يوم سرق الإسبان مكتبتنا 📚

.jpg)
يوم سرق الإسبان مكتبتنا 📚
إيمان العزوزي
يُحكى أن السلطان السعدي مولاي زيدان، ابن السلطان أحمد المنصور الذهبي، كان يملك واحدة من أعظم المكتبات في تاريخ المغرب. ففي أواخر القرن السادس عشر وبدايات القرن السابع عشر، شهد العهد السعدي ازدهارًا علميًّا وثقافيًّا كبيرًا، وكان السلاطين يتنافسون في جمع الكتب والمخطوطات واستقدام العلماء والنسّاخ من مختلف أنحاء العالم الإسلامي. وقد اشتهر أحمد المنصور الذهبي بحبه للعلم واقتنائه للكتب النادرة، حتى أصبحت مكتبته الملكية من أغنى خزائن المخطوطات في عصره، بفضل سفرائه الذين اشتهروا ببراعتهم في جلب الكتب وجمع أمهات المصادر.
آلت هذه الثروة العلمية إلى أبنائه، بعد وفاته سنة 1603، وكان نصيب مولاي زيدان منها وافرًا، فعمل على تنميتها والعناية بها حتى غدت تضم آلاف المؤلفات في الفقه والتفسير والحديث والطب والفلك والفلسفة والأدب والتاريخ، فضلًا عن مخطوطات نادرة باللغات العربية والفارسية والتركية.
غير أن وفاة أحمد المنصور فتحت بابًا لصراع مرير بين أبنائه على الحكم. فقد تنازع مولاي زيدان وأخواه أبو فارس والشيخ المأمون على السلطة، ودخل المغرب في مرحلة من الاضطرابات والانقسامات السياسية استمرت سنوات طويلة. وبينما كان الإخوة يتنافسون على العرش، ضعفت الدولة وتعددت الثورات والحركات المعارضة. وفي سنة 1612 ظهر الفقيه الصوفي ابن أبي محلي الذي تمكن من دخول مراكش والسيطرة عليها، مما اضطر مولاي زيدان إلى مغادرة العاصمة على عجل والبحث عن ملجأ آمن في جنوب البلاد.
عندما غادر السلطان مراكش، لم يشأ أن يترك خلفه كنزه العلمي الثمين. فقد كان يدرك أن الكتب التي جمعها، هو ووالده، تُعد من النفائس، وتطلَّب جمعها بذل الغالي والنفيس. لذلك أمر بنقل مكتبته الضخمة مع أمتعته الخاصة وتاجه وأثاثه الفاخر نحو ميناء آسفي، تمهيدًا لنقلها بحرًا إلى منطقة سوس حيث كان يعتزم إعادة تنظيم قواته واستعادة حكمه.
وفي ميناء آسفي استأجر مولاي زيدان سفينة فرنسية تدعى نوتر دام دو لا قارد، وكان يشرف عليها القنصل الفرنسي جان فيليب دو كاستيلان. اتفق الطرفان على أن تنقل السفينة خزائن السلطان مقابل مبلغ قدره ثلاثة آلاف دوكا ذهبية. وحُمّلت على متنها عشرات الصناديق التي ضمّت ما يزيد على أربعة آلاف مخطوط نادر، إلى جانب مقتنيات السلطان الشخصية. أما مولاي زيدان نفسه فقد استقلّ سفينة أخرى متجهة إلى أكادير.
وصلت السفينتان إلى أكادير، فرفض القنصل الفرنسي تفريغ حمولتهما قبل أن يحصل على المبلغ المتفق عليه كاملًا. وبسبب الظروف المضطربة وتأخر وصول المال، انتظر عدة أيام دون جدوى. ثم اتخذ قرارًا غيّر مصير واحدة من أهم المكتبات المغربية إلى الأبد، إذ أبحر بالسفينة بعيدًا عن الميناء حاملًا معه خزانة السلطان بأكملها.
كان دو كاستيلان يأمل في الوصول إلى فرنسا والاستفادة من حمولته الثمينة، لكن الرياح والتيارات البحرية قادته نحو سواحل المحيط الأطلسي القريبة من مدينة سلا. وهناك صادف أربع سفن إسبانية كانت تجوب البحر بحثًا عن الغنائم. وما إن رأت تلك السفن المركب الفرنسي حتى بدأت بمطاردته. وبعد وقت قصير تمكنت السفن الإسبانية من الاستيلاء على المركب الفرنسي بكل ما يحمله.
ظنّ الإسبان في البداية أنهم عثروا على كنزٍ هائل من الذهب والفضة والجواهر، وعندما فتحوا الصناديق فوجئوا بأن أغلبها ممتلئ بالكتب والمخطوطات. وربما شعر بعضهم بخيبة أمل في البداية، غير أن المسؤولين الإسبان أدركوا سريعًا القيمة الاستثنائية لهذه المجموعة العلمية. فأُرسلت الحمولة أولًا إلى لشبونة، التي كانت آنذاك خاضعة للتاج الإسباني، ثم نُقلت بأمر من الملك فيليب الثالث إلى مكتبة دير الإسكوريال بالقرب من مدريد.

وهكذا وجدت المكتبة الزيدانية نفسها بعيدة عن المغرب، بعد أن قطعت رحلة لم يكن مخططًا لها قط. وأصبحت جزءًا من المجموعات العربية المحفوظة في الإسكوريال. وفي سنة 1671 اندلع حريق كبير في الدير، أدى إلى تدمير عدد مهم من المخطوطات العربية، بما فيها جزء من الخزانة الزيدانية. وتشير بعض التقديرات إلى أن آلاف المخطوطات فُقدت في ذلك الحريق، بينما نجا قسم آخر ظل محفوظًا حتى اليوم. بعد هذا الحريق انتبه الإسبان إلى أهمية ما سرقوه، ففوّضوا رجلًا مارونيًّا يدعى ميخائيل الغزيري لفهرستها، فجمعها في جزئين باللاتينية بعنوان «المكتبة العربية الإسبانية بالإسكوريال» وترجمت لاحقًا إلى العربية. وقد عرفت المكتبة مؤخرًا خطرًا مماثلًا مع الحرائق الأخيرة التي عرفتها إسبانيا.
أما مولاي زيدان فقد بذل جهودًا كبيرة لاستعادة مكتبته، وراسل ملوك أوربا، وأرسل السفراء واحتج لدى فرنسا وإسبانيا، بل لوّح باتخاذ إجراءات ضد الرعايا الفرنسيين الموجودين في المغرب. غير أن جميع محاولاته باءت بالفشل. وبعد وفاته واصل السلاطين المغاربة المطالبة بإعادة المخطوطات، سواءً في العهد السعدي أو خلال حكم الدولة العلوية. وقد حاول المولى إسماعيل، ثم السلطان محمد بن عبد الله، التفاوض مع الإسبان لاسترجاعها، لكن إسبانيا رفضت التخلي عنها، خاصة بعد أن أصبحت جزءًا من التراث الثقافي المحفوظ في الإسكوريال.
وفي هذا كتب المؤرخ والسفير المغربي ابن عثمان المكناسي بعد زيارته للإسكوريال سنة 1779م: «وقد طالعت ما سمح به الوقت، مع ضيقه، فخرجت من الخزانة بعد أن أوقدت الأحزان بفؤادي نارَها، وناديت بالثارات فلم يأخذ أحد ثأرها، يا ليتني لم أرَها.»
لم يستطِع المغرب لحدّ الساعة استرجاع المخطوطات الأصلية، لكنه نجح في الحصول على نسخة رقمية منها، سُلّمت رسميًّا سنة 2013 بعد جهود ثقافية ودبلوماسية طويلة.

كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭
مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨
موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!
هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗
التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.