بدلًا من إغلاق كليات العلوم الإنسانية
يرتفع الغموض حول التخصص، فيبتعد عنه الطلاب المتفوقون، فتضعف صورته لدى أصحاب العمل، فتتراجع فرص خرِّيجيه، فيبتعد المتفوقون أكثر، ثم يُستشهد بتراجع الفرص لتقليص التخصص أو إلغائه!
خلال الفترة الأخيرة، انشغل الرأي العام بقرارٍ لافت لجامعة الملك سعود، اتجهت فيه الجامعة إلى إلغاء عدّة تخصصات مثل اللغة العربية والتاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع وجميع تخصصات كلية علوم الأغذية والزراعة.
وحجم الاهتمام بهذا القرار كان متوقعًا؛ نظرًا لارتباطاته الوثيقة بعدّة شؤون ومجالات في الوقت نفسه، مثل الاقتصاد والمجتمع والسياسة.
في مقالة هذا العدد، يقدّم الدكتور صالح العمري منظورًا بديلًا ومختلفًا لهذا الاتجاه.
قراءة ماتعة!
عمر العمران


بدلًا من إغلاق كليات العلوم الإنسانية
د. صالح العُمري
حين حان وقت اختيار تخصصي الجامعي، وجدت نفسي أمام مشكلة قد يحلم بها كثيرون: كانت جميع أبواب التخصصات مفتوحة أمامي. لم أتحيَّر لأن الخيارات ضاقت بي، بل لأنها اتسعت. فالخيارات المحدودة قد تحسم القرار ولو على نحو مؤلم، أما كثرتها فتضع الطالب أمام سؤال يتجاوز اسم التخصص: أي باب أدخل؟ وأي حياة تبدأ خلفه؟
كان الباب الذي دخلته أولًا هو الهندسة، فقد بدت لي آنذاك الخيار الأوضح؛ فهي تخصص صعب يحظى بمكانة اجتماعية معروفة، ومسار مهني يسهل على الناس تصوره. ثم قررت الانتقال إلى الاقتصاد، ولم يكن ذلك مجرد تغيير في الخطة الدراسية، بل إعادة نظر في الطريق الذي أريده وفي الطريقة التي أفهم بها العالم ونفسي. ورغم الطبيعة الكمية والتحليلية للاقتصاد، بدا لي طريقه أقل وضوحًا: ماذا سأفعل به؟ وأين سأقف بين زملائي؟ وهل يكفي أن أحبَّه لأترك مسارًا يبدو أكثر أمانًا؟
هنا تظهر فجوة في النصائح التي نقدمها للطلاب. نقول للطالب غالبًا: اختر ما تحب، أو اختر ما تتفوق فيه. والنصيحتان مهمتان، لكنهما لا تكفيان. فالشغف قد يدفعك إلى الباب، لكنه لا يضمن قدرتك على دفع كلفة الدخول. والتفوق في مادة ما مؤشر مفيد، لكنه لا يضمن النجاح في مهنة كاملة، ولا يجيب عن سؤال الفرص المتاحة بعدها.
ثلاثة أسئلة لا سؤال واحد
الأدق أن يختبر الطالب قراره عبر ثلاثة محاور رئيسة: الرغبة، والتفوق النسبي، والقدرة على تحمُّل المخاطر.
أما الرغبة فتعني ميلًا حقيقيًّا إلى طبيعة المجال، لا إعجابًا عابرًا بصورة المهنة أو مكانتها الاجتماعية المتوقعة. والتفوق النسبي لا يعني مجرد القدرة على اجتياز التخصص، بل وجود مؤشرات معقولة على إمكانية المنافسة والتميز فيه: هل أمتلك الأدوات التي يتطلبها؟ وهل يُظهر أدائي السابق أنني أستطيع التطور فيه؟ أما تحمُّل المخاطر، فهو السؤال الذي يغيب غالبًا: ما مقدار الغموض المالي والمهني الذي أستطيع قبوله إذا اخترت هذا المسار؟
ومن المهم هنا التفريق بين الرغبة في المخاطرة والقدرة على تحمُّلها. فالرغبة تعني ميل الطالب إلى خوض مسار أقل وضوحًا، أما القدرة فتعني استعداده لتحمُّل ما قد يترتب على هذا الاختيار إذا لم تأتِ النتائج كما يأمل. وعند اختيار التخصص، لا تقتصر هذه النتائج على الدخل وفرص العمل، بل تشمل أيضًا العائد الاجتماعي أو الرمزي، أي المكانة والصورة المرتبطة بالشهادة في نظر المجتمع. كما أن المخاطرة لا تعني احتمال الفشل التام فقط، بل تعني أيضًا مدى التفاوت بين أفضل النتائج ومتوسطها.
ولسنوات طويلة، كان يُنظر في المجتمع السعودي إلى الطب والهندسة بوصفهما مسارين يمنحان صاحب الأداء المتوسط دخلًا أعلى بكثير، ومسارًا مهنيًّا أوضح، ومكانة اجتماعية أكثر رسوخًا مما تمنحه كثير من التخصصات الإدارية والعلوم الاجتماعية لصاحب الأداء المتوسط. وفي المقابل، حقق بعض المتميزين في هذه التخصصات عوائد مادية واجتماعية مرتفعة للغاية، لكن نتائج خريجيها ظلت أكثر تفاوتًا، وكان متوسط العائد فيها أقل. ولذلك، فإن الطالب الذي يختارها لا يراهن على التخصص وحده، بل يراهن أيضًا على قدرته على التميز فيه. فإذا بقي ضمن المتوسط، فقد يحصل على عائد مادي واجتماعي أقل مما كان سيحصل عليه في مسار أكثر أمانًا. وهنا تحديدًا يظهر معنى القدرة على تحمُّل المخاطر.
.png)
ومع ذلك، لا توجد تخصصات آمنة بذاتها لكل طالب. فقد تكون الهندسة أكثر مخاطرة على من لا يملك أدواتها أو لا يحتمل طبيعة عملها، وقد تكون العلوم الاجتماعية أقل مخاطرة على طالب يملك فيها قدرة استثنائية ومشروعًا مهنيًّا واضحًا. كما أنَّ وضوح مسارٍ ما اليوم لا يضمن بقاءه كذلك بعد أربع أو خمس سنوات. لذلك لا ينبغي استخدام متوسطات السوق لإلغاء الفروقات الفردية، كما لا ينبغي استخدام قصة نجاح استثنائية لتجاهل متوسطات السوق. القرار الجيد يجمع بين الاثنين: موقع التخصص في السوق، وموقع الطالب داخل التخصص.
حين يتحول الحذر الفردي إلى كلفة جماعية
لا تكمن المشكلة في أن الطالب يفضِّل المسار الآمن؛ فهذا قرار عقلاني في كثير من الحالات. المشكلة أن هذا القرار يُتخذ في سن مبكرة، قبل أن تتضح قدرات الطالب واتجاهات سوق العمل، وبناءً على معلومات ناقصة عن فرص كل تخصص وعوائده. كما يُتخذ غالبًا دون خيارات مرنة تحمي الطالب جزئيًّا من مخاطر الاختيار أو من تغير السوق.
وفوق ذلك، لا يقيس الراتب وحده قيمة التخصص، فقد تكون بعض المعارف شديدة الأهمية للمجتمع، مع أن عائدها المالي على الفرد أقل. لذلك يتجه كثير من الطلاب، بصورة مفهومة، إلى التخصصات الأعلى دخلًا والأوضح مسارًا. لكن ما يبدو قرارًا عقلانيًّا لكل طالب على حدة قد يقود، حين يتكرر عبر سنوات، إلى توزيع غير متوازن للمواهب بين التخصصات؛ وهي نتيجة جماعية لم يقصدها أحد.
فعندما يعزف عدد كبير من الطلاب ذوي الأداء المرتفع عن التخصصات الأشد غموضًا من الناحية المهنية، لا تخسر هذه التخصصات أعدادًا من الطلاب فقط، بل قد تخسر جزءًا من التنوع والجودة والمنافسة داخلها. ومع الوقت، قد يُضعف ذلك دلالة مؤهلاتها على امتلاك المهارات العامة في نظر جهات التوظيف، فتتجه بعض الجهات إلى استقطاب خريجي البرامج التي تعدُّها أكثر صرامة أو انتقائية لشغل أدوار عامة وهجينة، كالتحليل والاستشارات والإدارة، ثم تدربهم في أثناء العمل. وهنا ينبغي الفصل بين أثر التخصص وأثر الانتقاء، فتفوُّق خريجي مسار ما قد يعكس جزئيًّا تركيب الملتحقين به أصلًا، لا أثر محتواه التعليمي وحده.
وليس في انتقال خريج من مجال إلى آخر مشكلة في ذاته، فطبيعة العمل الحالي تحتاج إلى تداخل المعارف. المشكلة تظهر حين يصبح هذا الانتقال بديلًا منهجيًّا عن بناء خريجين أقوياء في التخصصات الأصلية، وحين تُفسَّر النتيجة لاحقًا على أنها دليل على أن تلك التخصصات غير مرتبطة بسوق العمل. عندئذ تتكون حلقة تغذي نفسها: يرتفع الغموض حول التخصص، فيبتعد عنه مزيد من الطلاب المتفوقين، فتضعف مخرجاته أو صورته لدى أصحاب العمل، فتتراجع فرص خرِّيجيه، ثم يُستشهد بتراجع الفرص لتقليص التخصص أو إلغائه.
.png)
وتزداد الحلقة سوءًا عندما تنتشر أخبار عن إلغاء برامج جامعية بناءً على تقدير آنيّ لاحتياجات سوق العمل. فمجرد احتمال الإلغاء يرفع مخاطر الالتحاق بالبرنامج، وقد يدفع الطلاب إلى الابتعاد عنه قبل أن يُتخذ أي قرار فعلي. ولا يقتصر الأثر على العلوم الاجتماعية والإنسانية، فقد يمتد إلى بعض العلوم التجريبية وغيرها من التخصصات التي لا يقود مسارها إلى وظيفة مباشرة وواضحة.
هذا لا يعني الإبقاء على كل برنامج جامعي مهما تدنت جودته أو انقطعت صلته بالمجتمع؛ فالبرامج تحتاج إلى مراجعة، والتخصصات مطالبة بتطوير مناهجها وبناء صلات أوضح مع مجالات العمل. لكن قياس قيمة الجامعة بعدد الوظائف المباشرة التي يقود إليها كل تخصص وحده اختزالٌ لوظيفتها. فالجامعات الرائدة لا تزوِّد سوق العمل بخريجين فقط بل تُنتج معرفة، وتحفظ تراكمًا علميًّا وثقافيًّا، وتساعد المجتمع على فهم الإنسان والمؤسسات والسلوك واللغة والتاريخ، وتبني قدرته على التفكير في مشكلاته على المدى الطويل.
التنويع بوصفه تأمينًا
كيف نكسر هذه الحلقة؟ ليس بإقناع كل طالب بأن يخاطر، ولا بدفعه إلى اختيار المسار الآمن على حساب ما يجيده، ولا بإلغاء هذه التخصصات، بل بتقليل حدة الرهان نفسه.
وكما يقلِّل المستثمر مخاطره حين لا يضع موارده كلها في أصل واحد، يمكن للجامعة أن تخفف حدة الرهان الذي يواجهه الطالب بإتاحة الجمع بين مسارين متكاملين: تخصص علمي أو تقني يمنحه أدوات كمية ومسارًا مهنيًّا أوضح، وتخصص اجتماعي أو إنساني ينسجم مع ميوله ويوسِّع فهمه للإنسان والمؤسسات. فيستطيع، مثلًا، أن يجمع بين الهندسة والاقتصاد، أو الطب والسياسات العامة، أو علوم الحاسب وعلم الاجتماع، أو الإحصاء وعلم النفس، أو الذكاء الاصطناعي واللغة. عندها لا يعود مضطرًا إلى الاختيار الحاد بين الرغبة والأمان، بل يبني مزيجًا يحافظ على عمق معرفته في المجال الذي يحبه، ويمنحه في الوقت نفسه أدوات تزيد قدرته على المنافسة في سوق العمل.
ولا يعني ذلك أن يدرس الجميع تخصصين كاملين، فضلًا عن ثلاثة، فالوقت والقدرة على التركيز موردان محدودان، وبعض المهن تتطلب عمقًا وتدريبًا لا يحتملان التشتيت. الأنسب هو بناء درجات مختلفة من المرونة، كأن يُسمح بتخصص رئيس مع تخصص فرعي ذي قيمة واضحة، أو بمسارات مشتركة بين كلِّيتين، أو أن يُتاح التخصص المزدوج لمن تسمح قدرته الأكاديمية بذلك، مع تسهيل التحويل والاعتراف بالمقررات المشتركة. ويكتمل ذلك بتدريب عملي، ومعلومات شفافة عن نتائج الخريجين، ومسارات تجسير تمكِّن الطالب من إضافة مهارات جديدة بعد التخرج.
.png)
في السعودية، نحتاج إلى مختصين مبدعين في العلوم الاجتماعية والإنسانية والإدارية والاقتصاد والفنون، كما نحتاج إلى الأطباء والمهندسين والمبرمجين. فالتنمية لا تقوم على المهارات التقنية وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى من يفهم الإنسان والسلوك والمؤسسات والثقافة والحوافز والذوق العام والسياسات العامة. وإذا أردنا اجتذاب العقول المتفوقة إلى هذه المجالات، فلا يكفي أن نذكِّرهم بأهميتها أو نطلب منهم اتباع شغفهم، بل ينبغي أن نقلل المخاطر التي يتحملونها حين يختارونها.
لهذا، فإن التوسع الجاد في التخصصات البَينية، وإتاحة التخصص المزدوج، وبناء مسارات مرنة بين الكليات، لا تمثل ترفًا أكاديميًّا، بل أدوات تأمين جزئي ضد خطأ الاختيار وتقلب سوق العمل. ولا يكفي أن نضيف مقررًا اختياريًّا من هنا أو هناك؛ المطلوب هندسة مؤسسية تجعل الجمع المنطقي بين التخصصات خيارًا طبيعيًّا، لا استثناءً إداريًّا معقدًا.
السؤال الثالث
لو عاد بي الزمن إلى لحظة الاختيار الأولى، لما سألت نفسي ماذا أحب ولا أين أتفوق فقط، بل كنت سأضيف سؤالًا ثالثًا: ما حجم المخاطرة التي أستطيع تحملها إذا اخترت هذا الطريق؟
كان التحول من الهندسة إلى الاقتصاد قرارًا عالي المخاطرة لي، لكنه كان مناسبًا لشهيتي الشخصية للمخاطرة ولقدرتي على تحملها. قبلت الغموض الذي جاء معه، ومضيت في الاقتصاد حتى حصلت فيه على الدكتوراه. لكن نجاح تجربتي لا يحولها إلى وصفة عامة؛ فالدرس ليس أن يخاطر كل طالب بالطريقة نفسها، بل أن يعرف نوع المخاطرة التي يدخلها، ومقدار ما يستطيع تحمله، والأدوات التي تخففها إذا لم تجرِ الأمور كما يتمنى.
هذا السؤال لا يقتل الأحلام، بل يجعلها أكثر قابلية للحياة.
فقرة حصريّة
اشترك الآن

.png)
هل الجامعة والشهادة الجامعية اليوم مهمة فعلًا للحصول على وظيفة؟ وما جدوى الدعم الحكومي للجامعات؟ ولماذا من الصعب أن تتناسب حاجة السوق مع مخرجات الجامعة؟
تجيب حلقة بودكاست جادي «قيمة الشهادات الجامعية» عن جميع هذه التساؤلات، وتنظر في السياق التاريخي الذي نشأت وتطوَّرت فيه الجامعات.
*تعبّر المقالات عن آراء كتابها، ولا تمثل بالضرورة رأي ثمانية.

مساحة رأي أسبوعية تواكب قضايا اليوم بمقالات ولقاءات تحليلية في مختلف المجالات، لتمنحك فرصة استكشاف الأحداث وتكوين رأي تجاهها.