«Insidious»… سلسلة تكرّر نفسها 🔁


تصميم: أحمد عيد
تصميم: أحمد عيد

«Insidious»… سلسلة تكرّر نفسها 🔁

عزيز خالد

أعترف أن سلسلة «Insidious» لم تكُن يومًا من سلاسل الرعب المفضلة لدي. ومع أني أجد أن فكرتها جيدة، ولها إمكانية كبيرة في عالمها منذ الجزء الأول، لا أتذكر أن جزءًا منها أبهرني. ومع مشاهدة كل فِلم منها، بدأت أشعر أنني أعود إلى السلسلة محاولًا إقناع نفسي بها، فأشاهد الجزء التالي على أمل أن أجد «الممتع» فيها، أو أن تستغل عالمها بطريقة تغيّر صورتي عنها. واستمر هذا الحال حتى فِلم «Insidious: Out of the Further».

عائلة جديدة والرعب نفسه

يبتعد الفِلم في هذا الجزء عن الحكاية السابقة، ويتبع «جيما»، الأم العزباء التي تسكن مع ابنتها في المنزل الذي نشأت فيه. تحمل «جيما» ذكرى مؤلمة منذ طفولتها بعد انتحار والدتها أمامها، وتبدأ برؤية كيانٍ وعدّة أحلام تعيد إليها ما عاشته في طفولتها، فيتضح أن ما يحدث لها مرتبط بعالم «The Further»، وأن علاقتها به أعمق مما تتصوّر. ومن هنا يبدأ الفِلم بفكرةٍ عن صدمة قديمة انتقلت بين الأجيال، وعن عائلة تواجه شيئًا ظلّ معها منذ سنوات.

وفي نصفه الأول، شاهدت كل ما اعتدت عليه حول الطريقة التي يظهر فيها الرعب في «Insidious»، كسلسلة من الـ«Jumpscares»، بعضها يؤدي مهمته، لكن لا شيء جديد فيها. بل إنك تعرف أحيانًا متى سيأتي الفزع قبل أن يحدث؛ لأن السلسلة درّبتك على طريقتها.

لكن مرّت لحظات كانت أفضل نسبيًّا حين استفاد الفِلم من الأماكن الضيقة وشعور الاختناق، وبعضها ذكّرني -بصريًّا- بفِلم «Backrooms». 

ويقدِّم مشهد عيادة الأسنان طريقة مختلفة ومقززة لإزعاجك، بعيدًا عن الأشباح. لكنه يظل استثناءً وسط فِلم رعب اعتيادي وممل.

الرعب ينتهي مع الفزع

ليست المشكلة في أن تقنية الـ«Jumpscare» مستهلكة؛ إذ يمكن أن تكون أداةً فعّالة عندما تُستخدم جيّدًا. المشكلة حين تصبح هي الفكرة كلها؛ إذ ينتهي شعورها بعد أجزاء من الثانية. لم أرَ شيئًا يخيفني بعد انتهاء المشهد، ولم يعطِني الفِلم فكرةً أعود إليها أو صورة أحاول فهمها.

الرعب الجيد يثق بفكرته، ويعرض عليك شيئًا ويتركه معك، ويمنحك وقتًا لتستوعبه، وربما لا يشرح لك ما رأيته. الخوف هنا لا يأتي فقط من لحظة ظهور الشيء، وإنما من بقائه في ذهنك بعد اختفائه. وهذا تحديدًا ما كنت أتمنى أن أجده في «The Further»؛ بُعدًا مظلمًا موازيًا لعالمنا تسكنه الكيانات الشريرة. وهذا النوع من الرعب يصبح أكثر غموضًا ورعبًا كلما تعمقنا فيه. لكن السلسلة تفعل العكس؛ فكلما دخلنا في رعبها أكثر، أصبح أوضح وأقل رهبة.

المصيبة في الفِلم

عند ظهور «إليز» -الوسيطة بين العالمين- يصل الفِلم إلى أكثر ما فيه إزعاجًا. فبعد أن أمضى نصفه الأول في سلسلة من الإفزاع، تأتي شخصيةٌ لتجلس وتشرح ما يحدث، ولماذا يحدث، وما الذي يعنيه. وكأن الفِلم لا يثق بأنني شاهدت خمسة أفلام قبله، أو لا يثق بقدرتي على استيعاب 40 دقيقة منه.

وهكذا، لم أحصل على أيٍّ من الطرفين. لم يمنحني الفِلم رعبًا أستطيع التفكير فيه، لأنه كان مركّزًا على إفزاعي كل بضع دقائق، وحين ظهر شيء يمكن التفكير فيه، شَرَحه.

كل ما أردته من السلسلة أن تأخذ عالمها بجدية؛ وأن تثق به، وتتعامل معه بوصفه مكانًا مخيفًا وغامضًا، لا مجرد مجموعة قواعد وقدرات وشخصيات يمكن شرحها في حوار.

عالم أكبر، ورعب أصغر

في الفصل الأخير، يأخذ الفِلم فكرته إلى مكان يُفترض أنه أكبر. والخطر لم يعُد كيانًا يطارد شخصًا، و«The Further» لم يعُد مكانًا نذهب إليه لإنقاذ فرد من العائلة. فيكبر حجم التهديد، وتظهر قدرات جديدة، وتتحوّل المواجهة إلى شيءٍ أقرب إلى معركة خارقة للطبيعة.

على الورق، يبدو هذا تطورًا طبيعيًّا لسلسلة تحتاج إلى توسيع عالمها. لكن ما حدث هو العكس. كلما كبر حجم الفكرة، صغر أثرها. وأصبح «The Further» عالمًا أقلّ رعبًا، وأصبحت الشخصيات كأبطال يملكون قدرات خارقة، وتحوّلت المواجهة من شيء مجهول أخشاه إلى مشكلة لها قواعد وخطة وحل.

حتى المنطق الداخلي يبدأ بالتفكّك. بعض خطط الشخصيات موجودة فقط لأن الأحداث تحتاج إلى الوصول إلى المواجهة التالية، مثل شخصية «نِك»، رفيق «جيما»، التي تبدو وكأن السيناريو احتاج إلى شخصٍ إضافي في الفصل الأخير، أكثر من حاجته إلى علاقة عاطفية.

الخلاصة

ما زال «Insidious: Out of the Further» يملك الفكرة الجيدة، لكنه لا يثق بها؛ حيث يستبدل غموض «The Further» بإفزاعات سريعة وشروحات مباشرة، ثم يحاول توسيع عالمه بمعركة أكبر وقدرات أكثر. أراد أن يجعل السلسلة أوسع، لكنه جعلها أسخف.

بعد كلِّ جزء، كنت أعود وأنا أنتظر اللحظة التي تستغل فيها السلسلة فكرتها. ومع هذا الجزء، انتهى ذلك الانتظار. وأعتقد أنني فهمت أن السلسلة ترى المتعة في مكان مختلف عن المكان الذي أبحث فيه.


كل مشاهدة تفتح بابًا جديدًا للفهم،

وكل كتاب يضيف معنى آخر للصورة

مرحبًا بكم في «مكتبة سينماء» على منصة «سينماء».


النشرة السينمائية
النشرة السينمائية
أسبوعية، الخميس منثمانيةثمانية

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.

+80 متابع في آخر 7 أيام