«عكس سير».. فِلم حائر بين اتجاهين ↔️

زائد: هل يستحق «The Invite» كل هذا الثناء؟


في جلسة جمعتني بعدد من صنّاع الأفلام، أخذ كلٌّ منّا يرتّب قائمته للأفلام السعودية من الأفضل إلى الأسوأ، لنكتشف أن قوائمنا تكاد لا تتشابه؛ فِلم يتصدّر قائمة أحدنا قد يتذيّل قائمة آخر. وبينما كنا نستغرب هذا التفاوت، علّقت إحدى الكاتبات بجملة حسمت النقاش: «الحمد لله أننا وصلنا إلى مرحلة الذائقة.»

تعبير يلخّص تحوّلًا مهمًا في السينما السعودية؛ تجاوزنا إلى حد كبير زمن الأعمال الكارثية من نوعية «123 أكشن»، حين كان الاتفاق على سوء الفِلم سهلًا. اليوم تقاربت المستويات، وأصبح ما يفصل بين كثير من الأفلام هو ذائقة المشاهد بقدر جودتها. أن نختلف على الأفضل، بدل أن نتفق على الأسوأ، يبدو لي مؤشرًا جميلًا على نضج الصناعة.

عهود أبو خيرة


تصميم: أحمد عيد
تصميم: أحمد عيد

«عكس سير».. فِلم حائر بين اتجاهين ↔️

عبدالله آل هيازع

عند النظر إلى شباك التذاكر في السنتين الماضيتين، لا نلحظ نموًّا واضحًا في المؤشر العام، لكن يوجد مؤشر جيد وهو ارتفاع نسبة الحضور للفِلم المحلي. جاء ذلك تزامنًا مع أفلامٍ كـ«الزرفة» و«شباب البومب»، وقبلهما «سطار». فخلطة الكوميديا التي تلتزم بظهور نجمٍ محبّب أدّت نتائجها مرّات عدة، واختُبر نجاحها. كما كان هناك حضور للأفلام الأخرى ذات التصنيف المغاير، وأهمها «هوبال»، الذي حصد إشادات كبيرة، واشترك في صناعته صاحبا فِلمنا لهذا اليوم: عبدالعزيز الشلاحي ومفرج المجفل.

ويأتي «عكس سير» باهتمام جماهيري مبشّر منذ أيامه الأولى، بحصده قرابة 100 ألف تذكرة في أول أربعة أيام من عرضه. وجاء «عكس سير» معاكسًا لـ«هوبال» رغم نجاحه، وهذه أولى ميزات الفِلم؛ فبعد نجاحٍ سابق كان يمكن البناء عليه في خطٍّ يقارب ويتشابه مع أفلام المجفل والشلاحي الماضية، ذهبا مرةً أخرى إلى منطقة مختلفة. وكما كان «هوبال» خروجًا من الحارة إلى فضاء الصحراء الشاسع، كان «عكس سير» خروجًا إلى عالمٍ آخر في نبرته وأجوائه.

قاعدة الثالثة لا تثبت

يضعنا الفِلم سريعًا داخل مقصورة شاحنة «رزمة 7» لنتعرف على «ناجي» (عبدالمجيد الكناني) و«عطا» (عبدالعزيز الشهري)، ومهمتهما الأولى: سرقة أولى سريعة ومضمونة، إلى أن يدخل «مبارك» عليها ويبارك لهما بموته مسارًا كان عكس كل أمنياتهما. فمحاولة السرقة الأولى تصبح ثلاثًا، وفي كل مرة تنتهي على شكل بطولة في كسر كل حواجز المنطق.

وهنا، يبرم معك الفِلم تعاقدًا على المتعة، فهو رهانه الأول والأهم. فالمنطقية سمحتْ بحدوث تسلسلات في الأحداث تجعلك ضاحكًا، وجعلت الفوضى جزءًا من اللعبة التي يريد منك الفِلم الدخول فيها.

غير أن هذا التعاقد لم يكتمل من جانب الفِلم نفسه. حيث رأينا التساؤل الأخلاقي يحضر كثيرًا بشكلٍ مثقل، لا يخلق حدثًا أو يعالج القصة بتسلسلٍ مثير.

وفي كل مرة نعود فيها لتساؤلات «ناجي»، ونقترب فيها من ماضي «عطا»، نرى أننا أصبحنا بانتظار الرحلة القادمة التي ستخرجنا من الدائرة التي ندور فيها بالتسلسل والأسئلة نفسيهما دون إجابات أخرى.

فالفِلم الذي يبيع لك التشويق والكوميديا، التي تجعلك تنسى دقائق جلوسك على الكرسي، أصبحتَ تَعُد فيه دقائق جلوس «ناجي» و«عطا» سويًّا على كنبة الملهى الليلي أو ممرات الشركة. ومع ذلك، يشفع لهذا الملل حضور الممثلَين القوي، وإدارة الإخراج من الشلاحي، والحوار المتقن الذي لطالما يبرع فيه المجفل.

مسار عكسي

عند النظر للشق الدرامي الذي أخذ حيزًا كبيرًا في الفِلم، تظهر مفارقات تدفع بالشخصيات حتمًا إلى سرقةٍ جديدة في كل مرة، وتجعل خطّ الرجعة أصعب وأكثر تعقيدًا. فـ«ناجي»، الذي يحمل اسمه أكبر مفارقاته، هو من يخلق المشكلة في كل مرة، وهو الدافع الأكبر بالتورط. وحين يضع الخطة، فهو أول من ينسحب ويبحث عن النجاة، حتى عندما يكون أفضل الطرق ارتكابَ المزيد من الأخطاء.

وهذا ما يحدث فعلًا؛ فالخطيئة الأولى: تعرّفه على مجموعة لصوص، والثانية: أن اللصوص أصبحوا يضعون شروط اللعبة، والثالثة: قبول «ناجي» بانتهاء السرقة، وانتهاء مشكلته الأبرز مع زوجته بالفسخ، وقبوله أصفاد السجن بدلًا من الحفرة التي جمعت «مبارك» و«عطا»، والمال الذي ظلّ حبيس المازدا الحمراء.

ومن هنا لا أستطيع القول إن الفِلم فشل في خلق خط دراما يمكن تلمّسه؛ لأن هذا الخط موجود، ومفارقات «ناجي» تحديدًا تمنحه حركةً مستمرة. لكن المشكلة تظهر حين يقابله خطٌّ آخر يريد المحافظة على متعة الفوضى. هنا يصبح الفِلم أمام خطّين متوازيين لا يجتمعان بالقدر الكافي، وكل واحدٍ منهما يسحب الفِلم نحو نبرةٍ مختلفة.

وهذه كانت أبرز معضلات الفِلم؛ فإمساك العصا من المنتصف لا يجوز هنا، لأن الفِلم منذ بدايته كان واضحًا في التعاقد الذي أبرمه معك، وكلما حاول أن يغير شروطه أصبحت المسافة بين ما يريده منك وما يفعله أكبر.

وهنا أستحضر طفلًا جلس خلفي؛ كلما رأى «ناجي» منفردًا التفت إلى والدته ليخبرها بتنبؤ ظهور «مبارك» له، وتزداد متعة الطفل في كل مرة تصيب توقعاته. والمفارقة، أنني شعرت بشيء قريب من ذلك، حيث كنت أنتظر ما سيحدث أكثر من تفاعلي مع الأحداث. وهذه المنطقة تحديدًا كانت تلخّص لي جزءًا من مشكلة الفِلم: أنت تنتظر الفصل القادم أكثر مما تعيش الفصل الحالي. ومع ذلك، عند وضع الفِلم في سياق تصنيفه، سنجد أنه تخلّص من أهم المشكلات.

ختامًا

في النقد، لا أحبّذ لبس ثوب المصحّح الذي يملي كيف سيكون الفِلم أفضل أو يطرح الحلول؛ فهذه ليست وظيفة النقد. أنت تتعرض لمنتج يفترض صانعه اكتماله، ويجب عليك التعاطي معه كما هو. لكن حين ترى أن الفِلم كان جديرًا بالحفاوة لو اتبع مسارًا آخر، يصبح من الصعب تجاهل الفرصة التي كانت أمامه، خصوصًا حين يبرز ذلك في أكثر من موضع.

اختار «عكس سير» أن يسير عكس الطريق الذي كان سهلًا على صانعيه، وهذه في ذاتها خطوة تستحق التوقف، لكنه كان يحتاج إلى وضوحٍ أكبر في الطريق الذي اختاره؛ لأن المشكلة لم تكُن اختلافه، بل تردّده بين مسارين لا يلتقيان بما يكفي. ومع ذلك، يبقى أن «عكس سير» عرف كيف يضعك على الطريق الذي يريد، حتى لو جعل الطريق نفسه أكثر ازدحامًا مما يحتمل.


تنتهي الأفلام مع ظهور الشارة الأخيرة وأسماء العاملين،

أما ما ولّده الفيلم من أسئلة مؤرقة تبدأ بعد ذلك. 

ابدأ البحث عن الأجوبة على أسئلتك في «مكتبة سينماء» على منصة «سينماء».


تصميم: أحمد عيد
تصميم: أحمد عيد

هل يستحق «The Invite» كل هذا الثناء؟

رزان الزيادي

أعترف أنني نادرًا ما أشاهد فِلمًا بعد صدوره بمدة قصيرة؛ فغالبًا أنتظر بضعة أسابيع أو أكثر لأقرأ الآراء حوله ولأتعرّف إلى فكرته الجوهرية. وعلى الرغم من أن فِلم «The invite» لم يُعرض في السينما السعودية حتى الآن، فإنه أصبح متوفرًا على مواقع عديدة، ما أتاح لي مشاهدته في وقتٍ مبكر، وهو شيء نادر بالنسبة إليّ. 

قررت مشاهدته فورًا بعد قراءتي تعليقًا يقول: «لا أستطيع أن أرتاح إلا بعدما يترشّح للأوسكار!»

تدور أحداث الفِلم حول الزوجين «أنجيلا» و«جو» اللذين يواجهان مشاكل زوجية كبيرة بسبب آرائهما واختلاف شخصيتهما. يركز الفِلم على تصوير هذه العلاقة المتوترة التي ترتكز على الشجار منذ الدقائق الأولى، حيث يبدأ الزوجان بالصراخ والمشاجرة على ما يمكن حلّه بهدوء ودون خصومة. ومن خلال هذه البداية الحادة، تُرسم الحياة التي يعيشها الاثنان.

وفي مشهدٍ تتعالى فيه الأصوات والمشاكل لأن «جو» كان يرفض كل ما يصدر عن «أنجيلا»، وإصرار الأخيرة على حصول كل ما يرفضه «جو»، يطرق الباب جاران لهما، لتبدأ الأمسية المحرجة. هنا نلتقي بالشريكين «هوك» و«بينا»، اللذين يختلفان اختلافًا كليًّا عن «جو» و«أنجيلا»، فهما أهدأ وأكثر تفهّمًا لبعضهما.

للفِلم مميزات عديدة يستطيع المشاهد ملاحظتها بسهولة، على سبيل المثال: اعتمدت المخرجة أوليفيا وايلد على تصوير الحَرَج الناتج من شدّة التوتر والضغط النفسي والاجتماعي أكثر من أي شيء آخر، وهذا الحرج يمثّل جوهر الفِلم إلى حدٍّ كبير، ونستطيع استشعاره في كل دقيقة تقريبًا. وقد أوصلت المخرجة هذا الحرج عبر الشخصيات الأربع للفِلم على اختلافها، وخصوصًا شخصية «أنجيلا». فبين برود «بينا» وغرابة «هوك» وانفعالات «جو»، كانت «أنجيلا» تبالغ في كل موقف لإرضاء الجميع وإقناعهم بأنها شخصية مرحة وجذّابة، وهذا ما قلّل فرصة خلق صداقة فعلية أو تفاهمٍ بينهم.

إضافةً إلى ذلك، كان الفِلم مُصوّرًا بالكامل في مكانٍ واحد ليصل شعور الحرج إلى المشاهد أكثر؛ فلكل مشهدٍ تقريبًا شخصيته الرئيسة، ولا يمكن لأي شخصية الهرب من الضغط النفسي المحرج، فجميعهم محاصرين في هذا المنزل.

وقد ساهمت موسيقا الفِلم في رفع التوتر بشكلٍ ممتاز. وأكثر ما ميّزها أنها نادرًا ما كانت تظهر في الفِلم، وإذا ظهرت فهي تظهر بعد لحظةٍ غريبة؛ لتحوّل الموقف المحرج إلى موقفٍ يشوبه الإرباك والقلق. 

كل هذه المميزات تندرج تحت الميزة الأساسية، وهي الكوميديا المزعجة التي تحيّر المتابع بين الضحك على المشهد وبين الرغبة في التوقف عن المشاهدة لدقائق لتخفيف حدّة الشعور بالحرج.

لا يمكن إخفاء دور الطاقم في هذا التميّز، الذين كان اختيارهم سببًا رئيسًا في تحمّس غالبية المشاهدين للفِلم . ولكن، مع أن أداء بينيلوبي كروز «بينا» وإدوارد نورتون «هوك» كان جيّدًا، فإنه أصبح عاديًّا، بل ربما، مُتصنِّعًا إذا ما قورن بأداء سيث روقن «جو» وأوليفيا وايلد «أنجيلا»، الذي جاء منطقيًّا ومدهشًا في كل مشهد.

أكثر ما أحببته في أداء سيث روقن وأوليفيا وايلد أنهما نجحا في تصوير زوجين لا يعلمان ما حدث بينهما؛ فكلا الطرفين يعتقد أن الآخر يكرهه، لكن الحقيقة أنهما يفكران ببعضهما، ويبحثان عن طريقة تجعل كلٌّ منهما مرئيًّا وحاضرًا في نظر الآخر. وقد تجنبّا، ببراعة، تصوير الفكرة السطحية المعتادة عن أن الحب والاهتمام سقط منهما ببساطة. وبرأيي كان هذا الشيء الأكثر تميزًا في الفِلم، والسبب الذي دفعني إلى إكماله حتى النهاية.

بصراحة، لم أفهم حتى الآن لماذا كُتب التعليق الذي ذكرته في بداية المقالة على الفِلم، فثغراته تفوق مميزاته، وكان الجاران هما الثغرة الأكثر بروزًا؛ فحين وصلا، بدا أن علاقتهما صحية أكثر، كأن الفِلم يشرح عبرهما كيف تبقى العلاقة قويةً بين بعض الأزواج وتذبل عند آخرين، وكيف يُعدّ التفاهم أهم جزء في العلاقة، وربما سيشرح كيف تنجح العلاقات الزوجية. لكن يتضح أن «هوك» و«بينا» عاشقان لا زوجان، ولا تزيد علاقتهما عن السنة، في حين كان «جو» و«أنجيلا» متزوجين منذ سنوات ولديهما ابنة مراهقة.

وهاتان علاقتان مختلفتان تمامًا ولا مجال للمقارنة بينهما، فمن الطبيعي أن تكون علاقة شخصين لا يزالان في مرحلة البدايات صحية أكثر من علاقة شخصين عاشا معًا لأكثر من عشرة أعوام. ومن غير المعقول أن يجعل الفِلم الزوجين غريبين لأن علاقتهما ذبلت، ويجعل الحبيبين أكثر نضجًا وقوة رغم أنهما لم يمرّا بالمراحل التي مرّ بها الزوجان.

وقد استمرّت السلبيات بالظهور بين مشهد وآخر، حيث لم تكُن هناك قضية محورية يناقشها الفِلم، ففي كل مرة يقترب المشاهِد من فهم مشكلة، يدخل في دوامات من المشاكل الجديدة، كالكبت الجنسي أو الملل الزوجي أو مدة العلاقة، لكن الحديث لا يكتمل عن أي مشكلة، ولا يُقدَّم حلٌّ لأيٍّ منها.

حتى مشهد التحليل العاطفي والنفسي للمشاكل التي تحدث بين الزوجين ومحاولة فهم أسبابها وحلها، لم يكُن بالعمق المطلوب أو المتوقع، بل كان باردًا ومللًّا للغاية، حيث لم يقدِّم حلًّا للزوجين أو حتى للمشاهد، وكان مستفزًّا لإصرار الفِلم على إظهار العاشقين أكثر نضجًا من الزوجين. وحتى النصائح المُقدَّمة في المشهد كانت سطحية أو كليشيهية.

لن أنكر أن الفِلم تميّز بخصالٍ محدودة وجيدة، أو ربما قدّم مميزات طبيعية ومتوقعة من أي فِلم، لكنه لم يستحق هذا الثناء المُبالغ فيه، وبالتأكيد لا يستحق الترشيح للأوسكار. لأن فكرته ليست مُكرّرة في المسلسلات الكوميدية وحسب، وإنما جاءت أكثر فراغًا وتخبطًا من أي عملٍ آخر.

في اعتقادي، كان الفِلم يمتلك فرصة أن يخلق تجربة أمتع وأكثر واقعية لو لم يحمل هذه المشاكل السردية التي استمرت في قطع حبال أفكار المشاهِد في كل مرّة يحاول أن يفهم قضيةً يطرحها الفِلم، أو حتى أن يفهم الفكرة الجوهرية من ورائه.

النشرة السينمائية
النشرة السينمائية
أسبوعية، الخميس منثمانيةثمانية

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.

+10 متابع في آخر 7 أيام