ماذا تقول السينما حين تتكلم بلغة الرياضة؟


من ترغب في أن يكون ضيف بودكاست النشرة السينمائية القادم؟

نايف العصيمي


تصميم: أحمد عيد
تصميم: أحمد عيد

ماذا تقول السينما حين تتكلم بلغة الرياضة؟

محمود عصام

بما أنني كاتب رياضي يحب السينما، يفترض كثيرون تلقائيًّا أنني أحب أفلام الرياضة. وهو افتراض صحيح بالفعل، لكن انجذابي إلى السينما لا يتوقف عند حضور الرياضة فيها وحسب، بل عند قدرتها على تحويل الرياضة إلى لغة للسرد، لغة أفهمها جيدًا، وإن كان فهمها ليس شرطًا للاستمتاع بها.

تصلح الرياضة أن تكون وسيلة للحديث عن الخوف والوحدة والهزيمة والعائلة. ذلك لأنها لا تدخل أي حكاية بمعناها المجرد، وإنما بما تحمله داخل كل مجتمع من ذاكرة وشغف وتناقضات.

تخيل مثلًا أنك محقق في جريمة قتل واغتصاب، وتعثر بين أوراق المشتبه به على هذه الرسالة:

«أقسم أنني تحت هذا المطر أصبح وضعي أسوأ من "أولينياك". لكنني سأحضرك إلى هنا يا أمي، وسوف نكون مثل "أنيدو" و"ماسياس". لا تقلقي يا أمي، فأنا مثل "مانفريديني" وليس مثل "باباسترو".»

تقرؤها مرة بعد أخرى، فلا تفهم منها شيئًا. تبدو كأنها شفرة سرية بين القاتل وبين والدته، مكتظّة بأسماء لا تعني لك شيئًا. وبعد بحثٍ طويل، تكتشف أن جميع هذه الأسماء تعود إلى لاعبين صنعوا تاريخ نادي راسينج الأرجنتيني. عندها تدرك أن السبيل الوحيد لفهم الرسالة هو اللجوء إلى مشجع مُتيّم بهذا النادي، فيبدأ كل اسم في اكتساب معناه.

«أولينياك» هو جناح راسينج الذي سقط يومًا في حفرة داخل الملعب وخرج منها مبتلًا تمامًا، و«أنيدو» و«ماسياس» من أبطال النادي في سنوات مجده، أما «مانفريديني» فهو لاعبٌ تعاقد معه راسينج بمبلغ زهيد قبل أن يصبح أحد أبرز نجومه، بينما كان «باباسترو» مهاجمًا لم يسجل أي هدف.

هذه ليست قصة حقيقية بالطبع، لكنه أهم مشهد الفِلم الأرجنتيني «The Secret in Their Eyes»، الحائز على جائزة الأوسكار عن أفضل فِلم أجنبي عام 2009. وفي هذا المشهد، يقود تفسير تلك الرسالة المحقق إلى القبض على القاتل الهارب في المكان الوحيد الذي لم يستطِع مقاومة الذهاب إليه: مدرّجات ملعب راسينج لكرة القدم.

للوهلة الأولى، يبدو الأمر مجرد حبكة بوليسية ذكية، لكن بقليل من التأمل يتضح أنها حبكة يصعب أن تبدو مقنعة خارج الأرجنتين؛ حيث لا تمثل كرة القدم مجرد لعبة، وإنما شغفًا متجذرًا في الوجدان، وجزءًا من الهوية التي يعرّف بها كثيرون أنفسهم. وهذا تحديدًا ما يجعل الرياضة وسيطًا سرديًّا بالغ القوة في السينما؛ حيث تتحوّل إلى طريقٍ يقودنا إلى ما يريد الفِلم قوله عن الإنسان والمجتمع.

في كتاب «الرياضة والسينما» (Sport and Film)، يوضح شون كروسون أن الرياضة تمتلك خصائص تجعلها بيئةً مثالية لبناء الحكايات؛ فهي تحمل مسبقًا عناصر الصراع والتشويق والانتصار والهزيمة، وهي عناصر يتفاعل معها المشاهد بصورة فطرية. لكنه يرى أن هذه الخصائص وحدها لا تفسر حضور الرياضة في السينما، لأن دلالتها النهائية تتشكّل وفق المعاني التي تكتسبها داخل المجتمع الذي يدور فيه الفِلم.

يضرب شون مثالًا بالسينما الأمريكية، حيث ترتبط الرياضة في الوعي الجمعي بفكرة «الحلم الأمريكي»، لذلك لا تستحضر الأفلام مباراة أو منافسة فقط، وإنما تستدعي معها قيم الطموح والنجاح وإمكانية تغيير المصير.

وإذا كانت السينما الأمريكية تمنح الرياضة معنًى مرتبطًا بالحلم والطموح، فإن مجتمعات أخرى تمنحها معاني مختلفة تمامًا. وهذا ما نجده بوضوح في فِلم المخرج الإيراني جعفر بناهي «Offside»، الذي تدور أحداثه حول فتاة تتخفّى في زي الرجال محاوِلةً حضور مباراة حاسمة بين إيران والبحرين في تصفيات كأس العالم، قبل أن تحتجزها قوات الأمن برفقة أخريات بسبب منع النساء الإيرانيات من حضور مباريات كرة القدم آنذاك.

تدور أحداث الفِلم كلها في أثناء المباراة، وعلى الرغم من ذلك، تكاد المباراة نفسها لا تظهر على الشاشة أكثر من خمس عشرة ثانية فقط. فما نراه هنا ليس مجرد مشجعات لكرة القدم، ولا أفعالًا نابعة من هوس بالرياضة، بقدر ما هو انتقاد للنظام الأبوي عبر كشف تناقضاته. فإذا كان حب الوطن، أو تشجيع المنتخب، أمرًا متوقعًا من الجميع، فلماذا يُحرم النساء من التعبير عنه؟

ويبدو أفضل قراءة للفِلم، تلك التي جاءت على لسان مخرجه جعفر بناهي نفسه، حين قال: «استخدمت مباراة كرة القدم بوصفها استعارة لإظهار التمييز ضد النساء على نطاق أوسع»، هنا تتضح وظيفة الرياضة في الفِلم؛ فهي ليست موضوع الحكاية، وإنما لغة اختارها بناهي للحديث عن قضية أكبر من الرياضة نفسها.

وحتى الأفلام التي تبدو، للوهلة الأولى، أفلامًا عن الرياضة فقط، سرعان ما تكشف أن الرياضة ليست سوى إطار لحكاية أخرى. ففي «Bend It Like Beckham»، تتحوّل رحلة فتاة بريطانية من أصول هندية نحو احتراف كرة القدم إلى رحلة بحث عن مكان لها بين عالمين؛ عالم أسرتها المتمسك بالتقاليد الهندية، وعالمها البريطاني الذي ترى فيه مستقبلها. هنا تصبح كرة القدم مسرحًا لقضية الهوية والانتماء.

أما الفِلم الصربي «!Montevideo, bog te video»، فيستدعي قصة أول مشاركة ليوغوسلافيا في كأس العالم عام 1930، ليصنع منها ذاكرة جماعية جديدة تساعد الصرب المعاصرين على استعادة شعور الوحدة بعد عقود من الحروب والانقسامات؛ فيجعل كرة القدم بديلًا عن ذاكرة الحرب، ويستبدل صور الخسارة بصور الصداقة والتعاون والانتصار.

وبالعودة إلى كتاب (Sport and Film)، يوضح شون كروسون أن الرياضة لا تأتي إلى السينما محملة بمعناها، وإنما تستعيره أولًا من المجتمع الذي تنتمي إليه، ثم تعيده إلى الشاشة في صورة حكاية. هكذا تصبح كرة القدم في سينما ألمانيا وسيلة لاستعادة الثقة بعد الحرب، وفي سينما المكسيك طريقًا للعودة إلى الجذور، ويغدو الرجبي في سينما جنوب أفريقيا رمزًا للمصالحة الوطنية، بينما تحمل الرياضة في السينما الصينية دومًا قيم الجماعة والانتماء.

أتمنى أنك اقتنعت الآن بأنْ لا حاجة إلى أن يكون المرء خبيرًا كرويًّا ليشاهد أفلامًا لها صلة بكرة القدم، لكن إذا كنت من هؤلاء، فستلاحظ أشياء قد لا يلتفت إليها غيرك؛ مثل أن الممثل الذي أدى دور القاتل في «The Secret in Their Eyes» يشبه ميسي بشكلٍ غريب!


اقرأ وافحص وانقد وشاهد مع «سينماء»،

المكان اللي يعزز المعرفة النقدية ويوسّع من إطارنا لفهم السينما وتناولها؛ في سبيل صناعة سينمائية سعودية أصيلة تعبر فينا الآفاق.

ليكتمل المشهد، تعرف على «سينماء».


Ted Lasso
Ted Lasso

📽️ في دور السينما

 

  • يُعرض اليوم الفِلم الوثائقي السعودي «عمق»، الذي يتابع حياة الغواص السعودي أحمد الجابر، ويستعرض طبيعة عمله في صيانة خطوط أنابيب النفط تحت أعماق البحر، مُسلّطًا الضوء على المخاطر اليومية والضغوط التي يواجهها الغواص في مهنته الخطِرة.

  • يُعرض أيضًا فِلم الأكشن والإثارة «Seven Snipers»، الذي تدور أحداثه حول قناصة متقاعدة تعيش متخفية في مزرعة بأستراليا، لكنها تضطر إلى لمّ شمل فريقها القديم عندما يهدد ابنتها زعيم حرب انتقاميّ.

  • ويعرض كذلك فِلم الإثارة «Infiltrate». ويحكي عن قوة غامضة تدفع امرأة عادية إلى التوغل في عالم الجريمة المُنظّمة، في محاولة يائسة منها لإنقاذ زوجها المختطف من قبضة إحدى العصابات.

  • كما يعرض فِلم الرعب «Evil Dead Burn»، حيث تلجأ امرأة إلى منزل عائلة زوجها الراحل بحثًا عن العزاء، قبل أن يتحول أفراد العائلة، واحدًا تلو الآخر، إلى كائنات ممسوسة، لتجد نفسها في مواجهة مرعبة من أجل البقاء.

  • وتُختتم العروض بفِلم المغامرات والفانتازيا «Moana»، وهو النسخة الحية من فِلم ديزني الكرتوني الصادر عام 2016، ويتابع رحلة «موانا» وهي تبحر عبر المحيط في مغامرة جديدة لإنقاذ شعبها واكتشاف قدرها.

 📰 أخبار وإعلانات سينمائية

  • أعلنت أكاديمية التلفزيون ترشيحات الدورة الـ78 من جوائز الإيمي، التي شهدت تصدّر مسلسل «The Pitt» قائمة الأعمال المرشحة بـ25 ترشيحًا، فيما حلّ «Hacks» ثانيًا بأربعة وعشرين ترشيحًا، محققًا الرقم الأعلى لمسلسل كوميدي في عام واحد. كما تصدرت «HBO Max» جميع المنصات بـ122 ترشيحًا، متقدمة على «Netflix» بـ111 ترشيحًا، على أن يُعلن عن الفائزين خلال حفلات جوائز الإيمي التي تُقام في سبتمبر المقبل.

  • انضمت الكاتبة ليز ميريويذر، مبتكرة مسلسل «New Girl»، إلى فريق كتابة فِلم السيرة الذاتية لبريتني سبيرز، الذي يستند إلى مذكراتها الأكثر مبيعًا «The Woman in Me». يتولى إخراج الفِلم جون إم. تشو، فيما ينتجه مارك بلات لصالح «Universal Pictures»، دون الكشف حتى الآن عن موعد بدء التصوير أو طرحه في دور السينما.

  • انضم جود لو إلى بطولة فِلم جديد تدور أحداثه حول سائق هروب، من سيناريو زاك بايلين، أحد مبتكري مسلسل «Black Rabbit» والمرشح لجائزة الأوسكار عن فِلم «King Richard». ويتولى إنتاج الفِلم شركة «Riff Raff Entertainment»، المملوكة لجود لو، التي سبق أن تعاونت مع بايلين في مسلسل «Black Rabbit» وفِلم «The Order».

  • انضم دواين جونسون إلى البطولة والإنتاج في فِلم الأكشن الدرامي «Free Byrd»، للمخرج قريق كويدار، مخرج «Sing Sing». ويجسد جونسون شخصية مؤدي عروضٍ خطِرة بالدراجات النارية في لاس فيقاس، يخفي إصابته بالخرف، في حين يخاطر بكل شيء لتنفيذ قفزة أخيرة، فيما تتولى شركة «Artists Equity»، المملوكة لبن أفليك ومات ديمون، إنتاج الفِلم.

  📺 عروض المنصات الرقمية

  •  يُعرض على «Netflix» مسلسل الدراما «Little House on the Prairie»، المُقتبس من سلسلة الروايات الشهيرة، للكاتبة لورا إنقالز وايلدر. يتابع المسلسل رحلة عائلة «إنقالز» لبناء حياة جديدة في الغرب الأوسط الأمريكي خلال أواخر القرن التاسع عشر. 

  • يُعرض أيضًا على «Netflix» مسلسل الدراما الكوري «Apartment». وتدور أحداثه حول رجل عصابات سابق يترشح لرئاسة اتحاد سكان مجمع سكني طمعًا في الوصول إلى أموال مخبأة داخل المبنى، قبل أن يكشف عن شبكة فساد تهدد جميع السكان.


أكثر من 65% من سكان السعودية يلعبون الألعاب الإلكترونية؟  😲

يعني أن ثلثي من حولك الآن ممن يملك جهاز ألعاب سواءٌ في منزله أو الاستراحة، قد يكون مشاركًا في بطولات الرياضات الإلكترونية. 🎮

وضمن رحلة ثمانية لإثراء المحتوى العربي، قررنا أن نلعب!

في «ألعاب ثمانية» نقدم محتوى متكاملًا للّاعب العربي من أخبار ومراجعات، إلى تغطية البطولات.

مهتم تعرف أكثر؟ تابع حساب «ألعاب ثمانية».


يُعد «الحريف» (1983) من أكثر أفلام المخرج محمد خان التصاقًا بفكرته عن المدينة والإنسان العادي. يتابع الفِلم حياة «فارس»، عامل مصنع الأحذية الذي لا يملك في الحياة سوى موهبته في كرة القدم في شوارع القاهرة. ومن خلال هذه الحكاية يرسم خان صورةً لمدينة يعيش فيها الناس على هامش أحلامهم، باحثين عن لحظات تمنحهم شعورًا بالحرية والانتصار. وجاءت صناعة الفِلم بعيدة عن الميلودراما المعتادة؛ بحيث اعتمد خان على تصوير واقعي في الشوارع، وإيقاع هادئ، وتفاصيل يومية تبدو عابرة لكنها تصنع عالمًا كاملًا. 

وفي هذا العالم بحث محمد خان عن موسيقا تنتمي إلى الشارع. لذلك وقع اختياره على الملحّن هاني شنودة، الذي أعاد صياغة أغنية «الشوارع حواديت» لتصبح النغمة الأساسية للفِلم. وقد أوضح شنودة لاحقًا أن محمد خان طلب منه تحويلها إلى موسيقا تصويرية من دون أن تخسر روحها، وهو ما استدعى إعادة توزيعها لتخدم الصورة والمشهد لا الكلمات.

و«الشوارع حواديت» في أصلها أغنية لفرقة «المصريين»، كتب كلماتها صلاح جاهين ولحنها هاني شنودة وغنتها إيمان يونس. لكن حضورها في «الحريف» منحها «حياة» مختلفة، وحاكت الجو الدرامي للفِلم وأصبحت جزءًا لا يتجزّأ منه. ويكمن سرها في أنها لا تصف الشارع بوصفه مكانًا مزدحمًا أو صاخبًا، بل بوصفه ذاكرةً ومسرحًا لحكايات البشر، وهو المعنى الذي يتوافق مع رؤية محمد خان للمدينة.

لحنٌ خالد

مقطوعة «الشوارع حواديت»

تقوم المقطوعة على لحنٍ بسيط يسهُل تذكره، يتكرر بصيغ مختلفة، مع حضور لآلات السنثسايزر والكيبورد التي اشتهر بها هاني شنودة، إلى جانب طبقات كورالية تمنحها «اتساعًا عاطفيًّا» من دون أن تفقد طابعها الحضاري. وهذه البساطة هي ما جعلها قابلةً لأن تتحول إلى هوية صوتية للفِلم؛ إذ تظهر في لحظات الحركة واللعب كما تظهر في لحظات الوحدة، وترافق «فارس» ولا تفرض نفسها على المشهد، فهي لا تشرح ما يشعر به، بل تجعل المدينة تشاركه مشاعره. وبقيت المقطوعة حاضرة في ذاكرة الجمهور حتى بعد مرور عقود، وصارت عند الكثيرين مرادفًا بصريًّا وسمعيًّا للقاهرة التي قدّمها محمد خان.

عبدالعزيز خالد


فِلم «The Damned United»
فِلم «The Damned United»

اليوم نقول أكشن مع واحد من أقوى مشاهد فِلم «The Damned United».

يروي الفِلم قصة المدير الفني «براين كلوف»، الذي كرّس سنوات من حياته لإثبات أنه أفضل من غريمه «دون ريفي»، لكنه عندما يقوده القدر لإدارة الفريق الذي صنع مجد منافسه، تتحول رغبته في التفوق عليه إلى هوس يغيّر مسيرته وحياته.

في مشهد المواجهة التلفزيونية، يجد «كلوف» نفسه خارج نادي ليدز بعد تجربة كارثية لم تستمر سوى ستة أسابيع. وبينما يستعد لإجراء مقابلة تلفزيونية للحديث عن فشله، يُفاجأ قبل لحظات من البث المباشر بأن ضيف الحلقة الآخر هو خصمه اللدود «دون ريفي»، لتتحوّل المقابلة إلى المواجهة الحقيقية التي كان الفِلم يبني لها منذ بدايته.

لكن كيف صُنع المشهد أكثر مباراة توترًا في فِلم عن كرة القدم... من دون كرة واحدة؟

تكمن الإجابة في اختيار المقابلة التلفزيونية نفسها؛ لأن الصراع بين الرجلين لم يكُن يومًا على نتائج المباريات، وإنما على من يمتلك الرواية، ومن سيخرج أمام الجمهور بوصفه المدير الأفضل وصاحب المبادئ. وجود الكاميرات والجمهور خلف الشاشات يجعل كل كلمة تُقال وكأنها هدف يُسجل أمام الملايين؛ فيتحول الاستوديو إلى ملعب، والمذيع إلى حكم يحاول ضبط إيقاع المباراة، ويصبح البث المباشر صافرة البداية، بينما يتحول فريق الإعداد والموظفون خلف الكواليس إلى جمهور يراقب بصمت انتظارًا للهجمة التالية.

وحتى الحوار نفسه كُتب بعقلية مباراة؛ إذ يعتمد أساسًا على السيطرة، فكل سؤال يبدو كهجمة، وكل إجابة محاولة لصدها. وتدعم اللغة السينمائية هذا الإيقاع منذ اللحظة الأولى؛ إذ يبدأ التصوير بلقطات واسعة تمنح الشخصيتين مساحة داخل الاستوديو، قبل أن تضيق الكادرات تدريجيًّا مع احتدام المواجهة، وتقترب الكاميرا أكثر فأكثر حتى يصبح تركيزها منصبًا على الوجوه والنظرات وردود الفعل الصغيرة، بينما يتسارع إيقاع المونتاج بالتوازي مع احتدام الحوار، فيتحول تبادل اللقطات بين الرجلين إلى ما يشبه تبادل الهجمات داخل منطقة الجزاء، فتشعر أن المشهد يخوض مباراة كاملة رغم أن الشخصيتين لم تغادرا مقعديهما طوال المواجهة.

ويكتمل هذا الإحساس من خلال الأداء التمثيلي؛ إذ يبدأ «براين كلوف» المواجهة واثقًا، ثم يفقد توازنه تدريجيًّا مع كل رد يتلقاه، ويحاول استعادة السيطرة مرة بعد أخرى، بينما يقف «دون ريفي» على الطرف الآخر بهدوء لافت؛ يتحدث ببطء، ويترك للصمت والابتسامات الخفيفة أن تقوم بما تعجز عنه الكلمات، فتتحول المواجهة إلى صراع نفسي بقدر ما هي صراع لفظي.

لكن أعظم ما يفعله هذا المشهد أنه يعيد تشكيل نظرتنا إلى الفِلم بأكمله. طوال الأحداث نرى «دون ريفي» من خلال عيني «براين كلوف»؛ رجلًا متكبرًا ومتعجرفًا ومهووسًا بإذلاله، ومع تصاعد المواجهة تبدأ هذه الصورة بالتصدّع شيئًا فشيئًا، لنكتشف أنها لم تكُن الحقيقة الكاملة، وإنما انعكاس للطريقة التي كان «كلوف» يرى بها نفسه. فهوسه بمنافسه لم يكُن نابعًا من كراهية حقيقية، وإنما من شعور عميق بالدونية، ورغبة مستمرة في انتزاع اعتراف بأنه الأفضل. والأكثر إدهاشًا أن الشرارة التي غذّت هذا الصراع لسنوات لم تكُن إهانة كبيرة أو خيانة مدوية، وإنما مصافحة ظن «كلوف» أن ريفي تجاهلها. لحظة عابرة أعاد عقله تفسيرها بما يتوافق مع صورته المهزوزة عن نفسه، فتحولت إلى جرح حمله لسنوات، وصنع منها عداوة كاملة لم تكن موجودة إلا في الرواية التي بناها داخل رأسه.

ولهذا، فالمشهد لا يتحدث عن كرة القدم بقدر ما يتحدث عن الأنا، وعن الحاجة إلى الاعتراف، وعن إنسان لا يريد الفوز بمباراة، وإنما يريد أن يسمع من خصمه أنه الأفضل.

عهود أبو خيرة


لو مُصمم على نجاح منتجك؟ صممه صح ✅

«معمل الصناع» في «المشتل» مساحة توفر لك الأدوات والمختصين؛ لتصميم منتجاتك واختبارها بشكل أمثل قبل وصولها إلى المستهلك باستخدام أدوات مثل قص الليزر والطباعة ثلاثية الأبعاد 🧩.


فقرة حصريّة

آسفين على المقاطعة، هذه الفقرة خصصناها للمشتركين. لتقرأها وتستفيد بوصول
لا محدود للمحتوى، اشترك في ثمانية أو سجل دخولك لو كنت مشتركًا.

اشترك الآن

في عام 1999، باع رجل الأعمال البريطاني مايك جيفريز شركته الإعلامية «Mondiale»، وانتقل من مدينة ليفربول إلى لوس أنجلوس، دون أي خطة للعمل في السينما. وبعد نحو عامين من الابتعاد عن العمل، جمعه عشاء بالممثلة بريتاني مورفي، التي اقترحت عليه دخول عالم الإنتاج السينمائي. كانت تلك اللحظة هي المرة الأولى التي يفكر فيها جديًّا بالعمل في السينما، رغم أنه لم يكُن يعرف أصلًا ماذا يفعل منتج الأفلام.

بدأ بعدها يتردد على مهرجان كان السينمائي ليتعلم كيف تُصنع الأفلام من الداخل، وهناك راقب كيف تُبنى المشاريع، وكيف تُطوَّر السيناريوهات، وكيف يحصل المنتجون على التمويل. وخلال إحدى زياراته للمهرجان، جاءت الشرارة الحقيقية في مايو 2001، بعد حضوره نهائي كأس الاتحاد الأوروبي الذي فاز فيه ناديه المفضل، ليفربول، على ديبورتيفو ألافيس بنتيجة (5-4). عندها راودته فكرة بسيطة: إذا كانت كرةُ القدم الرياضةَ الأكثر شعبية في العالم، فكيف لا يوجد فِلم سينمائي ضخم يعكس مكانتها؟ ومن هنا بدأت رحلة تطوير مشروع سينمائي ضخم يروي قصة شاب يطارد حلمه بالاحتراف داخل عالم كرة القدم الحقيقي.

وبهذه المعلومة نستهل فقرة «دريت ولا ما دريت؟» عن فِلم «Goal! The Dream Begins»:

  • حظي مشروع «Goal!» بدعم رسمي من «FIFA»، الذي منح صناع الفِلم تعاونًا غير مسبوق أتاح لهم استخدام الأندية واللاعبين والمنافسات الحقيقية، وهو ما لم يكُن ممكنًا في أفلام كرة القدم السابقة.

  • تغيّر مخرج الفِلم بعد بدء التصوير، إذ غادر مايكل وينتربوتوم المشروع بعدما رأى المنتجون أن أسلوبه يميل إلى الدراما الوثائقية، في حين أنهم يبحثون عن فِلم روائي جماهيري. وبعد أن صوّر ليلتين من الفِلم، تولى داني كانون الإخراج.

  • أُعيد تطوير السيناريو خلال ثلاثة أسابيع فقط بعد رحيل مايكل وينتربوتوم عن المشروع. ففي وقتٍ كان الإنتاج قد بدأ بالفعل، تولى داني كانون، مع الكاتبين ديك كليمنت وإيان لا فرينيه، إعادة صياغة السيناريو بالكامل، استعدادًا لاستئناف التصوير بالنسخة التي وصلت إلى الشاشة.

  • بدأت رحلة كونو بيكر مع الفِلم بصعوبة. فبعد اعتذار دييقو لونا، آل إليه دور «سانتياقو مونيز»، لكنه خضع لتدريبات كروية مكثفة انتهت بإصابته بكسور إجهادية في كاحليه، منعته من المشي قرابة شهر ونصف. ورغم ذلك، عاد ليخوض فرصته الأخيرة، قبل أن يصبح الدور من نصيبه في النهاية.

  • لم يكُن اختيار نيوكاسل يونايتد هو الخطة الأصلية. فقد سعى المنتج مايك جيفريز أولًا إلى تصوير الفِلم مع ناديه المفضل ليفربول، ثم اقترب المشروع من مانشستر يونايتد، قبل أن ينجح رئيس نيوكاسل فريدي شيبرد في إقناع المنتجين بنقل الفِلم إلى ناديه.

  • صُوِّرت بعض مشاهد الفِلم في ملاعب حقيقية، كما استُخدمت لقطات أصلية من المباريات والجماهير لإضفاء أكبر قدر من الواقعية. وكان الممثلون يدخلون أرض الملعب فور إطلاق صافرة النهاية لتصوير مشاهدهم، فيما يحرص فريق العمل على تفادي كاميرات البث المباشر حتى لا يفسد الوهم في الفِلم.

  • كان جَمعُ ديفيد بيكهام وزين الدين زيدان وراؤول في مشهد واحد تحديًا بحد ذاته. فتنسيق مواعيد لثلاثة من أكبر نجوم كرة القدم في العالم، وسط موسم مزدحم بالمباريات والالتزامات، قد شكّل واحدة من أكثر المهام تعقيدًا التي واجهت فريق الإنتاج.

  • لعبت «Adidas» دورًا محوريًّا في إنتاج ثلاثية «Goal!». فبعد أن اكتفت «Nike» بعرض تزويد فريق العمل بأحذية مجانية، نجح المنتج مايك جيفريز في إقناع «Adidas» بصفقة بلغت 50 مليون دولار، شملت إنتاج الثلاثية وحملتها التسويقية، لتصبح واحدة من أكبر الشراكات بين علامةٍ تجارية وفِلمٍ سينمائي في ذلك الوقت.

عهود أبو خيرة

النشرة السينمائية
النشرة السينمائية
أسبوعية، الخميس منثمانيةثمانية

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.

+10 متابع في آخر 7 أيام