هوامش أولية على التجربة الألمعية ✍️

زائد: أمضي بجيوب مثقوبة 🚶

رحل إدقار موران في نهاية شهر مايو الماضي، تاركًا إرثًا فكريًّا أغنى البشرية، ورؤيةً مختلفة للحياة. فعلى امتداد أكثر من قرن، ظلّ هذا المفكر الفرنسي يدعو الإنسان إلى مقاومة الاختزال الذي تفرضه الحياة الحديثة، وإلى استعادة قدرته على العيش حقًّا. ومع سرعة الإيقاعات التي ننام ونستيقظ عليها وتضيق معها فرص التمهل والاسترخاء، رفع موران صوته دفاعًا عمّا سمّاه «العيش بشعرية»، مؤمنًا بأن الإنسان بحاجةٍ إلى الجمال والمعنى ودفء العلاقات الإنسانية.

لقد رأى أن أخطر ما يهدد الإنسان المعاصر هو «النثرية» التي تغزو حياته اليومية وتحولها إلى سلسلة من الواجبات والالتزامات الخالية من الروح، لذا نحتاج إلى خلق لحظاتٍ شعرية وسط هذا الصخب، لحظاتٍ تمنح الحياة كثافتها الإنسانية وتعيد إليها قدرتها على الإلهام.

واليوم، ونحن نودعه، نستعيد أفكاره للتمسك بما يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش. فقد رحل موران، لكن درسه سيظل باقيًا: مواجهة قسوة العالم دون أن نفقد قدرتنا على الحب والدهشة والجمال: «إن الانفعال الشعري يفتحنا، يمدّدنا، ويسحرنا».

في هذا العدد، سأترك للشعر فرصةً ليُزاحم النثر قليلًا، إذ يقدم لنا الكاتب الزبير عبدالله الأنصاري قراءة لا تقل شاعريّة عن تجربة الشاعر الراحل محمد زايد الألمعي، كما أعرّفكم في فقرة «هامش» على الفتى الذي أحببته في الجامعة، وخصصت «التوصيات» لدواوين شعر حديثة، آملة أن يمنحكم هذا العدد واحة استرخاء تعينكم على مواجهة التزاماتكم اليومية.

إيمان العزوزي


رسم: الفنان عمران
رسم: الفنان عمران

هوامش أولية على التجربة الألمعية ✍️

الزبير عبدالله الأنصاري

للشاعر السعودي محمد زايد الألمعي (1958-2023) صوته الخاص في شعر الحداثة، على الرغم من أنَّ هذا الصوت لم يُسمعْ بوضوح إلا بعد رحيله، وبعد أنْ بادرت هيئة الأدب والنشر والترجمة بجمع تجربته الشعرية المتناثرة على مدى أربعة عقود وإصدارها في مجموع شعري بعنوان «أنتم ووحدي».

ولأنَّ هذا المجموع أو الديوان لم يحظَ حتى الآن بدراسات كافية، فقد جاءت هذه القراءة بمثابة هوامش أولية لما يستحق، في رأيي وتقديري، مزيد استقصاء وفضل عناية، وهي بعدُ ممَّا يعين القارئَ على تلمُّس طريقه في فهم الرؤية الإبداعية للألمعي. وتنحصر هذه الهوامش في مجموعة من السمات الفنية التي ميزت قصيدة الألمعي، إضافة إلى الموضوع العام الذي ينتظمها.

غلاف «أنتم ووحدي»
غلاف «أنتم ووحدي»

أولى هذه السمات تجاور الأشكال الإيقاعية، ففي الديوان تجتمع الأنماط الثلاثة: التفعيلة، وقصيدة النثر، والقصيدة العمودية بأوزانها الكلاسيكية، والحضور البارز لهذه الأخيرة في العمل لا يعني تقيّد النص بأفق القديم، وإنما توظيف أشكاله وتطويعها لخدمة الرؤية الإبداعية.

السمة الثانية البارزة هي تداخل الشعر والسرد، وهذا التداخل قد يكون على شكل انعطافة مفاجئة تنحو بها القصيدة نحو الحكائي، كما نرى في قصيدة «مرحلة»:

    وبعد سنينٍ من الملح يطفو

على صخرةٍ تصطفيه فيحكي لها قصة من جليد:

تقاذفت الريح رأسي

وفي مهبط الحرب أهديت سيفي

إلى قاتلي

سقطتُ على أول النصر

في آخر الموج

واشتعلت في جبيني البحارْ

وقد تكون القصيدة كلها حدثًا سرديًّا مكثفًا، كما هو الحال في قصائد «ليليات» و«إذا ما علوت الجبل»، و«نكمل حياتنا»، وغالبًا ما تجيء هذه القصائد نثرية، ممَّا يقوّي هذا التداخل بين السرد والشعر، ويرقى به إلى درجة الاتحاد، على نحو ما نجده في نص «ادعاء»:

القمح يعرفني

إلا أنَّ القشَّ والحشرات اللزجة

التي التصقت بثيابي تدعي أنَّ محراثي شقَّ

صدر الحقل

من أجلها

فلا تصدقوها

وممَّا يتصل بهذا النزوع السردي ما يمكن تسميته بـ«القصيدة الومضة»، أي القصائد القصيرة جدًّا،كما في قصيدة «بلا ذاكرة»:

يسير بدون امرأهْ..

وأحزانه سافره..

فتمحو خطاه خطاه

ويغدو بلا ذاكرهْ

فالنص هنا في غاية القِصَر، ولو كُتب عموديًّا لجاء في بيتين فقط، وهذا ينحطُّ به عن مرتبة القصيد، بحسب التصور القديم الذي يضع شرطًا كمَّيًّا لما يصلُح أنْ يسمَّى قصيدة، ومع ذلك فإنَّ هذا النص قصيدة؛ لأنَّه، وإنْ قلَّت ألفاظه، يحقق إشباعًا دلاليًّا، وذلك بتجسيده صورة مكتملة لحياة منكفئة محكومة بالمحو والنسيان، وكأنَّ الذات، بحسب النص، لا تتذكَّر نفسَها إلا في آخرها الذي تحب.

ولعلَّ سبب كثرة القصائد القصيرة جدًّا في الديوان هو حرص الألمعي أولًا على تجنُّب الحشو الذي قد يورّط شعره في الغنائية والخطابية، وهما الخطيئتان الكبريان لدى القصيدة الحداثية، ثمَّ رغبته ثانيًا في تجاوز المعيار الكمَّي للقصيدة تمامًا، وبناء مفهوم جديد يقوم على تخلُّق الفكرة وتشكُّلها، فحيثما نمَت الفكرةُ واكتملتْ، فثَمَّ القصيدة، بقطع النظر عن عدد الأبيات أو الأسطر.

وتتعلَّق السمة الثالثة البارزة بالتكثيف الاستعاري، فالاستعارة في الديوان عالمٌ قائمٌ بذاته منفلتٌ من أسر الواقع بمرجعياته المألوفة، كما نرى في قصيدة «صلاة المطر» التي تحتفي بتجدُّد الطبيعة في ديار الشاعر جنوب السعودية:

تنحني السَّرواتُ لقطفِ صلاة المطر

والغيومُ تعود لأكنافها

تجفلُ القبَّرات

وتنفُضُ عنها نعاس الشجر

فتغدو الطيور قلوبًا

وتمشي الجهاتُ جنوبا

وبسبب هيمنة الاستعارة، يصبح الشعرُ احتطابًا للخرافة، كما يقول في قصيدة «حطَّاب الخرافات» التي يؤسّس فيها لمرجعية التخييل، ويحذر من أنَّ التأويل الذي يحاول ردَّ الخيالي إلى الحقيقي إنما هو تعطيل لمعاني القصيدة:

أنا حطَّابُ الخرافاتِ وجوَّاب اللهبْ..

كلما أوقدتُ أشباحي بأسواط الشهبْ

أطلقوا للشعوذاتِ الزُّرقِ

بهلولًا له ألف لسانٍ

يدَّعي علمًا بتأويل كوابيسي

وينفي عن خرافاتي الكذبْ

وفي «جوَّاب اللهب» و«أسواط الشهب» إشارةٌ خفية إلى أصل الشعر ومنشئه في عالمي الجن والكهانة، بحسب اعتقاد العرب القدماء. وهذا يقودنا إلى السمة الرابعة، وهي استدعاء التراث، ففي قصيدة الألمعي نرى تأثير معاصريه من شعراء الحداثة في السعودية والعالم العربي، لكن التراث العربي يظلُّ المكونَ التناصيَّ الأبرز عند شاعرنا.

ونشير هنا إلى رافدين مهمين، أولهما القصص القرآني، كما في قصيدة «إبراهيم»، المهداة إلى رفيقه الشاعر إبراهيم طالع:

رأى الشمس طالعةً قال: هذا الغيابْ

رأى الأرض يانعة قال: هذا المآبْ

أناخ على جبلٍ

وتجلَّى على نجمةٍ

وتلظَّى قصائدَ من تعبٍ مستطابْ

فالنصُّ يستدعي قصة إبراهيم عليه السلام المذكورة في سورة الأنعام، وكأنَّه يُفرِّع على اتحاد الاسم بين النبي والشاعر (إبراهيم) نوعًا من التشابه في المسعى، فالنبي يستقرئ في الكون براهين الألوهية، والشاعر يتحسَّسُ فيه تجلِّيات القصيدة.

وهكذا في قصيدة «كنت وحدي» التي تستحضر بوضوح موسى عليه السلام ومعجزاته، ثم تؤمئ إلى قصة قارون إيماءً خفيَّّا حين تجعل عبء الكلام/الشعر نظيرًا لعبء الكنوز: 

حين أخرجتُ كفَّي لأشرعَها

في طريق المظالمِ

بيضاءَ من غير سوءٍ

كنت وحدي بعبْءِ الكلام أنوءْ

والرافد الآخر هو الشعر الجاهلي، إذْ يوظِّف الألمعي سير أعلامه، كما في قصيدتي «الشنفرى» و«ما لم يقله امرؤ القيس»، ويبني على نصوصهم موضوعاته، كما نرى في قصيدة «أوهامنا الخاوية»:

سمعنا على حافة الليل صوتًا

فقلنا

الغزاة

الغزاة

وتلك ذئابهم العاويهْ

***

حلمنا بموقعة تستحث المهابة

في العترة الذاويهْ

وها نحن منذ اتبعنا العواءَ الخواءَ

نحاولُ مُلكًا

ونحرسُ أوهامنا الخاويهْ

فالقصيدة تستمدُّ قولَ امرئ القيس في رائيته:

ولوْ شاء كان الغزوُ من أرض حِمْيرٍ .. ولكنَّه عمْدًا إلى الرُّوم أنْفَرَا

بكى صاحبي لما رأى الدَّربْ دُونَه .. وأيْقَنَ أنَّا لاحقان بقيْصَرَا

فقلتُ له لا تبْكِ عينُك إنما .. نحاولُ مُلكًا أو نموتَ فنُعذَرَا

ثُمَّ تُوسِّع أفقَ التناص ليتجاوزَ التعالقَ بين نصين إلى التناظر بين حياتين، فقد كان مآلُ هذه العشيرة التي حاولت بالحرب استعادَة مهابتها، ثمَّ انتهى بها الأمرُ تحرس الوهمَ وتتبع الخواءَ مشابهًا لمآل امرئ القيس الذي حاول بالحرب أيضًا الثأرَ لأبيه واستردادَ مُلْكه، ثمَّ انتهى به الحال طريدًا يكابد احتضاراته في الغربة؛ وبهذا التناص الموسَّع تؤسس القصيدة مغزاها الكلي بشأن عبثية الحرب.

السمة الخامسة والأخيرة هي توسيع المعجم الشعري، فالشعرية عند الألمعي لا تقع وصفًا للمفردة، وإنما للسياق الذي ترد فيه، ولهذا نجده يستعمل الغريب الجزل، على نحو قوله في قصيدة «بكاء غامض»:

تسجر سيرة روحك

في أبجدياتك القادمة

فـ«سجر» هنا تعني الملء، وإنما عدل عن الشائع إلى الغريب، ليتناسبَ الإغرابُ في اللفظ مع الإغراب في الصورة، وللتفخيم من شأن هذا الامتلاء العجيب الذي تتنازعه الروح والأبجدية. كما يستعمل اليومي أو العامي الذي قد يشتبه بالمبتذل، ومن ذلك قوله في قصيدة «في لا وقت لا أين»:

وأجلس فوق مقهى لا يحب ملامحي

وأعاكس امرأة بلا معنى

وربما استعمل الألمعي اللفظ العامي لمخاتلة القارئ وإيقاعه في شرَكِ التورية الشعرية بمفارقاتها وإضمارها للمعنى البعيد في اللفظ القريب، ومن ذلك قوله في قصيدة «سهرة»:

رجل

منحلٌّ

في العتمهْ..

وامرأة

ساقطةٌ

في الضوء

فـ«منحل» و«ساقطة» مع عنوان القصيدة «سهرة» ربما أغرت القارئ المتعجل باستدعاء المعاني العامية المتصلة بالسلوك والأخلاق، لكن القصد هنا إلى المعاني الخفية المرتبطة بالدلالاتِ الأصلية، فـ«منحلُّ» هو من التفكك والذبول، أي أنَّ الرجل يذوب في العتمة، يجتذبه الظلامُ فيتداعى فيه؛ و«الساقطة» من السقوط، أي أنَّ المرأة تهوي كفراشة في الضوء. وإذًا فالقصيدة تنبني على رؤية مثنوية ينقسم بموجبها العالم إلى ثنائيات متمايزة (الرجل - المرأة/ الظلام - النور)، وهذه الثنائيات محكومة أبدًا بالتنافي والانفصال؛ لأنه حيث تكون العتمة لا يظهر النور، وحيث يسود الضوء لا تكون العتمة.

تلك هي السمات الفنية العامة للتجربة الألمعية، أمَّا بالنسبة إلى الموضوع العام الذي ينتظمها، فلا شك أنَّ المتلقي سيشعر وهو يقرأ قصائد الألمعي بهذه الروح القلقة التي تطمئن شيئًا قليلًا إلى سياقها بأنساقه الثقافية والاجتماعية، ثمَّ يستبدُّ بها الرفض، فتجنح نحو التمرُّد، كما يقول في قصيدة «نرجسة الخيلاء»:

وخلعت من اسمي القبيلة

وارتجلتني البلاد نشيدًا من الرفض والأمنيات

إذْ يمثل البيت الثاني في استعاراته وتراكيبه متوالية محكمة من الرفض، ذلك أنَّ عطف «الأمنيات» على «الرفض» من عطف الشيء على جنسه؛ لأنَّ الأمنية تتعلق بغير الموجود، والرفض نفي للموجود، فهما يلتقيان في العدول عن الموجود إلى المعدوم، وهذا التخطي للموجود يظهر أيضًا في «نشيد»؛ لأنها تتضمَّن في جذرها «نَشَدَ»، الدالِّ على الطلب، تجاوز الموجود بحثًا عن المفقود، ثم تضيف في صيغتها المستعملة هنا «نشيد» معنى المجاهرة بهذا التجاوز/ الرفض والتغني به؛ والأمر نفسه بالنسبة لاستعارة «ارتجلتني» الدالة على رفض الجاهز والمعاد.

ويمتدُّ هذا الرفض ليشمل العالم، أو بالأحرى «المدينة» التي تختزل العالم في وعي الشاعر الحداثي، كما يقول في القصيدة نفسها:

وهذي المدينة عجفاء

قاماتها في الملوحة رعبٌ

وأقدامها في الدماء

وفي الاستعارة «عجفاء»، التي تتكرر طيلة القصيدة مقترنةً بالمدينة، دليلٌ على مرجعية الصحراء في نظرة الألمعي إلى المدينة؛ فالعجفاء، بحسب لسان العرب، هي «المهزولة من الغنم»، فالشاعر إذن يحاكم المدينة إلى معجم الحقل والبادية، معمقًا بذلك اغترابه عن عوالمها الحديثة.

ومع طغيان الرفض لديه، فهو ليس رفضًا عبثيًّا ولا عدميًّا، بل رفض لتأكيد التفرد الإبداعي والنقاء والعمق وإبقاء جذوة السؤال مشتعلة متوهجة، كما يقول في قصيدة «الولد الأنقى»:

علَّمنى أن أتشبَّث بالأسئلة الأولى كي أبقى

قالَ:

ازددْ رفضًا؛ تزددْ عمقا..!!

وقد كانت سيرته الشعرية شاهدًا على هذا التفرد، وما من شك في أنَّ إخراج هيئة الأدب لأعماله، سيشجع على دراستها واستكشاف أبعادها، آملين أن تكون هذه الهوامش علامات تضيء الطريق.


رسم: الفنان عمران
رسم: الفنان عمران

أمضي بجيوب مثقوبة 🚶

إيمان العزوزي

كثيراً ما يُسأل المرء عن سر حبه لكاتبٍ ما، وكأن تعداد خصائصه الأدبية كفيل بالإجابة. والحق أن الكتّاب الذين يؤثرون عميقًا فينا يتجاوزون حدود الموهبة أو الشهرة، فنحن نميل إليهم لأنهم يرافقوننا في مراحل معينة من حياتنا، ويصيغون مشاعر نعجز عن التعبير عنها، ويُشعروننا -ولو للحظة- بأن هناك من لامس ما يختبئ في أعماقنا وأظهره. هكذا كانت علاقتي بآرثر رامبو.

صادفته أول مرة عبر الكتب المدرسية وبعض القصائد التي تُدرّس عادة في المراحل الثانوية، وعبر تلك الصورة الشهيرة للشاب النحيل ذي الشعر الأشقر المائل إلى الحمرة والعينين الزرقاوين اللتين تجمعان بين البراءة والتمرّد. كان وجهه يحمل ذلك الجمال الهادئ الذي يسبق العواصف، وتوحي نظرته بشيء من التحدي وشيء من الحزن، نظرة شاب يرى العالم أضيق من أحلامه. 

ظلت هذه الصورة راسخة في ذهني لسنوات، حتى بعد مشاهدتي فِلم «الكسوف الكلي» (1995)، الذي جسّد فيه ليوناردو دي كابريو شخصية رامبو. ومع موهبة دي كابريو وحضوره الطاغي، لم يتمكن من محو الصورة التي رسمتها مخيلتي للشاعر. إذ ظل رامبو الحقيقي، في الصور القليلة التي وصلتنا عنه، أشد غموضًا وإثارة للفضول من أي تجسيد سينمائي.

الآثار الشعرية لرامبو
الآثار الشعرية لرامبو

لقد أدهشتني حياته الشعرية الموجزة، فقد كتب كل شيء بين السادسة عشرة والعشرين من عمره، وفي غضون أربع سنوات دمّر الشعر الفرنسي وأعاد تأسيسه، ثم مضى إلى إفريقيا ليعمل في التجارة، ليعود بعد كل تلك الحرية التي منحها إياه السفر، ليقبع في غرفة مستشفى باردة حتى وافته المنيّة وهو لم يتجاوز الأربعين. ومع ذلك، ظلَّ عندي شخصيةً بعيدة، تنتمي إلى عالم الأدب أكثر من انتمائه لعالمي، ولم تتغيّر هذه النظرة إلا بعد مرور سنوات.

كنت متحمسةً للغاية حين التحقت بالجامعة، مع أنني لم أدرس التخصص الذي رغبت فيه، إذ تخيلت أنني أدخل فضاءً جديدًا سأجد فيه ذاتي بسهولة. ومع مرور الوقت، كوّنت صداقات وشاركت في أنشطة متنوعة، وتعرّفت إلى أشخاصٍ كثيرين أكنّ لهم المودة والتقدير. كانت الأمور تبدو من الخارج مستقرة ومطمئنة، وكنت أضحك وأتحدث وأشارك الآخرين تفاصيل أيامهم. ومع ذلك، كان يراودني بين الحين والآخر شعور غامض صعُب عليّ الإمساك به.

لم يكُن شعورًا بالوحدة، فالوحدة تعني غياب الآخرين، في حين كان الآخرون حاضرين في حياتي. ما كنت أشعر به أقرب إلى الغربة. غربة تظهر فجأة وسط الألفة، وكأن جزءًا مني يقف دائمًا على هامش المشهد ويراقبه من بعيد. شعرتُ أحيانًا أنني أعيش أكثر من هوية في الوقت نفسه، الطالبة المجتهدة، والصديقة القريبة من الجميع، والزميلة التي تحاول الاندماج في محيطها، والابنة التي حققت رغبة والدها في الالتحاق بكلية الحقوق، كانت كل تلك الوجوه تنتمي إليَّ، لكنها لم تستطع أن تحتوي ذاتي كاملة. خلفها جميعًا ظللت أتساءل: من أكون فعلًا حين أختلي بنفسي؟

في تلك المرحلة زارني رامبو مجدّدًا، لكن هذه المرة بطريقة مختلفة. قرأته كإنسان خاض تجربة مشابهة في بحثه الدائم عن نفسه، وعندما صادفت عبارته الشهيرة: «الأنا هو آخر» (Je est un autre) شعرت أنها تضع يدها على شيء عشته طويلًا دون أن أجد له اسمًا. أراني رامبو أن الهوية ليست بناءً ثابتًا، وإنما حركة مستمرة وتحول دائم، نحن نحمل في داخلنا أكثر من شخص، وأكثر من رغبة، وأكثر من احتمال، ولذلك قد نشعر أحيانًا بأننا غرباء حتى عن أنفسنا، رامبو يطمئنني ويهمس لي دائمًا أنه لا بأس في ذلك.

ما أحببته في رامبو أنه لم يحاول التخلّص من هذا التناقض أو إخفاءه، كما فعلت أنا، وإنما جعله محورَ تجربته الشعرية. كانت قصائده رحلةً متواصلة نحو المجهول، وسعيًا دائمًا إلى تجاوز الحدود التي يفرضها المجتمع أو يفرضها الإنسان على نفسه، كتب في قصيدته «بوهيمياي» (Ma Bohème): «وأمضي، يدي في جيوبي المثقوبة»، يقدم هذا البيت صورة أخرى للتيه، تيه الإنسان الذي يواصل السير دون أن يعرف تمامًا ما الذي يبحث عنه، ودون أدوات تعينه في تلك الرحلة غير الكلمة. كنت أشعر أحيانًا أنني أسير بالطريقة نفسها، أتنقل بين أدواري المختلفة، وأحاول أن أجد وسطها خيطًا يقودني إلى ذاتي، وكل ما أحصل عليه سرعان ما يمضي وكأن يديّ فعلًا في جيوب مثقوبة؛ سرعان ما أخسر ما حصلته عليه وأكرر المحاولة الواحدة تلو الأخيرة، والحقيقة أنني لا أزال كذلك، الفارق أني الآن متصالحة مع الأمر، بل بدأ الأمر يروقني وأجد فيه معنى للحياة: السعي.

أحببت في شعر رامبو رؤيته هذه لمعنى الغربة، فنحن نعيش فوضى آراء تدفعنا قسرًا نحو التأقلم والتشابه، وتنهال علينا يوميًّا أوامر مكررة: «كُن طبيعيًّا»، «كُن كبقية الناس»، «غيِّر ملامحك»، «اقرأ هذا»، «اصمت»، «لا تعترض»، «افعل ما يفعله الجميع». وفي مواجهة هذه الأصوات التي تسعى لقولبتنا، يثمّن رامبو قيمة الاختلاف، وأهمية الحفاظ على مسافةٍ داخلية تتيح لنا التروي وإعادة اكتشاف ذواتنا. علمني الفتى أن الشعور المستمر بالغربة ليس بالضرورة دليلًا على خللٍ ما، بل قد يكون علامة على أنّنا ما نزال أحياء، نبحث، ونتساءل، ونرفض الاكتفاء بالإجابات الجاهزة.

صحيح أن شعره فتح لي أبوابًا على شعراء آخرين فرضوا تجاربهم بقوة على مساري، مثل بيسوا الذي علمني أن أتوزع إلى ذوات متعددة وأبقى واحدة، وريلكه الذي علمني أن أعشق الأسئلة وأصبر على غياب الأجوبة، لكن رامبو يظل الأثير لدي، ولعل لوجهه الملائكي يد في ذلك.

والآن وأنا أكتب هذه التدوينة البسيطة، وأرى ديوانه قابع في رف الكتب الشعرية، أشعر بالامتنان لشاعرٍ لم يعِش زمني لكنه تحدث عنه وعني، وأتخيله يشجعني بملامحه الحزينة قائلًا: «قلت إنه ينبغي أن يكون المرء رائيًا، أن يصبح رائيًا»، وأجيبه: «أنّى لنا ذلك يا عزيزي!» 


كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭

مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨

موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!

هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗

التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁


برقٍ يفوتك لو مزونه مراهيش

لا تستخيل أمطار سحبٍ مقافي

الأمير محمد بن أحمد بن محمد السديري رحمة الله عليه


من باريس إلى شاشتك 🎮

سواء كنت تحب الشوتر أو القتال أو أي تصنيف من الألعاب، ثمانية تنقل لك أبرز البطولات في كأس العالم للرياضات الإلكترونية💥 بنقل مباشر واستوديوهات تحليلية وتقارير تفصيلية وغيرها كثير!
عش التجربة الكاملة لمتابعة لعبتك المفضلة مجانًا على تطبيق ثمانية.


  1. أبجدية لاكتمالي

تأليف: جاسم الصحيح/ الناشر: دار تشكيل

يُمثِّل ديوان «أبجدية لاكتمالي» عودةً جديدة للشاعر جاسم الصحيح بعد سنواتٍ من الصمت، ويقدّم فيه تجربةً شعريةً تتقصّى بحث الإنسان عن الكمال وعن معنى وجوده. يُصوِّر الديوانُ الاكتمالَ أفقًا بعيدًا يسعى إليه المرء طوال حياته، فكلما اقترب منه، اتّسعت المسافةُ بين رغبته وتحقيقها.

يضم الديوان مجموعةً من القصائد التي تتنوّع بين الشعر العمودي وقصائد التفعيلة، مع غلبة واضحة للقصيدة العمودية التي عُرف بها الشاعر بين أقرانه المعاصرين. يستفتح عمله بإهداءٍ مؤثر إلى أستاذه الراحل مبارك بوبشيت، الذي ودّعنا وودع الشعر العام الماضي، ثم يكشف عن علاقته بالكتابة؛ إذ تبدو القصيدة لديه كائنًا حيًّا يولد من رحم التجربة والواقع، وهو ما يجعله يعتز بكل ما يخطّه باعتباره امتدادًا لذاته الإنسانية.

قصيدتي لم تكُن يومًا تجارتها

إلا مع الله والأخلاق والشيم

أخشى عليها فأخشى أن تضيع سدى

مهدورةً مثل حملٍ خارج الرحم

يوظف الشاعر لغةً تصويرية تستلهم عناصر الحياة اليومية، ومشاهد الطبيعة، ومخزون الذاكرة، لتتشكل نصوصًا ذات أبعاد رمزية تتأرجح بين التأمل الوجداني والتساؤل الفلسفي. ويجد القارئ نفسه عالقًا وسطها بين النقص والرغبة، والخسارة والأمل، أمام ذاتٍ شعريةٍ تختزل تجاربها الشخصية وتتجاوزها، لتنفتح على قضايا وطنية وإنسانية كبرى، كالحب والزمن والهوية والغياب، محولةً بذلك التجربة الشعرية إلى مشاعر إنسانية مشتركة.

أنا بدوي الروح ما زلتُ أنتمي

إلى الريح حتى قام ما بيننا عهدُ

إذا لوحت لي غيمةٌ قلت ناقةٌ

تطيرُ جناحاها هما البرقُ والرعدُ

يتنقل الشاعر بين الحنين والذاكرة، محتفيًا بالإنسان والقيم التي تشكّل جوهر المجتمع. ويبرز الحنين بوصفه محورًا رئيسًا في الديوان، فهو حنينٌ إلى الماضي وإلى صورة مثالية للحياة والذات، يجسد من خلاله الشاعر صراعات الإنسان الداخلية مع نفسه ومع العالم، عبر ثنائيات الحضور والغياب، والنور والعتمة، والامتلاء والفراغ. ومما يلفت انتباه القارئ تلك القصائد التي تمثل ذروة التجربة الشعرية، حيث يحتفي الشاعر بالموروث الشعبي والبيئة المحلية بوصفهما رموزًا للمكان والانتماء، فيشع في كل نصٍ منها صوتُ الاعتزاز.

يظهر الديوان بما لا يدع مجالًا للشك تمكّن الشاعر من أدوات الشعر الكلاسيكي، مُحافظًا على إيقاعٍ وبناءٍ مُحكم، ولغةٍ مفعمةٍ بالموسيقى، مما يُرسّخ مكانته بين أبرز الشعراء المعاصرين. ولا يبدو العمل في جوهره خاضعًا للقالب التقليدي، بل هو مصفوفة من القصائد القادرة على مخاطبة القارئ الحديث، ومنحه فرصةً للتنقّل بين عوالم حتما سيقرأ فيها بعضًا من أحاسيسه وتفاصيل يومه.

  1. أغنية لعبور النهر مرتين

تأليف: محمد عبدالباري/ الناشر: صوفيا

إن كنت في وطني أموت

فربما في رف مكتبة يموت كتاب

يتناول محمد عبدالباري في هذا الديوان تجربةً شعريةً تتجاوز حدود الوجدانيات المباشرة، لتبلغ فضاءً أرحب من التأمل الفكري والبحث الوجودي، إذ يواصل الشاعر مساره القائم على المزج بين الحداثة والأصالة اللغوية والموضوعات الراسخة في الثقافة العربيّة، فتغدو قصائده جسرًا لحوارٍ مستمر بين الماضي والحاضر، وبين تجربة الفرد وذاكرته الإنسانية.

يقوم الكتاب على فكرة «العبور» كمحورٍ رمزيٍّ تسرده القصائد في صورٍ شتى، مثل العبور المكاني والنفسي الذي يعكس التحولات الفكرية التي صاغت تجربة الشاعر الحياتية. وفق ذلك، تبدو القصائد اجتهادًا في فهم الزمن واستيعاب أثره على الذات، حيث تظهر الحياة كمحطاتٍ متصلة بين الثبات والانكسار أمام دلالاتٍ شتى تحاول وصفها.

يتخذ الشاعر،كغيره من الشعراء والأدباء، من الذاكرة مخزونًا أساسيًّا لتشكيل تجربته الشعرية، إذ يستحضر أحداثها بدلالاتٍ جديدة لتصبح جزءًا من الذات والعالم. ومن هنا، تتداخل الأزمنة في نصوصه، فيلتقي الماضي بالحاضر، ويُقرأ النص لفهم الواقع، بدلًا من أن يكون مجرد حنينٍ إلى ما مضى.

فيا خفّةً في الظلال التي تتمشى معي دون أن تقصدا

أريدك أن تتركيني ونفسي كي ألتقيها هنا مفردا

تتسم لغة عبدالباري بكثافة الإيحاء أكثر من التصريح، وتتميز بقدرتها على خلق صورٍ شعرية تحمل دلالاتٍ متعددة في آنٍ واحد. وتكمن قوة لغته في الجمع بين البساطة والعمق، حيث يستقي تعابيره من الطبيعة المتغيرة، ليجد القارئ نفسه أمام نصوصٍ متجددة تكشف عن تأملاتٍ وتجارب متنوعة.

كما يستعين بعناصر من التراث الديني والتاريخي، موظفًا إياها أدواتٍ فنية تُبرز النص في أبهى صوره، إذ تتقاطع التجربة الشخصية مع سياقات إنسانية أوسع، لترتقي بالتفكير إلى تساؤلات حول المصير والهوية. ويستمد الديوان جماليته من ترابط قصائده في أجوائها ومعانيها، ليجد القارئ في ختامه أنه خاض رحلة غنية بالمشاعر والتأملات الفكرية.

يظلُّ ديوان «أغنية لعبور النهر مرتين» في جوهره مجموعةً شعرية، لكنني قرأته كرحلةٍ فلسفية هادئة تُذكّرنا بتساؤل أوغسطين عن جريان الزمن، رحلةٌ تأرجحت فيها بين ضفتي الحلم والواقع، تاركةً خلفي أصداءً موسيقية وصورًا وأسئلةً تبحث عن إجاباتها، وكأن الشاعر قد عبر النهر بدوره، لكنه لم يعد الشخص نفسه بعد العبور، ولا أنا.

  1.  The Intentions of Thunder

تأليف: باتريشا سميث/ الناشر: Scribner

 «هل تستطيع القصائد أن تنقذنا؟»

صدر ديوان «نوايا الرعد»، أحدث أعمال الشاعرة الأمريكية باتريشيا سميث، في نهاية سبتمبر الماضي، وحاز الجائزة الوطنية الأمريكية للكتاب في فئة الشعر لعام 2025. يضم الديوان مختارات من أبرز قصائدها التي كتبتها طوال مسيرتها الأدبية، إلى جانب نصوص تُنشر للمرة الأولى. يُعدّ هذا العمل سجلًّا حيًّا لمسيرة الشاعرة التي وظفت الشعر أداةً لتقديم شهادات مؤثرة عن الألم الإنساني وما يحمله التاريخ من قضايا الفقد والاضطراب، إيمانًا منها بأن «وظيفة الشاعر أن يكون شاهدًا».

يدرك قارئ شعر أن نبرتها ظلّت وفية لجوهر الإنسان رغم تباين الأزمنة والمواضيع، فهي لا تزال تبحث عبر اللغة عن معنى العيش وسط اضطرابات العالم، متنقلةً بين فضاءاتٍ رحبة، ومستحضرةً وقائع تاريخية مؤلمة، وتجارب شخصية وجماعية تتصل بالهوية والعرق والعدالة. وتتجلى قدرتها في مواجهة أسئلة العجز الإنساني والخسارة والمسؤولية، إذ تملك نصوصها شجاعة الاعتراف بحدود الإنسان أمام قوى أكبر منه، سواء تمثلت في أحداث اجتماعية، أو كوارث طبيعية، أو تجارب شخصية قاسية.

تتجلى قوة الديوان في قدرته على المزج بين الفردي والجمعي، إذ تنطلق القصائد من لحظات ذاتية شديدة الخصوصية، لتطرح فورًا تساؤلات رحبة تتصل بالمجتمع والتاريخ والإنسان. وتبدو النصوص في حوار دائم بين الذات والعالم، يزيده جمالًا ذلك الشعور بأن الشعر يجد دائمًا سبيله لتصوير الواقع وتفسيره: «نحن المختفون، المقفرون، والمُزاحون عن أماكنهم».

يحتفي الكتاب بقوة اللغة وقدرتها على منح صوتٍ للمهمشين والمنسيين، إذ تنحاز الشاعرة إلى الشخصيات المهملة والقصص المجهولة، لتعيد صياغتها في صورٍ شعرية مفعمة بالصدق والعاطفة. يخرج القارئ من هذا العمل مثقلًا بوعيٍ عميق بتلك التجارب، فمع أن الشعر لا يملك تغيير الواقع أو محو الآلام، فإنه يظل حاضرًا في الذاكرة ليمنح «التجربة الإنسانية» معنىً وشكلًا يسمح بمشاركتها مع الآخرين.

يبحث ديوان «نوايا الرعد» عن أجوبة، ويفتح في الوقت ذاته أبوابًا لأسئلة سيتفاعل معها القارئ حتمًا: كيف نحمل ذاكرتنا؟ كيف نواجه خساراتنا؟ وكيف للكلمات أن تحفظ ما يعجز الزمن عن حفظه؟ يظهر الديوان كأنه رعدٌ يمر في السماء ويختفي، لكن صداه يمتد طويلًا في الذاكرة، ليُذكّر القارئ بأن الشعر، ربما، يكون الوسيلة الوحيدة لنحيا هذه الحياة كما ينبغي.

القراءةالكتب
نشرة إلخ
نشرة إلخ
أسبوعية، الأربعاء منثمانيةثمانية

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.

+30 متابع في آخر 7 أيام