كيف يبني اليمن دولة تشبهه
كان المجتمع اليمني حاضرًا بقبائله وعرفه، لكن حضوره بقي خارج البناء الدستوري. استوعبت الجمهورية الشيخ بصفته فردًا في مؤسساتها، لكنها تركت الجماعة التي يستمد منها قدرته خارجها
إن اختُزل اليمن بوصفين، فقد يكونان التعقيد والتأثير؛ فالديموغرافيا اليمنية شديدة التركيب، والجغرافيا اليمنية شديدة التأثير في إقليمها، وهذا بيِّنٌ في التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط.
لذلك، يبحث هذا العدد في شكل الحكم اليمني الملائم لطبيعته وتعقيده، عوضًا عن الشكل الجمهوري الجامد الذي «أُلبسه اليمن وهو غير مناسبٍ له»، كما يصفه كاتب العدد، الباحث في السياسة اليمنية والعلاقات الدولية، ضياء السعيدي.
قراءة ماتعة!
عمر العمران

.png)
كيف يبني اليمن دولة تشبهه
ضياء السعيدي
تضرب جذور الأزمة السياسية في اليمن أعمق من الفساد الذي استشرى في المرافق الحكومية، وأقدم من سيطرة الميلشيات على كرسي السلطة وأدواتها، وأبعد من استيلاء المؤسسة العسكرية على مقاليد الحكم. لقد انغرس بذر الداء لحظة أعلنت الدولة الجمهورية أن الشعب مصدر السلطات، ثم أقامت بناءها السياسي فوق صورة متخيلة لهذا الشعب لا تشبه الاجتماع الذي أرادت حكمه. افترض النصُّ أفرادًا متساوين ينتظمون مباشرة داخل الدولة، بينما بقيت القدرة الفعلية موزعة بين صلات القربى القبلية، والمشايخ، والبيوت التجارية، والمؤسسات الدينية، وسائر القوى التي يطلب الناس منها الحماية والوساطة والضمان. وهكذا استقر للبلاد دستوران متوازيان: دستور مكتوب يسمي أصحاب المناصب، ودستور نافذ يحدد أصحاب القوة والقرار.
تقتضي الجمهورية، في أصلها المفهومي والسياسي، نزع الصفة الشخصية والسلالية عن السلطة والمال والسلاح العام. لكن إخراج الدولة من الملكية الخاصة لا يكفي لصناعة مالك عام. فالجموع التي تدونها السجلات الرسمية وتستدعيها أجهزة الإدارة إلى صناديق الاقتراع، ثم تتركها بعد ذلك تبحث عن شيخ أو قائد عسكري أو وسيط نافذ لحماية حق أو دفع مظلمة، تبقى مستجدية على أبواب أصحاب القدرة ولا تتحول إلى جمهور سياسي يمارس سلطته من خلال مؤسسات يعرفها ويستطيع محاسبتها.
من هنا تتجلى ظاهرة «جمهورية بلا جمهور» كما فصَّلناها في الكتاب الذي يحمل العنوان ذاته. كان المجتمع اليمني حاضرًا بقبائله وعرفه وآليات الضمان والصلح والتكافل، لكن حضوره بقي خارج البناء الدستوري. استوعبت الجمهورية الشيخ فردًا في البرلمان والجيش والوزارة، وتركت الجماعة التي يستمد منها قدرته خارج المؤسسة؛ فنال الرجل المنصب والراتب والجاه، بينما ظلت صفته التمثيلية بلا حدود معلنة: متى يتحدث باسم جماعته؟ ومتى يتصرف لمصلحته؟ ومن يملك سحب الولاية منه إذا تبدل القبول؟ نشأ بذلك ترتيب يعترف بالنفوذ ويعفيه من المسؤولية.
.png)
وحين تنفصل السلطة القانونية عن القدرة الفعلية، يصبح الفساد الوسيطَ الذي يعيد وصلهما. يمتلك الوزير القرار على الورق ثم يحتاج إلى الشيخ أو القائد لإنفاذه، ويمتلك الشيخ قدرة المنع والحماية ثم يحتاج إلى ختم الوزير لتحويلها إلى مال أو منصب أو امتياز. تضيع عندئذٍ حدود المسؤولية: القرار رسمي، والتنفيذ يمر عبر شبكة غير رسمية، والعائد يتوزع بين الاثنين. لذلك قد تتكاثر الوزارات والمباني والنصوص، فيما تظل قدرة الدولة على الفعل أضعف مما توحي به كثافة أجهزتها.
قد تقرر وزارة، مثلًا، شقَّ طريق في منطقة جبلية، فتصل بالموازنة والمناقصة والمهندسين، ثم تصطدم بنزاعات الملكية والتعويضات والحاجة إلى ضمان محلي يمنع الخصومة من تعطيل العمل. يعود المسؤول عندها إلى الشيخ، الذي لم يعترف به التصميم المؤسسي أصلًا، ويطلب وساطته في الخفاء، وربما يدخل مقاول قريب من البيئة المحلية، ثم يقدَّم الطريق في النهاية بوصفه إنجازًا إداريًّا خالصًا. هنا تتجسد المفارقة كلها: قدرة يحتاج إليها النظام عند التنفيذ، لكنه يتركها خارج قواعد الصفة والولاية والمحاسبة، فتحافظ على قيمتها موردًا شخصيًّا للنفوذ بدلًا من أن تصبح قدرة عامة معلومة الحدود.
وهذا أحد وجوه ما أطلقنا عليه «الدولة المستوردة». فالمشكلة ليست مشكلة اقتباس الأدوات الحديثة من سجلات أو أدوات محاسبة أو تنظيم الجيوش؛ فتلك أدوات تتناقلها الأمم، وإنما استيراد تصور سابق عن ماهية المجتمع ثم بناء المؤسسة على أساسه. وحين تصبح الصورة المستوردة معيارًا للحقيقة، لا تعود الدولة تنظِّم الاجتماع الذي وجدته أمامها، بل تبدأ بمحاولة صناعة اجتماع يطابق النظرية التي جاءت بها.
إذن ما الحل؟
اتَّسم السؤال الذي تلا صدور «جمهورية بلا جمهور» ببساطة اللفظ وكثافة الدلالة المفهومية: إذا كانت الجمهورية قد أخفقت، فهل يكون البديل عودةً إلى الإمامة أو تحولًا نحو الملكية؟ يكشف السؤال نفسه مقدار ما تجاوزته «الدولة المستوردة» من استعارة المؤسسات إلى استعارة حدود الخيال السياسي ذاته؛ فكأن التاريخ غرفة محدودة المنافذ، يُفضي الخروج من باب الجمهورية فيها حتمًا إلى باب الملكية، ويقترن نقد المركزية بتفكيك الدولة، والاعتراف بالقبيلة بنفي المواطنة. وهكذا تنحصر مهمة المفكِّر في المفاضلة بين قوالب جاهزة بدلًا من مساءلة صلاحية القائمة نفسها للبيئة الاجتماعية التي يراد تنظيمها.
لا يستطيع اليمن استعادة ترتيبات تاريخية انقضت شروطها، كما لا يبدو أن مواصلة ترميم الجمهورية القائمة ستعالج الخلل الذي قام عليه بناؤها الأول. وبين استعادة الماضي وترميم الحاضر نطرح في هذا المقال مشروع «النظام الاتحادي التعاوني» بوصفه تمرينًا في الخيال السياسي: محاولة لتوليد البناء السياسي من الوحدات التي ينتظم داخلها المجتمع نفسه، ثم إخضاع ما فيها من قوة ونفوذ لقواعد حديثة في الإدارة والقضاء والمالية والشفافية، بدلًا من استمرار محاولات المركز إعادة صياغة المجتمع على صورته.
اليمن جماعة سياسية مركبة
يتشكل اليمن تاريخيًّا وجغرافيًّا من نسيج اجتماعي حافل بالطبقات والتعدد؛ فبين حصون الهضاب والجبال حيث يستقر العُرْف القبلي وأحكام الضمان والتكافل الأهلي، وشواطئ التهائم والمواني حيث ترتسم الحياة على إيقاع التجارة والانفتاح المديني، وأودية الزراعة والحواضر الكبرى التي تضم المهن والحرف والقطاعات الحيوية، ينبض مجتمعٌ شديد التركيب ولا يقبل الاختزال.
.png)
يعيش الإنسان اليمني داخل هذا الفضاء في محيط من العضويات المتداخلة؛ فهو ابن قبيلة أو حارة، وساكن إقليم، وصاحب حرفة أو طائفة مهنية أو مذهبية، وحاملٌ لهوية يمنية جامعة. هذا التباين الشديد في نمط الإنتاج والعيش والبنية التضامنية هو الحقيقة الأولى التي يبتدئ منها أي خيال سياسي يروم بناء الدولة، قبل الشروع في صياغة القوانين ورسم المؤسسات.
.png)
ولا يعني هذا التعدد أن الوحدات المكونة للمجتمع اليمني متساوية في حجمها أو امتدادها. فالقبيلة، رغم تفاوت حضورها بين إقليم وآخر، تظل الوحدة الاجتماعية التي ينتظم ضمنها القسم الأكبر من السكان، بصورة مباشرة أو عبر امتداداتها وفروعها المحلية. ولذلك سيكون حضور الوحدات القبلية في البناء التعاوني أوسع عددًا وجغرافيًّا من غيرها، لا لأن النظام يمنح القبيلة امتيازًا دستوريًّا، بل لأن المؤسسة هنا تعكس الوزن الفعلي لأشكال الاجتماع القائمة. وفي المقابل، لا يجوز لهذا الثقل العددي والجغرافي أن يلغي حق المدينة أو الهجرة أو الجماعة غير القبلية في أن تدخل الاتحاد بوصفها جماعة قائمة بذاتها.
لا تعني العودة إلى هذه الخريطة الاجتماعية إحلال الجماعة محل الفرد. فكما يؤدي تجاهل القبيلة والحارة وسائر البنى الأهلية إلى دفع نفوذها نحو الظل، فإن بناء الدولة عليها وحدها يمكن أن يحبس الإنسان داخل نسبه أو موضعه ويحول الوجاهة من وظيفة تمثيلية إلى سلطة مغلقة. لذلك يقوم النظام على مسارين متوازيين: أولًا: رابطة مواطنة مباشرة بين الفرد والدولة تضمن له الحقوق والتقاضي والمساواة دون وساطة، وثانيًا: تمثيل جماعي يُدخل القبائل والجماعات السكانية في أرجاء الجغرافيا اليمنية إلى المؤسسات العامة بوصفها حاملة لمصالح وقدرات والتزامات فعلية. لا يذوب الفرد في الجماعة، ولا تتظاهر الدولة بأن الجماعة غير موجودة.
هيكل النظام: نمطان من التمثيل وغرفتان تشريعيتان
أولًا: الجماعة التعاونية كوحدة أساسية للتنظيم
لا تشير «التعاونية» هنا إلى شكل اقتصادي محدد، وإنما إلى قاعدة في توزيع المسؤولية: يحمل كل مستوى من مستويات الاجتماع ما يدخل في قدرته، ويطلب عون المستوى الأعلى في ما يتجاوزها. ومن هذه القاعدة تتشكل العلاقة بين الجماعة المحلية والإقليم والاتحاد.
تتأسس القواعد الإدارية والسياسية للنظام من القاعدة الصلبة للاجتماع اليمني، حيث تشكل «الجماعة التعاونية» وحدة البناء الجغرافية الأولى التي ينتظم في حياضها الناس. وتتعدد صور هذه الوحدات بتعدد البيئات المكانية في اليمن؛ فتظهر في البيئات القبلية والريفية كقبيلة أو عزلة أو قرية أو هجرة، بينما تنتظم الحواضر الكبرى من خلال المديريات، بحيث تُشكِّل كل جماعة محلية تعاونيةً ومجلسًا خاصًّا بها.
.png)
يتشكل المجلس التعاوني لكل جماعة وفق طبيعة بنيتها؛ ففي القبيلة قد يضم أعيانها ومشايخ فروعها وأصحاب الوجه والضمان، بينما يتشكل في القرى والهِجَر والمديريات الحضرية وفق وثيقة تأسيس كل جماعة، من ممثلي الأحياء والعقال وأصحاب المسؤولية الاجتماعية والمهنية أو غيرهم ممن تمنحهم الجماعة صفة تمثيلية. يتولى المجلس تنظيم الشؤون المشتركة، وتحديد الأولويات التنموية، واختيار ممثل الجماعة، وتقرير مساهماتها المادية والعينية، ومراقبة الأموال المنفقة باسمها والوفاء بالتزاماتها تجاه الإقليم. وبذلك تختلف صورة المجلس باختلاف البيئة دون أن تختلف وظيفته الأساسية في تحويل المسؤولية المحلية إلى اختصاص معلوم وقابل للمحاسبة.
ولا توجد طريقة تفصيلية موحدة لتكوين هذه المجالس واختيار ممثليها، لأن توحيد آلية الاختيار سيعيد إنتاج الخطأ نفسه الذي يحاول النظام تجاوزه، أي إخضاع جماعات مختلفة في بنيتها لقالب مؤسسي واحد. تتفق كل جماعة عند تأسيسها على «وثيقة تأسيس» تحدد تكوين مجلسها، وطريقة اختيار أعضائه وممثلها، ومدد المراجعة عند الحاجة، وآليات الاعتراض والعزل وانتقال الولاية. فعلى سبيل المثال في الجماعات التي تقوم قيادتها على الوجاهة، كما في كثير من البيئات القبلية والريفية، يمكن لوثيقة التأسيس أن تعتمد التزكية المحلية بدلًا من الانتخاب الدوري. تقوم الولاية حينها على القبول والقدرة والضمان، وقد تستقر في بيت ذي رصيد اجتماعي ما دام صاحبه قادرًا على جمع جماعته وحمل التزاماتها، مع بقاء طريق معلوم لمراجعة التزكية متى انتقل القبول إلى غيره. وعندما تقترن هذه الوجاهة بسلطة عامة أو مال عام، تخضع لقواعد الشفافية وفصل الذمة والطعن أمام القضاء.
غير أن حرية الجماعة في ترتيب مؤسساتها لا تكون مطلقة؛ إذ يضع الدستور الاتحادي شروطًا عامة لازمة للاعتراف بها، تتعلق بعلنية القواعد، ومنع احتكار التمثيل دون طريق للمراجعة، ووضوح المسؤولية المالية، وحق أفراد الجماعة في التقاضي والطعن، وعدم مصادرة حقوق المواطنة التي يضمنها الميثاق الاتحادي لكل فرد.
ثانيًا: مجلس الجماعات التعاونية
يتشكل «مجلس الجماعات» من الممثلين المبتعثين عن كل المجالس التعاونية للقبائل، والمديريات الحضرية، والهِجَر، وسائر النطاقات الجغرافية المعترف بها. يصل كل ممثل إلى مقعده مستمدًّا ولايته مباشرة من مجلس جماعته وبالأسلوب المتوافق مع بنيتها الأهلية؛ فإذا فقد القبول محليًّا، أو تبدلت الوجاهة، أو أزيح بقرار من مجلس نطاقه، انتقل المقعد فورًا إلى خلَفه دون أن يتحول التمثيل إلى ملكية شخصية تسري بمعزل عن الحاضنة التي أنشأته. يفتح هذا المجلس مسارًا دستوريًّا علنيًّا للقوى الاجتماعية والترابية التي ظلت تمارس نفوذها الفعلي خارج أطر الدولة الرسمية.
يتولى مجلس الجماعات مراجعة الموازنة العامة والموافقة عليها، وتلزم موافقته في القوانين التي تمس اختصاصات الجماعات والأقاليم وحدودها وأراضيها ومواردها والتزاماتها المالية والتنفيذية، وإعادة توزيع الثروات بين الأقاليم، والمصادقة على قرارات الحرب، بينما يملك في سائر القوانين العامة حق الاعتراض المسبب وفق الآلية التي يحددها الدستور. وتنبع هذه الصلاحية من موقع الجماعات في حمل جانب من كلفة القرار وتنفيذه؛ فالضريبة أو السياسة التي ترتبت عليها التزامات محلية لا تصبح أمرًا يصدره المركز إلى قوة اجتماعية غائبة عن صنعه، وإنما التزامًا شاركت الجماعات في إقراره وتتحمل مسؤولية إنفاذه.
ثالثًا: الأقاليم ومجلس الاتحاد
يتكون الاتحاد من عدد من الأقاليم، تُرسم حدودها بناءً على دراسات الجغرافيا الاقتصادية، وتوافر الموارد، وكفاءة الإدارة المحلية، وموافقة الوحدات الجغرافية الداخلة في نسيجها. يمثل الإقليم الفضاء التعاوني الأوسع الذي تتكامل فيه الجماعات لإدارة المرافق والخدمات والمخاطر الأمنية التي تتجاوز طاقة النطاق الجغرافي الواحد، كالطرق الشريانية والمواني وشبكات المياه ومؤسسات التعليم العالي والمستشفيات التخصصية. ولمَّا كانت الأقاليم تتنوع في تكوينها بين غلبة الطابع القبلي في المرتفعات، أو الامتداد المديني والتجاري في السواحل والحواضر، أو المزيج الزراعي والسكاني في الأودية، فإن النظام يتجنب قسرها على نمط قيادي موحد.
ويتشكل في كل إقليم «مجلس إقليمي» من مُمثلي المجالس التعاونية في ذلك الإقليم. يتولى المجلس إقرار الموازنة الإقليمية والخطط التنموية المشتركة، ومراقبة الحكومة الإقليمية، واختيار رئيس الإقليم وعزله. ويتولى رئيس الإقليم تشكيل الجهاز التنفيذي الإقليمي وإدارة الاختصاصات التي تتجاوز قدرة الجماعة الواحدة دون أن تستدعي انتقالها إلى المستوى الاتحادي.
يتشكل «مجلس الاتحاد» من رؤساء الأقاليم بوصفه هيئة الضمان السيادي في قمة البناء، لا غرفةً تشريعية ثالثة إلى جانب مجلس المواطنة ومجلس الجماعات. ويحمل أعضاؤه توازنات أقاليمهم إلى المستوى الاتحادي، ويختارون من بينهم رئيس الاتحاد؛ فتكتمل سلسلة الولاية الصاعدة من الجماعة إلى الإقليم ثم إلى رأس الدولة.
.png)
يمارس «الرئيس» وظيفة سيادية مرجعية ترتكز على الضمان والتحكيم واستقرار الاتحاد والتمثيل الخارجي، نائيةً تمامًا عن خوض التفاصيل الإدارية والوزارية اليومية. يمنح هذا الفصلُ الدولةَ رأسًا سياديًّا مستقرًّا يضمن استمرارية الكيان الوطني، ويمنع جمع الرئاسة والتنفيذ والمال العام في يد واحدة؛ بينما تظل الحكومة الاتحادية مؤسسةَ برنامج تنفيذي، قابلةً للتغيير والتبديل دون أن يتأثر البناء التأسيسي للاتحاد.
رابعًا: مجلس المواطنة، والحكومة، والسياسة المفتوحة بلا أحزاب دائمة
يقوم «مجلس المواطنة» على الضفة المقابلة لمجلس الجماعات التعاونية، ممتلكًا تمثيلًا مباشرًا للمواطنين بصفتهم الفردية وفق دوائر سكانية متقاربة الكثافة. يختص هذا المجلس باقتراح القوانين العامة وتشريعها، وإعداد الموازنة الاتحادية، وفرض الضرائب الوطنية، ومساءلة الحكومة، وصيانة الحقوق الدستورية التي يحملها كل يمني بموجب مواطنته المتساوية. ويجسد وجود المجلسين تكاملًا وظيفيًّا: فبينما يعبِّر مجلس المواطنة عن الأفراد المكلفين بالضريبة والخاضعين للقانون العام، يعبِّر مجلس الجماعات عن الكيانات الحاملة للاختصاصات الترابية والتزام التنفيذ؛ فلا تستطيع مدينة كبرى بوزنها السكاني تعديل حدود إقليم أو مصادرة مورد أهلي، ولا تستطيع قبيلة بنفوذها حرمان فرد من حقوقه الدستورية في المحاكمة أو التملك أو ممارسة نشاطه.
تنبثق من مجلس المواطنة «الحكومة الاتحادية» وتستمد منه الثقة لتتولى إدارة المهام السيادية الحصرية: السياسة الخارجية، والنقد والسياسة المصرفية، وشبكات العبور الدولية، والمعايير الوطنية العامة، وإدارة التوازن المالي بين الأقاليم. وتُترك بقية الاختصاصات الخدمية والأمن الداخلي والتعليم والتنمية المحلية للتقاسم المباشر بين الجماعات والأقاليم، وفق قاعدة الكفاءة والأثر التنموي للقرار.
يظل احتكار القوة العسكرية الثقيلة والدفاع الخارجي اختصاصًا اتحاديًّا لا يجوز للجماعات أو الأقاليم إنشاء قوة موازية له، بينما ينظَّم الأمن المحلي والإقليمي في أجهزة معلنة تخضع للقانون والقضاء وللمعايير الوطنية العامة.
يتطلب هذا البناء منافسة سياسية متجددة تتجنب خطورة الأحزاب الأيديولوجية والدائمة؛ إذ أدى إقحام العمل الحزبي الدائم في البيئة اليمنية إلى نقل الانقسامات المذهبية والقبلية إلى أطر تنظيمية صلبة حوَّلت الخلافات المحلية البسيطة على الأراضي أو الوجاهة إلى صراعات وطنية شاملة تستدعي التمويل والسلاح. وبدلًا من الأحزاب الدائمة، يُفتح المجال أمام «تحالفات انتخابية برامجية مؤقتة» تتشكل قبل المواعيد الانتخابية بمدة معلومة (كعام تقريبًا)، بين مكونات اجتماعية ومهنية وزراعية وتجارية تجمعها مصلحة تنموية أو خدمية محددة، وهو نموذج مشابه للنموذج الانتخابي الذي كان قائمًا في دولة الكويت.
.png)
تعلن هذه التحالفات برنامجها المكتوب، ومصادر تمويلها، ومرشحيها المستقلين الذين يخوضون المنافسة الانتخابية. وعقب إعلان النتائج، يتفاوض الممثلون عن الكتل الانتخابية الفائزة بأكبر عدد من المقاعد داخل مجلس المواطنة لتشكيل أغلبية برلمانية ائتلافية بناءً على توافقات الموازنة، والسياسات الاقتصادية، والمشاريع الخدمية لتسمية الحكومة. وبمجرد استكمال هذه المهمة وتشكيل الحكومة، تنتهي الصفة القانونية للتحالف الانتخابي، وتستمر الكتل البرلمانية المفتوحة في أداء دورها التشريعي، لتُفتح الفرصة في الدورة الانتخابية التالية أمام تشكل تحالفات جديدة بحسب تبدل المصالح والأولويات؛ وبذلك يتجدد الحراك السياسي دون أن تتحول الخصومة إلى هويات صلبة تورث بين الأجيال.
كيف يعمل النظام؟
لا يعمل النظام الاتحادي التعاوني كسلسلة أوامر تبدأ من العاصمة وتنتهي عند القرية، بل كحركة متبادلة بين مستويات مختلفة من المسؤولية. يبدأ القرار، قدر الإمكان، من الموضع الذي تظهر فيه الحاجة: يحدد المجلس التعاوني مشروعه المحلي وموارده ومساهماته، فإذا تجاوزت الخدمة طاقة الجماعة انتقلت إلى الإقليم، ولا تصل إلى الاتحاد إلا الوظائف التي لا يمكن أداؤها بكفاءة في المستوى الأدنى. بذلك لا تكون اللامركزية تنازلًا يقدمه المركز، وإنما الأصل الذي يبرر كل انتقال للاختصاص إلى الأعلى.
ولعل الغُرم المالي في العرف القبلي يقدم مثالًا واضحًا على معنى هذا التحول. فبدلًا من أن تبقى قدرة القبيلة على جمع المال من أبنائها موردًا ظرفيًّا مشتتًا يُستدعى عند وقوع جُرم أو نشوء حاجة أو مشروع، يمكن إدخالها في نظام المالية العامة للجماعة التعاونية. يقر المجلس التعاوني، وفق القواعد التي تحددها وثيقة تأسيسه والقانون العام، تكليفًا ماليًّا محليًّا يستند إلى منطق الغرم والتكافل المعروف لدى الجماعة، وتدخل حصيلته حسابًا عامًّا معلنًا يمول منه الطريق والماء والمدرسة وسائر الأولويات التي أقرها المجلس. هكذا لا تلغي الدولة الغرم لتستبدل به ضريبة غريبة عن البيئة التي تجبي منها، وإنما تحوِّل القابلية الاجتماعية التي جعلت الناس يتحملون العبء المشترك إلى مورد مالي مؤسسي يخضع للموازنة والرقابة والمحاسبة. وقد عرفت التعاونيات القبلية اليمنية بالفعل صورًا من هذا الاستخدام التنموي للغرم في جمع كلفة الآليات وشق الطرق في أيام الرئيس الإرياني، بما يجعل المسألة امتدادًا لقدرة محلية قائمة أكثر منها اختراعًا إداريًّا من خارجها.
ولا يفترض هذا المبدأ أن تستطيع كل جماعة تمويل حاجاتها بمفردها؛ فاختلاف السكان والثروة والجغرافيا يجعل ذلك متعذرًا ويهدد بتحويل الاستقلال المحلي إلى تفاوت دائم بين المناطق. فإذا تجاوزت الخطة التنموية موارد الجماعة، تُرفع إلى الإقليم مرفقةً بموازنتها ومقدار ما استطاعت الجماعة تحمله من الكلفة، فيغطي الإقليم العجز من موارده المشتركة. وإذا تجاوزت التزامات الإقليم موارده، انتقلت الفجوة إلى نظام التكافؤ المالي الاتحادي، حيث تُوزَّع الموارد بين الأقاليم وفق قواعد معلنة تُقَر ضمن الموازنة الاتحادية بموافقة مجلس المواطنة ومجلس الجماعات. وبهذا يتحرك المال في الاتجاه نفسه الذي تتحرك فيه المسؤولية: يبدأ من الأسفل، ولا يصعد طلب التمويل إلى المستوى الأعلى إلا بعد أن يستنفد المستوى الأدنى قدرته على حمل نصيبه من العبء. فلا تقول الجماعة للدولة: أعطنا طريقًا. بل تقول: هذا طريقنا، وهذه خطتنا، وهذه حصتنا التي تحملناها، وهذا العجز الذي نحتاج إلى أن يتحمله معنا المستوى الأعلى.
وتتفاوت سرعة التغيير داخل البناء نفسه: تتبدل التحالفات والحكومات الاتحادية بسرعة الاستجابة للمصالح والبرامج، بينما يحتاج تغيير المستويات الأعلى إلى تحول يستقر أولًا في الجماعات والأقاليم ثم يصعد منها. فتكون السياسة أكثر حركة في مجال الإدارة والمنافسة اليومية، وأكثر استقرارًا كلما اقتربت من القواعد المؤسسة للاتحاد.
وتفصل «محكمة الاتحاد» في نزاعات الاختصاص بين مؤسسات هذا البناء: بين الاتحاد والأقاليم، وبين الأقاليم والجماعات، وبين مجلس المواطنة ومجلس الجماعات، وتحمي في الوقت نفسه الحقوق التي لا يجوز لأي جماعة أو إقليم أو أكثرية اتحادية تجاوزها. وهكذا لا يقوم النظام على سيادة مستوى واحد على بقية المستويات، وإنما على توزيع السلطة بحيث تحتاج كل قدرة اجتماعية إلى مؤسسة تحملها، وكل مؤسسة إلى قاعدة تحاسبها، وكل قرار إلى طريق معلوم لمعرفة صاحبه والطعن فيه.
ينتهي هذا التمرين إلى تصور للدولة بوصفها بناءً صاعدًا للقدرة العامة: تبدأ المسؤولية حيث يعيش الناس وتوجد مصالحهم، ثم تتسع المؤسسة كلما اتسع نطاق المهمة. وبهذا يصبح الاختلاف بين القبيلة والمدينة، وبين الفرد والجماعة، وبين المحلي والاتحادي، مادةً لتنظيم السلطة وتوزيعها بدلًا من أن يبقى سببًا لازدواجها بين دستور مكتوب ودستور نافذ.
تضيق حدود هذه المقالة عن استيعاب التفاصيل الهيكلية لهذا البناء، وتكتفي بعرض المنطق الكلي وتوضيح الصلة بين معضلة غياب الجمهور السياسي وفكرة التعاون العام. أما تفصيلات العضوية الدستورية، وترسيم الحدود، وتوزيع الاختصاصات، والجباية، وحيازة السلاح، وآليات العزل، وانتقال السلطة، فتستدعي جهدًا موسعًا أفردنا له كتابًا يصدر قريبًا بإذن الله.


اقتنع الرئيس التنفيذي الجديد، وانطلقت ثمانية في موسمها الرياضي الثاني، ما بين برامج جديدة ومتجددة وباقات متنوعة وتجربة متابعة بلا مثيل!
جرّبها في تطبيق ثمانية.
فقرة حصريّة
اشترك الآن

.png)
«لماذا تقدم الخليج وتأخر اليمن؟»
ظلَّ هذا السؤال يراود كاتب عدد الأسبوع، ضياء السعيدي، وجال معه في مختلف مراحله الأكاديمية، ثم أجاب عنه في حلقته ببودكاست فنجان المعنونة بالسؤال ذاته.
*تعبّر المقالات عن آراء كتابها، ولا تمثل بالضرورة رأي ثمانية.

مساحة رأي أسبوعية تواكب قضايا اليوم بمقالات ولقاءات تحليلية في مختلف المجالات، لتمنحك فرصة استكشاف الأحداث وتكوين رأي تجاهها.