار اختلال القوى حتى بعد زوال العوائق، وفي ظل توافر بيئات ثقافية يُفترض أن تكون مثمرة اقتصاديًّا للطرفين.
قبيل معرض الرياض الدولي للكتاب، تواصلت معي جهة منظمة لتقديم ورشةٍ تدريبية عن تقنيات كتابة الرواية. بعيدًا عن قِصر مدة الورشة التي لم تتجاوز الساعة، فقد أثار استغرابي طلب إعدادها وتقديمها دون أي مقابل مادي، ولو رمزي. قد يكون هذا مقبولًا في سياق العمل التطوعي، لكنه مُستغرب هنا، إذ تواصل معي الطرف الآخر بصفته موظفًا في شركة تنظيم فعاليات تتقاضى مبلغًا وقدره مقابل إعداد البرنامج والتواصل مع المتحدثين، وهو مع ذلك مبلغ بسيط مقارنةً بمجموع الإيجارات التي تدفعها دور النشر المشاركة في المعرض.
يضاف إلى ذلك احتمال وجود رسوم للتسجيل في الورشة التي تمتلئ عادةً بفضل كثافة زوار المعرض. إن الجدوى الاقتصادية للفعالية محققة وبمستوى ضخم، غير أن الكاتب يظل خارج معادلة الاستفادة، مع أنه يمثل المادة الأساسية التي تقوم عليها هذه السلسلة الاقتصادية بأكملها.
حاول الموظف، اجتهادًا منه، تبرير هذا القرار زاعمًا أن تقديم الورشة سيفتح لي آفاقًا مستقبلية. لم يكُن منطقه غريبًا، فالكثير من الروائيين يضطرون لقبول مثل هذه المساومات، بل إن بعضهم مستعد للدفع مقابل هذه الفرصة، ولا عتب عليهم في ذلك وفقًا لمنطق العرض والطلب.
إن مطالبة الكاتب بالتنازل عن حقه المادي ليست وليدة البيئة التنافسية أو التقشف، كما يُعتقد، بل هي امتداد لإرثٍ طويل من الأفكار البائدة التي تُعلي من شأن «نُبل الأدب» وتدعو الكاتب إلى الترفُّع عن النظر لحرفته على أنها مصدرٌ للرزق. وهذا ما تستغله الأطراف المستفيدة من الاقتصاد الثقافي، بدءًا من المؤسسات التي تتنصّل من قيم الإيثار التي تطالب الكاتب بها، وصولًا إلى الناشرين والوكلاء الذين يمنّون عليه بتقديم خدمات بديهية في سوقٍ يدّعون كساده، حتى في ظلّ ازدهاره وتنامي أرباحهم.
ويكفي رصد عدد دور النشر السعودية التي لا تزال تُلزم الكاتب بالدفع مقابل النشر، رغم انتعاش السوق وتوسّعه وفقًا لتقرير الحالة الثقافية لعام 2024، متجاهلةً ما تتلقّاه هذه الدور من دعمٍ وحوافز مالية، كمبادرات دعم الطباعة وبرامج التدريب الأولي لدور النشر.
يؤكد التقرير الأخير الصادر عن وزارة الثقافة أن الاقتصاد الثقافي يختلف في جوهره عن اقتصاد بقية الأسواق، إذ يستوجب التعامل مع الثقافة بوصفها مجالًا حيويًّا تتشابك فيه الأبعاد الرمزية والهوياتية والاجتماعية، وهو ما يتجاوز في طبيعته حدود المؤشرات الاقتصادية المباشرة. وقد حمل التقرير عنوان «قياس الأثر الثقافي» بهدف تطوير فهمٍ أكثر شمولًا لدور الثقافة، من حيث إسهامها المباشر في الاقتصاد الوطني، وفي دورها المحوري في تشكيل الوعي، وتعزيز الانتماء، وتنمية الإبداع، وهي آثار تنعكس فوائدها اقتصاديًّا على المدى البعيد من خلال تحسين الصحة النفسية، وتنشيط السياحة، ورفع المستوى التعليمي.
ونظراً لأن قياس هذه الأبعاد يتطلّب مسوحات تخصصية ودراسات تراكمية طويلة الأمد، مما يجعلها عملية محفوفة بالتحديات، تلجأ الجهات الثقافية غالبًا إلى المؤشرات الأيسر. ونتيجةً لذلك، صار المشهد الثقافي اليوم يُختزل في لغة الأرقام والفعاليات، كعدد الحضور والمنشورات والمشاركين والكتب الموقعة. وبات التوجه العام يميل إلى الاستثمار فيما يمكن قياسه كميًّا، مما يضطر مشاريع القطاع الثقافي إلى تبرير جدواها باستمرار بلغة السوق.
تعترف الوزارة -في تقريرها على الأقل- بقصورها في معالجة تلك التحديات التي تختزل الثقافة في المؤشرات الكمية، وتتشبّث بضرورة معالجتها رغم ذلك. في المقابل، نرى المؤسسات التي تستعير مصطلحات الاقتصاد الثقافي من الوزارة نفسها، سواء من الاستراتيجية الثقافية الوطنية أو تقرير الحالة الثقافية، تستغل هذا القصور لتختزل نجاح مشاريعها في الأرقام.
من المؤسف أن ينسحب هذا الواقع حتى على مشاريع تموّلها الوزارة، وتتولى تنفيذها شركات منظِّمة تفتقر إلى أدنى دراية بالشأن الثقافي، ولا تحرّكها سوى حسابات الربح المباشرة. ومع أن هذا المنطق يبدو متوقعًا من الشركات، فلا يمكن التغاضي عنه حين يصدر من جهات ثقافية تضع حماية الأدب من تغوُّل السوق في صلب استراتيجيتها، ثم تتذرّع بضغوط الاقتصاد لتغري الكاتب بالدفع مقابل ما لا يرضى أن يدفع مقابله القائمون عليها من كتّاب ونقاد ومثقفين كبار. والسؤال: أي جدوى اقتصادية يجنيها الكاتب إذا كان عاجزًا عن التفرغ لإبداعه، ومتنازلًا عن حقوقه المادية، ومضطرًّا فوق ذلك إلى الدفع ليحظى بفرصة للظهور والوصول؟
ومع أن الجمعية تقدّم برامج وفعاليات مجانية متنوّعة، كالأمسيات الأدبية والندوات والمشاركات المحلية والدولية، تظلّ آلية الحضور والمشاركة منحازة بوضوح لمشتركي باقاتها المدفوعة. فوفقًا لموقع الجمعية، تمنح «العضوية العادية» أولوية الترشيح لحضور المناسبات والفعاليات الداخلية والخارجية، وأولوية الاستفادة من المشاريع التي تنفّذها الجمعية، في حين توفّر «العضوية الاحترافية» ذاتُ التكلفة الأعلى امتيازاتٍ أكبر. ومع التوجه المستقبلي لربط هذه المشاركات -سواءً المدفوعة بشكل مباشر أو غير مباشر- برصيد مهني في قاعدة بيانات وطنية تقيس الحضور الأدبي، سيصبح «الخيار» الشخصي بالامتناع عن سباق المشاركات محفوفًا بالمخاطر، إذ سيخرج الأديب من نطاق تقييم الجهات الرسمية، مما يقلّص فرصه في الترشح للمبادرات والجوائز الثقافية التي قد تعتمد في معاييرها «نقاطٍ» يمكن زيادتها ببساطة عبر شراء الخدمات المدفوعة كمنصات توقيع الكتب.
ما سبق ليس تشاؤمًا ديستوبيًّا من خيالي، بل هو ما ورد -بتصرّف- في إعلان الجمعية عن برنامج «النقاط الأدبية» الذي أطلقته بالفعل وبدأت بتفعيله.
لا نشكّك هنا في أهمية الدور الذي تؤديه الجمعية في إحياء المشهد الأدبي، وحضورها الفاعل في تمكين الكُتّاب، فهي اليوم مرجعٌ مهني وشريكٌ استراتيجي لوزارة الثقافة. وبناءً على هذه المكانة، يقع على عاتقها مسؤوليةٌ مضاعفة في قيادة القطاع، وتفعيل دورها في «التأثير على التشريعات والسياسات المتصلة به» وفقًا لاستراتيجيتها. وهذا يقتضي منها ألّا تتبنى آليات السوق، كي لا تنزلق مع الوقت إلى تبنّي منطقه الربحي.
وتكمن الخطورة هنا في أن ممارسات الجمعية قد تصبح غدًا ذريعةً لجهات أخرى لشرعنة انتفاعها المادي من الكُتّاب وبخس حقوقهم، مما سيترك عواقب وخيمة على العلاقة بين المؤسسة والكاتب. إن نجاح المؤسسة في تنمية مواردها لا ينبغي أن يكون على حساب المشهد الثقافي، فالاستدامة المالية للجمعية لا تنفصل عن الاستدامة المهنية للأفراد الذين تمثّلهم. ومن خلال هذا التكامل وحده، يمكننا بناء اقتصادٍ ثقافي مستدام، يتماشى مع الرؤية الوطنية ويدفع عجلة التنمية الشاملة.

كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭
مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨
موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!
هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗
التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.