كيف سيغير اتفاق مكة الشرق الأوسط

بعد اتفاق مكة، سيتسع دور الدول الإقليمية في تصميم النظام الأمني الذي ستعيش في ظله، على حساب دور الدول الخارجية.

مثَّل توقيع السعودية وتركيا وباكستان اتفاق مكة للدفاع المشترك الجمعة الماضية تحوُّلًا نوعيًّا في توازنات شرقٍ أوسط يعيش حالة ملتهبة واستثنائية.

وبناءً على ذلك، يحلل الدكتور هشام الغنام في مقالة هذا العدد اتفاق مكة، والسياق الذي أدّى إليه، وشكل الشرق الأوسط الذي سينتجه.

قراءة ماتعة.

عمر العمران


تصميم: أحمد عيد
تصميم: أحمد عيد

كيف سيغير اتفاق مكة الشرق الأوسط

د. هشام الغنام

في مكة يوم الجمعة، وقَّع قادة المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان اتفاق دفاع مشترك، وسيُذكر هذا الاتفاق على الأرجح بسبب ما يكشفه عن الاتجاه الذي قد يمضي إليه الشرق الأوسط. 

إن اتفاق مكة، الذي سمي باسم المدينة المقدسة التي تمنحه ثقلًا رمزيًّا خاصًّا، ليس التطور الوحيد اللافت في أسبوع شهد تصاعدًا في التوتر الإقليمي، وضربات أمريكية سعودية مشتركة في العراق، ومبادرة سعودية لإنشاء تحالف متعدد الجنسيات للدفاع البحري في البحر الأحمر، إلى جانب استمرار التعاون الأمني والدفاعي السعودي مع الولايات المتحدة. لكنه قد يكون من أكثر التطورات دلالة على محاولة القوى الإقليمية بناء ترتيبات أمنية أكثر اعتمادًا على نفسها.

ما هو الاتفاق 

سيكون من الخطأ قراءة اتفاق مكة باعتباره نسخة إسلامية من حلف الناتو، أو إعلانًا عن شرق أوسط ما بعد أمريكا، أو إعلانًا للحرب على طرف بعينه. فلا واحدة من هذه القراءات التي يكررها ويرددها المحللون تثبتها المعطيات المتاحة حتى الآن.

تركيا عضو في حلف الناتو، ولها التزاماتها القائمة في إطار الحلف وعلاقاتها الدفاعية مع الولايات المتحدة. وباكستان بدورها تربطها علاقات طويلة مع واشنطن، كما أنها تؤدي دورًا دبلوماسيًّا في التعامل مع أزمات المنطقة. أما السعودية، فعلى الرغم من سعيها إلى تنويع شراكاتها الأمنية، فإنها لم تقطع علاقاتها الدفاعية مع الولايات المتحدة.

كما أن التطورات الأخيرة تظهر صورة أكثر تعقيدًا. فقد وقعت واشنطن والرياض في 22 يوليو 2026 اتفاقًا للتعاون النووي المدني، يشكل أساسًا قانونيًّا لشراكة طويلة الأمد في مجال الطاقة النووية السلمية. كما استمرت العلاقات الدفاعية الأمريكية السعودية بالتوازي مع سعي الرياض إلى توسيع علاقاتها الأمنية مع قوى إقليمية أخرى.

ما يفعله اتفاق مكة هو إضافة طبقة جديدة إلى هذه الشبكة من العلاقات. وينص المبدأ المركزي فيه على أن الهجوم على أي دولة من الدول الثلاث يعد هجومًا عليها جميعًا، وهو ما يمنح الاتفاق طابعًا واضحًا للدفاع الجماعي. وقد وصفته تقارير عدة بأنه اتفاق على نمط حلف الناتو، لكن ذلك وصف للتشابه في مبدأ الدفاع الجماعي وليس دليلًا على أن الدول الثلاث أصبحت جزءًا من منظومة الناتو أو أن الاتفاق يحل محل التزاماتها الدولية القائمة.

كما أكد قادة الدول الثلاث أن الاتفاق ذو طبيعة دفاعية، وأنه لا يستهدف دولة بعينها ولا يمثل تحولًا إلى تحالف طائفي أو إلى سباق تسلح. ولذلك فإن أهميته لا تكمن فقط في الالتزام بالدفاع المشترك، لكن، باعتقادي، في إنشاء إطار مؤسسي جديد يمكن أن يتوسع التعاون من خلاله في المجالات العسكرية والأمنية والتقنية.

ما الذي يكسبه كل طرف

بالنسبة إلى السعودية، يأتي الاتفاق في سياق تحرك أوسع لتنويع خياراتها الأمنية. ففي الشهر الماضي، شاركت في عملية عسكرية مشتركة مع الولايات المتحدة استهدفت مواقع لجماعات مرتبطة بإيران في العراق، كما طرحت مبادرة لإنشاء تحالف دفاع بحري متعدد الجنسيات لحماية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب. وقد عُقد اجتماع عسكري في الرياض بمشاركة ممثلين عن 43 دولة، فيما أعلنت مجموعة من الدول دعمها للمبادرة السعودية.

وهذه التحركات لا تعني أن السعودية اختارت الانفصال عن الولايات المتحدة، لكنها بالتأكيد تشير إلى رغبة متزايدة في امتلاك خيارات أمنية متعددة وعدم الاعتماد على شريك واحد. ويمنح اتفاق مكة الرياض وسيلة إضافية لتعزيز الردع الإقليمي، كما يربط أمنها بصورة أوثق بقدرات دولتين تملكان وزنًا عسكريًّا وسياسيًّا مهمًّا، هما تركيا وباكستان.

وبالنسبة إلى تركيا، فإن المكسب لا يقتصر على الجانب الأمني. فتركيا تمتلك قاعدة صناعية دفاعية متقدمة، وتشمل قدراتها الطائرات المسيرة والمركبات المدرعة والسفن والأنظمة العسكرية المختلفة. ويتيح تعميق التعاون مع السعودية وباكستان فرصًا أكبر للتعاون في مجال الصناعات الدفاعية ونقل التكنولوجيا والتصنيع المشترك، فضلًا عن توسيع الحضور التركي في منطقة الخليج والعالم الإسلامي.

أما بالنسبة إلى باكستان، فإن الاتفاق يعزز موقعها في ترتيبات الأمن الإقليمي. وكانت إسلام آباد قد وقعت مع الرياض في سبتمبر 2025 اتفاق الدفاع الاستراتيجي المتبادل، الذي نص على أن العدوان على إحدى الدولتين يعد عدوانًا على الأخرى. ومن ثم فإن اتفاق مكة يمثل توسيعًا ثلاثيًّا لعلاقة دفاعية كانت قد اكتسبت أساسا مؤسسيًّا قبل ذلك بعام تقريبًا.

وتتمتع باكستان أيضًا بوضع خاص باعتبارها الدولة ذات الأغلبية المسلمة الوحيدة التي تمتلك أسلحة نووية. لكن لا ينبغي تفسير ذلك على أنه إعلان عن توسيع مظلة الردع النووي الباكستانية إلى السعودية أو تركيا، إذ لا توجد في المعلومات المتاحة لنا أو للعموم حاليًّا صياغة علنية تسمح بمثل هذا الاستنتاج الذي يقفز إليه بعضهم مباشرة. فالعقيدة النووية الباكستانية الرسمية لا تنص على توسيع المظلة خارج حدود ردعها التقليدي، أي ضد الهند، كما لا تتوفر معلومات موثوقة تؤكد عكس ذلك، وهو عدم امتداد المظلة النووية لشركاء باكستان، وقد تكون هذه المجهولية غموضًا بنَّاءً (Constructive Ambiguity) مقصودًا.

الشرق الأوسط الذي يعكسه الاتفاق

لم يُنشئ اتفاق مكة وحده واقعًا إقليميًّا جديدًا، لكنه يعكس اتجاهًا واضحًا نحو زيادة اعتماد دول المنطقة على ترتيبات أمنية تقودها قوى إقليمية نفسها.

فمن جهة، لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بدور أمني وعسكري رئيس في الشرق الأوسط، كما تظل إسرائيل شريكًا عسكريًّا وسياسيًّا مركزيًّا لواشنطن. ومن جهة أخرى، تحتفظ إيران بشبكة من أدوات النفوذ العسكري والسياسي في المنطقة، فيما تسعى دول عربية وتركيا وباكستان وغيرها إلى تجنب أن تصبح أمنيًّا رهينة لأي طرف من أطراف الصراع.

ومن هنا يمكن فهم ما أسميه «الملكية الإقليمية للأمن» التي يعكسها الاتفاق. فبدلًا من أن تعتمد دول المنطقة بصورة كاملة على ترتيبات تصممها القوى الكبرى، تسعى هذه الدول إلى بناء أطر أمنية تستطيع التأثير في قواعدها وتحديد أولوياتها.

ولا يعني ذلك أن السعودية وتركيا وباكستان تشكل بالفعل كتلة سياسية أو عسكرية موحدة ضد الولايات المتحدة أو إيران أو إسرائيل. فلكل دولة منها مصالحها الخاصة وعلاقاتها المختلفة، وقد تستمر في الوقت نفسه في التعاون مع واشنطن ومع أطراف أخرى. لكن اتفاق مكة يظهر أن التعاون الأمني الإقليمي أصبح أكثر مؤسسية مما كان عليه في السابق.

ماذا يعني الاتفاق لإيران وإسرائيل والولايات المتحدة

من المرجح أن تنظر إيران إلى الاتفاق باعتباره تطورًا أمنيًّا مهمًّا، خصوصًا أن الدول الثلاث تقع في مواقع جغرافية واستراتيجية مختلفة حول المجال الإيراني. وقد انتقد مسؤولون إيرانيون الاتفاق بالفعل، إذ رأوا أن مثل هذه الترتيبات لن توفر الأمن الدائم. وفي المقابل، يمكن أن ترى طهران فيه أيضًا محاولة من دول المنطقة لبناء ترتيبات أمنية لا تستهدف القضاء على إيران، وإنما الحد من قدرتها على فرض خياراتها على جيرانها.

أما إسرائيل، فمن المرجح أن تراقب الاتفاق باهتمام لأنه يضيف بعدًا جديدًا إلى البيئة الأمنية المحيطة بها. فبدلًا من أن تعتمد دول المنطقة بصورة أساسية على العلاقات الثنائية مع واشنطن، يظهر اتجاه موازٍ نحو بناء آليات أمنية إقليمية بمشاركة دول عربية وتركيا وباكستان.

لكن القول إن الاتفاق موجه ضد إسرائيل تحديدًا سيكون تجاوزًا لما تثبته الوثائق والتصريحات المتاحة. فالدول الموقعة قدمته باعتباره اتفاقًا دفاعيًّا لا يستهدف دولة بعينها، كما أن تركيا وباكستان والسعودية لديها حسابات ومصالح مختلفة تجاه إسرائيل وإيران والولايات المتحدة.

أما بالنسبة إلى واشنطن، فقد يكون الاتفاق في الوقت نفسه تحديًا وفرصة. فمن ناحية، يشير إلى أن حلفاء الولايات المتحدة وشركاءها في المنطقة يريدون امتلاك قدرة أكبر على تشكيل بيئتهم الأمنية بأنفسهم. ومن ناحية أخرى، فإن تحمل الدول الإقليمية مسؤولية أكبر عن أمنها يتوافق جزئيًّا مع المبدأ الأمريكي القائم منذ سنوات على تقاسم الأعباء الأمنية.

الاحتمال الذي يشير إليه الاتفاق

من أكثر التداعيات أهمية في اتفاق مكة أنه يمكن أن يشكل أساسًا لتوسيع التعاون الأمني بين دول أخرى في المنطقة. فهناك إمكانية انضمام دول أخرى أو ارتباطها بالإطار في المستقبل، لكن حجم هذا التوسع وشروطه لا يزالان غير واضحين. ولذلك فإن الحديث عن تحالف إقليمي واسع يجب أن يبقى في إطار الاحتمال وليس الحقيقة القائمة.

وهنا تظهر أهمية المبادرة السعودية الخاصة بالأمن البحري في البحر الأحمر. فالسعودية تحاول بالفعل إنشاء إطار متعدد الجنسيات لحماية طرق الملاحة، وقد شاركت عشرات الدول في الاجتماع الذي عقد في الرياض لمناقشة التعاون البحري. وهذا يشير، بظني، إلى أن المنطقة لا تتحرك نحو ترتيبات دفاعية واحدة فقط، لكن نحو مجموعة متشابكة من آليات الأمن الجماعي والتعاون العسكري، تتداخل فيما بينها.

وقد ظهرت سابقًا أقاويل عن إنشاء بنية أمنية عربية إسرائيلية لمواجهة إيران، إلا أن ذلك لم يتحقق. بينما ما يتبلور الآن مختلف في طبيعته، فهو تعاون أمني تقوده دول المنطقة نفسها، ويجمع دولة عربية وتركيا وباكستان، مع إمكانية توسيع نطاقه في المستقبل.

وهذا لا يعني أن النظام الإقليمي الجديد قد اكتمل، ولا أن الولايات المتحدة خرجت من الشرق الأوسط، لكنه يعني أن دولًا رئيسة في المنطقة أصبحت أكثر استعدادًا لبناء أدوات أمنية خاصة بها، إلى جانب شراكاتها القائمة مع القوى الكبرى.

ولهذا قد تكون القيمة الأهم لاتفاق مكة أنه لا يقدم تحالفًا نهائيًّا بقدر ما يقدم نموذجًا جديدًا، يتسع فيه دور الدول الإقليمية في تصميم النظام الأمني الذي ستعيش في ظله.

وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد يكون اتفاق مكة بداية لبنية أمنية إقليمية أكثر تعددًا وتنوعًا، لا تقوم على محور واحد ولا على تحالف واحد، وإنما على شبكة من الشراكات المتداخلة التي تحاول دول المنطقة من خلالها زيادة قدرتها على الردع وحماية مصالحها والحفاظ على مساحة أكبر من الاستقلال الاستراتيجي، وهذا الاستقلال الاستراتيجي هو الأهم لأنه يعظم كل القدرات الكامنة الأخرى.


*تعبّر المقالات عن آراء كتابها، ولا تمثل بالضرورة رأي ثمانية.

نشرة الصفحة الأخيرة
نشرة الصفحة الأخيرة
أسبوعية، الثلاثاء منثمانيةثمانية

مساحة رأي أسبوعية تواكب قضايا اليوم بمقالات ولقاءات تحليلية في مختلف المجالات، لتمنحك فرصة استكشاف الأحداث وتكوين رأي تجاهها.

+20 متابع في آخر 7 أيام