«اسمي وردة» ورحلة فتاة نحو النضج

«اسمي وردة» ورحلة فتاة نحو النضج
آمنه العطاس
قبل عام، خيّرتنا أستاذة التربية الفنية بين رسم «القَط العسيري» أو نموذجٍ لبيت، فاخترتُ البيت، إذ لم أرَ في القط العسيري حينها سوى مثلثات وخطوط مصفوفة بنمطٍ تقليدي. لكن بعد قراءتي للقصة المصورة «اسمي وردة» للكاتبة ملاك الراشد وأختها الرسّامة ضي الراشد، أدركت قصور معرفتي؛ فحين جلست «وردة» مع أمها وهي ترسم القط العسيري، شرحت لها دلالات تلك الرموز واصفةً إياها بلُغزٍ تصنعه بيدها.
تعجبتُ من كون تلك الخطوط والمثلثات تحمل معاني أعمق بكثير مما ظننت، وكان ذلك أول ما وسّع نظرتي تجاه هذا الفن. ثم اتسعت رؤيتي أكثر حين خرجت «وردة» في حلمها لتشاهد القمر؛ إذ وجدت ذهنها مُثقلًا بالأفكار، فقررت الرسم، لتجد نفسها ترسم تلقائيًّا رموز القط العسيري. جعلني ذلك أدرك أن هذه الرموز قادرةٌ على تجسيد مشاعر الرسام ومكنونات قلبه تمامًا كالكتابة، وأنا ممتنةٌ لقصة «اسمي وردة» التي منحتني فهمًا أعمق لهذا الفن.
«وردة»، فتاةٌ في مرحلة ما قبل المراهقة، تعيش في رجال ألمع، وتكنُّ شغفًا كبيرًا بالنحل بفضل مساعدتها لوالدها في المنحلة. غير أنَّ رجال الحي ألحُّوا على والد «وردة» بمنعها من العمل في المنحلة، بحجّة أنه عملٌ لا يليق إلا بالرجال. صُدمت «وردة» حين سمعت خِلسةً موافقة والدها على كلامهم، فهربت إلى غرفتها تبكي وحيدة، ولاذت بالفرار إلى عالم الأطفال التخيّلي، حيث أمرتها مؤسِّسةُ ذلك العالم «سنكرة» بدخول علبةٍ لتبقى طفلةً إلى الأبد.
كان هذا أحد المشاهد القصيرة التي انقضَت سريعًا لتستمر أحداث القصة، لكنّي وجدتُ فيه رمزية أحببتها؛ فامتناع «وردة» عن النضج بحبس نفسها في علبة صغيرة، يمثّل رفضها تغيير أفكارها ونظرتها للعالم. فقد أدركت «وردة» في أعماقها أن هذا التمرد وانتقاد عالم الكبار وصراعها مع النضج هو في جوهره صراع مع ذاتها. هكذا جاء حلم النحل ليُريها أن حلّ هذا الصراع يكمن في السلام والتصالح مع التغيير، فمعظم أحداث القصة تجري في العالم الداخلي لـ«وردة»، حيث المشكلة والحل.
في عالم النحل، يُقدَّس النظام، ولا تُعرَف النحلة إلا بمهمتها، فلا تُعطَى اسمًا، وإذا هوجمت نحلة في أثناء جمع الرحيق، تلوذ الأخريات بالفرار وتتركنها لمصيرها. فلا قيمة لوجود النحلة إلا إذا أتمّت مهماتها.
دفعتني هذه الملاحظة إلى ربط هذا السلوك بظاهرة الاحتراق الوظيفي لدى البشر، وبعد البحث وجدت مصطلحًا أدق لوصف هذه الحالة وهو «الاندماج المفرط بالهوية الوظيفية» (Over-identification with work)، وهو المحرك الرئيس للاحتراق؛ حيث يفقد الإنسان ذاته ولا يرى قيمته إلا من خلال إنجازه المهني. وهذا النموذج منطقي في عالم النحل، إذ قد تضحي النحلة بنفسها في سبيل حماية الخلية، لكن إسقاطه على واقعنا البشري يفتح باب التساؤل حول تكلفة هذا التفاني المطلق.

يتميز عالم النحل في الرواية بتعقيدٍ لافت، حيث مزجت الكاتبة ببراعة بين الحقائق العلمية والخيال، مبتعدةً عن القوالب النمطية التي تُسقِط صفات البشر على هذا العالم. ومن الأمثلة على هذا التوظيف الدقيق ذكر «مطر»، صديق «وردة»، أن نحل خلية أخرى لم يختَر يرقات لتُتوّج إحداهن ملكة؛ فبعد موت الملكة، بدأت النحلات العاملات في التهام الغذاء الملكي ووضع بيضٍ ذكريّ فقط، مما أدى إلى انهيار الخلية.
هذه المعلومة دقيقة علميًّا، فعندما تتقدم الملكة في العمر وتضعف قدرتها على وضع البيض، تختار النحلات يرقاتٍ لتغذيتها بالغذاء الملكي طوال فترة نموها، لتصبح إحداهنّ ملكة قادرة على وضع بيض مخصب (ذكورًا وإناثًا). أما إذا ماتت الملكة وتجاوزت جميع اليرقات السن المناسبة للتحول، تبدأ العاملات باستهلاك الغذاء الملكي لتحفيز قدرتهن على وضع البيض، لكن البيض الناتج يكون غير مخصب؛ أي ذكورًا فقط. وبما أن الخلية تعتمد كليًّا على النحل العامل (الإناث)، فإن غيابهن يؤدي حتمًا إلى انهيار الخلية. وقد وُفقت الكاتبة ملاك الراشد في الربط الذكي بين الخيال والواقع.
تستمر البراعة في الموازنة بين عالمي الحيوان والحشرات وعالم الإنسان طوال صفحات القصة. فحين هربت «وردة» إلى الغابة، تراءت لنا مشاهد لفراشة تخرج من شرنقتها، وأمّ عصفورة تطعم صغارها، ودعسوقة تقف على جذع شجرة. لم تكُن هذه المشاهد عشوائية في نظري، فالفراشة التي تغادر شرنقتها ترمز إلى النضج، والأم العصفورة إلى الطفولة، والدعسوقة إلى بدايات جديدة. وفي حين يتجاهل بعض رسامي القصص المُصوّرة دقة الخلفيات، جاءت الخلفيات في قصة «اسمي وردة» حية تروي تفاصيل موازية للقصة، ليتحد الرسم والنص في مشهدٍ يأسر القارئ. لقد كانت مشاهد الغابة هي الأحب إليّ لشغفي بالطبيعة، وأيضًا للجهد الكبير الذي بذلته الرسامة ضي الراشد في كل تفصيلة حتى شعرتُ وكأنني أرافق «وردة» في قلب الغابة.
عالجت ملاك الراشد أيضًا في قصتها ما قد يرافق الطفولة من مشاعر متضاربة. فبعد أن استرقت «وردة» السمع لمحادثة أبيها مع رجال الحي، لاذت بغرفتها، وحين زارهم ضيف، تطلعت من فُرجة الباب الموارب لتستطلع القادم، ففوجئت بصديقتها «نورة» وهي تتصرف برصانة الكبار. كان الخوف يسيطر على «وردة»، خوفٌ من الاقتراب من عالم البالغين الذي يهدد حريتها ويسلبها أحب نشاطاتها، وقد تفاقمت هذه المخاوف حين رأت «نورة». فصديقتها المقربة قد هجرت عالم الطفولة، والتحقت بذلك العالم الذي تحاول «وردة» الهروب منه رغم دنوّه منها.
وحين يتراكم الخوف ويستسلم له الإنسان، قد يتخفّى خلف ستار الغضب، فينسى المرء ذاته وتغيب عنه قيم التعاطف، وهو ما دفع «وردة» -في تقديري- إلى السخرية من «نورة» مع بقية الفتيات. أعجبتني براعة الكاتبة ملاك الراشد في رسم شخصية «وردة»، إذ وازنت ببراعة بين روحها الطفولية وأفكارها الناضجة حول المجتمع والحياة.
فغالبًا ما يُصوَّر الأطفال في هذه المرحلة العمرية غافلين عمّا يدور حولهم أو عاجزين عن إدراك القضايا المعقدة، في حين أومن بأنّ الكثير منهم يمتلكون القدرة على مناقشة مواضيع وجودية واجتماعية. لذا فصياغة شخصية طفلة بهذا القدر من العمق تساعد البالغين على فهم هذه الفئة العمرية، وتحثهم على التعامل مع تساؤلات الأطفال بالجدية والاهتمام اللذين يستحقونهما.
كما أجادت الراشد رسم شخصية الوالدين بالبراعة ذاتها التي رسمت بها شخصية «وردة»، إذ جاءت الشخصيات متوازنة وبعيدة عن المثالية، تعتريها العيوب وتُخطئ كالبشر. ولعلَّ أبرز مثالٍ على ذلك تراجع الأب عن قراره بمنع ابنته من العمل في المنحلة تحت ضغوط أهل القرية، وهو تحوّلٌ أضفى على القصة لمسةً من الواقعية. فحين تكتمل أبعاد الشخصيات بهذا الإتقان، يترسّخ لدى القارئ شعورٌ بأن عالم القصة رحبٌ، وأن لكل شخصية منها حكايتها الخاصة.
«اسمي وردة» من أفضل القصص المصورة السعودية التي قرأتها؛ إذ نجحت في الموازنة بين تقديم الثقافة السعودية ببراعة، وصياغة قصةٍ إنسانية تلامس قلوب القراء من مختلف الثقافات. أخذتني القصة في رحلة إلى رجال ألمع، فعرّفتني على تقاليدها وعمارتها، ودفعتني للبحث عنها ومعايشة تفاصيلها. وتولّد لديّ حبٌّ خاص لهذه المنطقة بمجرد تأمّلي في الحياة اليومية لـ«وردة»، وتفاصيل القط العسيري المرسوم على الجدران، والمنحلة التي قضت فيها «وردة» أجمل أوقاتها مع والدها، وتلك الغابة الساحرة.
وبهذا، ساهمت الرسوم والسرد معًا في خلق ألفةٍ بيني وبين هذه الأماكن، وعمّقت ارتباطي بالثقافة السعودية التي نبض بها العمل بأسلوبٍ عذبٍ بعيدٍ عن التلقين.

كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭
مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨
موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!
هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗
التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.