«The Odyssey»... الخطوة الأجرأ في مسيرة نولان


من ترغب في أن يكون ضيف بودكاست النشرة السينمائية القادم؟

نايف العصيمي


تصميم: أحمد عيد
تصميم: أحمد عيد

«The Odyssey»... الخطوة الأجرأ في مسيرة نولان

محمود مهدي

مع كل فِلم جديد لكريستوفر نولان، نجد أنفسنا أقل اهتمامًا بجودة الفِلم، وأكثر انشغالًا بما وصلت إليه مسيرة نولان نفسه بعد هذا الفِلم. ربما تبدو هذه طريقة غير عادلة في التعامل مع أي فِلم، لكنها مع نولان أصبحت شبه حتمية. على مدار أكثر من عقدين، لم يكتفِ الرجل بصناعة مجموعة من الأفلام الناجحة، بل بنى مدرسةً سينمائية واضحة الملامح، لها فلسفتها الخاصة في السرد، وشخصيتها البصرية، وقواعدها التي لا يكاد يحيد عنها. لذلك يصبح كل عملٍ جديد بمثابة محطة جديدة في رحلة مخرج نعرف قراراته جيدًا، ونعرف أن كل ما نراه على الشاشة، من أكبر الأفكار إلى أصغر التفاصيل التقنية، هو انعكاس مباشر لاختياراته.

من هنا، جاءت أهمية «The Odyssey» لدي. ولذلك، قبل أن أبدأ في تقييم الفِلم نفسه، كان السؤال الذي يشغلني: هل لا يزال كريستوفر نولان يتحرك داخل حدوده التي اعتدناها، أم أن «The Odyssey» يمثل بالفعل بداية مرحلة جديدة في مسيرته؟

يقدم الفِلم معالجةً لإحدى أشهر الملاحم في التاريخ، ويتتبع رحلة «أوديسيوس»، ملك إيثاكا، بعد انتصار الإغريق في حرب طروادة، ومحاولته العودة إلى وطنه بعد أن جلب على نفسه وعلى رجاله غضب الآلهة. وبينما تتحول رحلة العودة إلى مغامرة تمتد لسنوات طويلة، تتزايد الضغوط داخل مملكته، حيث يحتشد الخُطّاب في قصره طمعًا في العرش وفي الزواج من «بينيلوبي»، مستندين إلى قانون «زيوس»، الذي يفرض إكرام الضيف واستقباله مهما كانت قيمته. وفي المقابل، تتمسك «بينيلوبي» وابنه «تيليماكوس» بالأمل في عودة «أوديسيوس»، رغم أن السنوات الطويلة جعلت هذا الأمل يواجه اختبارًا يزداد قسوة يومًا بعد يوم. وتبدأ أحداث الفِلم في عامه الأخير من الغياب، عندما تصل الأوضاع إلى نقطة لم يعُد من الممكن بعدها استمرار الانتظار.

يمثل «The Odyssey» خطوةً جديدة إلى الأمام في مسيرة نولان. للمرة الأولى منذ سنوات، شعرت أن نولان لا يكتفي بتطبيق أدواته المعتادة على عالمٍ جديد، بل يحاول بالفعل أن يغادر جزءًا من منطقة الراحة التي بنى فيها معظم أفلامه. وإذا كنت قد شعرت مع «Oppenheimer» أن نولان بدأ بفتح نوافذ إبداعه على الخارج، فإن «The Odyssey» هو الفِلم الذي خرج فيه أخيرًا ليستكشف عالمًا لا يشبهه دون أن يتخلى عن هويته في التعامل معه. صحيح أنه لا يتخلى عن المبادئ التي صنعت هويته، لكن المسافة التي يبتعد بها هذه المرة أكبر، وهذا في حدِّ ذاته كان أكثر ما طمأنني على حاضر كريستوفر نولان ومستقبله. 

والمقصود بمنطقة الراحة ليس أن كريستوفر نولان مخرج محدود الخيال أو قليل التنوع، بل على العكس تمامًا. فمن يتأمل أفلامه سيجد أنه انتقل بين الخيال العلمي، وأفلام الحرب، وأفلام الأبطال الخارقين، وأفلام السيرة الذاتية، وحتى أفلام الجريمة والتشويق. لكنه، مهما اختلف العالم الذي يختاره، ينجح دائمًا في إعادة تشكيله وفق لغته السينمائية الخاصة؛ النظريات العلمية، والزمن، والبنية السردية المعقدة، والالتزام الشديد بالأساليب الكلاسيكية في صناعة الأفلام، والتمرد المستمر على الحلول الرقمية السهلة.

لكن القيمة الحقيقية لهذا التحول لا تكمن في كونه خروجًا عن المألوف فحسب، بل في النتيجة التي حققها. فمنذ اللحظات الأولى، يتعامل «The Odyssey» مع مادته الأصلية بثقةٍ لافتة، دون أن يشعر بالحاجة إلى إثبات ذكائها أو إعادة اختراعها. إنه فِلم يدرك أن قوة «ملحمة هوميروس» ليست في تعقيد أحداثها، بل في الرحلة نفسها، وفي الشخصيات التي تعيشها. لذلك يمنح كل محطة من محطات رحلة «أوديسيوس» وزنها الدرامي، ويترك للأسطورة مساحتها لكي تتنفس، بدلًا من أن يحولها إلى مجرد وسيلة لاستعراض أفكاره أو حيله السردية. 

السرد في خدمة الملحمة

تبدأ حكاية الفِلم من السنوات الأخيرة، وربما السنة الأخيرة، من رحلة تيه «أوديسيوس». نلتقي بالبطل وهو أسير دون أن يدرك في جزيرة أوجيجيا، بينما تقف إيثاكا على حافة الانهيار، وتزداد الضغوط على «بينيلوبي»، ويفقد «تيليماكوس» صبره بعد سنوات طويلة من الانتظار، في الوقت الذي تجاوز فيه الخُطّاب حدود الضيافة إلى الوقاحة الصريحة. لكن هذه ليست الحكاية التي يريد الفِلم أن يرويها، بل هي النقطة التي ينطلق منها. فكل ما سبق ليس سوى نتيجة، أما الرحلة الحقيقية فهي أن نفهم كيف وصلت جميع هذه الشخصيات إلى هذه الحالة. ومن خلال سلسلة من مشاهد الماضي، القريب منها والبعيد، يعيد نولان ترتيب الأحداث تدريجيًّا داخل إدراكنا وإدراك بطلنا، حتى تكتمل الصورة أمامنا، وندرك في النهاية أمرين: أن عودة «أوديسيوس» أصبحت حتمية، وأن كل ما مرَّ به خلال رحلته لم يكُن سوى العواقب الطبيعية للخطايا التي ارتكبها في الطريق.

ورغم أن هذا الأسلوب السردي لا يزال يحمل بصمة نولان الواضحة، فإنه يأتي هذه المرة بدرجةٍ من البساطة والوضوح لم أعتدها في أعماله. وربما لهذا السبب وجدت نفسي أقارن الفِلم بـ«Interstellar» أكثر من أي عمل آخر له. فكلا الفِلمين يدور، في جوهره، حول رجل يخوض رحلةً أشبه بالجحيم أملًا في العودة إلى وطنه وعائلته، وكلاهما يعتمد على اكتشاف عوالم جديدة ومحطات متتالية تكشف المزيد من تفاصيل الرحلة. لكن الفرق أن الكثيرين كانوا يخرجون من المشاهدة الأولى في «Interstellar» وهم يشعرون بأن بعض أجزائه لا تزال بحاجة إلى تفسير، وهذا طبيعي، أما مع «The Odyssey» فلم ينتَبني هذا الشعور مطلقًا. خرجت وأنا أشعر أن الصورة مكتملة تمامًا، وأن كل ما أراد الفِلم قوله قد وصل بوضوح، ومع ذلك لم يقلل هذا الوضوح من رغبتي في مشاهدته مرة أخرى، بل على العكس. فهذه المرة ستكون إعادة المشاهدة بدافع الاستمتاع بالرحلة نفسها، لا بدافع البحث عن إجابات فاتتني في المرة الأولى.

تجربة سينمائية قبل أي شيء

عشت مع «The Odyssey» واحدة من أكثر المغامرات السينمائية إمتاعًا منذ فترة طويلة. صحيح أن عنصر المفاجأة كان محدودًا بطبيعة المادة الأصلية، فمعظمنا يعرف محطات رحلة «أوديسيوس»، ويعرف تقريبًا ما الذي سيحدث في كل فصل، ومن سينجو، ومن سيدفع الثمن. لذلك لم يكُن الترقُّب نابعًا من السؤال التقليدي: «ماذا سيحدث بعد ذلك؟»، بل من سؤال مختلف تمامًا: كيف سيقدِّم كريستوفر نولان هذه اللحظات؟ كيف سيجسِّد مواجهة «السايكلوب»؟ وكيف سيتعامل مع حوريات البحر و«سيرسي»، ورحلة العالم السفلي؟ خصوصًا ونحن نعلم رغبته في تنفيذ أكبر قدر ممكن من هذه المشاهد عمليًّا، بعيدًا عن الاعتماد على المؤثرات البصرية الرقمية. وهنا تحديدًا، بدأ يراودني سؤال ظلَّ حاضرًا طوال الفِلم.

بلغت ميزانية الفِلم نحو 250 مليون دولار، وهو أول عمل في التاريخ يُصوَّر بالكامل باستخدام كاميرات (IMAX). لكن السؤال الحقيقي عندي لم يكُن متعلقًا بهذه الأرقام في حدِّ ذاتها، بل عمّا إذا كانت ستنعكس فعلًا على تجربة المشاهدة. هل سيشعر بها كل من يجلس أمام الشاشة في عناصر الإبهار البصري، أم أنها مجرد إنجازات تقنية لن يقدّرها إلا من يعرف كواليس صناعة الفِلم؟

وبعد المشاهدة الأولى، لا أستطيع أن أزعم أنني خرجت بإجابة قاطعة عن هذا السؤال. لكن ما يمكنني تأكيده أنّ التجربة البصرية كانت خلّابة؛ اتساع الكادرات، وعمق الصورة، والطريقة التي صُورت بها الأساطير المختلفة، كلها منحت الفِلم إحساسًا بالرهبة والجمال في آن واحد. وإذا كان لديّ تحفّظ بصري وحيد، فسيكون تصميم الوحش «كاربديس» وتصويره، إذ شعرت أن هذا الفصل تحديدًا طُرح في شكلٍ أكثر تسرعًا من غيره. أما بقية الكائنات والظواهر والعوالم التي يمرّ بها «أوديسيوس»، فقد خرجَت إلى الشاشة بصورة مبهرة، مع تنوع واضح في الإحساس الذي تقدمه كل محطة من الرحلة. فهناك لحظات تبعث على الرهبة، كما في الظهور الأول للـ«السايكلوب»، وأخرى تقترب من الرعب داخل كهفه أو في منزل «سيرسي»، إلى جانب مشاهد أكشن ومطاردات نُفذت بإيقاع وحيوية حافظا على متعة المغامرة حتى نهايتها. 

لكن ما جعل هذه المشاهد تتجاوز كونها مجرد استعراضٍ بصري هو ارتباطها المباشر بالبناء السردي للفِلم. فهي تؤدي دورًا أساسيًّا في إعادة تشكيل صورتنا عن «أوديسيوس» نفسه. فالفِلم يتعمد أن يقدم بطله في البداية بصفته ضحيةً أنهكته السنوات، قبل أن تكشف لنا كل محطة من محطات الماضي جانبًا جديدًا من الحقيقة. ومع تقدم الرحلة، ندرك تدريجيًّا أن ما يعيشه «أوديسيوس»، وما تتعرض له إيثاكا في غيابه، ليسا سوى الثمن الذي يدفعه هو ورجاله نتيجة الانتهاكات والأخطاء التي ارتكبوها في طريقهم. وعند هذه النقطة، تكتمل المعادلة؛ فكل فصل من فصول المغامرة لا يضيف مجرد محطة جديدة إلى الرحلة، بل يضيف أيضًا طبقة جديدة إلى فهمنا للبطل نفسه.

حين يبالغ الفِلم في شرح نفسه 

أما على مستوى التمثيل، فيقود مات ديمون الفِلم بثقة وحضور يليقان بشخصية «أوديسيوس»، ويقدم أداءً قويًّا ظلّ العمود الفقري للتجربة من بدايتها حتى نهايتها. ومع ذلك، لم أشعر أنه وصل إلى تلك اللحظات الاستثنائية التي صنعت مكانة ماثيو ماكونهي في «Interstellar» أو «كيليان مورفي» في «Oppenheimer». إلى جانبه، يضيف توم هولاند أبعادًا مهمة لشخصية «تيليماكوس»، خصوصًا في تطور علاقته بوالدته ورحلته نحو تحمل المسؤولية، بينما كانت سامانثا مورتون من أبرز مفاجآت الفِلم بحضورها الطاغي في فصل «سيرسي». أما روبرت باتينسون، فيقدم أداءً جيدًا في المجمل، لكن الفصل الأخير لم يكُن منصفًا للشخصية، وهو ما انعكس بدوره على حضوره في نهاية الفِلم. 

لكن الفصل الأخير كان الجزء الذي حمل معظم تحفظاتي على الفِلم. وأبرزها، إصراره على توصيل رسالته أكثر من مرة وبأكثر من وسيلة، وكأنه لا يثق في قدرة المشاهد على الوصول إليها بنفسه. والمفارقة أنني وجدت الفكرة التي يطرحها الفِلم ملفتة، بل وأعدها زاويةً جديدة تستحق التقدير في قراءة ملحمة الأوديسة، لكن كان يكفي أن يتركها تتشكّل أمامنا من خلال الأحداث، بدلًا من التأكيد المباشر عليها مرارًا. وعلى المستوى البصري، وبعدما أعجبت كثيرًا بأكشن فصول المغامرة، جاء أكشن الفصل الأخير أقل إقناعًا، وأعاد إلى ذهني بعض المشكلات التي ظهرت في «The Dark Knight Rises»، خصوصًا في طريقة التعامل مع المواجهات الجماعية، حيث بدا تفوُّق البطل على الأعداد الكبيرة من الخصوم أقل إقناعًا مما كان ينبغي. كما أن وجود شخصية روبرت باتينسون في هذه المرحلة اقتصر، في كثيرٍ من الأحيان، على شرح ما كان المشاهد يراه بالفعل، وهو ما أضعف تأثير الشخصية في أكثر لحظات الفِلم أهمية. 

ولا يمكن أن نتمم حديثنا عن فِلم نولان الجديد دون الحديث عن التجربة السمعية والإشارة إلى الموسيقى التصويرية، التي جاءت على مستوى عالٍ جدًا، حتى وإن حافظت على ذلك الحضور الصاخب الذي أصبح سمة معتادة في أفلام نولان. وربما كان لهذا الاختيار ما يبرره هنا، لأن الموسيقى لعبت دورًا أساسيًّا في ترسيخ الإحساس بالرعب والرهبة في كثير من محطات الرحلة.

حكم أول... وليس أخيرًا

في النهاية، جاء «The Odyssey» قريبًا للغاية مما كنت أتوقعه، بل وحقق ما كنت أتمناه من كريستوفر نولان. فهو يقدم قدرًا واضحًا من التمرّد والرغبة في التجديد، دون أن يتخلى عن المبادئ التي قامت عليها تجربته السينمائية طوال السنوات الماضية. والأهم من ذلك، أنه ينجح في تقديم الأساطير الإغريقية داخل عالم يبدو ملموسًا وقابلًا للتصديق، رغم كل ما يحمله من كائنات أسطورية، وظواهر خارقة، وآلهة تتدخل في مصائر البشر. إنه لا يلغي الخيال، لكنه يمنحه قواعد تحكمه، تمامًا كما فعل نولان مع عالم باتمان في ثلاثية «The Dark Knight». 

لا أعتقد أنني أستطيع، بعد مشاهدة واحدة، أن أحدد بسهولة موقع «The Odyssey» داخل قائمتي المفضلة لأفلام كريستوفر نولان. ما زلت أشعر أن «Oppenheimer» و«Interstellar»، إلى جانب «The Dark Knight»، يحتفظون بمكانة أعلى لدي، لكن الفِلم يتفوق بوضوح على عدد من أعماله الأخرى، حتى وإن كنت أفضل تأجيل هذا الترتيب إلى أن تتاح لي فرصة مشاهدته مرة أخرى.

الأكيد أن الحديث عن «The Odyssey» لن ينتهي مع هذه المراجعة، بل ربما يكون قد بدأ للتو. إنه من تلك الأفلام التي تزداد ثراءً كلما أُعيد التفكير فيها، وتفتح أبوابًا جديدة للنقاش حول اختياراتها السردية ورسائلها وطريقة تعاملها مع واحدة من أشهر الملاحم في التاريخ. ولهذا أشعر أن رحلتنا مع الفِلم ستكون أطول بكثير من زمن عرضه.

تقييمي لفِلم «The Odyssey» هو 8.5/10. وإذا كان هناك أمر أخير أنصح به قبل المشاهدة، فهو أن تعرف أقل قدر ممكن عن الفِلم. فعلى غير عادة كثير من أفلام كريستوفر نولان، لا تحتاج إلى أي استعداد مسبق أو معرفة بتفاصيله حتى تستمتع به، بل أعتقد أن التجربة ستكون أفضل كلما دخلت إليها بعقل خالٍ من التوقعات والمعلومات.


تمنحنا الأفلام المتعة،

لكن الكتب تكشف لنا كيف وُلدت تلك المتعة وما الذي يكمن خلفها.

اكتشف ذلك في «مكتبة سينماء» على منصة «سينماء».


تحكي «الأوديسة»، المنسوبة إلى هوميروس، رحلة «أوديسيوس» الطويلة في العودة إلى وطنه بعد انتهاء حرب طروادة، التي امتدّت عشر سنوات واجه خلالها الجزر المجهولة، والمخلوقات الأسطورية، وغضب الآلهة، في حين كانت زوجته «بينيلوبي» تحاول الحفاظ على مملكته في غيابه.

تُعد «الأوديسة» واحدة من أكثر الحكايات تأثيرًا في تاريخ الأدب. فقد تشكلت منها صورة البطل الذي يطوف العالم قبل أن يعود إلى وطنه، ومنها خرجت شخصيات ورموز وأساطير ظل الأدب والمسرح وحتى السينما يعودون إليها حتى اليوم. ولا يزال هذا العالم الإغريقي حاضرًا في عشرات الأعمال، سواءً باقتباس مباشر منها أو باستلهام أفكارٍ منها.

وإذا أثار فِلم «The Odyssey» فضولك، فمن الممتع أن تتعرف إلى أفلام أخرى خرجت من العالم نفسه، تقدّم قراءات مختلفة للأساطير اليونانية، وتكشف كيف تخيل مخرجون من عصور وثقافات مختلفة الحضارة التي وُلدت فيها.

«Medea»

ومن بين هذه الأعمال، يبرز فِلم توصية اليوم «Medea» الصادر عام 1969، أحد أبدع أفلام بيير باولو بازوليني.

تبدأ حكايته بعد عودة «ياسون» من رحلته الشهيرة للحصول على الصوف الذهبي، حين تقع الأميرة والكاهنة «ميديا» في حبه، فتخون وطنها، وتترك أهلها، وتقطع صلتها بعالمها من أجله. لكن انتقالها إلى المجتمع الإغريقي يكشف أنها خسرت المكان الذي يمنح حياتها معناها. 

ولهذا يختلف «Medea» عن معظم الأفلام التي تناولت اليونان القديمة. فهو يبني عالمه من الطقوس، والمعتقدات، والمناظر الطبيعية، أكثر مما يبنيه من المعارك أو الاستعراضات، ويمتلئ بالصمت، حتى أصبح «المكان» عنصرًا أساسيًّا في السرد. وأرى أن بازوليني قدّم في الفِلم واحدة من أكثر التصوّرات الفريدة للعالم الإغريقي، إذ لم يكُن دقيقًا تاريخيًّا، لكنّه جعل الحضارة الإغريقية تبدو حيّة من جديد، وصوّر الماضي بوصفه عالمًا غريبًا، تحكمه معتقدات مختلفة عن عالمنا، بطريقة مختلفة عن المعتاد من السينما التجارية.

عبدالعزيز خالد

النشرة السينمائية
النشرة السينمائية
أسبوعية، الخميس منثمانيةثمانية

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.

+10 متابع في آخر 7 أيام