كيف تستفيد من إستراتيجية الصندوق الجديدة؟

تصميم: أحمد عيد
تصميم: أحمد عيد

كيف تستفيد من إستراتيجية الصندوق الجديدة؟

أحمد الجبرين

سواءً كنت تاجرًا أو مستهلكًا أو مستثمرًا أو موظفًا أو حتى طالبًا، فعلى الأرجح أنك سمعت كثيرًا عن صندوق الاستثمارات العامة منذ عام 2016.

والتفسير بسيط: ضخامة الصندوق الذي تجاوزت أصوله 3.4 تريليون ريال، بعد أن جعلته رؤية السعودية 2030 المحرّك الأساسي للتحديث الاقتصادي. وضخامةٌ بهذا الحجم، تخلق فرصًا للتجّار وشركاتهم وللأفراد ووظائفهم، وتغيّر شكل المعروض أمام المستهلكين في مختلف القطاعات. 

ولعلك أقرب إلى الصندوق مما تظن: تشتري منزلًا من روشن، وتدفع فاتورتك الشهرية لـ«STC» التي يملك الصندوق غالبية أسهمها، وقد تحجز رحلتك على طيران الرياض.

وبسبب هذا الارتباط الوثيق، عندما أعلن الصندوق تحديث استراتيجيته للأعوام الخمسة التالية، انهالت عليّ استفسارات المتابعين، الذين وجدوا تفاصيل الخبر الجديد مبهمةً عليهم. هذه المقالة، ببساطة، موجهة إليهم وإلى عموم القرّاء، لتجيب عن أكثر أسئلتهم شيوعًا، مثل: ما الذي سيتغيّر؟ ولماذا؟ كيف كانت تجربة العشر سنوات الماضية، وكيف ستختلف عنها الخمس سنوات القادمة؟ والأهم: كيف سأتأثر بهذا التغيير، وكيف أستفيد منه؟

كيف كان الصندوق يعمل؟

حتى عام 2015، كان صندوق الاستثمارات العامة أقرب إلى ذراعٍ تنمويٍّ تقليدي. تأسّس عام 1971، وساهم في تأسيس عدة شركات  مثل سابك والاتصالات السعودية وخطوط السكك الحديدية، إلى جانب المساهمة في بناء القطاع المصرفي. بدأ التحوّل عام 2015، حين تشكّل مجلس إدارته برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وارتبط بمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية ليصبح أحد أبرز أدوات رؤية السعودية 2030 في تنويع الاقتصاد.

منذ ذلك الحين، عمل الصندوق بأسلوبٍ يمكن وصفه بالمباشر: يحدّد القطاعات التي يريد بناءها، ثم يتحرك بنفسه. فحين لا يجد لاعبًا محليًّا في قطاع ما، يؤسّس شركة جديدة من الصفر، كما فعل في السياحة والترفيه وصناعة السيارات. وحين يجد شركةً وطنية قائمة ذات إمكانات، يعيد هيكلتها ويضخ فيها رأس المال والشراكات، كما فعل مع معادن وأكوا باور. أما المشاريع الكبرى، مثل نيوم والبحر الأحمر والقدية، فقد موّلها بالكامل تقريبًا من رأس ماله، دون شركاء أو مستثمرين مشاركين. 

وسار هذا الأسلوب عبر أربع مراحل: إعادة التموضع (2015–2017)، ثم التحوّل وإطلاق المشاريع الكبرى (2018–2020)، فالتوسّع والنمو (2021–2025)، والآن تعظيم القيمة (2026–2030).

لماذا سيتغيّر الصندوق؟

النموذج الذي حقّق هذه النتائج كانت له حدود. حين يتحمّل طرف واحد تمويل مشاريع بحجم نيوم والبحر الأحمر والقدية بالكامل من رأس ماله، دون شركاء أو مستثمرين مشاركين، يصبح الضغط على الميزانية الرأسمالية حتميًّا. وقد ظهر أثر ذلك في إعادة ترتيب أولويات بعض المشاريع الكبرى، حيث تقدّمت الاستحقاقات المرتبطة بإطارٍ زمنيٍّ محدّد، مثل إكسبو 2030 وكأس العالم 2034، على المشاريع التي تتيح مرونةً أكبر في التوقيت. ولعلّ أبرز مثال على ذلك إعادة دراسة مشروع «ذا لاين» في نيوم وتوجيه الموارد نحو أوكساجون ومشاريع البنية التحتية ذات الأولوية.

فالمحيط الاقتصادي الذي تعمل فيه الاستراتيجية الجديدة يختلف عن محيط سابقتها: أسعار النفط تراجعت عن مستويات السنوات الماضية، ما ضيَّق قدرة الحكومة على ضخ رأس مالٍ إضافي في الصندوق. وفي المقابل، توسَّع الصندوق في الاقتراض عبر إصدارات متتالية من السندات والصكوك الدولية، وبدأ يشجّع شركاته التابعة على الاقتراض المستقل اعتمادًا على ميزانياتها الخاصة. وامتد الأمر إلى بيع الأصول المساندة، كتفاوض كافد على بيع أعمال تبريد المناطق بنحو 500 مليون دولار وفق بلومبرق. وكل هذه المؤشرات تصب في اتجاه واحد وهو أن الصندوق لم يعُد قادرًا على الاستمرار مموِّلًا وحيدًا.

وحين سُئل محافظ الصندوق عن اعتماد المشاريع الكبرى بالكامل على رأس مال الصندوق، أجاب بأنه لم يكُن الطريقة الأفضل، لكنه أطّره ضمن منطق المراحل: الصندوق تحمّل المخاطر الأولية، والآن بعد أن ظهرت المشاريع على أرض الواقع أصبح دخول المستثمرين أيسر.

والتفسير وجيه، لكن القراءة الأصرح أن المسار الأمتن كان اجتذاب رأس مال من خارج الحكومة مبكرًا، محليًّا وعالميًّا. مهمةٌ لم تكُن سهلة لصندوق يصنع قطاعات من الصفر بمخاطر يصعب إقناع الغير بمشاركتها، لكن النتيجة أن التمويل الخارجي بقي دون الطموح، والاستراتيجية الجديدة في جوهرها محاولة لتعزيز ذلك.

ولم يكُن الضغط المالي وحده ما استدعى المراجعة؛ فالتجربة نفسها كشفت شركات للصندوق أثبت القطاع الخاص أنه أكفأ منها. 

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: ماذا تغيّر فعليًّا؟ وأين تتّجه الأموال؟

كيف سيتغير الصندوق؟

المقارنة التالية بين استراتيجية 2021–2025، واستراتيجية 2026–2030، تضع الفرق على الطاولة في ستة أبعاد.

أبرز ما في هذه الأبعاد هو إعادة تنظيم المحافظ. تتوزّع استثمارات الصندوق الآن على ثلاث محافظ بدلًا من ست. محفظة الرؤية، تضمّ المنظومات الست التي تقود التحوّل الاقتصادي داخل السعودية، وتستهدف الأثر التنموي والتكامل بين القطاعات. محفظة الاستثمارات الاستراتيجية، تحتضن الشركات الوطنية الكبرى مثل أكوا باور ومعادن والبحري، وتركّز على توسيعها إقليميًّا وعالميًّا، وتستثمر كذلك في شركات عالمية تخدم المنظومة المحلية. أما محفظة الاستثمارات المالية، كما يوحي اسمها، فتتعامل مع الأدوات المالية في الأسواق العالمية: سندات، وأسهم، وأسهم خاصة، وغيرها. وهي أوضح المحافظ الثلاث وأيسرها في قياس الأداء، لأن نموذجها مألوف ومستقر، وتقتصر عليه كثير من الصناديق السيادية حول العالم. 

ومن حيث الحجم، تظل محفظة الاستثمارات الاستراتيجية الأكبر أصولًا، بما يعكس تركيز الصندوق على تعظيم قيمة الشركات الوطنية القائمة، فيما تبقى محفظة الرؤية الأكثر أثرًا في الاقتصاد المحلي، لأن مشاريعها تعيد تشكيل قطاعات كاملة. كل محفظة تُقاس بمعيار مختلف: الأولى بالأثر، والثانية بالنمو، والثالثة بالعائد المالي. وفي الجدول التالي شرحٌ للفروقات بينها. 

التغيير الثاني الجوهري هو الانتقال من القطاعات إلى المنظومات. يفسّر ياسر الرميان هذا الانتقال بأن القطاعات الثلاثة عشرة السابقة كانت تُدار بمعزلٍ عن بعضها: كل قطاع يضع خطته ويُقدّم ميزانيته ويُنفّذ مشاريعه دون تنسيقٍ كافٍ مع القطاعات المجاورة. نتج عن ذلك تكرار في الاستثمار، وتنافس داخلي على الموارد، وتعثّر في ترتيب الأولويات عند تقاطع المشاريع. المنظومة تعالج هذه الفجوة بتوحيد التخطيط والميزانية والمساءلة تحت مظلة واحدة، تربط الشركات والمشاريع المترابطة وظيفيًّا. 

توزّعت محفظة الرؤية على ست منظومات، لكل منها شركات تابعة ومستهدفات رقمية حتى 2030. والجدول التالي يعرض الشركات التابعة لكل منظومة وعددها الإجمالي. 

غير أنّ النظر إلى هذه الشركات الثمانين على أنها كتلة واحدة متجانسة قد يضلّل القارئ. فالمنظومة الواحدة لا تتألّف من شركات متساوية في الوزن والأثر، وإنما تنطوي على تراتبية وظيفية تُحدّد موقع كل شركة من جوهر الاستراتيجية. ويمكن تصنيف هذه الشركات إلى ثلاث فئات:

  • الشركات الأساسية: العمود الفقري للمنظومة، لا تقوم لها قائمة من دونها، إذ تجسّد التوجه الاستراتيجي الذي يقوم عليه القطاع بأكمله. ومن أمثلتها: مطار الملك سلمان الدولي، والبحر الأحمر الدولية، والقدية، ومعادن، وأكوا باور، وبوابة الدرعية.

  • الشركات المهمة لكن ليست أساسية: تؤدّي دورًا تكميليًّا حاسمًا في تعزيز قدرات المنظومة وتوسيع نطاقها، غير أنّ غيابها لا يسقط المنظومة. ومن أمثلتها: طيران الرياض، وعلم، والخطوط الحديدية السعودية (سار)، ونوبكو، و(EVIQ) للبنية التحتية للسيارات الكهربائية.

  • الشركات الثانوية: أُسّست لرفع معايير السوق وتطويره، أو لسدّ فجوة ناجمة عن غياب لاعبين محليين في قطاعها، ويمكن الاستغناء عنها مستقبلًا متى ما نضج السوق. ومن أمثلتها: الأندية الرياضية، ومشاريع السينما، وشركتا سفن ونوق، ومجموعة سافي للألعاب الإلكترونية، والشركة السعودية للقهوة.

وتكشف هذه التراتبية عن منطق إدارة المخاطر داخل المحفظة: حيث يتركّز رأس المال والاهتمام التنفيذي في الشركات الأساسية، فيما تُمنَح الشركات الثانوية مساحة أوسع للتجريب والمراجعة، وربما التخارج لاحقًا.

كيف تستفيد من التغيير؟ وأين الفرص؟

الآثار التي وصفناها ليست واحدة على الجميع؛ فما يعنيه التغيير لصاحب شركة يختلف عمّا يعنيه لمستثمر في السوق أو موظف يخطط لمساره. وبعد قراءة الاستراتيجية الجديدة ومناقشتها مع عدد من المختصين والمسؤولين داخل الصندوق وخارجه، أعتقد أن الفرص الفعلية ستتوزّع على أربعة اتجاهات رئيسة، تتدرّج من الأكثر تخصّصًا إلى الأوسع وصولًا: 

سدّ الفجوات داخل المنظومات، وبناء شركات على رهانات الصندوق الموضوعية، والتحوّل من بطل وطني إلى بطل عالمي، وأخيرًا، العقود وسلاسل الإمداد. لكل اتجاه منطقة، ولكل اتجاه فئة يناسبها أكثر من غيرها. 

سأوضّح كل واحد منها على حدة، ثم أختم بما يعنيه التغيير لمن ليس تاجرًا ولا مستثمرًا.

الاتجاه الأول: سدّ الفجوات داخل المنظومات (لرائد الأعمال والشركات الناشئة)

حين تنظر إلى الاستراتيجية الجديدة، يقع نظرك أولًا على ما سيفعله الصندوق. لكن لنعكس التساؤل ونبحث عمّا قرّر ألّا يفعله. داخل كل منظومة من منظوماته الست، رسم الصندوق خريطة لما يسمّيه داخليًّا «الخدمات الأساسية» (Essential Services)، تلك العُقَد التي تربط الشركات الكبرى ببعضها وتجعل المنظومة قادرة على العمل يوميًّا. ثم اتخذ قرارًا واضحًا: هذه العُقد ليست له، وإنما هي الفرص التي يقتنصها رواد الأعمال من القطاع الخاص.

هذا ما يسمّيه الاقتصاديون «اقتصاد المتمّمات». حين بنت سنغافورة موانئها العملاقة في السبعينيات، تركت خدمات التخليص الجمركي والشحن الصغير وضيافة البحارة سوقًا مفتوحة، فنشأت حولها صناعة موازية كاملة. ما يفعله الصندوق اليوم نسخة سعودية من هذا المنطق، بحجم لم تشهده المنطقة من قبل.

والأمثلة محسوسة في كل منظومة، من بينها: في السياحة، يبني الصندوق الفنادق والوجهات الكبرى، لكنه لا يبني شركة إدارة الوجهات الرقمية التي تنظّم تجربة الزائر، ولا خدمات الغسيل الصناعي التي ستخدم آلاف الغرف الفندقية القادمة. في التطوير العمراني، يبني روشن والمربع الجديد والدرعية، لكنه يحتاج إلى من يدير المجتمعات السكنية بعد التسليم: الصيانة والأمن والفعاليات وإدارة المرافق. في الصناعات المتقدمة، يضخّ المليارات في مراكز البيانات، لكن من سيشغّلها يوميًّا، ومن سيوفّر أنظمة التبريد والأمن السيبراني والصيانة المتخصصة؟ وهذه مجرد أمثلة لإيضاح الاتجاه لا حصرًا شاملًا للفجوات؛ يمكن لكل مستثمر أن يقرأ استثمارات الصندوق المعلنة ويحدد الفجوة التي يناسبه ملؤها.

الاتجاه الثاني: التوجّهات الموضوعية (للمستثمر وباني الشركات على المدى الطويل)

الاستثمار الموضوعي (Thematic Investment)، أسلوبٌ تتّبعه عدة صناديق حول العالم، مثل (Temasek) السنغافورية و(GIC). فكرته أنه بدلًا من توزيع رأس المال على عشرات القطاعات أفقيًّا، تختار خمسة أو ستة تحوّلات هيكلية كبرى تؤمن بأنها ستعيد رسم الاقتصاد العالمي خلال العقدين القادمين، وتبني حولها استثمارات متكاملة. واستخلاصًا من قراءة محافظ الصندوق واستثماراته وتوجهاته، يمكن رصد ستة توجّهات كبرى تتكرّر:

أولًا، الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية: يظهر في (Humain) و(SCAI) محليًّا، وفي حصص بصناديق تقنية كبرى عالميًّا؛ الصندوق يستثمر في الطبقة كلها من الرقائق إلى التطبيقات.

ثانيًا، اقتصاد التنقّل: (Ceer) للتصنيع، و(EVIQ) للبنية التحتية للشحن، و(Lucid) عالميًّا.

ثالثًا، الترفيه والرياضة: سافي للألعاب الإلكترونية، والقدية، وصفقة (EA) الكبرى.

رابعًا، تحوّل الطاقة والمعادن الانتقالية: أكوا باور في الطاقة المتجددة، ومعادن في الليثيوم والنحاس، وشراكات هيدروجين أخضر دولية.

خامسًا، الرعاية الصحية والصناعات الدوائية: نوبكو و(Lifera) محليًّا، وصناديق رعاية صحية عالمية.

سادسًا، الفضاء والدفاع: سامي للصناعات العسكرية، ومجموعة نيو للفضاء.

من يبني شركته بحيث تقع على مسار أحد هذه التوجّهات، بتقنية متفوّقة أو نموذج تجاري ذكي أو موقع جغرافي مناسب، يجد نفسه في موقع جذّاب لرأس المال. وهذه التوجّهات نفسها قابلة للتغيّر تبعًا لظهور فرص وخفوت أخرى، فعلى الباحث عن الفرصة متابعتها بصورة مستمرة.

الاتجاه الثالث: من بطل وطني إلى بطل عالمي (للشركات الراسخة)

في الاتجاهين السابقين، كان الدخول مشروطًا بفكرة معيّنة: سدّ فجوة في منظومة، أو ركوب توجّه عالمي. هنا الفكرة معكوسة: لا يهمّ القطاع، يهمّ الحجم والقدرة على التصدير. فالصندوق وضع لنفسه مهمّة صريحة في الاستراتيجية الجديدة: تحويل الشركات الوطنية الكبرى إلى لاعبين عالميين، وخصص لها محفظةً كاملة، هي محفظة الاستثمارات الاستراتيجية، التي تُقاس بالنمو والتوسّع لا بالأثر التنموي.

النموذج الكلاسيكي هنا أكوا باور: بدأت شركةً سعودية متخصصة في الطاقة، ودخل الصندوق شريكًا فيها، واليوم تطوّر 70% من مستهدفات الطاقة المتجددة في السعودية وتعمل في عشرات الدول من المغرب إلى فيتنام. وتكرّر النموذج مع البحري التي تحوّلت من شركة شحن محلية إلى أسطول عالمي يتجاوز 100 ناقلة. الباب هنا ضيّق بطبيعته، لا يدخله إلا من راكم سنوات وأثبت حصة سوقية مهيمنة وقدرة تشغيلية تفوق المنافسة المحلية، لكنه يفتح على شراكة مع لاعب يمتلك 3.4 تريليون ريال وشبكة علاقات عالمية تأخذ شركتك من السعودية إلى العالم.

الاتجاه الرابع: العقود وسلاسل الإمداد (للمقاول والمورّد بمختلف الأحجام)

هذا أوسع الاتجاهات بابًا. أنفق الصندوق وشركاته قرابة 590 مليار ريال على المحتوى المحلي بين 2021 و2024، وهذه المبالغ تتوزّع على آلاف العقود في البناء والتشغيل والتقنية والتموين والصيانة. النموذج هرمي: في القمّة مقاول رئيس يأخذ عقدًا كاملًا، تحته شركات متوسطة تتعاقد على أنظمة التبريد والكهرباء والاتصالات، تحتها موردون صغار يبيعون الكابلات والمواد العازلة. كل طبقة سوقها الخاص، وكل عقد يفتح عقودًا أصغر منه. ويكفي مثالًا واحدًا لإدراك الحجم: عقد المعمّر لتجهيز البنية التحتية لمراكز بيانات (Humain) بلغ وحده نحو 1.88 مليار ريال، أي ما يتجاوز 155% من إجمالي إيرادات الشركة في عام 2024.

وهذا الاتجاه متاح بأبسط صورة: يستطيع أي مورّد التسجيل في بوابة الصندوق المخصصة لتأمين سلاسل الإمداد وتطوير قدرات القطاع الخاص، واختيار القطاع الذي يناسب نشاطه.

وماذا عن الموظف والطالب؟

الاتجاهات الأربعة موجهة لمن يملك شركة أو رأس مال، لكن الاستراتيجية تعني شيئًا لمن يملك مهاراته فقط أيضًا. الخريطة نفسها تصلح دليلًا للمسار المهني: القطاعات التي تتركز فيها الشركات الأساسية والتوجّهات الموضوعية، كالذكاء الاصطناعي وتشغيل الوجهات السياحية والطاقة المتجددة، هي التي سيتركز فيها الطلب على الوظائف والمهارات في السنوات القادمة. والعكس صحيح: من يعمل في شركة ثانوية أسّسها الصندوق لتحريك السوق، يحسن به أن يدرك أن مستقبلها مرتبط بقدرتها على المنافسة التجارية لا باستمرار الدعم السيادي. أما الطالب الذي يختار تخصصه اليوم، فالتوجّهات الستة أعلاه إشارة مبكرة إلى أين ستتجه سوق العمل حين يتخرج.

الخاتمة

تبقى الإشارة إلى أن الاستراتيجية، مهما بدت محكمة على الورق، يتوقف تنفيذها على عدة عوامل أخرى مثل  قبول القطاع الخاص أن يكون شريكًا يتحمّل جزءًا من المخاطرة، وقدرة الجهات التنظيمية على إصدار الأنظمة والتراخيص بسرعة تواكب المشاريع، واستقرار أسعار النفط وتكلفة رأس المال.

ولهذا فالحصافة ليست في حفظ الاستراتيجية كما أُعلنت، وإنما في التنبّه المستمر لما يفعله الصندوق لا ما يقوله: أين يضخ، وأين يتخارج، وأي الرهانات تكبر وأيها يخفت. فالوثائق تُكتب كل خمس سنوات، أما الفرص فتتبدل على مدارها.

وحتمًا ستبقى عدّة أسئلة مفتوحة، مثل:

  • هل سيدمج الصندوق بعض شركاته، لا سيّما التي تشترك في المنظومة نفسها؟

  • هل سيتخارج الصندوق من بعض الاستثمارات والقطاعات، عطفًا على أدائها؟

  • هل ستزيد أولوية «الأداء المالي» على «التنمية الوطنية» في المرحلة القادمة؟

  • هل ستكون مراقبة التكاليف وضبطها السمة الأبرز خلال المرحلة القادمة؟

  • هل سيتوقف إنشاء الشركات في المرحلة القادمة؟

نشرة الجبرين الاقتصادية
نشرة الجبرين الاقتصادية
شهرية، كل اثنين منثمانيةثمانية

نشرة شهرية من أحمد الجبرين، تشرح لك ما وراء الأخبار الاقتصادية. تبسِّط الأرقام، وتسلِّط الضوء على الفرص. كيف بدأت؟ وماذا تحقق؟ وإلى أي مدى سيمتد أثرها؟ بلغة واضحة، ومن زاوية تمسّ حياتك اليومية.

+40 متابع في آخر 7 أيام