واقع دول الخليج الجديد بعد الحرب

كشفت الحرب الراهنة أن ترتيب ما بعد 1990 بدأ يتغيّر، وأن دول الخليج أمام مفترق تاريخي

عبر تاريخ الشرق الأوسط الحديث، شكَّلت عدَّة أحداث فارقة المسار التاريخي الذي أنتج الواقع المعاش اليوم. وعندما اندلعت الحرب الجارية في فبراير الأخير، بدا واضحًا منذ يومها الأول أنها من هذا النوع من الأحداث.

في مقالة هذا العدد، يحلل الدكتور هشام الغنام الواقع الجديد الذي أفرزته الحرب، من منظورٍ خليجي وسعودي.

قراءة ماتعة.

عمر العمران


تصميم: أحمد عيد
تصميم: أحمد عيد

واقع دول الخليج الجديد بعد الحرب

د. هشام الغنام

معظم ما يكتب عن الحرب يُعنى بالحدث اليومي، وهو مهم، لكنه يشغلنا عن السؤال الحقيقي: ما الذي تغير بنيويًّا في المنطقة بشكل لن يعود إلى ما كان عليه؟ والمقصود بالتغير البنيوي هنا ليس نتيجة معركة أو اتفاق مؤقت؛ أتحدث عن تغيير مستمر في توزيع القوة وحدود الردع ومسارات التجارة وطبيعة التحالفات؛ عن الواقع الجديد الذي أنتجته الحرب.

ما الذي تغير فعلًا؟

ثلاثة تحولات بنيوية أنتجتها هذه الحرب، وستبقى بصرف النظر عما تقوله مذكرات التفاهم، أو تعلنه البيانات الرسمية، أو تنشره بوستات تروث سوشال ومنشورات «إكس».

أولًا: الضمانة الأمريكية لأمن الخليج مهمة، لكنها أثبتت أنها مشروطة وقابلة للتوقف. حين أطلق الرئيس ترمب «مشروع الحرية» لإعادة فتح الحركة في مضيق هرمز عبر مرافقة السفن في الرابع من مايو 2026، أُوقفت العملية بعد أقل من 48 ساعة. والوقائع المنشورة تشير إلى أن التعليق جاء بطلب من باكستان ودول أخرى لإعطاء المفاوضات فرصة، وكانت السعودية ضمن الدول التي طلبت التوقف. لا نقصد قطيعةً هنا، لكنها تبيِّن شكل العلاقة المتطورة والمختلفة تاريخيًّا عمَّا سبق بين أمريكا ودول المنطقة. الاستنتاج الأدق أن طريقة تفعيل الضمانات أصبحت مرتبطة بموافقة الشركاء، وحسابات التكلفة، وخطر التصعيد، والمصالح المتبادلة في كل لحظة. 

ثانيًا: إيران خسرت عسكريًّا، لكن النظام باقٍ. تعرَّض أسطولها التقليدي إلى ضربات واسعة، ودُمِّرت أعداد كبيرة من منصات صواريخها، وانخفض معدل إطلاقها مقارنة بأيام الحرب الأولى، ومع ذلك لم تؤكد التقديرات الأمريكية تدمير أكثر من نحو ثلث الترسانة الصاروخية بصورة يقينية، مع بقاء مخزون مهم ومؤشرات على قدرة على التعويض وإعادة الانتشار، كما أن مؤسسات النظام الأساسية لم تنهَر. هذا يفرض التمييز بين إضعاف القدرة العسكرية وتحقيق النصر السياسي، فأحدهما لا يعني الآخر بالضرورة. الأدوات العسكرية التقليدية تستطيع تدمير الأصول وخفض وتيرة الهجمات، لكن هذا نظامٌ بنى جزءًا مهمًّا من عقيدته على حرب الاستنزاف، والشبكات غير التقليدية، والمرونة الداخلية.

ثالثًا: الجغرافيا أثبتت أنها أقوى من أي ترتيب دبلوماسي. مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يقارب عشرين بالمئة من استهلاك العالم من السوائل النفطية، ونحو عشرين بالمئة من تجارة الغاز الطبيعي المسال، بات مصدر ضغط دائم. والأدق علميًّا هو الحديث عن قدرة إيران على تعطيل الملاحة في المضيق، لا عن سيطرة قانونية منفردة عليه. 

وفق ما ذكرته سابقًا، فإن الأزمة غيرت إدراك التهديد تغييرًا دائمًا، فقدرة إيران على تعطيل المضيق هي ثغرة هيكلية دائمة. هذه الثغرة لا تُحل ببيانات أو اتفاقيات مؤقتة أو مذكرات تفاهم؛ يلزمها تحرك سريع من دول الخليج، وبناء مسارات بديلة واحتياطية بوصفها ضرورة استراتيجية طويلة الأمد.

جغرافيا خليجية جديدة

تتجلى هذه التحولات الثلاثة عمليًّا في إعادة رسم خريطة الطاقة. المملكة العربية السعودية تدرس توسعة خط أنابيب الشرق - الغرب بطاقةٍ إضافية تصل إلى مليوني برميل يوميًّا، وتُجري محادثات أولية مع بعض الدول المجاورة لاستخدامه. الخط الحالي يستطيع نقل سبعة ملايين برميل يوميًّا إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، يذهب نحو مليوني برميل منها إلى مصافي الساحل الغربي، ونحو خمسة ملايين للتصدير، وهذه أقل بمليوني برميل من الصادرات في الوضع الطبيعي، وهو ما يفسِّر الاتجاه المحتمل لتوسيع الخط بمليوني برميل.

قطر، التي لا تملك حاليًّا طريقًا بديلًا لتصدير الغاز الطبيعي المسال، باتت تبحث عن استخدام الأراضي السعودية أو الإماراتية ممرًا إلى البحر الأحمر أو الفجيرة. الكويت تبحث بدورها توسيع استخدام شبكات الأنابيب السعودية والإماراتية، فيما تبقى البحرين من أكثر الدول اعتمادًا على المضيق. وإلى جانب ذلك، تسرِّع الإمارات مشروع إنشاء خط جديد باتجاه الفجيرة، ليضاعف الطاقة الاستيعابية لنقل النفط بعيدًا عن هرمز إلى 3.6 مليون برميل يوميًّا، أي نحو 85% من مستوى الصادرات المستهدف في 2027 بعد الخروج من أوبك.

عند جمع مشاريع الأنابيب والمواني والسكك الحديدية المطروحة في هذا السياق، تصل بعض التقديرات الصحفية إلى نحو 290 مليار دولار. لكن يلزم توضيح أن هذا الرقم لا يخص خطوط الطاقة وحدها، فهو يضم مشروعات نقل ولوجستيات إقليمية واسعة، وفي مقدمتها مشروع السكك الحديدية الخليجية. والهدف ليس الاستغناء الكامل عن هرمز، فهذا غير واقعي في المدى القريب. الهدف هو خفض الاعتماد على نقطة فشل واحدة، ورفع القدرة على تحويل جزء معتبر من الصادرات بعيدًا عنه. وتضع بعض التقديرات نطاقًا مستهدفًا بين ثلاثين وخمسين بالمئة، لكنه هدف مستقبلي.

النتيجة الماثلة أمام أعيننا أن المملكة العربية السعودية تكتسب نفوذًا هيكليًّا أكبر في الإقليم مقارنة بدول أكثر عرضة لخطر المضيق. هذا النفوذ ينبئ عن نشوء اعتماد متبادل تصبح فيه الأراضي والمواني والأنابيب السعودية جزءًا من الأمن الاقتصادي للدول المجاورة.

العلاقة السعودية الخليجية - الأمريكية في شكلها المتطور

كرَّس عام 1990 ترتيبًا واضحًا؛ أمريكا توفر القوة اللازمة لحماية شبه الجزيرة وتوازن التهديدات الكبرى، والخليج يضمن استمرار تدفق الطاقة ويحافظ على شراكته الاستراتيجية مع واشنطن. وقد صمد هذا الترتيب ثلاثة عقود.

ما تكشفه الحرب الراهنة أن هذا الترتيب بدأ يتغير. دول الخليج والسعودية حريصة على العلاقة مع أمريكا، لكن هذه العلاقات يجب أن تسعَّر من جديد وفق ثقل دول الخليج الفعلي، وقدرتها على القبول أو الرفض، وتنوع شركائها.

في المقابل، الصين ليست بديلًا عن أمريكا في المعادلة الأمنية الخليجية، لكنها باتت، في التجارة على الأقل، العنوان الاقتصادي الأول. في 2024، بلغت تجارة الصين مع دول الخليج العربية نحو 257 مليار دولار، متجاوزة بفارق ضئيل تجارة الخليج مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ومنطقة اليورو مجتمعة، التي بلغت نحو 256 مليار دولار. هذا الواقع سيظل يشكل القرارات الاستراتيجية في المنطقة، لكن مع ضرورة التمييز بين الوظيفة الاقتصادية للصين والوظيفة الأمنية للولايات المتحدة. 

لذلك فإن التوازن المتعدد لا يعني الوقوف على مسافة متساوية من الجميع؛ هو أقرب إلى توزيع المصالح والوظائف بين شركاء مختلفين، وعدم الاعتماد الكامل على طرف واحد.

كيف تتعامل دول الخليج مع هذا الواقع

الأكيد أن دول الخليج، بعد كل ما حدث، يلزمها طبقات متوازية من التحوط، تكمل بعضها بعضًا ولا تتعارض.

الطبقة الأولى هي الردع الدفاعي: بناء منظومات إنذار مبكر، واعتراض صاروخي، ودفاع ضد الطائرات المسيرة، وقيادة وسيطرة مشتركة على المستوى الخليجي الموحد بدل الفردي، مع سعي متسارع إلى صناعة دفاعية محلية ومخزونات كافية من الذخائر وقطع الغيار. تطوير القدرات الذاتية ضرورة ملحة، وتستهدف السعودية رسميًّا توطين أكثر من خمسين بالمئة من الإنفاق العسكري على المعدات والخدمات بحلول 2030. هذه في جوهرها سياسة ردع بالمنع، أي جعل الهجوم أقل قدرة على تحقيق أهدافه. وهي لا تمنع كل ضربة، لكنها توفر الوقت، وتخفض حجم الضرر، وترفع القدرة على امتصاص الصدمات الأولى.

الطبقة الثانية هي إدارة إيران دون المواجهة المفتوحة معها. إيران دولة مجاورة بجغرافيا ثابتة لا تتغير. ووفق نظرية النضج لويليام زارتمان في دراسات حل النزاعات، فإن المأزق المؤلم المتبادل شرط مهم لبدء التفاوض، لكنه ليس شرطًا كافيًا. لذا مثلًا في حرب اليوم، يلزم أيضا أن ترى أمريكا وإيران مخرجًا قابلًا للتصور، وأن توجد قيادة قادرة على تنفيذ الاتفاق. ما أنتجته الحرب حتى الآن هو عناصر مأزق مؤلم للطرفين، دون تسوية جاهزة. المسار الواقعي هو سلسلة من التفاهمات الجزئية بينهما والمرتبطة بالأداء، وقواعد للملاحة، وخطوط اتصال عسكرية، وآليات للتحقق والتحقيق في الحوادث، ومنع استهداف منشآت الطاقة. ثم تحويل المضيق من أداة ابتزاز إلى إطار إقليمي ودولي منضبط، وهذا سيكون مسارًا صعبًا لكن لا بد من خوضه.

الطبقة الثالثة هي إصلاح الداخل الخليجي وتوحيده ورفع مستوى التعاون على كافة الأصعدة، لا العسكرية فقط. ويشمل ذلك تعزيز التكامل الاقتصادي والاستثماري المشترك، وربط شبكات الطاقة والنقل، وبناء مخزونات طوارئ، وتطوير القدرات البشرية والتكنولوجية، وتنسيق السياسات التنموية، ورفع مستوى الاعتماد المتبادل الإيجابي بين دول المجلس. هذه الطبقة تبني المناعة الداخلية التي تجعل التحوط الخارجي أكثر فعالية على المدى الطويل.

بهذا تقابل كل طبقة أحد التحولات الثلاثة: القدرة الدفاعية تخفف أثر الضمانة المشروطة، وإدارة إيران تتعامل مع بقاء النظام، والتكامل والبنية البديلة يخففان أثر الجغرافيا ووطأتها.

الخاتمة: نظام يُبنى بلا معمار

الواقع الجديد في الشرق الأوسط لا اسم له بعد ولا معمار رسمي، لكنه يتشكل يوميًّا في قرارات هادئة وواضحة للمراقب من كثب. ما يميز هذه المرحلة أنها انتقالية بامتياز. النظام القديم لا يزال موجودًا، والجديد لم يكتمل. لكن الأكيد أن دول الخليج أمام خيار ومفترق تاريخي. لا بد أن تكون هي من يبني هذا النظام الإقليمي بصمت وبتدرج، وأن تقوده، ولديها القدرة على ذلك بجغرافيتها ومواردها المالية وعلاقاتها الدبلوماسية. التحولات الثلاثة التي أنتجتها الحرب هي الملامح الأولى لنظام إقليمي يتشكل من خلال الفعل الخليجي الواعي والمتراكم الذي أنتجته الأزمات المتتالية التي أحاطت بدُولِه.


من باريس إلى شاشتك 🎮

سواء كنت تحب الشوتر أو القتال أو أي تصنيف من الألعاب، ثمانية تنقل لك أبرز البطولات في كأس العالم للرياضات الإلكترونية💥 بنقل مباشر واستوديوهات تحليلية وتقارير تفصيلية وغيرها كثير!

عش التجربة الكاملة لمتابعة لعبتك المفضلة مجانًا على تطبيق ثمانية.


*تعبّر المقالات عن آراء كتابها، ولا تمثل بالضرورة رأي ثمانية.

نشرة الصفحة الأخيرة
نشرة الصفحة الأخيرة
أسبوعية، الثلاثاء منثمانيةثمانية

مساحة رأي أسبوعية تواكب قضايا اليوم بمقالات ولقاءات تحليلية في مختلف المجالات، لتمنحك فرصة استكشاف الأحداث وتكوين رأي تجاهها.

+30 متابع في آخر 7 أيام