كيف تصنع الرمزية متعة السينما؟


من ترغب في أن يكون ضيف بودكاست النشرة السينمائية القادم؟

نايف العصيمي


تصميم: أحمد عيد
تصميم: أحمد عيد

كيف تصنع الرمزية متعة السينما؟

محمد الأحمدي

في تسمية الأشياء بأسمائها قمعٌ لثلاثة أرباع الاستمتاع بالقصيدة، الاقتراح.. ذاك هو الحُلم.

في أثناء مشاهدتي فِلم «عن إيلي» للمخرج الإيراني أصغر فرهادي، شدّني المشهد الختامي حيث علقت مركبة في حفرة رملية وحاولت بقية الشخصيات دفعها. أتذكّر تشويش ظهور المركبة قبل ذلك المشهد، إلا أنها أصبحت أهم عنصر على الشاشة في النهاية، حينما نتج عن اكتمال أحداث القصة أن تعلق حياة الشخصيات في وحلٍ الخروج منه أصعب من خروج المركبة.

لا أن لانتباهي سببًا واضحًا إذ اتّسق المعنى المُقترح أو الرمز (تعقّد حياة الشخصيات) مع المعنى الظاهر (تعطّل المركبة). دُفعتُ بعد هذا المشهد لاسترجاع الرموز المختلفة في الأفلام وتأملها، مثل السلطة المطلقة للجد في فِلم «هوبال»، والزجاج في فِلم «انفصال»، وولادة شخص من رحم آلة في « Blade Runner 2049» وغيرها، وتفكيك دلالة الرموز، أو حتى الانطلاق منه إلى أفقٍ أبعد، فوجدت أنه أعظم أثرًا من تقديم معنًى مباشر.

للرمز تصنيفاتٌ كثيرة تعتمد على استخدامه، وحتى لا تتحول المقالة إلى كتاب، سأتحدث عن ثلاثة أنواع من الرموز في القصص، عبر ثلاثة أفلام: «ناقة»، و«The Great Gatsby»، و«The Banshees of Inisherin».

اعتمدت في اختياري على اختلاف كل رمز، وطريقة ظهوره في القصة، وبقائه في ذهني رغم مرور الوقت.

«ناقة»؛ الرمز الواضح

أن تحمل صفات أنثى الإبل (الناقة) في الثقافة السعودية يعني أن تحمل حقدًا وألّا تسامح من أساء إليك. في الفِلم تتماهى البطلة مع هذه الصفات فتحقد وتنتقم من بقية الشخصيات، مثل أكلها للحمِ الحاشي (صغير الإبل) انتقامًا بعد مواجهةٍ مرعبة مع ناقةٍ هائجة بسبب دهس مولودها (حُوار الناقة) في مشهدٍ سابق.

أو في المشهد الختامي حينما تضرب أخاها الصغير موفيةً بوعدٍ قطعته لأمها بعد مشاجرةٍ بينهما في المشاهد الأولى من الفِلم «والله لأفقع عينه…».

الرمز المباشر هو أسهل الرموز فهمًا، وأمتعها في أثناء المشاهدة الأولى، ولكنه قد يفقد سحره في إعادة المشاهدة. فإن اعتمد عليه الفِلم في إيصال قصته، لن يجد المشاهد المزيد من العمق ليغوص ويستكشفه. إلا أن وضوح التشبيه لا يقلل من جودته، فالرمز وُجد لتكثيف الصورة الفنية عبر التعبير غير المباشر عن واقع العمل، وإيصال معنىً أقوى لقصةٍ تستطيع أن تقوم بنفسها دون التشبيه، وهذا ما نجح فيه الفِلم عبر إدخال الإبل إلى القصة.

الرمز المختبئ؛ «The Great Gatsby»

الرموز في «The Great Gatsby» كثيرة، ومعظمها مستتر يحتاج إلى تفتيش. مثل السيارات التي دائمًا ما يجلب حضورها الموت والحوادث، أو مسبح «قاتسبي» الضخم، دليلَ ترفه الذي يسبَح فيه الجميع إلا «قاتسبي» الذي لم يتبلّل بمائه إلا قبل قتله بلحظات.

من بين رموز الفِلم، برز رمزٌ تساوي أهميتُه غموضَه: السارية المُشعة من بيت «ديزي»، الفتاة التي لم يسعَ «قاتسبي» للثراء إلا رغبةً بالفوز بقلبها.

أحب «قاتسبي» «ديزي»، ولكن حالت طبقاتهما الاجتماعية المتفاوتة بين حبهما، لذا اختفى «قاتسبي» ليجمع ثروته ويقف فوق أمواله ليصل إلى طبقتها الاجتماعية.

عاد «قاتسبي» بعد سنوات، وقد حقق مراده بجمع أموالٍ لا يستطيع رجلٌ واحد إنفاقها، ولكن فتاته الآن متزوجة. لم يعجز أمل «قاتسبي»، فاشترى منزلًا مقابلًا لها، لا يفصل بينهما إلا بحيرة. وفي ساعات الليل المتأخرة، ينزل «قاتسبي» وحيدًا يتأمل الضوء الأخضر المشع من رصيف «ديزي» التي لا يستطيع الوصول لها. 

يرمز الضوء لأمله بلقائها، ولأشياء أخرى. فبالرغم من أنه ثري، لم تساوي ثروة «قاتسبي» شيئًا مقارنةً بالثراء المُتوارَث من عوائل عريقة، مثل عائلة زوج فتاته، لذا كان اللون الأخضر (الذي هو في حدِّ ذاته رمزٌ للمال) بمثابة الثراء الذي جمعه ولم يستطِع أن يكسب به المكانة الاجتماعية أو الفتاة التي حلم بها.

في هذا الفِلم تحتشد الرموز وتختبئ جيدًا وتنفتح على التأويلات المختلفة، وهو أسلوب يتبعه فرهادي أيضًا؛ إذ يرى أن الرمز يجدر به أن يُكتشَف بعد انتهاء الفِلم، لا أن يُفهم من المرة الأولى أو يعيق القصة.

لكن ماذا عن النوع الثالث من الرموز: التي تسير في خطٍّ متوازٍ مع الفِلم، فتروي على جانبه قصةً أخرى؟

«The Banshees of Inisherin»، الرمز الموازي

في يوليو ١٩٢١م وقّع الجيش الجمهوري الإيرلندي وقوات الحكومة البريطانية اتفاقية إقامة دولة إيرلندية حرّة من الاستعمار تحت إشراف الحكومة البريطانية، حينها انشق الجيش الإيرلندي إلى قسمين: معارض يرى أن «الإشراف» ما هو إلا مفردةٌ أخرى للاستعمار، وموافق يراها بداية لتحريرٍ كامل.

تداعت العلاقة بين الفريقين ووصلت إلى حربٍ عبثية مات بسببها عشرات الآلاف، كثيرٌ منهم أبرياء. فأصبح الفريقان يقاتلان بعضهما بدل المستعمر.

تحصل أحداث الفِلم على هامش هذه الحرب، عن طريق حربٍ أخرى في جزيرة إنشيرين. في تلك الجزيرة يعيش صديقان، «بودريك» و«كولم». يقرر «كولم» فجأة هجر صديقه، مدفوعًا بإحساس انسلال الوقت من بين أصابعه، وضرورة التوقّف عن تضييع الوقت وصناعة عملٍ يخلّده في التاريخ، بينما شعر «بودريك» بالخيانة من قرار «قطع الصداقة» والتغيير غير المُبرر لواحدة من أهم الثوابت في حياته: صداقته بـ«كولم».

وكما حصل الانشقاق في الجيش الإيرلندي، سرعان ما تحول الخلاف بين الصديقين إلى صراعٍ دامٍ تجاوز ضرره الأبرياء المحيطين بهما، مثل «دومينيك» الفتى بسيط الفهم، وحمار «بودريك» الذي لاقى نهاية مأساوية بسبب عناد الصديقين.

تُعلّق الشخصيات عن الحرب باستمرار حينما تنفجر قنبلةٌ في الأفق، أو يجفلون من وصول صدى طلقات النار إليهم. فتعطيك تلك التعليقات السياق الكافي لما يحصل في الحرب الأهلية وإن لم تُحِط به. كما يعطي حضور هذه الحرب في الخلفية بُعدًا إضافيًّا للخلاف بين الصديقين زاد من جدية هذا الصراع وعبثيته، خصوصًا مع التشابه الكبير في الحربين.

في المشهد الختامي، يتناقش الصديقان عن مدى امتداد الحرب العبثية بينهما وهما يستقبلان المدينة التي تدور فيها رحى حربٍ من نوعٍ آخر، فيرد أحدهما: «بعض الأشياء لا تنتهي أبدًا»، كأنها إشارةٌ إلى أبعد من انتهاء الصداقة، بل إلى علاقة إيرلندية معقدة وممتلئة بشقوق ما زالت مستمرة حتى يومنا هذا.

خاتمة

يرى المخرج أصغر فرهادي أن الرمز لا يقف وحيدًا، بل يستمد معناه من معنىً آخر ليُفهم، في علاقة متبادلة، فهذه العلاقة تقوي المعاني إذ تفسر بعضها، وتضيف إليها طبقاتٍ تجعل تجربة مشاهدة الفِلم ممتدةً إلى ما بعد ظهور شارة النهاية.

وإذا كان في التسمية المباشرة للأشياء قمعٌ للمتعة، كما يقول مالارمي، فإن السينما حين تستخدم الرمز بذكاء -سواءً كان واضحًا أو متحايلاً أو موازيًا- فهي تمنحنا متعة اكتشافها، وتهدينا «حلم الاقتراح» ولو كان ذلك الاقتراح بسيطًا مثل تغريز مركبة في الرمال.


لو مُصمم على نجاح منتجك؟ صممه صح ✅

«معمل الصناع» في «المشتل» مساحة توفر لك الأدوات والمختصين؛ لتصميم منتجاتك واختبارها بشكل

أمثل قبل وصولها للمستهلك باستخدام أدوات مثل قص الليزر والطباعة ثلاثية الأبعاد 🧩.


The Seventh Seal» (1957)»
The Seventh Seal» (1957)»

📽️ في دور السينما

  • يُعرض اليوم فِلم الرعب «Pinocchio: Unstrung»، الذي يقدم إعادة تصوُّر مظلمة لقصة «بينوكيو» الشهيرة، ويتابع رحلة الدمية الخشبية في سعيها لأن تصبح إنسانًا، وسط أحداث تحمل طابعًا مرعبًا ومقلقًا.

  • ويعرض أيضًا فِلم الأكشن والفنون القتالية «Ipman Kungfu Legend»، حيث يترك «إيب مان» عمله في الشرطة لتأسيس مدرسة لتعليم الكونغ فو، قبل أن يجد نفسه في مواجهة صالة ملاكمة غربية تهدد بإقصاء مدارس الفنون القتالية التقليدية.

  • ويختتم العروض فِلم الأكشن والجريمة «Motor City»، الذي تدور أحداثه في ديترويت خلال سبعينيات القرن الماضي، حيث تُلفَّق لرجل بريء تهمة تقوده إلى السجن بعدما يحب حبيبة أحد زعماء العصابات، ليبدأ بعد خروجه رحلة انتقام لاستعادة حياته.

 📰 أخبار وإعلانات سينمائية

  • أعلنت شركة (Universal Pictures) أن فِلم السيرة الذاتية لمغني الراب سنوب دوغ سيُطرح في دور السينما يوم 6 أغسطس 2027، ويجسد بطولته جوناثان دافيس، المعروف بمسلسل «Outer Banks». ويتولى إخراج الفِلم كريق بروير. يتناول الفِلم رحلة سنوب دوق (واسمه الحقيقي كالفن برودوس جونيور)، منذ بداياته حتى تحوله إلى أحد أبرز نجوم الهيب هوب في العالم.

  • أطلقت شركة (Universal Pictures) الإعلان التشويقي الأول لفِلم الرعب «Other Mommy»، بطولة جيسيكا تشاستين، الذي سيُطرح في دور السينما يوم 9 أكتوبر، وتدور أحداث الفِلم حول طفلة تواجه كيانًا غامضًا يظهر من خزانة غرفتها، ويتخذ هيئة والدتها، قبل أن يتحوّل وجوده إلى تهديد مرعب يطال العائلة بأكملها. ويتولى إخراج الفِلم روب سافاج، ويستند إلى رواية «Incidents Around the House» الأكثر مبيعًا.

  • انضم كل من إيدي بنق، ودانيال إنقز، وآرتي ويلكينسون-هانت إلى بطولة فِلم الأكشن والكوميديا «Jason Statham Stole My Bike»، إلى جانب جيسون ستاثام وهانا وإدينقهام. ويتولى إخراج الفِلم ديفيد ليتش، مخرج «Bullet Train» و«The Fall Guy». تدور أحداث الفِلم حول نسخة خيالية من جيسون ستاثام يؤديها بنفسه، ومن المقرر أن يُطرح في دور السينما بأمريكا الشمالية في 6 أغسطس 2027.

  • انضم جويل كورتني، بطل «Super 8» وسلسلة «The Kissing Booth»، إلى البطولة والإنتاج لفِلم الإثارة النفسية «Echo»، في أول تجربة إخراج سينمائي طويلة لصانع المحتوى زاك ستراسينر، الذي يتولى أيضًا كتابة السيناريو. ويتناول الفِلم قصة محارب قديم يواجه تحديات نفسية بعد انتهاء خدمته العسكرية، على أن يبدأ تصويره في وقت لاحق من هذا العام.

  • حصل فِلم الإثارة والجريمة «The Girl in the River»، بطولة تيفاني هاديش، على موعد طرح في دور السينما والمنصات الرقمية يوم 4 سبتمبر، بالتزامن مع إطلاق الإعلان التشويقي الأول. وتدور أحداثه حول خبيرة جرائم وأخصائية نفسية تحققان في مقتل فتاة واختفاء شقيقتها التوأم في بلدة صغيرة بولاية ميسيسيبي.

  • حددت شركة (Sony Pictures) يوم 4 يونيو 2027 موعدًا لطرح فِلم الرعب «Skeletons»، بطولة بري لارسون، ومن إنتاج جيه جيه أبرامز، وإخراج جي تي مولنر، مخرج «Strange Darling».وتدور أحداث الفِلم حول فتًى صغير يبدأ باكتشاف سر مروّع تخفيه عائلته بشأن والدته، التي تُحبس داخل قفص كل ليلة، في قصة مستوحاة من القصة القصيرة Fail-Safe للكاتب فيليب فراكاسي.

  • أطلقت شركة (Warner Bros). الإعلان التشويقي الجديد لفِلم الرعب «Clayface»، المستوحى من شخصية الشرير الشهيرة في عالم (DC). يُطرح الفِلم في دور السينما يوم 23 أكتوبر. ويتابع الفِلم قصة ممثل صاعد يتعرض لتشوه في وجهه، قبل أن يلجأ إلى علاج تجريبي يحوله إلى كائنٍ قادر على تغيير هيئته.

  • وأطلقت شركة (Roadside Attractions) الإعلان التشويقي الجديد لفِلم الرعب «Buddy»، الذي يُطرح في دور السينما يوم 4 سبتمبر. وتدور أحداثه حول مجموعة من الأطفال العالقين داخل عالم برنامج تلفزيوني للأطفال، حيث يحاولون الهروب من مُقدِّمه الغامض بعد اكتشافهم أسرارًا مرعبة تختبئ خلف البرنامج. 

  📺 عروض المنصات الرقمية

  • على (Netflix) يُعرض الموسم الثاني من مسلسل الدراما والرومانسية «Ransom Canyon»، الذي يستكمل أحداثه بعد ستة أشهر من نهاية الموسم الأول، حيث يسعى «ستاتن كيركلاند» لاستعادة مزرعته وإرث عائلته، بينما تجد «كوين» نفسها أمام قرار يحدد مستقبلها بين حياتها في تكساس ونيويورك. 

  • ويُعرض أيضًا على (Netflix) فِلم الكوميديا «72 Hours»، الذي تدور أحداثه حول مدير تنفيذي في الأربعين من عمره يجد نفسه بالخطأ ضمن رحلة لتوديع العزوبية برفقة مجموعة من الشباب، لتنقلب رحلته إلى سلسلة من المواقف الكوميدية.

  • وعلى (Apple TV+) يُعرض فِلم الكوميديا «The Dink»، الذي يتابع لاعب تنس سابقًا يحاول إنقاذ نادٍ رياضي من الإفلاس عبر خوض منافسات البيكلبول، على أمل استعادة احترام والده.


«وقفة» تحتفي بحضورك! ✨

مقعدك ينتظرك في مساء الرابع والعشرين من يوليو، يجتمع في مركز الملك فهد الثقافي بالرياض من آمنوا بأن التغيير يصنعه الأدب؛ لتكريمهم والاحتفاء بما صنعوه🤝

«سجّل الآن»


«Get Out»
«Get Out»

كان جوردان بيل يحضّر لأول أفلامه في مسيرته الإخراجية، «Get Out»، الذي يروي قصة «كريس»، وهو شاب أسود يزور عائلة حبيبته البيضاء للمرة الأولى، قبل أن يكتشف أنه وقع في فخ عائلة تستدرج السود للاستيلاء على أجسادهم وإطالة حياة الأثرياء البيض. ومنذ المراحل الأولى لتطوير الفِلم، أدرك جوردان أن هذه القصة تحتاج إلى موسيقا تشارك في سردها أيضًا. لذلك بدأ رحلة البحث عن ملحن يمنح الفِلم هويةً خاصة، ويضيف طبقة جديدة من المعنى إلى أحداثه.

وخلال بحثه، صادف على الإنترنت تسجيلًا لمقطوعة أوركسترالية بعنوان «Urban Legends»، من تأليف مايكل أبيلز، الذي لم يكُن قد خاض أي تجربة سابقة في تأليف الموسيقا السينمائية. ورغم ذلك، لفتته قدرة المقطوعة على المزج بين الموسيقا الكلاسيكية والجاز والروك والهيب هوب، مع احتفاظها بهويتها وتماسكها، فشعر أنه وجد الشخص القادر على تقديم ما كان يتخيله للفِلم.

وفي اجتماعهما الأول، طلب بيل موسيقا تحمل هويةً سوداء واضحة، من دون الاعتماد على الصور النمطية المعتادة في أفلام الرعب. أشعلت الفكرة خيال أبيلز، فاختار أن يبدأ التأليف من الأصوات البشرية بدلًا من الأوركسترا، واضعًا فكرةً رمزية أصبحت لاحقًا حجر الأساس للمقطوعة الرئيسة في الفِلم.

أبرز المقطوعات:

مقطوعة «Sikiliza Kwa Wahenga»

ترافق المقطوعة مشهد افتتاحية الفِلم، عندما ترتفع أصوات الكورال باللغة السواحيلية فوق أوتار هادئة ومقلقة. تبدو الكلمات لمعظم المشاهدين مجرد غناء غامض، لكن لو تُرجمت فستحمل رسالة مباشرة إلى «كريس»: «استمع إلى الأسلاف... اهرب... أنقذ نفسك.»

تكمن عبقرية المقطوعة في أنها تكشف جوهر الفِلم قبل أن تبدأ أحداثه. فأصوات الكورال تمثل الأسلاف الذين سبقوا «كريس»، كأنهم يحاولون إنقاذه من المصير الذي ينتظره. لكن، لأن التحذير يُقال بالسواحيلية، وهي إحدى لغات شرق إفريقيا، يبقى معناه مخفيًّا عن معظم المشاهدين، تمامًا كما يبقى الخطر مخفيًّا عن «كريس». وهكذا يعيش الجمهور التجربة نفسها التي يعيشها البطل؛ يسمع التحذير منذ البداية، لكنه لا يستطيع فهمه، فيتحول إلى رمزٍ يمر أمام الجميع من دون أن يلاحظه أحد.

وعندما تتكشّف الحقيقة في المشهد الأخير، تكون الموسيقا قد أخبرته بكل شيء منذ الدقيقة الأولى. لقد حذّرت «كريس» من المصير الذي ينتظره، وأرشدته إلى الطريقة الوحيدة للنجاة، لكن الرسالة ظلت مختبئة داخل لغة لم يفهمها أحد. وهنا تتحوّل المقطوعة من مجرد موسيقا افتتاحية إلى واحدة من أذكى الاستخدامات الرمزية للموسيقا في السينما.

مقطوعة «The Deer»

ترافق المقطوعة المشهد الذي يصطدم فيه «كريس» وروز بغزال في أثناء رحلتهما إلى منزل عائلتها. تبدو اللحظة في ظاهرها حادثًا عابرًا، لكنها في الحقيقة تقدم أحد أهم رموز الفِلم منذ بدايته.

فالغزال يعكس مصير «كريس» نفسه. وكما يُطارَد الغزال ويصبح فريسة، يتحول «كريس» تدريجيًّا إلى الفريسة التي جاءت العائلة لاستدراجها والاستيلاء على جسدها. يزرع الفِلم هذا الرمز بهدوء في بدايته، قبل أن يمنحه معناه الكامل في النهاية، في المشهد عندما يستخدم «كريس» رأس الغزال المحنّط المعلّق على الجدار لقتل والد روز. عندها ينقلب الرمز رأسًا على عقب؛ فالفريسة التي كانت مطاردة طوال الأحداث تصبح هي من تقضي على الصياد.

مقطوعة «Hypnosis»

ترافق المقطوعة مشهد التنويم المغناطيسي الذي يسقط فيه «كريس» داخل الـ(Sunken Place). وعلى عكس ما قد يُتوقع من مشهد رعب، تأتي الموسيقا مكتومة وخافتة، وكأنها تُسحب تدريجيًّا بعيدًا عن أذن المشاهد.

يعكس هذا الاختيار الحالة التي يعيشها «كريس»؛ فكلما فقد السيطرة على جسده، بدا العالم من حوله أبعد وأكثر خفوتًا، حتى يصبح مجرد متفرجٍ عاجز داخل وعيه. وهنا تنقل الموسيقا إحساس البطل نفسه، لتجعل المشاهد يعيش لحظة فقدان السيطرة والعجز معه، بدلًا من الاكتفاء بمشاهدتها من الخارج.

عهود أبو خيرة


فِلم «The Substance»
فِلم «The Substance»

اليوم نقول أكشن مع المشهد الرمزي من فِلم «The Substance» للمخرجة كورالي فارجا.

تدور أحداث الفِلم حول «إليزابيث سباركل»، مقدمة برامج تلفزيونية كانت يومًا ما نجمة الشاشة، قبل أن تجد نفسها ضحية لصناعة لا ترى في المرأة سوى شبابها وجمالها. ومع تقدمها في العمر، تسمع بالصدفة مدير القناة «هارفي» وهو يتحدث عبر الهاتف عن ضرورة استبدالها بمذيعة أصغر سنًّا وجاذبية. تلك اللحظة تصبح الشرارة التي تدفعها إلى تجربة مادة غامضة تمنحها نسخة شابة من نفسها تحمل اسم «سو»، لتبدأ رحلة مرعبة في مطاردة الشباب بأي ثمن.

في المشهد، وبعد المكالمة مباشرة، تجلس إليزابيث مع هارفي في مطعم، حيث يؤكد لها رسميًّا قرار استبعادها من البرنامج، مبررًا ذلك بأن «التجديد أمر لا مفر منه»، وأن المرأة عندما تبلغ الخمسين «يتوقف كل شيء». طوال الحوار لا يتوقف عن التهام أطباق الروبيان (الشرمب) بشراهة، في لقطة تبدو عابرة، لكنها تحمل أكثر من طبقة رمزية.

القراءة الأولى أن الروبيان يعكس شخصية «هارفي» نفسه؛ رجل يستهلك النساء بالطريقة ذاتها التي يلتهم بها الطعام. يستخرج أفضل ما فيهن من شباب وجمال وحيوية، ثم يتخلص منهن بمجرد أن يفقدن قيمتهن التجارية. حتى كثرة قشور الروبيان المتراكمة أمامه توحي بأن هذا ليس تصرفًا استثنائيًّا، وإنما نمط متكرر يعيد إنتاجه مع كل مذيعة جديدة.

أما القراءة الثانية، فهي تربط الروبيان مباشرة بمصير «إليزابيث» في نهاية الفِلم. فآلية عمل «The Substance» تقوم على خروج جسد جديد، أكثر شبابًا وجمالًا، من داخل الجسد الأصلي عبر انشقاقه. صورة تشبه إلى حد كبير الروبيان المختبئ داخل قشرته؛ قشرة خارجية تُفتح ليخرج منها جسد آخر أكثر ليونة ونضارة. وكأن الفِلم يزرع منذ هذا المشهد صورة بصرية تختصر الفكرة التي ستقود الأحداث حتى النهاية.

ولا يتوقف اللعب بالرمزية هنا. ففي خلفية المشهد تظهر بعوضة مرتين. في الأولى تمتص دم «هارفي»، في إشارة إضافية إلى فكرة الاستنزاف والامتصاص التي تسيطر على الفِلم كله. أما في ظهورها الثاني، فنجدها ميتة داخل الكأس. ويمكن قراءة هذه الصورة على أنها إيحاء بأن الاقتراب من هذا العالم القائم على استهلاك الآخرين لا ينتهي إلا بالفناء؛ وكأن حتى الكائن الذي يمتص الدم لم ينجُ من السم الكامن في هذه المنظومة. وهو المصير نفسه الذي يطارد إليزابيث كلما استسلمت لفكرة أن قيمتها لا تكمن إلا في شبابها وجمالها.

في أقل من دقيقة، ينجح «The Substance» في تلخيص موضوعه بالكامل: الاستهلاك، والهوس بالشباب، وتحويل الإنسان إلى سلعة قابلة للاستبدال. ليس عبر الحوار، وإنما من خلال طبق روبيان وبعوضة واستخدام واعٍ للرمزية البصرية يجعل المشهد يكشف نهاية الرحلة قبل أن تبدأ.

عهود أبو خيرة


للسينما طعم مختلف حين نكون قادرين على سبر أغوارها،

وذلك لا يكون إلا بالتزود المعرفي.

اكتشف ذلك في «مكتبة سينماء» على منصة «سينماء».


فقرة حصريّة

آسفين على المقاطعة، هذه الفقرة خصصناها للمشتركين. لتقرأها وتستفيد بوصول
لا محدود للمحتوى، اشترك في ثمانية أو سجل دخولك لو كنت مشتركًا.

اشترك الآن

في بداية الثمانينيات، كان أندريه تاركوفسكي يطوّر فِلمًا بعنوان «The Witch»، واختار لدور البطولة أناتولي سولونيتسين، وتدور قصة الفِلم حول رجل يُشفى من السرطان بعد ليلة يقضيها مع ساحرة. لكن المفاجأة كانت في وفاة سولونيتسين بسرطان الرئة عام 1982، التي أوقفت المشروع، ودفعت تاركوفسكي إلى إعادة كتابة نص بأفكار جديدة. وكان هذا النص هو نص آخر عمل أنجزه، قبل أن يرحل هو أيضًا بسرطان الرئة.

وبهذه المعلومة نستهلّ فقرة «دريت ولّا ما دريت» عن فِلم «The Sacrifice» الصادر عام 1986.

  • المنزل الذي يُحرَق في المشهد الأخير، بُني لمجرد أن تشتعل فيه النار. وأصرّ تاركوفسكي على تصوير المشهد بكاميرا واحدة فقط رغم اعتراض مدير التصوير. وفعلًا تعطّل شريط الفلم في أثناء التصوير، ولم تُسجَّل لحظة احتراق المنزل. واضطر الفريق إلى إعادة بناء المنزل كاملًا خلال أسبوعين، ثم إحراقه مرة أخرى، وهذه المرة باستخدام كاميرتين. واستمرت اللقطة قرابة سبع دقائق قبل أن ينتهي شريط التصوير. وعندما انتهى المشهد انهار عدد من أفراد الطاقم والممثلين بالبكاء.

  • لا يتجاوز عدد اللقطات في الفِلم كله 115 لقطة، وهو رقم منخفض للغاية مقارنةً بمدة الفِلم (ساعتان و 29 دقيقة).

  • القصة التي يرويها الشخصية الرئيسة «ألكسندر» لابنه عن كيفية العثور على منزلهما، مستوحاة من الطريقة التي وجد بها تاركوفسكي وزوجته منزلهما في الاتحاد السوفيتي.

  • يعكس الفِلم تقدير تاركوفسكي الكبير لإنقمار برقمان، إذ ضمّ طاقم العمل عددًا من أبرز المتعاونين مع برقمان؛ أدى البطولة إرلاند يوسفسون، وصممت الديكورات آنا آسب الحائزة على الأوسكار عن «Fanny and Alexander»، وصُوّر الفِلم سفين نيكفيست، كما عمل دانيال برقمان، ابن إنقمار برقمان، مساعدًا للمصور. وكان تاركوفسكي يرغب في التصوير بجزيرة فارو، موطن برقمان، لكن رفض الجيش السويدي منحه التصريح، فنُقل التصوير إلى منطقة نيرشولمن في جزيرة قوتلاند.

  • صُوِّر أحد مشاهد الهلع الجماعي عام 1985 في الموقع نفسه الذي اغتيل فيه رئيس الوزراء السويدي أولوف بالمه بعد أشهر في عام 1986. وظهور سيارة محطمة في المكان نفسه غذّى لاحقًا بعض نظريات المؤامرة التي زعمت أن تاركوفسكي تنبأ بالحادثة، وانتشرت النظرية أكثر بسبب الطابع الرمزي الكثيف في أفلامه، وبسبب مقارنة مشابهة ربطها البعض بين فِلمه «Stalker» وكارثة تشيرنوبل.

  • في الوثائقي الذي صُوِّر في أثناء إنتاج الفِلم، يظهر هوس تاركوفسكي بالتفاصيل الصغيرة إلى درجة أنه طلب إزالة كل زهرة صفراء من أحد الحقول، لأن لونها كان يفسد التوازن البصري الذي تخيله للمشهد. 

  • كان تاركوفسكي مصابًا بسرطان الرئة في أثناء التصوير، وتدهورت حالته الصحية بعد انتهائه. وشاهد النسخة النهائية من الفِلم وهو على سرير المرض في أحد مستشفيات باريس، قبل وفاته بفترة قصيرة.

  • تنتهي مسيرة تاركوفسكي السينمائية بصورة شجرة كما بدأت؛ إذ تعيد اللقطة الأخيرة في «The Sacrifice» استحضار الشجرة التي افتتح بها أول أفلامه «Ivan’s Childhood» الصادر عام 1962.

عبدالعزيز خالد

النشرة السينمائية
النشرة السينمائية
أسبوعية، الخميس منثمانيةثمانية

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.

+10 متابع في آخر 7 أيام