لماذا تنجو المكتبات دائمًا 🏛️


لماذا تنجو المكتبات دائمًا 🏛️
نزار الحمود
نبحث باستمرار عن مساحةٍ تتقبلنا دون شروط، مكانٍ لا يفرض علينا شراء فنجان قهوة لنحظى بمقعد، ولا يمنّ علينا بكلمة سر تصلنا بالإنترنت، فضاءٍ يجمع غرباء لا يعرفون بعضهم، يوحّدهم الهدوء أحيانًا، وتكسر صمتهم النقاشات أحيانًا أخرى. وفي رحلة البحث هذه، يحضر في أذهاننا مكان أثقلناه برومانسية حالمة، وحمّلناه ما لا يُحتمل من أساطير عن سحر القراءة ورائحة الورق. دعنا نتجاوز هذه الهالة لنسأل أنفسنا: ماذا يمثل هذا الفضاء حقًّا في حياتنا؟ وهل هو موجود فعلًا؟
لو تأملنا محيطنا للحظة، لاهتدينا بسهولة إلى تلك المساحات الهادئة التي تشرع أبوابها للجميع في كل حيّ ومدينة؛ إنها المكتبات العامة التي تجّسد فكرة «التقبل غير المشروط» وتترجمها إلى واقع معاش. ولتلمس هذا بنفسك، يكفي أن تزور أقرب مكتبةٍ عامة إليك، وتراقب ما يدور في نوادي القراءة والمحادثات بين أفرادٍ لا يجمعهم سوى شغف الكتاب والمحاورة. وستلحظ كيف يتّسع المكان لاختلافاتهم؛ إذ يظهر المشاركون بأنماطٍ متنوعة ووجهات نظر غنيّة تعكس أثر القراءة وثرائها: فمنهم من يناقش ما قرأ وما فهمه من الكتاب، ومنهم من لم يقرأه بعد، لكنه يسعى إلى الانخراط في فعل القراءة ويبحث عن محفزات، ونمطٌ آخر لا يزال متمسكًا بالصورة الحالمة، ويجد في المكتبة ملاذًا لتحقيق تلك الصورة، فيأتي لاستعراض علاقته برائحة الكتاب و«احتساء» القهوة.
طلبت منك قبل قليل أن تذهب إلى أقرب مكتبة عامة إليك. ربما مررت على هذه الجملة سريعًا دون أن تحلّلها، أو تتوقف عندها. لأنني لم أضعها عبثًا، فقد أردتُ بلوغ هذه اللحظة بالتحديد التي تتساءل فيها عن الدور الحقيقي للمكتبة العامة في حياتك: هل تتردّد عليها حقًّا؟ أم أنها لا تزال في ذهنك مجرد مكانٍ جافٍّ وممل؟
سأحكي لك علاقتي بالمكتبات العامة، وهي علاقة ذاتية ممزوجة بخبرة عملية لسنوات طوال. فأنا أذهب إليها كل يوم، لأنني وببساطة أعمل فيها، وأدير فريقها، فريق مكتبة عبدالحميد شومان في الأردن. وانطلاقًا من هذه التجربة اليومية، سأحكي عن المكتبات العامة، كما أعيشها، لا كما يتخيلها الآخرون.

تجاوزت المكتبات العامة اليوم دورها التقليدي؛ فضاءً صامتًا ومستودعًا للكتب، فهي بهذه الصورة القديمة ظلّت مهجورة لا تطؤها الأقدام ولا تُقرأ كتبها. لكنها بدأت في تجديد ثوبها ونَفْض الغبار عنها وتطوير أساليبها، فاستقطبت القراء وغير القراء. كما شرعت في استثمار رأسمالها الثقافي لتحويل زوّارها غير المعتادين إلى زوار دائمين، ثم إلى منخرطين فاعلين في برامجها وأنشطتها. وهكذا يتحول القارئ إلى ذهن يعي ما يقرأ ويحلل ما يسمع، ويكتشف غير القارئ لأول مرة لذة القراءة.
فضاءاتٌ رحبة تنبض بالحوار، فهي تمنح روادها مساحةً للتعبير عن آرائهم بكل حريّة، وتدفعهم للاشتباك مع مفاهيم شائكة ظنوا أنهم يحيطون بها علمًا. غير أن المناقشة سرعان ما تكشف محدودية هذا الظن، حيث يدركون أن فك طلاسم هذه المفاهيم يتطلب أدواتٍ للتحليل والنقد. وهذا الاحتكاك المستمر يمنحهم تلك الأدوات، ومن ثم يصقل عقولًا قادرة على التفكير المنطقي والخطاب المتماسك بدلًا من أحاديث مواقع التواصل التي غالبًا ما تُنسى سريعًا. ووجود القارئ في المكتبة يساعده على بلوغ ذلك.
جنة القرّاء
لطالما استحضرت وأنا أتجول بين ممرات المكتبة جملة بورخيس الأثيرة لدى القرّاء: «وأنا الذي تخيلت الجنة دومًا على شكل مكتبة». يدرك بورخيس، الذي اشتغل أمينَ المكتبة الوطنية بالأرجنتين، أن مقولته تبدو ضربًا من الخيال، ولكنها تفتح نوافذ مُشرعة نحو فهم ضرورة المكتبات في حياتنا، بوصفها فضاءً ماديًّا ومُعلّمًا افتراضيًّا للذهن والسلوك. فبين هذه الرفوف كتبٌ لو أمضيت العمر في قراءتها لما أنهيتها، وأفكارٌ قد نتفق معها أو نختلف، ولغات قد نتقن بعضها ونجهل بعضها الآخر. في حالات كثيرة تفرض المكتبة على زائرها التواضع، فمهما بلغ المرء من العلم والاطلاع، ستظل معرفته أمام هيبة المكتبة فقيرة.
يخلق هذا التواضع المعرفي حالةً من الرهبة المُلهمة التي تغمرك فور عبور عتبة المكان، فتترك خلفك كل ما تدّعيه من يقين، وتدخل لتواجه المعرفة الإنسانية بسعتها وشمولها. وحين تقف أمام ملايين الصفحات التي تزخر بأفكار متباينة، تدرك أن الحقيقة ليست حكرًا على أحد، وهو إدراكٌ يجعلنا أكثر تقبلًا للاختلاف، وأشدّ استعدادًا للإصغاء. في هذا الفضاء، يتخلى الإنسان عن غروره، ويجلس بين الكتب مستعدًا لمراجعة قناعاته أو بناء قناعاتٍ جديدة.
السلعة الصعبة
يتطلب تطوير دور المكتبات عملًا مؤسسيًّا جادًّا. وبحكم تفاعلي مع مكتبات عربية كثيرة، نلمس برامج ومشروعاتٍ هادفة، تجذب المكتبات بفضلها فئاتِ المجتمع كافة، وأذكر منها مكتبة إثراء في السعودية ومسابقة «أقرأ» التي تصنع جيلًا عربيًّا قارئًا، ومكتبة قطر الوطنية ومبادرة «قطر تقرأ» التي تجذب الأطفال والكبار بثيمتها المختلفة كل عام وتجمع الأطفال بعائلاتهم تحت فعل القراءة، ومكتبة الإسكندرية، ببرنامجها «كتاب وشاشة» لمحو الأمية، الذي يستقبل الأطفال من عمر خمس عشرة سنة فما فوق ويشمل أيضًا كبار السن، ومكتبة عبدالحميد شومان في الأردن التي أطلقت استراتيجية «نحو أردن قارئ» التي بدأت بدراسة واقع القراءة في الأردن، وبنت عليها مشاريع وبرامج تعزّز القراءة على مستوى المملكة كافة.

ومع وجود هذه النماذج المذهلة والتجارب الرائدة على مستوى الدول العربية، تبقى هناك خطوة مهمة غائبة، وهي أن تتصدّر المكتبات دورها الحقيقي في دوائر صناعة القرار. تمثل المكتبة جزءًا أساسيًّا في توعية الفرد بحقوقه وواجباته، ووجود ممثلين عنها في غرف صنع القرار يضمن بناء مجتمعات واعية. ويتحقق ذلك بالتعاون الفعّال بين المكتبات العربية، لتتشارك الخبرات المتراكمة وتُبنى شبكة معرفية قوية.
هذه الخطوات الكبيرة نحو صناعة القرار تتطلّب التعامل مع واقع ميداني يبتعد كل البعد عن الصورة الحالمة للمكتبات؛ فإدارتها عمل جاد للغاية، تحكمه أرقام وأهداف يجب أن تتحقَّق، مع الحفاظ على جودة ما تقدمه من مصادر للمعرفة أو مشاريع ثقافية. المكتبات تروج الثقافة، وهي سلعة صعبة التسويق في عالم سريع ومزدحم بالمشتّتات، وإقناع الناس بها يتطلب أدوات مبتكرة وتخطيطًا استراتيجيًّا يتجاوز الأساليب التقليدية.
يُترجم هذا التخطيط الاستراتيجي إلى واقع، بجهدٍ عملي لا يراه الزوّار، فالأمر يتجاوز حدود إعادة الكتب إلى الرفوف، وفي المكاتب المغلقة تُدار عمليات متكاملة تضمن استمرار عمل المكتبات. ولا يمكن لأي مكتبة أن تكون فاعلة دون أمنائها، فهم عمادها وقاعدتها الأولى، والمحرّك الأساسي لكل هذه الجهود. لذا يتمثّل التحدي الحقيقي في وجود أمناء شغوفين تتجاوز مهاراتهم القراءة، لتشمل القدرة على ترويج الكتب من خلال فهمٍ واعٍ للجمهور؛ فأمين المكتبة اليوم هو مدير مشاريع ومخطط استراتيجي ومحاور ومروّج ومسؤول مبيعات وقارئ، كل ذلك في آنٍ واحد.
يفرض تعدّد هذه المهمّات ضرورة ملحّة لتطوير تدريس علم المكتبات والمعلومات في الجامعات وتجاوز أساليبه التقليدية، فلم يعُد الاكتفاء بتلقين الطلاب تقنيات الفهرسة والتصنيف مجديًا، بل يتحتم على المؤسسات الأكاديمية تأهيل الخريجين لإتقان هذه الأدوار المتعددة ليكونوا على أتم استعداد للعمل الميداني.
المكتبة حارس الإنسان الأول
قد تتساءل: لماذا أرتاد المكتبة بينما يمكنني قراءة أي شيء عبر الشاشات والأجهزة الإلكترونية. تكمن الإجابة في التفاعل المباشر، فالشاشات تقدّم المعلومة مجرّدة باردة، في حين تضعك المكتبة في محيط اجتماعي نشط ودافئ، حيث يتيح لك الوجود في حيّز فيزيائي المشاركة في نقاشات حيّة، وتحويل القراءة من ممارسة فردية إلى تجربة جماعية تسهم في بناء وعيٍ مشترك يصعب تحقيقه خلف الشاشات.
ولأن المكتبة هي الحارس الأول لهذا الوعي، فقد تعرّضت عبر التاريخ لمحاولات متكررة للمحو والتدمير، فكانت دائمًا مصدر قلق للقوى الساعية إلى إخماد المعرفة. وعلى الرغم من قسوة تلك الهجمات، لا تزال المكتبات والكتب تقاوم بسحرها الخاص، وتنتصر للبقاء. فهي اليوم استطاعت مواجهة التكنولوجيا، فاحتوتها وطوّعتها وجعلت منها أداةً أصيلة في مسيرتها. لذلك مهما حدث، ستظل المكتبات حية تتنفس، فهي باقية ما بقي الإنسان، ما بقيت أنتَ أيها القارئ.

كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭
مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨
موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!
هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗
التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.