غداء داخل بيت بالدرعية
تجربة غداء نجدي داخل بيت «دولمة أمي» مع أم عبدالله (مريم الصوينع) وعيالها
عندي علاقة وطيدة مع البيوت، أحبها أكثر من أي مكان ثاني للجمعات، لأن ما فيها تكلّف، والبساط فيها دايم أحمدي، وما تحس أنك محدود بوقت.. فلو زانت السوالف؟ الجَمعة تطول بدون اعتبار للوقت.
بدأت من فترة أحاول أغيّر أماكن طلعاتي. زياراتي المتكررة للأماكن المعتادة خلّت التجربة اعتيادية في غالب الوقت، فصرت أدوّر الأماكن اللي تقدّم تجربة فريدة دوارة.
لما عرفت عن «دولمة أمي» اللي يقدم تجربة عشاء وغداء داخل بيت، وتقوم عليه عائلة سعودية، من الأم «أم عبدالله» وعيالها الثلاثة عبدالله وعمر وحنين، جاني فضول وحماس في الوقت نفسه! وش شكل البيت ووش سالفة العائلة؟ وليه بيت؟! وكيف بتصير التجربة؟
وهذا اللي خلاني أروح أجرب. كنت أبي أعرف وش اللي يخلي أحد يختار يقدم أكل داخل بيت، وهو يقدر يفتح مطعم. وكنت أبي أعرف هل بيجيني الشعور اللي أحبه بجمعات البيوت في بيت ما أعرف عائلته؟ 🤔


في نهاية عصر الأحد وصلت «دولمة أمي» على أطراف الدرعية، وشفت حول المطعم المزارع والنخل. كان بيت أبيض كبير على زاوية شارعين، تقدر تشوف الجهنمية والعقود على جدرانه واضحة. كأنه بيت فيه عزيمة.

استقبلني عند الباب عمر الدايل، سلّم عليّ ودلّني على المجلس.
شفت لمّا قلت لك إن البيت شكله من برا كأن فيه عزيمة؟ العزيمة تراها لك، لأن من تدخل الجميع محتفي فيك.
أول ما دخلت الحوش شدّتني الأرضية، لأنها أرضيّة أحبها. نفس بلاط بيوتنا القديمة؛ البلاط الأبيض المنقّط. والبيت واضح إنه قديم. وعرفت أنه بُني بداية الثمانينيات، يعني أكثر من أربعين سنة تقريبًا.
في أول خطوة داخل البيت، لاحظت على يساري الدرج مغطى بموكيت أحمر، والدرابزين ذهبي. عطاني شعور بيت الجدّة.


استقبلتنا أم عبدالله وبنتها حنين بالقهوة، وقلّطتني على الطاولة، وجلست أسولف معها قبل ما نبدأ الغداء.
قبل «دولمة أمي» كانت أم عبدالله تدير مدرسة حكومية، وكانت معروفة عند اللي حولها بنَفَسها في الطبخ. كانت تطبخ في فعاليات وبازارات المدرسة وتخلّي العائد المادي للمدرسة نفسها، لتغطية احتياجاتها وصيانتها. بعدها صار اللي حولها يكررون عليها ليش ما تبيعين أكلك؟
بدأت تبيع في 2013. وكان المشروع وقتها بسيط؛ تطبخ في البيت بعد الدوام، وتستقبل الطلبات في إنستقرام وتطبيقات التوصيل، وعيالها عبدالله وعمر يوصلون الطلبات بنفسهم.
وفي 2020، في فترة كورونا، كانت نقطة التحول.
يقول عمر: «أول مرة استوعبت فيها أن طبخ أمي غير». وقتها بدأوا يفكرون كيف يطورون المشروع من مجرد هبّة (أسر منتجة) إلى مشروع فعليًّا. هنا بدأ يدخل حب عمر للمحتوى وصناعته، وصار يهتم بالجانب الفني وكيف يظهر اللي تقدمه والدته بطريقة قريبة من الناس.
بدأوا يشاركون في معارض وفعاليات، وجربوا أول مرة يقيمون مائدة بقائمة طعام محددة؛ يكون فيها عدة أطباق جاهزة، أنت بس تجلس وهم يقدمون لك الخيارات المختارة مسبقًا.
ومن هنا جاءت فكرتهم.
وقتها كانوا عيال أم عبدالله يقدمون الأكل للناس بنفسهم ويسمعون تجربتهم، وقتها اكتشفوا أن أكثر شيء يعلق في ذاكرة الناس ما كان الأكل لحاله، ولكن التفاعلات اللي تصير وقت تقديم الأطباق والسوالف عنّها كذلك.
ومن هنا بدأت تتشكل فكرة «دولمة أمي» بالصورة اللي هي عليها اليوم.
وشغالين حاليًّا على تحويل البيت إلى مطعم متكامل، مع إبقاء خدمة التجارب الخاصة.
هذي التجربة تبدأ من دخولك البيت. يكون لك وللي معك طاولة خاصة بقائمة طعام محددة «Set Menu»، عبارة عن الضيافة وهي تمرية مع قهوة عربية. والمقبلات: الدولمة (ورق عنب - بصل - ملفوف) والسلطة. 🥗 والطبق الرئيسي عبارة عن جريش أحمر بالطريقة الزبيرية، ومطبق (لحم أو دجاج حسب اختيارك) ومرقة بامية.

قائمة الطعام للتجربة الخاصة ثابتة، لكن قريبًا راح يفتتحون البيت وبيكون مطعم بالكامل، مع قائمة طعام مختلفة.
.gif)
في كل طبق يقدمونه لك يشاركونك قصته وأصله، وتعلّمك أم عبدالله بنفسها ليش تطبخه بهذا الشكل. أيش اللي يخليها تطبخ الجريش بطريقة أهل الزبير؟ وليش حنين تقدم مرقة البامية مع خبز الساوردو؟ كلّها تفاصيل تعرفها وقت ما أنت تذوق كل طبق؛ تذوقه وتسمع حكايته.
قدموا لنا الجريش أحمر على الطريقة الزبيرية. أنا شخصيًّا متعودة على الجريش الأبيض، فكانت النكهة مختلفة عليّ. وقتها شرحت لنا أم عبدالله كيف تحرص أنها تدخل اللمسة الزبيرية في كثير من أطباقها، لأنها ولدت في الزبير، وأهلها عاشوا في الزبير فترة طويلة من قبلها، فصار جزء من ذاكرتها حاضر في الأكل اللي تقدمه اليوم.

وخلال الغداء، لاحظت أن قبل كل طبق يُقدَّم تحكي لنا أم عبدالله، أو عمر، قصة الطبق أو مكوناته، أو ليش يقدمونه بهذي الطريقة.
حتى السلطة ما قدموها في البداية مثل ما تعودنا في المطاعم، قدموها مع الرز مثل ما نسوي في بيوتنا؛ تفصيلة صغيرة لكنها كانت من الأشياء اللي أكدت لي أن أم عبدالله كانت حريصة تحافظ على تفاصيل تشبه سفرتنا.
أكثر شيء وصّوني فيه الأصدقاء والناس حولي قبل أجي كان اللبن بالنعناع والجرجير! وفعلًا قبل لا أشربه كانت ريحة النعناع واصلة بوضوح ومنعشة. 😋

عرفت من عمر أن بعض الأطباق الرخامية اللي قدموا لنا فيها الأكل كانت من صنع حنين؛ فما كانت حنين فقط تدخل في وصفات أمها وتبتكر معها، وإنما كانت تصنع الأطباق اللي يُقدَّم عليها الأكل.
حنين هي بنت أم عبدالله الوحيدة، ويدّها اليمين في المطبخ، مثلما عمر وعبدالله يدّها في التشغيل والتسويق. حنين درست «تصاميم وفنون» وبدأت مع أمها من البداية، وأخذت على عاتقها كتابة الوصفات. وحكت لي عن تحدي صغير واجهته، وهو «كتابة وصفات أمها».
كلنا نعرف كيف أمهاتنا يطبخون بالنظر، فكانت حنين تصطدم بعبارات مثل: شويّ ملح، رشّة... 😂 بدون ما تعرف كم بالقرام عشان تحفظ الوصفة. فكانت تاخذ الـ«شوي» وتقيسه بنفسها عشان تسجل، وعشان تحافظ على الجودة نفسها.
وبدأت حنين تدخل في الوصفات وتغيّر فيها. مرقة البامية مثلًا، اللي كان ثاني طبق قدموه لنا بعد الدولمة أول ما انتقلنا للطاولة، قدموه مع خبز الساوردو اللي من يدين حنين.
تقول حنين إنها قضت قرابة سنة تتعلم تخبزه، والخميرة اللي بدأت فيها قبل أربع سنوات ما زالوا يستخدمونها إلى اليوم.

ومع أني كنت متوقعة أن الساوردو بيكون إضافة شكلية، لكنه غيّر قوام اللقمة بالكامل، خصوصًا أنه كان طري مو زي العادة.
وختمنا الوجبة بلمسة حنين مرة ثانية. فعلى حظنا، كانت وقتها تجرب نكهات جديدة للآيسكريم عشان موسم الصيف، فجربنا آيسكريم اللبن مع الرطب اللي عجبني أكثر شيء! وآيسكريم الشمام، أو زي ما نسمية (الجِرو)، والطحينية.

لما خلصنا، سألت أم عبدالله ليش اختارت بيت مو مطعم؟
قالت وقتها: «ودّي الناس تعيش التجربة بالكامل.» لأن البيت يعطي شعور مختلف عن أي مكان ثاني، تقدر تاكل في أي مكان، بس مو كل مكان يعطيك شعور حميمي وصادق وتحسّ فيه.
وكمّلت تقول : «هذا البيت أول ما دخلته قلت هذا بيت أبوي!» يشبه البيت اللي كبرت فيه، حتّى البلكونة تشبه لها، والتصميم نفسه.
تقول حسيت إني في بيتنا. ❤️🩹

بدأت أم عبد الله توصف البلكونة، وتفاصيل جدران الحوش، والدرايش. وكان واضح حبّها للبيت اللي عطاها نفس الشعور، لدرجة تقول: صِحتْ أول ما دخلته وتأثرت وحبّيت المكان أكثر وأكثر. لهذا اختارت أنه يكون هذا مكانها اللي تستقبل فيه الناس وتقدم لهم أكلها.
تقول: «أحب أشوف الناس تاكل أكلي، وتحبّه، يخليني سعيدة.» لذلك تحب تستقبل الناس بنفسها، وتسألهم. كانت تسألنا عن رأينا في كل طبق، وتتأكد من الكمية اللي أكلناها، وأيش أكثر شيء عجبنا.
شخصية «أم عبدالله» شخصية أم حنونة انعكست على التجربة بالكامل؛ قريبة من القلب، وتقدر تشوف الحماسة والروح فيها وهي توصف الأطباق، وهي تسمع عمر يشرح الأسباب، أو حنين وهي توصف طبق طوّرت وصفته. المكان حيّ بروح أهله، والتفاصيل اللي مالين المكان منها.
في النهاية أخذت لفّة بسيطة على البيت بالكامل مع أم عبدالله، وشفت صور عيالها على الجدران اللي من تصوير أبوهم -رحمة الله عليه- مالية البيت. وورتني أن حتى الباب الفاصل بين منطقتين في البيت هو نفسه ما تغيّر، والشبابيك على حطّتها.
.gif)
شخصيًّا، أنصح بالغداء نهاية العصر على الغروب، لأن منظر الغروب من البلكونة على نخيل الدرعية بديع. ❤️
.jpg)

للأدب.. كُل الأماكن📍
تحوّل مبادرة «الشريك الأدبي» الأماكن العامة في المدن السعودية إلى مساحات للقاء القراء والحوار حول الأدب؛ قد تذهب للمقهى لاحتساء قهوتك، فتجد الجميع يناقشون رواية 📚
اطّلع على جدول الفعاليات. أو تعرف على المزيد

البيت على زاوية حارة، خلف مقهى «شمالات» مباشرة.
الحجز عن طريق رقم التواصل: (0545776622).
الحد الأدنى للأشخاص في حجز التجربة الخاصة: 8 أشخاص، بسعر 442 ريال للشخص. 💸
مدّة التجربة ساعتين.
أم عبدالله تكون موجودة في أغلب الأيام للتجارب الخاصة، عدا يوم الجمعة.
تقدر تطلب أطباقهم عن طريق تطبيقات التوصيل.
وقريبًا بيفتتحون البيت ويخلونه مطعم كامل. تقدر تتأكد من المواعيد الدقيقة عن طريق رقمهم أو حسابهم في إنستقرام.

تحس أنّك تعرف الرياض؟ سواءً كنت ساكن فيها، أو مختّمها، أو جديد فيها، هذه النشرة لك. قبل نهاية الأسبوع، نرسل لك تجارب وتوصيات وجديد الرياض وأماكنها المعروفة، والأهم، السريّة.