وين تودي أطفالك في الرياض؟
قصة وفاء السبيّل مؤسِّسة مكتبة «كان ياما كان»
لما أعود بالذكريات وأسترجع علاقتي بأمي، أتذكر صوتها وهي تغني لنا وحنا صغار، وكيف تدخّل اسمي وأسماء إخواني بالأغاني.. ما كانت أمي تقرأ لنا قصص كثر ما كانت تغنّي. صوتها حلو ومريح، على عكس أبوي، كان هو راعي القصص اللي يغلب عليها قصص الرعب اللي تخوّفنا مرّات، وتضحّكنا مرات أكثر.
أنا من الجيل الأخير من عيال البيت، وأعمارنا متقاربة، فما حصل لي أدخل في تفاصيل تربية إخواني الصغار، مثلما دخلوا إخواني الكبار معنا، فذكرياتي مع صوت أمي وقصص أبوي هي آخر عهدي بطرق التربية.
لهذا السبب كان استكشاف هالعدد مثير بالنسبة لي، دخلت «عالم مدهش» مرة ثانية، لكن على كبر؛ حضرت مسرحيات وأمسية لرواية حكايات الأطفال، وجلست جلسة ودّية مع «الأم الروحية» لمكتبات الأطفال في الرياض؛ الدكتورة وفاء السبيّل داخل مكتبتها.

بدأ هالعدد من هاجس وين الأمهات والآباء يودّون أطفالهم لقضاء وقت غير الروضة؟ وش الفعاليات اللي تستاهل وقت الطفل، وتكون قيّمة بنفس الوقت؟
وبعد بحث دام لأسابيع، التقيت فيه مع عديد من الأمهات المهتمين في مجال التربية الحديثة، والعلاقة مع الطفل، لقيت الإجابة عند مكتبة «كان ياما كان» لوفاء السبيّل.

لما لقيت المكتبة لاحظت أنها مو مكتبة تبيع أو تعير كتب وبس، لكنهم يقدمون أنشطة ومسرحيات وفعاليات للأمهات وأطفالهم باللغة العربية. الصدق لفتتني المسرحيات اللي يقدمونها، لأني كنت أحب المسرح، سواء مسرح المدرسة أو حتى المسرح الخيالي اللي أسويه في صالة بيتنا وأمثّل فيه.
زرت المكتبة للمرة الأولى، وكانت أصغر من توقعاتي، ومختلفة عن الصور اللي في خرائط قوقل. استغربت، لكن عرفت بعدها أنهم كانوا في فرع مختلف، أكبر، وانتقلوا لفرعهم الحالي قبل شهرين بس.
بقولك ليش...

قابلت أمينة المكتبة، شاهيناز، عرفت بعدها أنها تقدم أيضًا للأطفال فعالياتهم وأنشطتهم. تفهّم الأمهات والأطفال وش اللي يدورون عليه، وتعطي توصيات الكتب حسب اهتمام الطفل أو ملاحظات أمه.
تشتغل مع وفاء من يوم عمرها 17 سنة في المكتبة، وصار لها 13 سنة معها. تعلّمت وحبّت الأطفال وهذا العالم، ومكملة فيه إلى اليوم.
وأنا في المكتبة لاحظت ولد صغير هو اللي يحاسب ويتأكد أن بعض الكتب موجودة في المخزن. ولد حيوي وذهين، يركّز مع الأمهات؛ وش يطلبون من شاهيناز، ويعلّق لو بباله توصية أو شيء يشبه اللي طلبوه.
ولما سألته، طلع بدر حفيدها، تخليه في الإجازة الصيفية يشتغل في المكتبة عشان يتعلم يتفاعل مع الناس ويدخل معهم، ويشغل وقته بشيء جديد عليه.

بزيارتي الثانية للمكان التقيت بوفاء السبيّل أخيرًا، كان عندي فضول أتعرف على هذه الشخصية عن قرب. لأن مع البحث قدرت أعرف معلومات عامة عنّها؛ أنها دكتورة في الأدب المقارن، وعندها ماجستير في أدب الأطفال، وكانت وكيلة قسم اللغة العربية في جامعة الإمام. وعندها عدّة بحوث ومؤلفات تخص الطفل وأدبه، ومجموعات قصصية.
كل هذه المعلومات السابقة خلّتني أتوقع أن الجلسة معها بتكون نخبوية إلى حدٍّ ما، لكنها كانت عكس التوقعات. فتحت لي المكتبة الصباح -رغم أنها عادةً تفتح العصر، لكن عشان نجلس بهدوء- جلسنا بالطاولة وسط كتب الأطفال، فكانت في كل مرة تبي تتكلم عن كتاب، تقوم تاخذه من الرف وترجع.
الحوار معها كان سلس وحي، لأن شخصيتها كذلك، تشوف فيها شخص يتكلم عن عالم يحبّه وشغوف فيه، وكانت هذه الطاقة طاغية على الجلسة. حتى أنها ما عرّفت عن نفسها بمؤهلاتها كما هي عادة أي شخص تقابله أول مرة، بل كلمتني بالبداية عن اللقاء الأول مع عالم الطفل.

بدأت القصة في الثمانينيات، لما انتقلتْ لأوستن في تكساس مع زوجها، وكانت تدرس لغات وآداب في جامعة تكساس. وقتها، أخذت مقرّر تكميلي عن الطفولة المبكرة، وكان أحد تكاليفه أنها تراقب طفل واحد في الروضة لمدة فصل كامل، وتكتب بحث مفصّل عنه.
هذا المقرر دخّلها عالم الأطفال للمرة الأولى، لأن ما كان عندها أطفال وقتها، ولا حتى تعتبر نفسها قريبة منهم، لكن مثل ما تقول: «انبهرت». لأول مرة تشوف كتب أطفال بالشكل هذا، وتروح للمكتبات العامة، وتحضر أمسيات رواية الحكايات، وتشوف كيف يقرأ الحكواتي القصة، ويؤدي شخصياتها، وكيف يتفاعل الأطفال معه.
وبعد ما جابت بنتها الأولى، صار هذا العالم جزء من حياتها. كانت جارتها مهتمة بتعليم ولدها وتأخذه للمكتبات العامة، وصارت وفاء تسوي الشيء نفسه مع بنتها. ما عاد اهتمامها بالطفل مجرد مقرّر جامعي، صار شيء تعيشه وتجربه في بيتها.
بدأت بعدها تكتب مع رابطة الشباب العربي المسلم في مجلة «سنابل» مقالات تخص الاطفال، وفي السنوات الأخيرة صارت رئيسة تحرير المجلة. ومع الوقت، بدأ يتكوّن عندها حلم أنها تسوي شيء مشابه في الرياض. مكان للطفل ما يكون دوره التعليم فقط، ولا اللعب فقط.
رجعت للسعودية واشتغلت فترة في رياض الأطفال في مدارس طويق بحي السفارات، وبعدما كثروا عيالها، قررت تركّز أكثر على تربيتهم في البيت، مع أبحاثها وكتابتها.
ومن سوالفها عن هذه الفترة من حياتها، حسيت أني جالسة مع أم أكثر من كوني جالسة مع أكاديمية. كانت تسولف عن التربية وكيف تعلمتها بنفسها، وتقول «على رغم حبي الكبير لأمي وأبوي، كنت أعرف أني مابي أربّي عيالي بالطريقة نفسها.» فكانت تقرأ وتجرب. وكان من الأشياء اللي تؤمن فيها أهمية التوكيد للطفل، وأنه مهم يعرف أن حب أهله له ما يتغير بسبب تصرف أو خطأ.
فقبل النوم، فيه لعبة ألّفوها عيالها؛ نجلاء وعبدالرحمن، يسألونها أسئلة تبدأ بـ«لو سوينا... وش بتسوين؟» وتعلمهم وش بيكون ردة فعلها، وبالنهاية تطمّنهم في كل مرة أنها بتحبّهم بالنهاية مهما يسوون. وتقول كانوا يحبون اللعبة ويضحكون فيها، ويكررونها كل ليلة.
ومن هذي اللعبة جاء كتابها «أمي، ماذا لو؟»، كتاب عن الحب غير المشروط، فيه نفس الحوارات اللي كانت بينها وبين عيالها، كتبته قبل أكثر من 24 سنة، ونشرت أول عدد منه دار أسفار، وأعادت نشره مؤخرًا وهو من كتبهم الأكثر مبيعًا.
ورغم اهتمامها بأطفالها، ظل عندها هاجس ثاني متعلق فيهم: «ما فيه مكان ثقافي يروح له الأطفال».
كانت تعرف شكل هذا المكان لأنها عاشته في أوستن: مكتبة يروح لها الطفل، مو بس عشان يشتري كتاب، يروح يسمع حكاية ويحضر نشاط، ويقابل أطفال آخرين، وتصير المكتبة مكان يطلب الطفل أنه يروح له، بدل أن يُجبر عليه. 🤷
وفي 2012 قرّرت تسوي المكان بنفسها، وتبدأ «كان ياما كان».
أسست المكتبة مع ولدها الوحيد عبدالرحمن، اللي كان شريكها من كان عمره 18 سنة. من وقتها وهو المسؤول عن استخراج التصاريح ومراجعة الوزارات في ذيك الأيام.

كان الفرع السابق هو الفرع «الحلم» مثلما وصفته وفاء. كان مكتبة من دورين، واسع، شَرح، فيه مسرح خاص، وأقسام متعددة داخل المكتبة، كان أكثر سعة وأكثر تعدد في الخدمات من الفرع الحالي، اشتغلت عليه من الصفر، ودخلت في تصميمه من الألف إلى الياء، وصمّمته مثلما كانت تشوف المكتبات اللي كانت تبي تسوي زيها.
لكن مثل أي تجارة تمر بتحديات، كانت المكتبة لها نصيبها من هذه التحديات الصعبة.
ولأن عبدالرحمن لا يزال إلى اليوم شريكها اللي تثق فيه، كان قرار خروجهم من فرعهم «الحلم» والانتقال إلى فرعهم الحالي الأصغر قراره، بسبب صعوبة أنهم يبقون في فرعهم السابق بعد تحديات كورونا، وأمور مالية أخرى.
لكن العجيب أن الأمهات ما تخلّوا عن المكتبة حتى بعد انتقالها إلى فرع آخر. التقيت ببعض الأمهات وأكدوا علاقتهم الوطيدة بالدكتورة وفاء، وعلاقتها بأطفالهم. ولأنهم يؤمنون بجودة رسالتها، يتعنّون لها.

تحمّست أحضر أنشطتهم، فحضرت مسرحيتين، وحدة يقدمونها في مكتبة الطفل في «بيت الثقافة»، ومسرحية ثانية في مقرّهم الأساسي، في حي القدس. وعلى رغم سعة المكان في بيت الثقافة مقارنةً بالمقرّ الأصلي، كانت «منتهى بن دخيل»، الأستاذة اللي تقدّم المسرحيات وتروي القصص هي الشخصية الفارقة!
أسلوب الرواية وتأدية الأدوار رائع، لدرجة نسيت نفسي كم دقيقة واندمجت مع قصة «داينو» وهو خايف من أول يوم مدرسة. 🎭
تؤدي كل أصوات الشخصيات بوقت واحد بدون ما تحسّسك أنها شخص واحد أصلًا؛ صوت الحيوانات والمطر والشخصيات والعجوز، كلها بواقعية ظريفة وشيّقة للأطفال.
كانت شخصيتها قريبة منهم، وتفاعلاتها معهم لطيفة، مليانة طاقة تكفي للتعبير والتفاعل معهم بنفس وتيرة الأطفال وطاقتهم الكبيرة، تجاوب عن أسئلتهم الغريبة، حتى تشبع فضولهم لو قرروا يمثلون بعد ما تخلّص من مسرحيتها.

في المسرحيات يتعمّدون يخلون الأمهات مع أطفالهم كنوع من التفاعل بينهم، ويعطي الأطفال شجاعة أكبر بأنهم يتفاعلون معها.
عرفت عن «منتهى» أكثر من وصف وفاء عنها، أنها النسخة المصغّرة منها. تدرّبت معها من بداية تأسيس المكتبة من 14 سنة. وكانت قبلها تدرّس في رياض أطفال قبل تبدأ مع «كان ياما كان»، ولاتزال الموظفة الوفيّة للمكان.
الأمهات يجون عشانها، وكنت كل ما سولفت مع واحدة منهم تقول لي «حضرتي أحد مسرحيات منتهى؟» وبعدما حضرت عرفت السبب.
كانت وفاء في البدايات تقص القصص بنفسها، وتؤدي الأدوار، وحتى تمثّل الشخصيات. لكن حاليًّا تقوم بدور الإشراف بشكل أكبر، وعندها بناتها (مثلما تسميهم): شاهيناز وسارة وفهدة، تعلموا منها وأخذوا الدور الرئيسي.
قابلت حفيدها هيا، وهي أول أحفادها البنات، سمّتها أروى على جدتها أم وفاء، ولما ألّفت سلسلة سمّتها «سلسلة هيا الصغيرة» تباع في المكتبة مع بقية الكتب ومؤلفاتها الثانية.

بالنهاية عرفت التحفظ اللي كان عندها على بعض تفاصيل المكان، تقول «صعب أنك تسوي اللي تحلم فيه، وبعدها تضطر تتخلى عنه». لكن «كان ياما كان» مكمّل اليوم في فرعه الجديد، واللي مخليه يكمّل هو إيمان وفاء السبيل «الأم» باللي جالسة تقدمه.❤️
في نهاية القصة فسّرت لي وفاء شغفها بالمجال، بوصف بقى عالق في بالي بعدما طلعت من عندها.

للأدب.. كُل الأماكن📍
تحوّل مبادرة «الشريك الأدبي» الأماكن العامة في المدن السعودية إلى مساحات للقاء القراء والحوار حول الأدب؛ قد تذهب للمقهى لاحتساء قهوتك، فتجد الجميع يناقشون رواية 📚
اطّلع على جدول الفعاليات. أو تعرف على المزيد

-(1).gif)
📍موقع المكتبة في حي القدس.
بتلقى مؤلفات وفاء السبيّل والكتب المخصصة للبيع في الفرع، بينما الفعاليات والأنشطة تقام في مكتب منفصل بجانب المكتبة مُخصّص لإقامة الفعاليات والأنشطة والمسرحيات، وكذلك يقيمون جزء من فعالياتهم في في بيت الثقافة.
جميع الفعاليات والأنشطة تتطلب حجز مسبق.
تقدر تشوف المواعيد والتفاصيل في حساباتهم على إنستقرام.
الحجر عن طريق موقعهم الإلكتروني.

تحس أنّك تعرف الرياض؟ سواءً كنت ساكن فيها، أو مختّمها، أو جديد فيها، هذه النشرة لك. قبل نهاية الأسبوع، نرسل لك تجارب وتوصيات وجديد الرياض وأماكنها المعروفة، والأهم، السريّة.