هل أجاد نولان نقل «الأوديسة» 🎬
زائد: أفضل ترجمة لـ«الأوديسة»

قبل أن تُدوَّن «الأوديسة»، عاشت قرونًا في ذاكرة المنشدين الإغريق، يحفظون آلاف الأبيات ويردّدونها في الأسواق والاحتفالات، فإذا رحل أحدهم ورثها غيره، حتى وصلت إلينا بعد نحو ثلاثة آلاف عام. ولعل أعجب ما في هذه الملحمة أنها لم تتوقف يومًا عن استمالة رُواةٍ جدد، ففي كل عصرٍ ينهض مَن يعيد صياغتها بلغته، أو يقرؤها من زاوية مغايرة، أو يستنبط منها معنىً غاب عن سابقيه. ولهذا وصفها أمبرتو إيكو بأنها «عملٌ مفتوح بامتياز يُعاد تناوله ومناقشته والتعليق عليه وإعادة كتابته باستمرار.»
يأتي هذا العدد احتفاءً بهذه الملحمة الخالدة بمناسبة عودتها إلى الشاشة الكبيرة في فِلم كريستوفر نولان. هل أجاد نولان اقتباسها؟ وما أفضل ترجمةٍ عربية لها؟ وكيف تناولها الأدباء بعد هوميروس؟
إيمان العزوزي


هل أجاد نولان نقل «الأوديسة» 🎬
إيمان العزوزي
بعد النجاح الكبير الذي حقَّقه كريستوفر نولان بفِلمه «أوبنهايمر»، يعود هذا العام بفِلمه الجديد «الأوديسة»، الذي يُعد أحد أكثر مشاريع مسيرته السينمائية طموحًا. ومنذ الإعلان عنه، أثار الجدل والفضول، وطُرح السؤال المعتاد الذي يرافق أي محاولةٍ لاقتباس الأعمال الكلاسيكية الكبرى: هل سينقل نولان ملحمة هوميروس كما هي؟ أم سيعيد صياغتها بما يتناسب مع القرن الحادي والعشرين؟

بمجرد عرض الفِلم، هرعتُ لمشاهدته، وخرجتُ من القاعة باحثةً عمَّن أشاركه ما شاهدت، فكان أول ما فعلته هو فتح منصة «إكس»، لأقابل سيلًا عارمًا من التغريدات بلغاتٍ شتى تُشيد بالفِلم ومخرجه وتناقش أحداثه، وكأن الجمهور، قد تحول فجأة إلى حلقة من الشُرّاح الهوميريين. لقد حظي الفِلم بالفعل بإشادة نقدية واسعة، إذ رأى كثيرٌ من النقّاد، أنه من أكثر أعمال نولان اكتمالًا على المستويين البصري والدرامي والموسيقيّ، وأنه يضع المُخرج في مصاف كبار صنّاع السينما القادرين على المزاوجة بين فِلم مغامرات ضخم وسينما المؤلف. في حين انقسم الجمهور حول بعض خياراته الفنية مثل استخدام كاميرات الآيماكس العملاقة في التصوير، أو ما يتعلق بأداء بعض الشخصيات وإعادة تأويلها.
أما في اليونان، مهد الملحمة، فقد أثار الفِلم جدلًا سياسيًّا وثقافيًّا محتدمًا، وصل إلى أروقة البرلمان، حول هوية الملحمة وحق روايتها، لا سيما بعد خلوّ طاقم عمل نولان من أي ممثل يوناني يرافق «أوديسيوس» في رحلته. ويبدو أن العمل لم يرُق اليونانيين، فسارعوا إلى الإعلان عن نيتهم إنتاج مسلسل محلي مقتبس عن «الأوديسة». وللأمانة، يمكن تفهّم موقفهم؛ فمن الصعب تقبّل سماع «تيلماخ» ينادي« أوديسيوس» بـ«دادي».
تُعد «الأوديسة»، إلى جانب «الإلياذة»، من المرجعيات الغربية للأدب. فإذا كانت «الإلياذة» تسرد أحداث حرب طروادة، فإن «الأوديسة» تبدأ بعد انتهاء الحرب، وتحكي رحلة ملك إيثاكا «أوديسيوس» في طريق عودته إلى وطنه بعد عشر سنوات من القتال. غير أن رحلة العودة، التي كان يُفترض أن تستغرق أيامًا، امتدت عشر سنوات أخرى، واجه خلالها غضب «بوسيدون»، والسيكلوب «بوليفيموس»، والساحرة «سيرسي»، والحورية «كاليبسو»، و«السيرينات»، في حين بقيت زوجته «بينيلوب» في انتظاره تؤجل زواجها من الخُطاب بحيلة نسج كفن لوالد زوجها نهارًا ونقضه ليلًا.
يكمن سر خلود «الأوديسة» في قدرتها النادرة على أن تتحوّل في كل عصر إلى مرآةٍ لتجربة إنسانية جديدة، وأصبحت الإطار الذي يفسر به الناس تجارب الحرب والمنفى والهجرة والاقتلاع والعودة. ولعل هذا ما يفسر حضورها الدائم في الأدب والفلسفة وعلم النفس، حتى إن بعض المعالجين النفسيين، مثل جوناثان شاي، استعانوا بها لمساعدة المحاربين القدامى في فهم صدمة العودة من الحرب، كما وجد فيها اللاجئون والمهاجرون صورةً قريبة من تجربتهم في فقدان الوطن والبحث عن مكان ينتمون إليه. وهكذا أصبح «أوديسيوس» رمزًا لكل إنسان يكتشف أن أصعب رحلة هي رحلة العثور على الذات بعد التغيرات التي تطرأ عليها وعلى الوطن الذي تركه.

ومع هذه الأهمية، فإن الحديث عن «الأوديسة» بوصفها نصًّا أصليًّا ثابتًا يطرح إشكالًا قديمًا شغل الباحثين منذ عقود خلت، فمن هو هوميروس؟ هل كان شاعرًا واحدًا، أم اسمًا أُطلق على تراثٍ طويل من الرواة والمنشدين؟ وهل وصلت إلينا الملحمة كما أُنشدت أول مرة؟ أم أنها ثمرة قرون من التداول الشفهي، أُضيف إليها وحُذف منها قبل أن تستقر في صورتها المدوَّنة؟
ليس الهدف من هذه الأسئلة التشكيك في قيمة الملحمة، بل على العكس؛ فهي تكشف أن «الأوديسة» نفسها وُلدت من عملية إعادة تشكيلٍ مستمرة. فالنص الذي نقرؤه اليوم يجمع بين طبقات تاريخية متباعدة، ويضم آثار عصور مختلفة، الأمر الذي يجعل البحث عن «نسخة أصلية» يمكن للسينما أن تنقلها بحذافيرها أقرب إلى الوهم. فالأصل نفسه لم يكُن يومًا كتلة جامدة، بل كان نصًّا حيًّا يتغير كلما انتقل من راوٍ إلى آخر. وهذا ما جعلني أظن، قبل مشاهدة الفِلم، أن نولان سيغامر ويذهب بعيدًا في إعادة تأويل الملحمة، كما فعل مع الزمن في «إنترستيلر» (Interstellar, 2014)، أو مع الذاكرة في «ميمنتو» (Memento 2000). لكن المفاجأة أنه اختار طريقًا أكثر تحفظًا، فحافظ على الهيكل الأساسي للأحداث، وعلى معظم المحطات الكبرى في رحلة «أوديسيوس»، مكتفيًا ببعض الاختصارات والتعديلات التي فرضتها، ربما، اللغة السينمائية.
غير أن هذه الأمانة لم تمنعه من تقديم قراءته الخاصة للملحمة، وهو ما يظهر منذ الدقائق الأولى. حيث يُستهّل الفِلم بشخصية «سينون»، وهي شخصية لا تنتمي إلى «الأوديسة»، وإنما تعود إلى ملحمة الرومانية «الإنيادة» لفرجيل، التي تقتفي رحلة بطل آخر وهو« إينياس» الطروادي، السلف الأول للرومان. فمنذ هذه البداية تتوالى الاختلافات، فتُحذف بعض المشاهد، وتُختصر أخرى، ويُعاد تشكيل عددٍ من الشخصيات بما يخدم الرؤية التي أرادها نولان، من غير أن يفقد العمل هيكله الأساس وإن كان قد غيّر روحه قليلًا.
من بين ما أُؤاخذ عليه نولان -ولدي قائمة طويلة- هي الطريقة التي أعاد بها تشكيل شخصية «أوديسيوس»، فلطالما قُدِّم هذا البطل عبر قرون مضت نموذجًا للذكاء والدهاء، ووُصف بـ«رجل الألف حيلة»، سيد التنكُّر والمراوغة، الذي يبدّل هويته بقدر ما يبدّل مساره. ولهذا، يصعب عدُّه راويًا محايدًا ينقل الوقائع كما حدثت، فهو منذ البداية شخصية تجيد صناعة الحكايات بقدر ما تجيد خوض المغامرات.
وهذه إحدى مميزات «الأوديسة»، فنحن لا نتلقّى معظم المغامرات الشهيرة مباشرة من راوٍ عليم، وإنما من «أوديسيوس» نفسه. فبعد أن تنقذه الأميرة «نوسيكا» ويستقبله «الفايشيون» في بلاطهم، يبدأ لأول مرة في سرد ما جرى له منذ خروجه من طروادة. عند تلك اللحظة تحديدًا، تولد الحكاية التي يعرفها العالم بسائر عجائبها التي صنعت شهرة الملحمة، وصولًا إلى الحورية «كاليبسو» التي ظل معها «أوديسيوس» لسبع سنين مُمنِّية إيّاه بالخلود.
وقد تبدو هذه مجرد حيلة سردية، لكنها تحمل أثرًا بالغًا في طريقة قراءتنا للنص، فما يرويه «أوديسيوس» هو شهادته الشخصية. ولذلك ظلّ النقاد يتساءلون منذ زمن طويل: هل حدثت تلك الوقائع كما يصفها؟ أم أن الرجل الذي خرج من حرب استمرت عشر سنوات أعاد تشكيل ذاكرته، فاختلطت فيها التجربة بالخيال، والواقع بالرمز؟ لا تقدم الملحمة جوابًا حاسمًا، وربما تكمن عظمتها في أنها لا تريد ذلك أصلًا، بل تترك القارئ معلقًا بين احتمالين متساويين في القوة: أن تكون الحكاية حقيقة، أو مجرد تخاريف صدمة ما بعد الحرب.
لكن نولان ألغى هذه المحطة التي تُظهر شخصية «أوديسيوس» الحكّاء، وبدأها مع «كاليبسو» التي تمعن في تخديره، بينما يحكي لها ما يتذكره. بدا الملك بين يديها ضعيفًا مغلوبًا على أمره، وكأن نولان ينفي عن بطله شبهة الادعاء، ويبرر له سفره الطويل وابتعاده عن عائلته، مصورًا الأمر وكأنه مصير محتوم دبرته الآلهة التي نشعر بحضورها في الحبكة رغم غيابها عن المشهد.
كما تجاهل نولان أهم عبارة هومرية في «الأوديسة»؛ تلك التي نطقها «أوديسيوس» حين سأله السيكلوب «بوليفيموس» عن اسمه بعد أن أسكره حتى نام نوم السكارى، وغرز في عينه الواحدة عود زيتون مشتعل، فأجابه: «لا أحد». وكم تمنيت أن أسمع هذه العبارة في صالة السينما بما تحمله من هدوء الواثق ودهاء العارف بعواقب كلماته، لكن نولان -للأسف- استغنى عنها، مؤكدًا أنها لا تناسب المشاهد المعاصر. وأنا أختلف معه بشدة؛ لما للعبارة من أهمية جوهرية في سياق الرحلة، فالبطل هنا يعلّق هويته بالكامل، ويقبل مؤقتًا أن يصبح «لا أحد»، لأن النجاة تقتضي أحيانًا التخلي عن أكثر ما يميّز الإنسان: هويته. وحين يستغيث السيكلوب قائلًا إن «لا أحد» يهاجمه، يعجز أصحابه عن فهمه، لأن «أوديسيوس» نجح في أن يجعل وجوده ذاته عصيًّا على الإدراك، لقد انتصر حين اختار أن يكون مجهولًا.
لكن غروره البشري دفعه، بمجرد أن ابتعدت سفينته، إلى استعادة اسمه والصراخ به عبر البحر، لم يحتمل أن ينجو دون أن يُعرف صاحب الإنجاز. ومنذ تلك اللحظة، تحول الاسم الذي استرد به مجده إلى السبب الذي فتح عليه أبواب التيه الطويل وأغضب «بوسيدون»، أب السيكلوب؛ فلو ظل مجهولًا لكان مقدرًا له أن يعود إلى إيثاكا أسرع مما توقع. وفي الحقيقة، أرى أن إغفال نولان لمحطة «نوسيكا» وهذه العبارة هو تبرير للبطل أكثر منه ضرورة فنية.
أكثر ما ألوم نولان عليه في الفِلم هو مشهد «السيرينات»؛ ففي الملحمة، تكمن خطورة عرائس البحر في غنائهن، ومع ذلك، فقد حُرمنا من الاستماع إليهن كما حُرمنا من رؤيتهن. لا تَعِدُ العرائس «أوديسيوس» بالحب أو اللذة، بل بالمعرفة، ويغوينه بسماع الحقيقة كاملة، ليغدو السامع الوحيد لكل ما جرى في طروادة وما يدور في العالم، ولهذا يأمر رفاقه بتوثيقه إلى سارية السفينة، مدركًا أن غواية المعرفة أخطر من غواية الجسد. أما نولان، فقد اختار معالجةً أكثر اختصارًا وأقل احتفاءً بهذه الغواية، وفي الوقت الذي كنت أُمنّي فيه نفسي بسماع الأغنية التي حيّرت القراء لثلاثة آلاف عام، فإذا بالمخرج يطلب مني ألا أصغي إلا لصوته.
بالإضافة إلى هذه الاختلافات التي أثارت حفيظة قراء «الأوديسة»، أثار الفلم، كما كان متوقعًا، نقاشًا واسعًا حول اختياراته لبعض الممثلين. غير أن جانبًا كبيرًا من هذا الجدل انطلق، في رأيي، من تصورٍ حديثٍ للعالم القديم أكثر مما انطلق من العالم القديم نفسه؛ فمن السهل أن نسقط على اليونان القديمة مفاهيمنا المعاصرة عن الهوية والعرق، مع أن تلك المجتمعات كانت تنظر إلى الاختلاف بمنطقٍ يقوم على الانتماء الثقافي والسياسي أكثر من لون البشرة. بل إن صورة العصور القديمة بوصفها عالمًا أبيض متجانسًا ليست حقيقة تاريخية بقدر ما هي بناءٌ فكري تشكل في أوربا الحديثة، وهو ما ذهب إليه عالم السياسة البريطاني مارتن برنال في كتابه «أثينا السوداء»، إذ انتقد ما أسماه «النموذج الآري» الذي تبلور في القرن التاسع عشر، ورأى أنه همّش الأصول الأفروآسيوية للحضارة اليونانية، بينما كان الإغريق أنفسهم يعترفون بالمؤثرات الأجنبية في حضارتهم وخاصة المصرية والإفريقية.

السؤال ليس إن كان نولان قد نقل هوميروس كما يجب، ولكن، ما الذي رأى أن عصرنا بحاجة إلى إعادة تأويله. ويبدو أن الجواب يتضح في الفصل الأخير من الفِلم، حيث يعود نولان إلى إحدى القضايا التي شغلته في أعماله السابقة، ولا سيما في «أوبنهايمر»، وهي: المسؤولية الأخلاقية، وثمن العنف، والندم الذي يأتي متأخرًا لبطل حاول إنهاء حرب طويلة. وكأن «الأوديسة» في قراءته أصبحت تأملًا في الإنسان الكوني ما بعد الحرب -خاصة مع تنوع عرقيات سفينة «أوديسيوس»- وفي الآثار التي تتركها القوة على الضمير. يصعب الاعتراض على خطاب إنساني كهذا، لكنه يظل في النهاية خطاب نولان أكثر مما هو خطاب هوميروس، ففي الملحمة لا يتولى «أوديسيوس» هذا الدور الأخلاقي، بل تضطلع به «أثينا»، غير أن حضورها في الفِلم جاء محدودًا، إذ لم تُمنح المساحة التي جعلتها في النص الأصلي القوة التي تقود الأحداث نحو المصالحة وإيقاف دائرة الانتقام.
بصراحة، هناك الكثير مما لم يعجبني في هذا الاقتباس ولن يتسع المجال لسرده، ولكن عليّ الاعتراف بأن أجمل ما نجح فيه الفِلم، وأخفق فيه أغلب أساتذة الأدب، هو تحفيز المشاهد على العودة لقراءة الملحمة، فقد ارتفعت مبيعات «الأوديسة» ارتفاعًا ملحوظًا، وهذا هو الأهم: أن نقرأها مجدّدًا، أن نستمتع بقراءة ذاتية تثبت أن هذه الملحمة -بعد ثلاثة آلاف عام- لا تزال قادرة على طرح الأسئلة ذاتها: الطبيعة البشرية وحرية الاختيار؟ كيف نصنع هويتنا؟ وكيف نحكي حياتنا؟ وأين تنتهي الحقيقة وتبدأ الحكاية؟ وربما لهذا السبب تحديدًا لم تتوقف «الأوديسة» يومًا عن السفر؛ فهي لم تكن، منذ البداية، كتابًا واحدًا، بل تاريخًا طويلًا من القراءات، جاء فِلم نولان ليضيف إليه فصلًا جديدًا.

.png)
أفضل ترجمة لـ«الأوديسة»
إيمان العزوزي
مع عرض فِلم نولان، سيفكر الكثير من المشاهدين في قراءة الملحمة التي ألهمته، ومنهم المشاهد والقارئ العربي الذي سيشغله السؤال الأهم أي ترجمة سيقرأ؟
لم تعرف المكتبة العربية عددًا كبيرًا من ترجمات «الأوديسة»، إلا أنها شهدت محاولات لافتة، لكل واحدة منها سياقها وقيمتها.
البداية مع سليمان البستاني
صحيح أن سليمان البستاني لم يترجم «الأوديسة» بل «الإلياذة» عام 1904، إلا أن الحديث عن «أوديسيوس» لا يستقيم دون قراءة «الإلياذة» التي تنبثق منها «الأوديسة». لقد أنجز البستاني أول مشروع عربي ضخم لنقل الملاحم الهوميرية، وقدم للإلياذة ترجمةً شعريةً عروضية لا تزال تُعد من أعظم إنجازات الترجمة الأدبية العربية، إذ أرفقها بمقدمات ودراسات وهوامش جعلتها مرجعًا ثقافيًّا بحد ذاتها. وإلى جانب ترجمة البستاني، آثر أدباء آخرون ترجمة «الإلياذة» دون «الأوديسة»، فجاءت ترجمة ممدوح عدوان عن الإنقليزية بلغة فصيحة وواضحة وسلسة، نجحت في نقل روح الملحمة بأسلوب أدبي ممتع، في حين جاءت ترجمة أحمد عتمان عن اليونانية مباشرةً أكثر دقةً وأمانةً للنص، لكنها اتسمت بطابع أكاديمي وتقني قلّص من حيويتها وجمالها الأدبي.
الترجمة الأولى مع عنبرة سلام الخالدي
تُعدّ ترجمة الأديبة الفلسطينية عنبرة سلام الخالدي من أوائل الترجمات العربية لملحمتي «الأوديسة» و«الإلياذة». وتذكر الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية أن الطبعة الأولى صدرت عام 1945، في حين تظل طبعة «دار العلم للملايين» الصادرة عام 1974 هي النسخة الرسمية والأكثر شهرة، والتي أسهمت في تعريف أجيال من القراء العرب برحلة «أوديسيوس». ونظرًا لأن الترجمة نُقلت عن الإنقليزية لا عن اليونانية القديمة -وهو أمر كان مألوفًا في ذلك العصر- فإنها تكتسب قيمتها كوثيقة تاريخية وثقافية أكثر من كونها ترجمة أمينة ومباشرة للنص الأصلي. وقد أوضحت الخالدي في مقدمة «الإلياذة» أن ترجمتها نثرية وليست شعرية، وهي ترجمة تتسم بسلاسة الأفكار وجمال اللغة، رغم الاختصارات التي فرضتها رؤية المترجمة.
التشويه مع دريني خشبة
نشر دريني خشبة ترجمته لـ«الأوديسة» عام 1945، وهي تُعدّ اليوم الأكثر رواجًا بين القراء العرب، لكونها ظلت لفترة طويلة الترجمة الوحيدة المتاحة في الأسواق بعد أن نشرتها دار التنوير. بيد أن هذه الترجمة -كحال ترجمة الخالدي- ليست نقلًا عن النص الأصلي، بل هي معالجة نثرية اعتمدت على ترجمات إنقليزية، أضفى عليها خشبة ألفاظًا وصورًا مستمدة من القرآن الكريم والتراث العربي كالشعر الجاهلي. وأرى أن هذا الخيار أضعف هوية النص، لأن «الأوديسة» مقترنة بعالم ميثولوجي متكامل، وعند استبدال هذا العالم بلغة تنتمي إلى ثقافة أخرى، يفقد العمل جزءًا من خصوصيته، ويبتعد القارئ عن هوميروس بدلًا من أن يقترب منه. وما يثيره هذا التشويه من تساؤل هو جدوى اللجوء إليه، في حين نمتلك ملاحم عربية أصيلة تستحق العناية وإعادة النشر، كملحمتي الملك سيف بن ذي يزن، والسيرة الهلالية، وغيرها.
الخيار الأفضل مع أمين سلامة
إذا أردت قراءة «الأوديسة» اليوم، أرشح لك ترجمة أمين سلامة بوصفها الأفضل، والسبب في ذلك أنه نقلها مباشرة عن اليونانية القديمة، محافظًا على الطابع الميثولوجي للملحمة وأسمائها وصورها وإيقاعها، دون أن يضحي بجمال اللغة العربية. هي ترجمة نثرية تسعى لنقل هوميروس كما هو، لا كما نريده أن يكون. ويمكنك أيضًا قراءة ترجمته لـ«الإلياذة» والاكتفاء بها عن ترجمة البستاني الشعرية. صدرت هذه الترجمة عام 1956 في ثلاثة أجزاء ضمن سلسلة «كتابي»، وقد وصفها سلامة بأنها «أول ترجمة نافعة وصادقة ومجدية ودقيقة وكاملة وشاملة، مذيلة بشروح يقرأها الناس فيفهمونها، ويقصدها الخاصة والعامة فيتلذّذون بها، ويخلد إليها الهاوون فيذكرونها بالخير والشكر والتقدير». وقد تحقق له ذلك، إذ أشاد بها شيخ النقاد المترجم محمد مندور واحتفى بها فور صدورها. لاحقًا، جمعت دار «الفكر العربي» ترجمات أمين سلامة ونشرت «الإلياذة» و«الأوديسة» كاملتين، كلًّا في كتاب مستقل، قبل أن تتيحهما مؤسسة هنداوي للقارئ العربي في نسخ إلكترونية.
نص آخر مع محمد مظلوم
أما أحدث الترجمات فهي ترجمة الشاعر العراقي محمد مظلوم، الصادرة عام 2026، وتُعد أول ترجمة شعرية عربية كاملة لـ«الأوديسة». وانطلق مظلوم من قناعته بأن الملحمة، ما دامت قد كُتبت شعرًا، فإنها تستحق أن تُترجم شعرًا أيضًا، فاختار الشعر الحر وسيلةً لاستعادة إيقاعها ونَفَسها الملحمي بلغة عربية معاصرة. واستلهم في ذلك ترجمة الشاعر الأميركي روبرت فيتزجيرالد، بعد مراجعة ما يقارب ثمانين ترجمة إنقليزية وعدد من الدراسات النقدية. ويؤكد مظلوم أن عمله لا يسعى إلى تقديم نقلٍ حرفي للنص، بل إلى تقديم «نص آخر» و«تفسير آخر» لـ«الأوديسة»، انطلاقًا من إيمانه بأن الترجمة الأدبية هي إعادة خلق وتأويل، يحاول الحفاظ على روح الملحمة وبلاغتها أكثر من التمسك بحرفيتها.
كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭
مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨
موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!
هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗
التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁

أكواخُ أحبابي على صدر الرمالِ
وأنا مع الأمطار ساهرْ..
وأنا ابن عوليس الذي انتظر البريد من الشمال
ناداه بحّار، ولكن لم يسافرْ
محمود درويش قصيدة «في انتظار العائدين»
«وقفة» مع الأثر 📣
حين تصبح الأرقام قصيدة: 220 شريكًا حملوا الكلمة إلى الناس، عبر أكثر من 11 ألف مبادرة، ووصلوا إلى أكثر
من مليونٍ و881 ألف مستفيد؛ أثرٌ صنعته أيدٍ آمنت بأن الأدب يستحق أن يكون في كل مكان. ✨

يوليسيس

تأليف: جيمس جويس/ ترجمة: صلاح نيازي/ الناشر: المدى
احتلت رواية «يوليسيس» لجيمس جويس، منذ صدورها عام 1922، مكانةً استثنائية في تاريخ الأدب العالمي. لا أزال أستحضر تجربة قراءتها التي استغرقت مني ثلاثة أشهر، وهي رحلةٌ لم أندم عليها قط، بل أعدّها محطةً أدبية غيّرت مفهومي للرواية. وكما صارت هذه الرواية مرجعًا لكُتّاب الحداثة من بعد جويس، أضحت لي أيضًا معيارًا في انتقاء الأعمال الأدبية. تدور أحداث الرواية في يومٍ واحدٍ بمدينة دبلن، لكن هذا اليوم العادي يتحول بين يدي جويس إلى ملحمة إنسانية تستلهم «أوديسة» هوميروس، وتدمج الأسطورة بمختلف الأجناس والفنون في بناء لغوي غير مسبوق.
ومع أنها تُعد من أعظم روايات القرن العشرين، فإنها تحمل سمعة سيئة لا تقل شهرة عن عظمتها، فهي تتصدر باستمرار قوائم أكثر الروايات تحديًا وصعوبة في القراءة، ويعترف كثيرٌ من القراء بأنهم لم يتمكنوا من إكمالها، حتى غدت عند البعض عذابًا أكثر منه متعة.
فإن كنت من محبي التحديات، وترغب في خوض هذه الرحلة الأوديسية مع جيمس جويس، فإليك خمس نصائح ستجعل الطريق أقل وعورة وأكثر متعة.
لا تبدأ بها
ابدأ أولًا بـ«أهل دبلن»، ثم «صورة الفنان في شبابه». فهاتان القراءتان تعرفّانك إلى عالم جويس وأسلوبه، كما تمهدان لظهور «ستيفن ديدالوس»، أحد الشخصيات الرئيسة في «يوليسيس».
لا تحاول أن تفهم كل شيء
لن تفهم كل شيء، وهذا أمر طبيعي. فالمتخصصون في أعمال جويس يكتشفون معاني جديدة في كل قراءة. تعامل معها كرحلة جميلة، واستمتع باللغة والإيقاع أكثر من سعيك لفك كل رمز.
اقرأ أولًا... واشرح لاحقًا
لا تتوقف عند كل هامش أو إحالة. أنهِ الفصل كاملًا، ثم ارجع إلى الدليل أو الشروحات ليوضح لك أهم الإشارات. فالإفراط في الشرح في أثناء القراءة يقتل إيقاع الرواية ويحولها إلى مادة أكاديمية.
تعرّف إلى «الأوديسة»
ليس شرطًا أن تقرأ الملحمة كاملة، لكن معرفة أحداثها الرئيسة ستكشف لك كيف حوّل جويس رحلة «أوديسيوس» الأسطورية إلى رحلة إنسان عادي في شوارع دبلن خلال يوم واحد.
اقرأ ببطء، ولا تستعجل النهاية.
هذه ليست رواية تُلتهم في بضعة أيام، اقرأ فصلًا أو فصلين في كل جلسة، وحاول هضم ما قرأته، ولا بأس إن شعرت بالضياع أحيانًا، فالتيه جزء من التجربة، بل إن كثيرًا من عشاق «يوليسيس» يرون أن القراءة الثانية هي البداية الحقيقية لفهمها.
لن أنصحك بالقراءة الثانية طبعًا، فلو بلغت نهايتها على خير ستكون قد حققت ما استحال على الغالبية العظمى من القراء، وإن عجزت عن إتمامها لأن العمر قصير والكتب كثيرة فتابع التوصيات التالية.
سيرسي

تأليف: مادلين ميلر/ ترجمة: هشام فهمي/ الناشر: دار الآداب
من أكثر المشاهد التي علقت في ذهني بعد مشاهدة فِلم نولان، المشهد الذي يصل فيه «أوديسيوس» ورجاله إلى جزيرة الساحرة «سيرسي». يبدأ كل شيء بهدوء يكاد يخدع المشاهد؛ منزل معزول، وامرأة تستقبل الغرباء بكرم لا يوحي بأي خطر. لكن في لحظات، ينقلب المشهد إلى واحدٍ من أكثر مشاهد الفِلم رعبًا وإثارة، حين تكشف «سيرسي» عن حقيقتها، وتحول رجال «أوديسيوس» إلى خنازير في مشهد يصلح وحده لأن يكون فِلمًا مستقلًّا. أما أداء سامانثا مورتون في دور «سيرسي»، فهو بلا شك الأفضل في الفِلم وأتوقع أن تأخذ بفضله على أوسكار أفضل ممثلة مساعدة.
غير أن الفِلم، كما فعلت «الأوديسة» قبل ما يقارب ثلاثة آلاف عام، لم يمنح «سيرسي» إلا مساحة محدودة، فهي تظهر بوصفها محطة في رحلة «أوديسيوس»، وساحرة ينبغي للبطل أن يتجاوزها ليواصل طريقه إلى إيثاكا. لكن ماذا لو كانت الحكاية تُروى من جانبها هي؟ ماذا لو لم تكن مجرد عقبة في طريق البطل، بل بطلة تمتلك ملحمة كاملة خاصة بها؟
هذا هو السؤال الذي انطلقت منه الكاتبة الأمريكية مادلين ميلر في روايتها «سيرسي». تبدأ الحكاية قبل لقاء «أوديسيوس» بسنوات طويلة، منذ ولادة «سيرسي» نفسها. فهي ابنة «هيليوس» إله الشمس، لكنها لم تكُن الأجمل بين أخواتها، ولا الأقوى بين الآلهة، ولم تمتلك ما يلفت الأنظار في بلاط الأولمب. كانت فتاة خجولة، مهمشة، تقضي وقتها محاولةً نيل رضا أبيها، حتى اكتشفت بالمصادفة قوة غامضة كامنة في النباتات والأعشاب، قوة قادرة على تغيير طبيعة الكائنات نفسها.
تُنفى «سيرسي» إلى جزيرة «إيايا»، خوفًا من القوة التي لا تستطيع حتى الآلهة تفسيرها. هناك، تصبح «سيرسي» امرأة تعيد تشكيل نفسها بعيدًا عن سلطة الآلهة؛ تتعلم، وتخطئ، وتحب، وتفقد، وتواجه وحوشًا وآلهة وبشرًا، وتلتقي بشخصيات أسطورية كثيرة، مثل «هرمس»، و«ميديا»، و«مينوتور»، ثم يأتي «أوديسيوس» نفسه ليكون فصلًا من حياتها، فصل استمر سنة وليس ليلة كما صورها نولان، سنة كانت كافية كي ينجب منها ويهجرها كعادته.
ولذلك، لن تقرأ هنا رواية عن السحر بقدر ما ستقرأ رواية عن الوحدة، والنبذ، واكتشاف الذات، ومعنى أن يختار الإنسان هويته بنفسه. لقد أعادت مادلين ميلر قراءة الأسطورة من منظور إنساني، وحولت الشخصية التي عاشت قرونًا في ظل بطل آخر إلى امرأة كاملة الملامح، لها مخاوفها ورغباتها وأخطاؤها وانتصاراتها.
البينولوبية

تأليف: مارقريت أتوود/ ترجمة: عمرو خيري/ الناشر: الهيئة العامة المصرية للكتاب
بدت «بينيلوب» في فِلم «الأوديسة» كما عرفها معظم القراء منذ قرون: الزوجة الصابرة الوفيّة التي تنتظر عودة «أوديسيوس»، تنسج نهارًا وتفك ما نسجته ليلًا، وتقاوم ضغط الخطّاب بالحيلة والصبر. ورغم أن الفِلم منحها حضورًا إنسانيًا مؤثرًا، فإنها بقيت، في النهاية، تدور في فلك البطل، نراها بعيني «أوديسيوس» أكثر مما نراها بعينيها هي. لكن ماذا لو أتيحت لها أخيرًا فرصة أن تروي الحكاية بنفسها؟ وماذا لو تكلمت النساء اللواتي مررن سريعًا في الملحمة، ثم اختفين من دون أن يسأل أحد عن مصيرهن؟
على غرار مادلين ميلر، تُعيد مارقريت أتوود في روايتها القصيرة «البينيلوبية» قراءة ملحمة «الأوديسة» من منظور مختلف، إذ تمنح دفة السرد لزوجة «أوديسيوس». تنتقل أتوود بالرواية إلى العالم السفلي، حيث تسرد «بينيلوب» ذكرياتها بعد موتها، بدءًا من طفولتها وزواجها، وصولًا إلى سنوات الانتظار العشرين التي رسّخت أسطورتها. وهنا، تظهر «بينيلوب »كامرأة ساخرة وذكية تُعيد تقييم كل ما كُتب عنها وعن زوجها، وتُشكك في الصورة البطولية التي صاغتها الملحمة له.
غير أن الرواية لا تتوقف عند «بينيلوب»، بل تمنح الصوت أيضًا للإماء الاثنتي عشرة اللواتي أمر «أوديسيوس» بشنقهن بعد عودته إلى إيثاكا، وهذا أيضًا مما تجاهله نولان مفضلًا منح بطله فرصة الظهور كمحارب تائب. يمر هذا المشهد سريعًا في «الأوديسة» الأصلية، وكأنه عقوبة مستحقة لخيانة ارتكبنها. أما أتوود فتتسائل: هل كنَّ خائنات حقًا، أم ضحايا لم يكنّ يملكن أي خيار؟ ومن خلال فصول مكتوبة على هيئة أغانٍ، وأناشيد، ومقاطع شعرية، ومحاكمة، يتحولن إلى جوقة تلاحق «أوديسيوس» وتطالبه بتفسير ما حدث، وكأن العدالة التي غابت في الحياة تحاول أن تجد طريقها بعد الموت.
الجهل

تأليف: ميلان كونديرا/ ترجمة: رفعة عطفة/ الناشر: دار ورد
ماذا يحدث لحلم العودة حين يصبح الوطن الذي نعود إليه مختلفًا عن الوطن الذي غادرناه؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه ميلان كونديرا في روايته «الجهل»، وهي رواية قصيرة وغنية بتأملاتها الفلسفية والإنسانية.
يستعرض كونديرا تجربة المنفى وما يكتنفها من حنين واغتراب من خلال شخصيتي «إيرينا» و«يوزف»، وهما مواطنان تشيكيان اضطرا إلى مغادرة بلدهما عقب الغزو السوفييتي عام 1968. وبعد عشرين عامًا من العيش في فرنسا والدنمارك، يعود كلاهما إلى براغ معتقدين أن العودة ستستعيد لهما جزءًا من ذاتهما، لكن الواقع يخيب آمالهما، فالمدينة لم تعد كما كانت، والأقارب والأصدقاء لا يبدون اهتمامًا بما عاشه المهاجرون في غربتهم، ليكتشف البطلان أن الزمن قد غيّر الأمكنة والبشر على حد سواء.
ولكي يشرح كونديرا فكرته، يستدعي شخصية «أوديسيوس»، لكنه يقرأها قراءةً مختلفة تمامًا عما اعتدنا عليه. ففي المخيلة الشعبية، تمثل «الأوديسة» قصة البطل الذي تحمل المشاق حتى عاد أخيرًا إلى وطنه، وكأن العودة كانت الغاية التي تمنح الرحلة معناها. أما كونديرا فيقلب هذه الفكرة رأسًا على عقب، إذ يتخيل أن «أوديسيوس»، بعد أن وطئت قدماه إيثاكا، أدرك بدهشة أن حياته الحقيقية لم تكُن هناك، بل كانت في البحر، وفي الجزر التي مر بها، وفي الأخطار التي واجهها، وفي عشرين عامًا من الترحال التي صاغت شخصيته. لقد كان يحلم بالعودة طوال رحلته، لكنه عندما عاد اكتشف أن الزمن الذي كان يشتاق إليه قد انقضى إلى الأبد، وأن إيثاكا التي حملها في ذاكرته لم تعد موجودة إلا في خياله.
تتجاوز «الجهل» حدود المنفى الجغرافي، لتناقش المنفى الداخلي الذي يعانيه الإنسان. فالذكريات ليست حقيقةً ثابتة يشترك فيها الجميع، وإنما يعيد كل إنسان تشكيل ماضيه وفق ما احتفظت به ذاكرته وما اختارت نسيانه. لذلك قد تتحول لقاءات الأصدقاء بعد سنوات طويلة إلى لقاءات بين غرباء، لأن الزمن، بطريقة ما، يعيد تشكيل العلاقات الإنسانية والهوية أيضًا.

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.