ماذا تخبرنا الفلسفة عن منافع الجائحة

ماذا تخبرنا الفلسفة عن منافع الجائحة
سفيان البَّراق
رغم كثرة الأوبئة التي فتكت بالبشرية عبر العصور، يكمن الاختلاف الجوهري بينها وبين فيروس كورونا في طابعه الكوني؛ فقد بلغ كل بقعةٍ في العالم، مخلِّفًا الحزن والخوف، ومُحيلًا الموت إلى شبحٍ يتربص بالجميع دون رأفة.
عبث الفيروس بنظام الحياة، ونشر الفوضى في مختلف مناحيها، فلم يكتفِ بتعطيل التواصل الاجتماعي، بل زعزع الاقتصاد، وجمّد الأنشطة الفكرية والثقافية، وأزاح السياسة وكواليسها من بؤرة اهتمامنا. ومع ذلك، منحنا الفيروس الفرصة لإعادة النظر في سلوكياتنا الاستهلاكية، والتأمل في أزماتٍ تتطلب منا وقفة جادة من قبيل: أزمات الأخلاق والبيئة والعزلة، ومنحنا فرصةً للتأمل في جوانب أخرى.
فقد ساوى الخوف بين البشر جميعًا دون تمييز مما دفعهم للتضامن والتكاثف، واستعادت الطبيعة حيويتها بعد أن خفتت ضوضاء المصانع وقلّ نشاط الإنسان، كما استردت الحيوانات حريتها. وفوق ذلك، عادت العلاقات الأسرية لتتصدّر المشهد بعد أن كانت روابطنا العائلية على وشك التلاشي.
في البداية، ظننت أن هذه الإيجابيات هي كل ما تمخّضت عنه الجائحة، لكني بعد قراءة كتاب «الكورونا في عهدة الفلسفة» (2025) للمفكر اللبناني وأستاذ الفلسفة الألمانية في الجامعة اللبنانية، مشير باسل عون، اكتشفت إيجابيات أخرى غابت عنّي. فقد استعرض الكاتب منافع جمّة للجائحة بنَفَسٍ فلسفي رفيع، وبلغةٍ متفردة، بعيدًا عن التقريرية التي تطغى على الكتابات الأكاديمية.
إذ طرح الكتاب أفكارًا جوهرية، أبرزها سعي الإنسان الحثيث إلى السيطرة على الطبيعة وتطوير التقنية والأسلحة المدمرة، ليُفاجأ لاحقًا بضعفه أمام فيروس كورونا، ويدرك حينها أن للعلم حدودًا مهما نما وتطوَّر، وأنه عاجز عن حماية البشرية من كافة الأخطار. لذا بات لزامًا عليه إعادة تنظيم علاقته بالطبيعة، التي تظل حافلة بمخاطر لا يمكنه مواجهتها بمفرده.
يرى عون أن تجربة الوباء جاءت لتُحرّرنا من وطأة الخوف والجشع والاستهلاك المفرط، كما علَّمتنا كيفية الاستعداد للموت. ويُشير إلى أن الوباء كشف عيوب العقل البشري التي عطّلته عن الخدمة، مُعزيًا التبعات الكبيرة لهذا التعطُّل إلى سببين: الأول هو الرغبة المفرطة في امتلاك التقنية وتطويرها، وتغذية النزعة الاستهلاكية في الاقتصاد، والثاني هو التمسك المفرط بـ «الأنانيات الجماعية المؤدلجة». ويستحضر الكاتب في هذا السياق فكر هابرماس، الذي هاجم «العقل الأداتي» (الآلي)، داعيًا بدلًا منه إلى «عقل تشاوري سليم» منفتح على الحوار.
كما استعان الكاتب برؤية الفيلسوف مارتن هايدقر حول «اختبار الموت الاستباقي»، مُعَلّلًا ذلك بأن انتظار البشر لحلٍّ علمي للجائحة جعلهم يواجهون احتمال الموت دون استعدادٍ نفسيٍّ مسبق. واستنادًا إلى طرح هايدقر، يرى الكاتب أن هذه المواجهة الاستباقية تُمكّننا من إدراك معنى الحياة وجوهر الأشياء من حولنا.
يشير عون كذلك إلى ارتباط الموت بالإنسان ارتباطًا وثيقًا، ويسدي نصيحةً بضرورة الاستمتاع بالحياة والعيش بتوازنٍ نفسي، مُغلِّبًا صوت العقل، مع عدم الانشغال بمصائر الآخرين. وفي المقابل، يدعو إلى التركيز على شؤون الحياة، والتحلّي بالنبل والصدق والتعاون؛ فالدنيا زائلة، ومتاعبها جمّة، ولحظاتها الجميلة نادرة، ومصائبها لا تُحصى.
تبدو نصائح عون مثالية لعيشٍ هانئ، لكنها لا تناسب إلا من ينعم بالرفاهية. فمن يسكن غرفة بحمّامٍ مشترك، ويُعيل أسرة كثيرة العدد، ينهش أحد أفرادها المرض، ويتهددها الجوع بعد فقدان عمله بسبب الحجر الصحي، لن يجد في هذه النصائح ما يفيده.
إلى جانب الفلاسفة أعلاه، يستشهد عون في متن كتابه بفلاسفة آخرين مثل ريكور وهوسرل ونيتشه وكارل بوبر وموران وميشيل هنري وفوكو، ليوظف أفكارهم في تحليل تجربة العزل الصحي، واستجلاء الأخطاء الجسيمة التي وقع فيها الإنسان.
نجده يشير إلى التحوّل الجذري في مفهوم «العمل» خلال الجائحة. ففي السابق، كان العمل يُعدّ ملمحًا إنسانيًّا يعكس هوية الفرد، وكان بإمكان الإنسان العيش بكرامة حتى في فترات التوقف عن العمل، بعيدًا عن ضغوط الحياة الحديثة وتكاليف الترفيه الباهظة. وتُعدّ هذه الضغوط، وفقًا لعون نتاجًا طبيعيًّا لــ«الرأسمالية النيوليبرالية المتوحشة»، التي لا تكترث بالقيم أو المشاعر الإنسانية، وحوّلتها إلى سلعٍ خاضعة لمنطق البيع والشراء. وهكذا، أضحى العمل قاتلًا للحرية، ومُفضيًا إلى الهلاك والشقاء، بعد أن كان في الماضي وسيلةً لتحقيق الأهداف وإثبات الذات، ومصدرًا للحرية الشخصية والاجتماعية.
وبتأمّل طبيعة العمل في عصرنا، نجد أنه اكتسب في العقود الأخيرة طابعًا «انتهاكيًّا شموليًّا»؛ إذ بات مرهِقًا ومستنزِفًا ومُهينًا، وقائمًا على استغلالٍ بشع، وكأن غايته إرهاقنا وتجريدنا من روحنا. ولهذا السبب، بدأ بعض الباحثين يدعون بجدية إلى تحويله إلى عمل «سكينيٍّ إنضاجي»، يصبح مصدرًا للراحة والطمأنينة، ويسعى إلى تطوير الإنسان وتنمية قدراته الذاتية.
أما هوس الادّخار، ومقارنة الذات بالآخرين، والانشغال بسفاسف الأمور تحت ذريعة مواكبة العصر، والركض خلف المظاهر الاجتماعية الزائفة، فهي الأسباب الجوهرية لمأساتنا المعاصرة. ويبدو أن ما دفع عون إلى رصد هذه الظاهرة هو تجربة «العمل عن بُعد»، التي منحت الفرد فرصةً للتأمل في طبيعة عمله ومهامه، وفي صراعه مع الوقت الذي يمضي دون وعيٍ بالإنجاز، مما حوّل الإنسان إلى «سلعة بشرية» تكتفي بإنتاج سِلَعٍ مادية، فاقدةً بذلك قيمتها الحقيقية.
يناقش هذا الكتاب تجربة كورونا بصراحة، ويكشف، بذكاء، عن قضايا كثيرة نتجت عنها، ويربط بطريقة لمَّاحة بين الفلسفة وحياتنا اليومية. وقد أجاد عون استخدام أدوات فلسفية مثل التأويل والوصف، ولكني وقفت على بعض الأخطاء التي وقع فيها الكاتب، وأهمها -غير الأخطاء النحوية واللغوية-: أن الكاتب يكرر كلمة «يقيني» و«أعلم علم اليقين»، ومن المفترض أن الفيلسوف لا يقطع بيقينية رأيه، بل يلاحظ ويفكر ويشك ويحلل ويستنتج، لأن الفلسفة في أصلها تعارض اليقينيات والأفكار الجاهزة والمألوفة.

كما وردت في هذا الكتاب أحكام انطباعية وتعميمات عديدة. إذ يزعم عون ويقول إنَّ: «علاقات الناس صارت أشد عدوانية»، بينما الواقع يُفنّد ذلك. فالناس استأنسوا بالتقنية، وحاولوا خلق ألفة اجتماعية في ظلّ التباعد المفروض. ثم إنَّه يكتب عن التحولات التي مسَّت دنيانا بلا إحصائيات، ودون الاكتفاء بأمثلة معينة، على سبيل التمثيل، تلافيًا للتعميم.
أما عن الأسلوب، فقد اتَّسم في أكثر من موقع بالحشو والتكرار: «أظن أنَّ الإنسان مفطور على النسيان»، فهل هذه الفكرة جديرةٌ بأن تُكتب، لا سيّما وأنَّ تجربتنا مبنية على خيانة الذاكرة لنا؟ وأسوق أمثلة أخرى: «عمق أعماق الكيان الإنساني»، «أعمق عمق كياننا»، «الموت ينهي وجود الفرد» (هل يوجد موتٌ لا ينهي الفرد؟)، «أغلقت على الناس في محاجرهم وأجبرتهم على التواصل البعدي». فلا مبرّر هنا بالتذكير بما عانيناه من حجرٍ في البيوت، أو أنَّ التقنية بثّت الحياة في العملية التواصلية، فذلك بائنٌ ولا يحتاج إلى إظهار.
كذلك يرتكب المؤلف خطأ التعميم مرّةً أخرى بالقول: «الفيلسوف يطلُّ من علياء صومعته»، وهذا حكمٌ خاطئ، لأنَّ الكثير من الفلاسفة انخرطوا في قضايا راهنهم وناقشوا واقعهم، والتاريخ يثبت ذلك. أضربُ مثالًا بالراحل إدقار موران الذي كان يهوديًّا، إلّا أن عقيدته لم تثنِه عن التنديد بما يقع في غزّة علانيةً.
يتكلم عون عن تعطّل العقل، ويُعدُّ ذلك مصيبة عظيمة، ويناقشها بمثالية، متصورًا أنَّ الإنسان سببُ تعاسة نفسه. بيد أنَّه لا يتخذ بلدًا معينًا ليعرض جدوى السياسات التعليمية فيه، ونجده يبيِّن حال الثقافة، ويذكر مقدار التزام المؤسسات بالعناية بها، فيحمِّل المرء الضعيف المشغول بلقمته ما لا يحتمل. فالمسألة أعمق مما يتصورهُ عون، لأنها تحتاج إلى حوارٍ جادٍّ مرتبطٍ بكل دولة على حدة.
زد على ذلك أنه لا يُعرِّفُ العقل، فهل يقصد العقل في المعنى اللغوي: عقل الشيء أي ربطه: عقل البعير، أم يشتبكُ مع عقلٍ أداتي أم مع عقلٍ آخر؟ وأجده يتحدث، بإعجابٍ وتفاخر، عن المجتمعات الغربية «المتقدمة» دون أن يذكر ملامح التقدم ومعاييره المتوافق عليها عالميًّا. والأصعب أنَّ المؤلف قد عرضَ، بحصافة، قولًا بديعًا: «لقد أشكل الإنسان على الإنسان»، وقد نسبه إلى العرب القدامى بلا تثبت، بيد أن قائل العبارة هو التوحيدي في معرض تساؤلاته لابن مسكويه في كتابهما: «الهوامل والشوامل».
رغم الإشكالات التي أشرت إليها، كانت قراءة كتاب «الكورونا في عهدة الفلسفة» تجربة ماتعة، بما احتواه من مضامين تدعو إلى تدبر ما يفرضه الواقع على الإنسان. فالمصائب ليست نهايات، وما دام الإنسان يسعى في هذه الحياة، يختبر حلوها ومرّها، فهو حتمًا قادر أن يخرج من هذه المصائب أكثر قوة وفهمًا.
وحاصل القول: إنَّ عون كان فطنًا في تخيُّر عنوان الكتاب، ولعلَّ ما ينم على ذلك هو إضافته للام التعريف لكلمة «كورونا»، والراجح أنَّه يحاول، من خلال ذلك، تبيان أنَّ هذه التجربة صار بمقدورنا الآن تأملها جيدًا واستنباط المخفي فيها؛ لأنَّ الحجْر أربكنا والموت أخافنا فجعلنا لا نسعد بمسافة موضوعية للتفكير المتمهل فيها.
أما الآن فقد أضحت كورونا واضحة، ومراحلها ظاهرة، ونتائجها بائنة، ومن ثمّ صار بوسعنا قراءتها من زوايا معرفية متعددة: نفسيًّا ومجتمعيًّا وفلسفيًّا، وبيولوجيًّا بطبيعة الحال. وهذه القراءات ستكون ذات جدوى، عكس اشتباكنا المرتبك معها في عزِّها واستنتاجتنا المتسرعة آنذاك.

كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭
مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨
موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!
هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗
التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.