لماذا لا تصل الأفلام السعودية إلى جمهورها؟


من ترغب في أن يكون ضيف بودكاست النشرة السينمائية القادم؟

نايف العصيمي


تصميم: أحمد عيد
تصميم: أحمد عيد

لماذا لا تصل الأفلام السعودية إلى جمهورها؟

ضياء السادات

ننتهي من تصوير الفِلم، ونقفل الميزانية، وندفع أجور الممثلين، ونمضي أشهرًا في المونتاج، ثم نجتمع نشاهده للمرة الأولى. نستعرض اللقطات الجميلة، ونتبادل نظرات الرضا، قبل أن يطرح أحدهم السؤال الذي كان من المفترض أن يُطرح قبل إنفاق أول ريال: من سيشاهد هذا الفِلم؟

وهنا تبدأ الإجابات المطمئنة من صُنّاع الفِلم، وشركة الإنتاج، وربما «الأوفيس بوي» إذا طال الاجتماع: الفِلم للجميع. أمي وخالاتي سيعشقنه، والشباب سيجدون أنفسهم فيه، والعائلات ستستمتع به، وبصراحة أعتقد أنه مناسب لمهرجان كان. متى موعد التقديم؟

وبما أننا شملنا الجميع، من الوالدة والخالات إلى لجنة اختيار مهرجان كان، ولم نستبعد إلا الشخص الذي سيدفع قيمة التذكرة، نخرج من الاجتماع ونحن نشعر بأننا حددنا الجمهور المستهدف بنجاح.

لكن حين نقول إن الفِلم للجميع، فنحن غالبًا لا نصف اتساع جمهوره، بل نعترف بأدب أننا لا نعرف لمن صُنع. الفِلم الذي يحاول مخاطبة الجميع ينتهي عادةً بلا صوت واضح، والحملة التي تنادي الجميع في الوقت ذاته تشبه من يرفع صوته في مجلس مزدحم؛ يتكلم كثيرًا، ولا يعرف أحدٌ لمن يوجه الحديث.

السؤال ليس: كيف نجعل كل الناس يشاهدون الفِلم؟ بل السؤال الحقيقي: من هو الشخص الذي صُنع الفِلم من أجله أصلًا؟ وما الذي قد يدفعه إلى ترك بيته أو استراحته أو المباراة، ومواجهة زحمة الطريق، والبحث عن موقف، ثم دفع ثمن تذكرة وفشار ومشروب لمشاهدة هذا الفِلم تحديدًا من بين عشرات الخيارات الأخرى؟

إن لم نعرف الإجابة قبل التصوير، فالأرجح أننا لن نجدها مختبئة في غرفة المونتاج بعد انتهائه.

التسويق يبدأ قبل الفِلم

لا يبدأ التسويق عند الانتهاء من المونتاج، ولا عندما يطلب أحدهم تصميم «بوستر عالمي بروح محلية». يبدأ في اللحظة التي يقرّر فيها الاستوديو صناعة الفِلم، حين يطرح السؤال الذي تُبنى عليه كل القرارات اللاحقة: لمن نصنع هذا الفِلم؟ مَن جمهوره؟ وما معيار نجاحه؟ هل يستهدف شباك التذاكر؟ أم الجوائز والمهرجانات؟ أم المنصات؟ وهل يتناسب حجمه وميزانيته مع هذا الجمهور؟ القائمة السينمائية (Slate) ليست تجميعًا عشوائيًّا لأنواع مختلفة، بل اختيارات يعرف الاستوديو وظيفة كل فِلم فيها.

ويمتد هذا التفكير إلى اختيار الممثلين وموعد الطرح. هل يمثّل النجم بوابةً حقيقية إلى الجمهور المستهدف؟ وهل التزم بعقد يشمل دوره في الحملة؟ ومتى يُطرح الفِلم، وأمام أي منافسة؟

هذه هي عملية إعطاء الضوء الأخضر (Greenlight). ليست مجرد موافقة على سيناريو وميزانية، بل قرار متكامل يحدد الجمهور، وطريقة الوصول إليه، والفرضيات التي سيُبنى عليها المشروع. ولا يشترط أن تكون كل الإجابات صحيحة. السينما ليست معادلة رياضية، لكن هناك فرق بين مخاطرة محسوبة تستند إلى معلومات وخبرة، وبين أن نمضي على البَرَكة ثم نطلب من التسويق تفسير النتيجة. عبارة «الفِلم للجميع» ليست استراتيجية، لأنها لا تقول شيئًا يمكن اختباره. وجود التسويق في هذه المرحلة لا يعني التدخل في كتابة السيناريو، بل اختبار الفرضية التجارية للفِلم: من سيهتم به؟ ولماذا؟ وما الرسالة التي ستقنعه بشراء التذكرة؟

لهذا لا توجد حملة تصلح لكل الأفلام. عندما لا نعرف الجمهور، تتشابه الحملات: ملصق وإعلان وعرض أول والمجموعة نفسها من المؤثرين، ثم ننتظر النتائج. أما عندما نعرفه، يصبح لكل فِلم رسالته ولغته وطريقته الخاصة في الوصول إلى جمهوره. فالناس لا تستيقظ صباحًا وهي تفكر في دعم الصناعة، بل تسأل سؤالًا بسيطًا: لماذا أشاهد هذا الفِلم؟ ولماذا الآن؟ مهمة الحملة أن تقدم إجابة مقنعة، لا أن تطلب من الجمهور أداء واجبه الوطني بشراء تذكرة.

نملك أرقام التذاكر، لكن هل نعرف الجمهور؟

هنا نصل إلى المشكلة الأصعب في السوق السعودية. لدينا أرقام عن الإيرادات والتذاكر والشاشات وترتيب الأفلام أسبوعيًّا. نعرف أن فِلمًا باع أكثر من غيره، وأن الخميس كان أفضل من الأحد، وأن الرياض حقّقت إيرادات أعلى من مدينة أخرى. كلها معلومات مهمة، لكنها تخبرنا بما حدث، لا لماذا حدث.

رقم شباك التذاكر يخبرنا أن شخصًا اشترى تذكرة، لكنه لا يخبرنا إن كان قد جاء من أجل الممثل، أم الإعلان، أم توصية صديق، أم لأن الفِلم كان الخيار الوحيد في الساعة المناسبة. والأهم، أنه لا يخبرنا عن الشخص الذي شاهد الحملة، وفهم الرسالة، ثم قال: «الله يوفقهم»، وأكمل طريقه إلى المطعم.

المشكلة ليست انعدام البيانات تمامًا، بل تَفَرُّقها بين جهاتٍ كثيرة؛ لدى دُور العرض بيانات المبيعات، ولدى الموزعين أرقام الأداء، ولدى المنصات تاريخ المشاهدة، ولدى وكالات الإعلام نتائج الحملات، ولدى شبكات التواصل مؤشرات الاهتمام. كل جهة تمسك طرفًا من الخيط، ثم نجتمع في المؤتمرات لنتساءل: أين الحبل؟

الفارق في الأسواق الأقدم ليس وجود رقمٍ سحري يتنبّأ بالفِلم الناجح. لو وُجد هذا الرقم لما خسرت الاستوديوهات مئات الملايين. الفارق أنها بَنت ذاكرة مؤسسية؛ تخطئ، ثم تسجل لماذا أخطأت، في حين أننا نخطئ أحيانًا، ونحتفل بـ«التجربة الثرية»، ثم ننتقل إلى المشروع التالي.

في كتاب «علم الجمهور» (Audience-ology)، يروي الباحث الأمريكي كيفن قويتز جانبًا من صناعة كاملة تعمل خلف الشاشات لدراسة استجابة المشاهدين. تُعرض نسخ أولية على جماهير مختارة، وتُختَبر الفكرة والعنوان والملصق والإعلان، ويُقاس الوعي والاهتمام وأسباب المشاهدة والرفض. 

لا يعني ذلك أن يجلس الجمهور بجوار المخرج ويختار النهاية بالتصويت. فالفن الذي يحاول تنفيذ كل ملاحظات الجمهور قد ينتهي مثل طبق طلبه عشرة أشخاص: قليل الملح، بلا بهارات، مناسب للجميع، ولا يرغب أحد في طلبه مرة أخرى. 

وظيفة البحث ليست أن يحلَّ محل المخرج، بل أن يكشف له وللاستوديو ما وصل إلى الجمهور فعلًا، لا ما كان الفريق يتمنى أن يصل. قد يقرّر المخرج تجاهل النتيجة، وهذا حقه، لكنه يتّخذ قراره وهو يعرف المخاطرة، لا لأنه محاطٌ بفريق شاهد الفِلم خمسين مرة ولم يعُد قادرًا على تخيل شخص يراه للمرة الأولى.

لا أقلل من الحدس؛ السينما تحتاج إليه. لكن الحدس يصبح أكثر قيمة حين يصدر عن خبرة متراكمة، لا حين يكون الاسم المهذب لغياب المعلومات. هناك من يقول: «أنا أعرف الجمهور السعودي». أي جمهور تحديدًا؟ جمهور الرياض؟ أم جازان؟ من يزور السينما أسبوعيًّا؟ أم من لا يذهب إلا في العيد؟ جمهور الرعب؟ أم الكوميديا؟ من تربى على الأفلام المصرية؟ أم من تشكَّل ذوقه من الأنمي ويوتيوب وتيك توك؟

الجمهور السعودي ليس شخصًا واحدًا يجلس في المجلس بانتظار أن نعرض عليه خطة الإنتاج السنوية.

لماذا عرف صُنّاع المحتوى جمهورهم أولًا؟

ربما يفسر هذا جزءًا من نجاح أفلام خرج صُنّاعها من يوتيوب أو المحتوى الرقمي أو التجارب المستقلة. ليس لأن كل يوتيوبر يعرف تلقائيًّا كيف يصنع فِلمًا، ولا لأن عدد المتابعين يتحوَّل بالسحر إلى العدد نفسه من التذاكر. الطريق من الضغط المجاني على زر المشاهدة إلى دفع ثمن تذكرة وفشار وموقف سيارة طريق طويل.

لكن هؤلاء أمضوا سنوات في مواجهة الجمهور مباشرة. كانوا ينشرون فكرة، فيعرفون خلال ساعات هل وصلت أم لم تصل، وأين توقف الناس عن المشاهدة، وأي جملة اقتبسوها، وأي شخصية طالبوا بعودتها، وأي نكتة لم يفهمها أحد رغم أنها أضحكت فريق العمل كله.

أما الشركة التي تتعرف إلى جمهورها للمرة الأولى بعد اكتمال الفِلم، فقد تكون ميزانيتها أكبر وصورتها أجمل، لكنها تشبه شخصًا يدخل مجلسًا لا يعرف أحدًا فيه، ثم يبدأ بأطول نكتة لديه.

المطلوب ليس أن تبقى السينما حكرًا على صُنّاع المحتوى، بل أن تتحوّل هذه المعرفة الفردية إلى معرفة مؤسسية. الاستوديو الحقيقي لا يعتمد فقط على مخرج يعرف جمهوره؛ يتعلّم منه، ويسجّل ما نجح وما أخفق، ويستخدم هذه المعرفة في المشروع التالي.

الحملة تبدأ في أثناء التصوير

بعد إعطاء الضوء الأخضر وتحديد الجمهور، لا ينتظر التسويق حتى ينتهي الفِلم. إحدى أهم مراحل الحملة تبدأ مع أول يوم تصوير، وهنا يأتي دور مسؤول الدعاية في موقع التصوير، أو الـ«Unit Publicist».

ليس دوره التقاط صور للكواليس أو إرسال بيان عن «أجواء مليئة بالحماس». مهمته أن يعيش داخل الإنتاج بعين تبحث عن القصة: ما الذي يفعله المخرج بطريقة مختلفة؟ كيف استعدّ الممثل للدور؟ وما التفاصيل التي قد تصبح لاحقًا المدخل الذي يكتشف الجمهور من خلاله الفِلم؟

يجمع مسؤول الدعاية الصور والقصص والمقابلات، ويعرف ما الذي يمكن كشفه وما يجب تأجيله. ففي موقع تصوير «أوبنهايمر»، التقطت مسؤولة الدعاية تفاصيل بدت صغيرة: غياب شاشات مراجعة اللقطات للممثلين، وقلة الكراسي في الموقع. سُجلت هذه الملاحظات في ملاحظات الإنتاج، ثم انتقلت إلى فريق التسويق وأصبحت جزءًا من الرواية الإعلامية للفِلم.

لم تُقدَّم الحكاية باعتبارها دليلًا على أن نولان يكره الكراسي، بل باعتبارها انعكاسًا للثقة بين المخرج والممثلين، والانضباط داخل موقع التصوير. وبعدها دخلت هذه الرسائل في إحاطات المواهب والمواد الإعلامية، ليُعاد تقديمها في المقابلات ضمن سياق واحد يخدم صورة الفِلم.

قد تبدأ القصة بكرسي غير موجود في موقع التصوير، وتنتهي بعنوان صحفي عن ثقة كبار ممثلي هوليوود في نولان. وهذه هي المسافة التي يفترض أن يقطعها العمل الدعائي الجيد.

الرسالة نفسها لجمهور مختلف

بعد بناء الرسائل، يبقى السؤال: كيف تصل القصة نفسها إلى جماهير مختلفة؟

قد يبدو كريستوفر نولان أبعد مخرج في العالم عن تيك توك. لا يملك حضورًا شخصيًّا نشِطًا على شبكات التواصل، ويُقدَّم بوصفه الرجل الذي لا يحمل هاتفًا ذكيًّا، ويصنع أفلامًا تقترب من ثلاث ساعات، وكأنه دخل في خصومة شخصية مع متوسط مدة الانتباه.

كان من السهل على «يونيفرسال» أن تقول: هذا نولان، وجمهوره سيأتي وحده. لكن شهرة المخرج لا تعني أن كل جيلٍ جديد يعرف لماذا يجب أن يهتم به، أو أنه سيقرأ مقابلة طويلة عن خامات التصوير وأيماكس 70 ملم.

لذلك ظهر نولان قبل عرض «أوبنهايمر» مع صانع المحتوى ريس فيلدمان، المعروف باسم «Guy With a Movie Camera». لم يطلب منه تنفيذ تحدٍّ أو قراءة تعليقات المتابعين. أخذه إلى العالم الذي يعرفه فعلًا: كشك العرض، وشريط أيماكس 70 ملم، والخام الأبيض والأسود الذي طُوّر للفِلم، وتجربة مشاهدة الصورة بالطريقة التي يريدها.

لم يغيّر المحتوى نولان كي يناسب المنصة؛ استخدم لغة المنصة لتقديم نولان كما هو. وهذا هو الفرق بين فهم المنصة وبين ملاحقتها.

لا تحتاج إلى إجبار المخرج على الرقص، ولا إلى سؤال الممثلين في العرض الأول عن طبقهم السعودي المفضل للمرة المليون. تحتاج إلى نقطة يلتقي عندها صدق الفِلم مع فضول جمهور المنصة.

الممثل ليس منشورًا على سناب

تظهر قيمة معرفة الجمهور بصورة أوضح عندما نرى كيف يمكن توظيف النجم نفسه بطريقة مختلفة من حملة إلى أخرى.

يظهر توم هولاند وزيندايا في اثنين من أكبر الأفلام المنتظرة: «Spider-Man: Brand New Day» لدى «سوني»، و«The Odyssey» لدى «يونيفرسال». المادة الخام متشابهة: نجمان من الأكثر شعبية في جيلهما، وعلاقة يتابعها الجمهور داخل الشاشة وخارجها. لكن ذلك لا يعني أن الفِلمين يجب أن يستخدماهما بالطريقة نفسها.

في «سبايدرمان»، تمثل علاقتهما جزءًا طبيعيًّا من جاذبية السلسلة. هما بيتر باركر وإم جاي، والثنائي الذي نشأ الجمهور مع علاقته، ثم أصبح من أكثر الأزواج المحبوبين خارج الشاشة. تستطيع «سوني» أن تركز على ظهورهما معًا والمزاح والحنين إلى علاقتهما. يكفي أن تفتح الكاميرا وتترك الجمهور يقول: انظروا كم هما لطيفان معًا.

أما «The Odyssey»، فلا يبيع فصلًا جديدًا من قصة الثنائي المُفضل على الإنترنت، بل ملحمة لنولان. ولذلك تُستخدم زيندايا من زاوية مختلفة: شهادة نولان بأن أداءها كان «مكتملًا». قيمة الكلمة ليست في معناها فقط، بل في الشخص الذي قالها. حين تأتي من مخرج لا يوزع المديح بسهولة، تصبح ختم اعتماد يثير فضول جمهور زيندايا الذي قد لا يكون من جمهور نولان التقليدي. أما توم هولاند، فزاويته الأقرب هي السرية. ارتبطت صورته لسنوات بالمزاح حول قدرته على حرق أحداث أفلام مارفل، وفي فِلم لنولان تحيط به السرية تصبح محاولة منعه من الكشف مادة خفيفة تؤكد أن هناك أسرارًا تستحق الحماية. الموهبة واحدة، لكن المهمة التسويقية مختلفة. وهذا ما يغيب عندما نختصر إدراج الممثلين في خطة التسويق في جملة: «نحتاج إلى أن ينشر الممثلون سنابات عن الفِلم».

السؤال ليس فقط: هل سينشر الممثل الإعلان؟ بل: ما الدور الذي يؤديه داخل رواية الحملة؟ أي جمهور يفتح لنا بابه؟ وأي جانب من صورته العامة أو تجربته يخدم هذا الفِلم تحديدًا؟ فالاستوديو الجيد لا يستأجر شهرة النجم فقط، بل يعرف كيف يستخدم معناها.

آخر عشرين مترًا إلى شباك التذاكر

حتى لو صنعنا الفِلم المناسب وحددنا جمهوره وبنينا له الحملة الصحيحة، يبقى سؤال آخر: أين سيشاهده الناس؟ وكيف؟

السينما فن، لكنها أيضًا تجارة تجزئة. قد يكون الفِلم عملًا شخصيًّا عميقًا، لكن تذكرته تُباع داخل مجمع تجاري ينافس المطاعم والمقاهي والاستراحات والمباريات والتسوّق والمنصات المنزلية، بل وحتى النوم المبكر لمن رزقه الله بهذه النعمة. المُشاهِد لا يخصص ميزانيته للفنون أولًا ثم يختار الفِلم؛ بل يقرر كيف يقضي مساءه. لذلك لا تعتمد تجربة السينما على جودة الفِلم وحدها، بل أيضًا على الموقع والسعر وسهولة الحجز وموعد العرض وجودة التجربة.

وقد ينجز المستهلك نصف المهمة بدلًا منا؛ يخرج من بيته، ويتحمّل الزحام، ويصل إلى المجمع التجاري، ثم يمر أمام السينما من دون أن يعرف لماذا ينبغي أن يشاهد فِلمًا بعينه. هنا لا تصبح دار العرض مكانًا محايدًا، بل جزءًا من عملية التسويق.

تملك دور العرض واحدة من أثمن قواعد البيانات في الصناعة: أشخاصًا يشترون التذاكر فعلًا، وتعرف متى يزورون السينما، وما الأنواع التي يفضّلونها. ومع ذلك، قد تشاهد خمسين فِلمًا في الدار نفسها، ثم تتلقّى رسالة عامة تقترح عليك فِلمًا لا يشبه أي شيء شاهدته من قبل، بينما تذكّرك المنصة المنزلية بمسلسل تركت نصف حلقاته قبل أشهر.

أين التوصيات المبنية على السلوك؟ وأين إعادة مخاطبة من شاهد الجزء الأول عند طرح الجزء الثاني؟

لا تقع المسؤولية على دور العرض وحدها؛ فالاستوديو والموزع مُطالبان أيضًا بتقديم المواد والأفكار والتجارب التي تساعد على بيع الفِلم، والتعامل مع السينما كشريكٍ في الوصول إلى الجمهور، لا مجرد مستودعٍ للشاشات. فمن غير المنطقي أن ننفق الملايين لإقناع المستهلك بالخروج من منزله، ثم نفقده في آخر عشرين مترًا قبل شبّاك التذاكر.

كما أن أفضل حملة لن تنجح إذا لم يجد الفِلمُ عروضًا تناسب جمهوره. فالعرض عند الثانية ظهرًا يوم الثلاثاء لا يساوي العرض عند التاسعة مساء الخميس، حتى لو احتسبهما التقرير بالطريقة نفسها. اختيار مواعيد العرض يجب أن يستند إلى سلوك جمهور الفِلم، لا إلى الفراغات المتبقية في الجدول. فبعض الأفلام تعتمد على اندفاعة الأسبوع الأول، وأخرى تنمو مع التوصيات، والتعامل مع النوعين بالطريقة نفسها يشبه الحكم على عدّاء مسافات طويلة بعد أول مئة متر. 

نجاح الفِلم لا يعتمد على العثور على جمهور فحسب، بل أيضًا على أن يجد هذا الجمهور الفِلم في المكان والوقت المناسبين.

لا توجد حملة تنقذ كل شيء

من المريح أن نحمّل التسويق مسؤولية إخفاق الفِلم؛ الملصق لم يكُن قويًّا، والإعلان لم يشرح القصة، والمؤثرون لم يتحدثوا عنه بما يكفي. وقد يكون هذا صحيحًا أحيانًا؛ هناك أفلام جيدة ضاعت بسبب حملات ضعيفة أو توقيت وتموضع وتوزيع سيئ. لكن التسويق لا يستطيع إصلاح كل قرار سبق وصول الفِلم إليه. لا يستطيع تصغير ميزانية أكبر من حجم الجمهور، أو تحويل فِلمٍ صُنع للمنصة إلى حدث سينمائي بمجرد كتابة «حصريًّا في دور العرض»، أو بناء حملة على ممثل يرفض المشاركة فيها، أو تقديم قصة من موقع التصوير إذا لم يوثق أحد الموقع.

التسويق يضاعف عناصر القوة الموجودة في المشروع، ويرتبها في قصة يفهمها الجمهور. وقد يخفي بعض العيوب لبعض الوقت، لكنه ليس غرفة عناية مركزة للأفلام بعد انتهاء التصوير. لهذا يبدأ نجاح الحملة داخل غرفة الضوء الأخضر، عندما يجلس التطوير والإنتاج والتوزيع والمالية والتسويق حول الطاولة ويسألون بصدق: لمن نصنع هذا الفِلم؟ وما الذي نريده منه؟ وما الذي يجعلنا نعتقد أن هذا الجمهور سيهتم؟ لا يُشترط أن تكون الإجابات صحيحة دائمًا، لكنها يجب أن تكون موجودة وقابلة للاختبار، وأن نعود إليها بعد العرض لنعرف أين أصبنا وأين أخطأنا.

السينما السعودية لا تحتاج فقط إلى أفلامٍ أكثر أو ميزانياتٍ أكبر. تحتاج إلى ذاكرةٍ تحفظ ما جرّبناه، ومؤسساتٍ تعرف جمهورها، واستوديوهات تبني قوائمها على اختيارات واضحة، ومسؤولي دعاية يلتقطون القصة من موقع التصوير، ودور عرض تفهم أنها لا تؤجر شاشة فحسب، بل تبيع تجربة كاملة.

أما أن نصنع الفِلم، ثم نبحث عن جمهوره، ثم نلومه لأنه لم يجدنا، فهذه ليست مشكلة تسويق.

هذه مشكلة بدأت يوم قررنا صناعة الفِلم، وقلنا: «توكلنا على الله».


اقرأ وافحص وانقد وشاهد مع «سينماء»،

المكان اللي يعزز المعرفة النقدية ويوسّع من إطارنا لفهم السينما وتناولها؛ في سبيل صناعة سينمائية سعودية أصيلة تعبر فينا الآفاق.

ليكتمل المشهد، تعرف على «سينماء».


Nightcrawler (2014)
Nightcrawler (2014)

📽️ في دور السينما و المنصات الرقمية

  • يُعرض فِلم المخرج كريستوفر نولان «The Odyssey»، الذي يستند إلى ملحمة هوميروس الشهيرة، وتدور أحداثه حول «أوديسيوس»، الذي ينطلق في رحلة محفوفة بالمخاطر للعودة إلى موطنه «إيثاكا» بعد انتهاء حرب طروادة، ليواجه في طريقه مخلوقات أسطورية وتحديات تهدد حياته.

  • يُعرض أيضًا الفِلم الوثائقي «The Match: FIFA WC Documentary»، الذي يستعرض قصة مواجهة الأرجنتين وإنقلترا في ربع نهائي كأس العالم 1986، وكيف تحولت المباراة إلى امتداد للتوترات السياسية بين البلدين عقب حرب جزر فوكلاند عام 1982.

  • على «Apple TV+» يُعرض مسلسل الجريمة «Lucky»، الذي تدور أحداثه حول مجرمة سابقة تحاول بدء حياة جديدة، لكنها تُجبر على مواجهة ماضيها والعودة إلى عالم الجريمة لتنفيذ مهمة أخيرة، على أمل نيل حريتها وترك حياتها السابقة خلفها إلى الأبد.

  • ويُعرض أيضًا على «Prime Video» مسلسل الأكشن «Ride or Die»، الذي يتابع صديقتين مقربتين تنقلب حياتهما رأسًا على عقب بعدما تكتشف إحداهما أن الأخرى تعمل قاتلة مأجورة سرًّا، لتجدا نفسيهما مُطارَدتين من عدوٍّ غامض يكشف أسرارًا تهدد صداقتهما.

  • ويُعرض على «Netflix» مسلسل الكوميديا «The Hawk»، الذي يروي قصة نجم القولف السابق لوني هوكينز، الذي يسعى لاستعادة أمجاده في المراحل الأخيرة من مسيرته، مؤمنًا بأن عودته الكبرى لا تزال على بُعد ضربة واحدة فقط.

  • كما يُعرض على «Disney+» مسلسل الدراما «They Fight»، الذي يتابع مجموعة من الملاكمين المراهقين ومدربهم، السجين السابق، خلال استعدادهم للدفاع عن ألقابهم الوطنية، في رحلة تمزج بين الرياضة وتحديات الحياة.

 📰 أخبار وإعلانات سينمائية

  • كشفت «Warner Bros» عن الإعلان التشويقي الأول لفِلم «Digger»، أحدث أعمال المخرج أليخاندرو قونزاليس إينياريتو، الذي يظهر فيه توم كروز بإطلالة مختلفة، مجسدًا شخصية ملياردير غريب الأطوار يحاول إنقاذ العالم بعد تسببه في كارثة بيئية تهدد البشرية. على أن يُطرح الفِلم في دور السينما في 2 أكتوبر المقبل.

  • أُجّل طرح فيلم «The Batman Part II» مجددًا إلى 18 فبراير 2028، بعد أن كان مقررًا عرضه في أكتوبر 2027. وبالتزامن مع إعلان التأجيل، نشر المخرج مات ريفز أول مقطع لاختبار الكاميرا، كشف من خلاله عن عودة روبرت باتينسون بشخصية باتمان.

  • كشفت «Amazon MGM» عن الإعلان التشويقي لفِلم السيرة الذاتية «I Play Rocky»، الذي يروي القصة الحقيقية وراء صناعة فِلم «Rocky» عام 1976، ويتتبع رحلة سيلفستر ستالون وإصراره على تجسيد شخصية «روكي بالبوا» بنفسه، رغم رفض الاستوديوهات المتكرر قبل أن يصبح الفِلم واحدًا من أشهر كلاسيكيات السينما.

  • كشفت «Warner Bros» و«New Line» عن فِلم «The Conjuring: First Communion»، وهو جزء تمهيدي جديد من سلسلة الرعب الشهيرة، يروي البدايات الأولى للمحققين في الظواهر الخارقة «إد» و«لورين وارن»، حيث يجسدهما ويجسد الثنائي الشاب قاريت وارينق وأماندا فيكس. ومن المُقرر أن يُطرح الفِلم في دور السينما في سبتمبر 2027.

  • انضم كلٌّ من بادي كونسيدين، وأمريكا فيريرا، وأليكس هاسل، وكيت هارينقتون إلى بطولة مسلسل الإثارة «Army of Shadows»، من تأليف رونان بينيت، مبتكر مسلسلي «MobLand» و«The Day of the Jackal». وتدور أحداثه في بريطانيا مستقبلية تخضع لنظام سلطوي، فيما تتولى ليزا غانينغ إخراج حلقاته الست.

  • بدأ رسميًّا تصوير فِلم «The Lord of the Rings: The Hunt for Gollum»، وكشفت «Warner Bros» عن أول فيديو من موقع التصوير، يظهر عودة آندي سيركس لتجسيد شخصية «قولوم»، إلى جانب توليه إخراج الفِلم، الذي يُطرح في دور السينما في ديسمبر 2027.


من باريس إلى شاشتك 🎮

سواء كنت تحب الشوتر أو القتال أو أي تصنيف من الألعاب، ثمانية تنقل لك أبرز البطولات في كأس العالم للرياضات الإلكترونية💥 بنقل مباشر واستوديوهات تحليلية وتقارير تفصيلية وغيرها كثير!

عش التجربة الكاملة لمتابعة لعبتك المفضلة مجانًا على تطبيق ثمانية.


«8 Mile» (6:00)

في عام 2002، عاد إيمينيم إلى أصعب سنوات حياته من خلال فِلم «8 Mile»، الذي استلهم رحلته قبل الشهرة. فمارشال بروس ماذرز الثالث، المعروف باسم «إيمينيم»، نشأ في أحياء ديترويت الفقيرة، وعاش طفولةً قاسية شكّلت شخصيته وأسلوبه الغنائي. وبعد نجاحه العالمي بألبومات مثل «The Slim Shady LP» و«The Marshall Mathers LP» و«The Eminem Show»، اختار العودة إلى تلك المرحلة، حين كان شابًّا يحاول إثبات نفسه في مسابقات الراب وسط الفقر والضغوط اليومية.

ولأن الفِلم استند إلى تجربته الشخصية، كتب إيمينيم الأغنية الرئيسة «Lose Yourself» بنفسه، بالتعاون مع المنتج الموسيقي جيف باس، والملحن وعازف البيانو لويس ريستو، واستوحى كلماتها من رحلته الخاصة التي انعكست أيضًا في شخصية «بي رابيت». وخلال التصوير، كان يتنقّل بين موقع الفِلم واستوديو تسجيلٍ متنقل، وكتب أجزاءً من كلمات الأغنية في فترات الاستراحة على أوراق جدول التصوير، قبل أن تُسجل داخل ذلك الاستوديو

صدرت الأغنية قبل عرض «8 Mile» بأحد عشر يومًا، وكانت جزءًا من حملته التسويقية، وسرعان ما اجتاحت محطات الإذاعة والقنوات الموسيقية، متصدرةً قائمة «Billboard Hot 100» لمدة اثني عشر أسبوعًا متتاليًا. وأسهم هذا النجاح في خلق حالة ترقب واسعة للفِلم قبل وصوله إلى دور العرض، حتى أصبحت الأغنية محورًا رئيسًا في حملته التسويقية، ولعبت دورًا مهمًّا في تعزيز الإقبال عليه، ليحقّق الفِلم لاحقًا ما يقارب ستة أضعاف ميزانيته. وبعد أشهر، دخلت الأغنية التاريخ بوصفها أول أغنية راب تفوز بجائزة الأوسكار عن أفضل أغنية أصلية.

أبرز الأعمال الغنائية:

أغنية «Shook Ones, Pt. II»

تظهر في المشهد الافتتاحي للفِلم، بينما يقف «بي رابيت» أمام مرآة حمام نادي«The Shelter»، محاولًا استجماع ثقته قبل أول معركة راب في حياته. تعتمد موسيقيًّا على طبول قوية متكررة، لتمنح المشهد توترًا ينسجم مع قلق البطل. الأغنية من أداء ثنائي الراب الأمريكي، بروديجي وهافوك، وقد اختارها المخرج كيرتس هانسون لترافق افتتاحية الفِلم، ثم أعاد استخدامها في المواجهة الأخيرة، لتصبح أحد أبرز العناصر الموسيقية التي منحت معارك الراب هويتها الخاصة.

أغنية «8 Mile»

تظهر الأغنية خلال مشهد استقلال «بي رابيت» الحافلة في طريقه إلى العمل، بينما يضع سماعاته ويبدأ في كتابة كلمات الراب داخل دفتره، في واحدة من أكثر لحظات الفيلم هدوءًا وتأملًا. تعتمد موسيقيًا على بيانو خافت، وإيقاع هيب هوب بطيء، يمنحها مساحة للتأمل، فيما تعكس كلماتها الصراع بين الواقع القاسي والطموح، لتمنح المشهد إحساسًا بالعزلة والأمل في آنٍ واحد.

أغنية «Lose Yourself»

تظهر الأغنية كاملة خلال المشهد الختامي، بعد انتصار «بي رابيت»، في معركة الراب الأخيرة وقراره مغادرة النادي والعودة إلى ورديته في مصنع السيارات، في إشارة إلى أن الفوز يمثل بداية مرحلة جديدة. تبدأ موسيقيًّا بجملة بيانو هادئة، يعقبها قيتار كهربائي، قبل أن تتصاعد الإيقاعات مع الطبول والوتريات الإلكترونية والكورال، لتصنع توترًا يتزايد مع كل مقطع، وكأنها تجسّد نبضات قلب البطل قبل لحظة الحسم. وتعكس كلماتها صراع إنسان يقف أمام فرصة قد لا تتكرر، لتمنح المشهد إحساسًا بالإصرار والانتصار،  وتختتم الفيلم بنبرة ملهمة بقيت عالقة في ذاكرة الجمهور.

عهود أبو خيرة


فِلم «Deadpool»
فِلم «Deadpool»

اليوم نقول أكشن مع  المشهد الذي أنقذ فِلم «Deadpool» قبل أن يُصنع.

يحكي الفِلم قصة «ويد ويلسون»، وهو رجلٌ تتحوّل محاولته لعلاج السرطان إلى تجربة تغيّر حياته بالكامل. فبعد أن يكتسب قدرة خارقة على التعافي من أي إصابة، يخسر ملامحه ويقرّر مطاردة المسؤولين عما حدث له تحت هوية جديدة هي «ديدبول».

في المشهد يقفز «ديدبول» فوق سيارة تُقلُّ مجموعةً من المجرمين، ليحوّل الطريق السريع إلى فوضى من الاشتباكات، وبينما تتطاير الرصاصات وتتكسر السيارات، لا يتوقف عن إطلاق النكات والتعليق على كل ما يحدث حوله، وكأن الأكشن عنده مجرد لعبة. وخلال دقائق قليلة، يقدّم المشهد شخصية «ديدبول» كاملة؛ عنيف، سريع البديهة، ساخر، ولا يأخذ أي شيء على محمل الجد، حتى وهو يقاتل من أجل حياته.

لكن شهرة هذا المشهد تعود لما حدث خارجه. ففي عام 2012، صوّر المخرج تيم ميلر هذا المشهد وكان نسخةً تجريبية قصيرة، أراد أن يقنع بها استوديو «20th Century Fox» بإنتاج الفِلم، بعدما ظل المشروع مرفوضًا لسنوات بسبب تصنيفه العمري (+R) وطبيعته المختلفة عن أفلام الأبطال الخارقين المعتادة. لم يقتنع الاستوديو، فتوقف المشروع بالكامل. وبعد عامين، تسرّب المشهد إلى الإنترنت بشكل غامض، وانتشر بسرعة هائلة، محققًا ملايين المشاهدات، ومطلقًا موجة ضخمة من مطالبات الجمهور بإنتاج الفِلم. تحوّل التسريب إلى حملة تسويقية مجانية قادها الجمهور بنفسه، حتى اضطر الاستوديو إلى إعادة النظر في المشروع. وبعد سنوات، اعترف رايان رينولدز -الممثل الذي جسّد شخصية «ديدبول»- بأنه كان وراء تسريب المقطع، عادًّا مخالفة القواعد في تلك اللحظة السببَ في إنقاذ المشروع بأكمله.

كان اختيار هذا المشهد تحديدًا لتسريبه خطوة ذكية؛لأنه يختصر هوية «ديدبول» كاملة في أقل من دقيقتين. فهو يجمع كل العناصر التي تميّز الفيلم؛ الأكشن والكوميديا وكسر الجدار الرابع والسخرية من أفلام الأبطال الخارقين، لذلك كان أفضل وسيلة لتقديم روحه الحقيقية. فمنذ لحظاته الأولى، يفهم المشاهد من هو «ديدبول»، وما النبرة التي يتبناها الفِلم، وكيف سيبدو الأكشن فيه. تظهر الشخصية وهي تتحدث مباشرة إلى الجمهور وتقفز بخفة بين العنف والكوميديا. ينجح المشهد في منح الجمهور تصوّرًا واضحًا عن روح الفِلم، تاركًا إياهم متشوقين لمعرفة كيف ستستمر هذه الفوضى الممتعة على مدار بقية الأحداث.

وعندما حصل الفِلم أخيرًا على الضوء الأخضر، أعاد صُنّاع العمل تصوير المشهد نفسه تقريبًا لقطةً بلقطة، ليصبح افتتاحية الفِلم الرسمية. وهكذا تحوّل مقطع صُنع لإقناع الاستوديو إلى أول مشهد يشاهده الجمهور في الفِلم. وتبقى هذه واحدة من أكثر الأفكار التسويقية ابتكارًا؛ إذ لم تعتمد على إعلان أو حملة دعائية تقليدية، وإنما على مشهد نجح في اختصار هوية الفِلم كاملة، وأثبت أن أفضل طريقة للترويج له كانت أن يقدّم نفسه بنفسه.

عهود أبو خيرة


لو مُصمم على نجاح منتجك؟ صممه صح ✅

«معمل الصناع» في «المشتل» مساحة توفر لك الأدوات والمختصين؛ لتصميم منتجاتك واختبارها بشكل أمثل قبل وصولها إلى المستهلك باستخدام أدوات مثل قص الليزر والطباعة ثلاثية الأبعاد 🧩.


فقرة حصريّة

آسفين على المقاطعة، هذه الفقرة خصصناها للمشتركين. لتقرأها وتستفيد بوصول
لا محدود للمحتوى، اشترك في ثمانية أو سجل دخولك لو كنت مشتركًا.

اشترك الآن

في صيف عام 2007، دخل الجمهور إلى دور السينما لمشاهدة فِلم «Transformers»، لكن ما بقي عالقًا في أذهانهم لم يكُن الفِلم. فقبل بدء العرض، ظهر إعلان تشويقي غريب مُصوَّر بكاميرا فيديو محمولة، يبدأ بحفلة، ثم يظهر انفجار في مدينة نيويورك، يعقبه رأس تمثال الحرية وهو يسقط في أحد الشوارع. انتهى الإعلان من دون اسم، لتبدأ موجة واسعة من التكهّنات والبحث عن هوية هذا المشروع الغامض.

ثم عثر الجمهور على صفحات للأشخاص الذين ظهروا في الإعلان على «MySpace»، ومواقع غريبة مثل «Jamieandteddy.com» و«1-18-08.com»، التي نشرت يوميات وصور ومعلومات عن شخصيات ظهر بعضها في الإعلان، وربطت بين الفيديوهات وأحداث الحفلة، بينما ظل آخر تسجيل دخول للشخصيات هو اليوم نفسه لعرض فِلم «Cloverfield».

وبهذه المعلومة نستهلّ فقرة «دريت ولّا ما دريت» عن فِلم «Cloverfield» الصادر عام 2008:

  • صٌوِّر الإعلان الترويجي الذي ظهر في السينما قبل بدء التصوير الرئيس، وقبل اكتمال السيناريو، لذلك لم يظهر في النسخة النهائية من الفِلم سوى جزءٍ بسيط منه، بينما أُعيد تصوير معظم مشاهده لاحقًا.

  • تعامل صنّاع الفِلم مع المشروع بسرية تامة، ولم يسمحوا للممثلين بقراءة السيناريو إلا بعد توقيع العقود، واستُخدمت نصوص من مسلسلي «Alias» و«Lost»، إلى جانب مشاهد غير موجودة في النص كُتبت لاختبارات الأداء، كل ذلك حتى لا تتسرّب القصة، لدرجة أن الممثلة ليزي كابلان ظنّت أنها ستشارك في فِلمٍ رومانسي، وليس فِلم رعب عن الوحوش، وقالت لاحقًا إنها وافقت لأنها من معجبي مسلسل «Lost».

  • غُيّر اسم «Cloverfield» أكثر من مرة خلال الإنتاج إلى أسماء مؤقتة مثل «Slusho» و«Cheese» و«Greyshot»، في محاولة لإرباك الجمهور بعد الضجة التي أحدثها الإعلان، قبل العودة إلى الاسم الأصلي.

  • حصل مصمم الإنتاج على رعاية من «Sephora»، لتحويل متجر مهجور إلى فرع يبدو حقيقيًّا للفِلم، حتى اعتقد سكان المنطقة أن العلامة ستفتتح متجرًا جديدًا، قبل أن يختفي كل شيء في اليوم التالي بعد انتهاء التصوير.

  • استُلهم مشهد رأس تمثال الحرية من ملصق فِلم «Escape from New York»، لكن واجه الفريق اعتراضات على حجمه في الإعلان التشويقي، فزادوه بنحو 50% في النسخة النهائية، لأن معظم الناس يتخيّلون الرأس أكبر من حجمه الحقيقي، مع أن أبعاده الواقعية تسمح فعلًا بسقوطه داخل أحد شوارع نيويورك.

  • استعار مصمم الصوت دوقلاس موراي بعض الأصوات الطنّانة التي استخدمها سابقًا في عمله مع ديفيد لينش في «Twin Peaks» لصناعة الأصوات المقلقة داخل مشاهد أنفاق المترو.

  • استغرقت أحداث الفِلم نحو ثمانين دقيقة، وهي مدة تقارب السعة القصوى لشريط «MiniDV» طويل التسجيل، أحد أشهر أشرطة كاميرات الفيديو المنزلية آنذاك. ويتوافق ذلك مع أسلوب الفِلم الذي يقدّم أحداثه بوصفها تسجيلًا متصلًا عُثر عليه داخل الكاميرا.

  • في العرض الأوّل للفِلم، وضعت عدّة صالات سينما لافتات تحذر من احتمال الإصابة بدوار الحركة بسبب أسلوب التصوير، وسُجّل خروج أكثر من مئة مشاهد من القاعات لهذا السبب.

عبدالعزيز خالد

النشرة السينمائية
النشرة السينمائية
أسبوعية، الخميس منثمانيةثمانية

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.

+20 متابع في آخر 7 أيام