حينما أنقذتني اللغة من نفسي 🛟

زائد: عبادي الجوهر يغني على مقام البِحار 🌊

اللغة العربية لغة ساحرة، وأقول «ساحرة» لأن السحر لا ينفك بسهولة، وهذا ما سيحدث لك حينما تخوض تجربة البحث في اللغة ومعانيها. يقال: الشقي من اتّعظ بنفسه، والسعيد من اتّعظ بغيره. و أنا هنا سأجعل نفسي في منزلة العظة لديك؛ فأنا دخلت البحث في معاني اللغة للحدّ الذي جعل مني عظةً للجميع في بيان السحر الكامن في نفوسهم فيما يقرؤون.

في هذا العدد، أتحدث عن تجربتي مع اللغة العربية حينما بدأت معها في تطبيق الجملة التي تقال في كل جدال: «سَمِّ الأشياء بأسمائها»، فاكتشفت أنها نصيحة جميلة، إلا أننا لا نسمعها في سياق إيجابي!

فيصل آل عمر


رسم: الفنان عمران
رسم: الفنان عمران

حينما أنقذتني اللغة من نفسي 🛟

فيصل آل عمر

تعرّفنا جميعًا على اللغة العربية من الصف الأول الابتدائي مع كتاب المطالعة والمحفوظات، تلك القصائد التي تخاطب رغباتنا الطفولية في انتصار الخير ودحض الشر، وفي حبّنا للمساعدة والتعاون، قبل أن ترتطم أحلامنا بمعلم يسلُّ «عصاه» ليهوي بها على يدك صعودًا ونزولًا لأنك لم تحفظ، أو لأنك قدّمت البيت الأول على الثاني، لتنشأ بداخلك عقدة من اللغة العربية تكبر مع التقدم الدراسي ودخول مواد كالإملاء والقواعد والنحو والصرف وغيرها.

حينها ربما وصلت إلى مرحلة كره كبير للغة العربية لأنك ستدرس في الصف السادس اللغة الإنقليزية مع المعلم الذي سيكون طيبًا ويحببك إليها (ولا أعلم لماذا معلمو اللغة الإنقليزية هم الأروع)، وتكره كل ما يخص اللغة العربية.

ربما بدأت عقدة الجميع من تلك المرحلة، لكنني تخلصت منها بعد أن عشت فترةً طويلة وأنا أقرأ في اللغة العربية عند فراغي من الدراسة، لأعود إلى دراسة الصيدلة صباحًا باللغة الإنقليزية، التي كانت تأخذني من العربية في التعامل والكتابة، وحتى القراءة. فالمراجع والدروس والحالات الطبية جميعها بالإنقليزية، ولن أجد أحدًا هنا يهتم باللغة العربية مهما كلّف الأمر. لذلك كانت الفجوة تزيد بيني وبين الكتب حتى ظننت أنها لن تنتهي أبدًا. 

وعند تخرجي، قررت ألّا أعود إلى الصيدلة، فالشهادة الجامعية أحيانًا لا غرض لها إلا رفع منزلتك في السلم الوظيفي، ولكنها لا تُعبّر بالضرورة عن رغبتك العلمية وشغفك المعرفي، وهذا ما كنت عليه. فاتجهت إلى المكتبة لأعمل أمين مكتبة وأغرق حقًّا في اللغة قبل أن أنتقل إلى آخر محطاتي العملية في كتابة المحتوى. وهنا صارت علاقتي باللغة أكبر؛ بدأت أحب تحرير النصوص – وأتوقّف قليلًا لأقول إن للمحرر سلطة جميلة أذاقك الله بعضًا منها عزيزي القارئ. إذ يمكنك أن تتعامل مع النصوص بطريقة بديعة في تعديلها وتشذيبها وتزيينها قبل أن تخرج إلى الناس، وسط ذهول الكاتب وهو مندهش كيف كان حذف سطر قد غيَّر المعنى. وبعض الكتّاب يرفض أن تغير حرفًا واحدًا، والناس فيما يحررون مذاهب.

ولأن تعديل النص يتطلب قدرًا من التمكن من اللغة، بحثت في معاني الكلمات وجذورها ومرادفاتها. وهنا تغيرت حياتي الشخصية على مستوى معرفتي اللغوية.

تعلمت «التعبير باللغة عمّا تمر به النفس»، وأعلم أنه عنوان طويل لهذه التجربة اللغوية، ولكن ما كان منّي إلا أن أصبحت أبحث عما يعبّر عن كل شعور في اللغة قبل أن أطلق عليه مما أعرف من مصطلحاتي البسيطة. وقد تعمّقت معرفتي، لأعلم أن حتى ما أمر به من مشاعر ليس فقط: شعورًا سلبيًّا وآخر إيجابيًّا، فالإنسان ليس كهرباء ليُحدد بين موجب وسالب! بل مشاعرنا تذهب لأبعد من ذلك.

فاختيار المفردات في التعبير عن الذات ورغباتها وطموحاتها بعد معرفة اللغة معرفةً سليمة سيغير نظرتك لما تريد وتقول. فمثلًا، أصبحت أستخدم كلمة «الرجاء» عوضًا عن «أتمنى»، لأن الأولى تعني طلب ما يمكن أن يتحقق، والثانية وما يأتي في معناها من مرادفات، تُستخدم في سياق المستحيل أو المستبعد حصوله (يمكنك استخدامها في العمل وأنت تتمنى انتهاء المهمة سريعًا)، ففي هذا يقول الشاعر:

ألا ليت الشباب يعود يومًا

 فأخبره بما صنع المشيب

فهل يمكن أن يعود الشباب يومًا؟ عذرًا لكم يا معشر الكبار، لكن لكل إنسان عمره المحدد. ولعل هذا الفرق البسيط أصبح يساعد كثيرًا في معرفة ما أريد.

ثم انتقل الأمر إلى بحثي عن الفرق بين مفردات التعبير عن الشعور، فكلما عرفتَ لفظًا يرادف الشعور المصاحب، سهل عليك التعامل معه حسًّا. فحينما يحدث لي أمر نتيجة خطأ منّي كنت أقول: «أنا غاضب من نفسي». لكن بعدها عرفت تفصيلًا لأبي هلال العسكري، إذ قال:

«الفرق بين الغيظ والغضب: أن الإنسان يجوز أن يغتاظ من نفسه، ولا يجوز أن يغضب عليها، وذلك أن الغضب: إرادة الضَّرر للمغضوب عليه، ولا يجوز أن يريد الإنسان الضرر لنفسه، والغيظ يقرُبُ من باب الغم.» فأجارك الله من غضبٍ وغيظ معًا. وهذا الأمر إن دخل في لغتك الذاتية فمن شأنه أن يدمر نفسك لأجل شأنٍ يسير، والتعامل مع الذات يجب أن يكون محفوفًا بالحرص الشديد عليها، بدءًا من التلقي، ثم الوصف، وانتهاءً بالتعامل معها. 

وحينها عرفت أن بعد الغيظ سيأتي شعورٌ مضطرب، فكنت أقول عنه «حُزنًا». وحينما تبحث في الفرق بين الحزن والأسى، ستجد أن الحزن مؤقت لا يطول، بينما الأسى يكون على شيء دائم، وفي هذا قال أبو تمام:

تَجَرَّع أَسًى قَد أَقفَرَ الجَرَعُ الفَردُ 

وَدَع حِسيَ عَينٍ يَحتَلِب ماءَها الوَجدُ 

إِذا اِنصَرَفَ المَحزونُ قَد فَلَّ صَبرَهُ

سُؤالُ المَغاني فَالبُكاءُ لَهُ رِدُّ

وهذا الفهم يساعد حتى على وصف الصفات الصادرة منك تجاه ما تراه من نفسك على ما يمر بك؛ فكنت أسمي تأخيري «النادر» تأنّيًا، ولا أسعد بوصفه بالتباطؤ أبدًا، فالأناة تأتي من ترك العجلة التي توجب الاضطراب، والتباطؤ  يأتي بمعنى التثاقل عن فعل الشيء بصورته الطبيعية. وهذا يجعلني أفسر لنفسي لماذا قد أجدني لا أقوم ببعض الأعمال، فتباطؤي عنها لأنها لا تناسبني في غالب الأمر، وأناتي فيها لأنني أحبها وأرغب في فعلها بأفضل صورة، فلعل هذا يفسّر لي نظرتي لكثير من الشؤون من حولي.

وبالضرورة هناك معانٍ أخرى كثيرة لكل شيء، ومن أهمها الفرق بين المتعة والسعادة، وهي الفخ الذي نمر به الآن مع وجود وفرة بالمتعة، ونُدرة في صناعة السعادة. فالمتعة وقتية مقيّدة بوجود محفّز لها، والسعادة تأتي صادرة بشكل خالص من الداخل.

لذلك ستجد من يسكن قصرًا ولديه كل ما تتمنى، ومع ذلك يشعر بضجر شديد يمنعه من التمتع بما حوله، في حين تجد آخر يضحك بصوتٍ عالٍ وهو على شط البحر. ولن أقول هنا أن الغني تعيس والفقير سعيد، وأفرض المقارنة الخاطئة التي تأتي كأنها عزاء للفقير. الحقيقة أن السعادة حق مكفول للجميع، لكن من الذي يستطيع أن يصنعها بداخله؟ ربما فقير يجهل السعادة وغني يعرفها لكنه عاجز عن المتعة.

لا أطلب منك أن تكون معجمًا متحركًا وتبحث عن جذر الكلمات، ولا أن تكون الرقيب العتيد على من يقول صفة عن نفسه بالإنقليزية أو بالعامية ولا تتناسب مع ما هو فيه. لكن عليك أن تعرف أنك حينما تجد الوصف المناسب لكل شيء، سيسهل عليك أن تُشخِّص الشعور، وألّا تمرّ باضطراب شعوري يجعلك تقول للآخرين في لحظات فرحهم أنك تحسدهم عليها، في حين أنك تشعر فقط بالغبطة.


كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭

مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨

موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!

هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗

التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁


عبادي الجوهر يغني على مقام البحار

لكلّ مبدع محفّز للإلهام يختلف عن غيره من أقرانه في مجاله الإبداعي، ويظهر ذلك جليًّا في اختياره لأفكار أعماله وكيف تصدر منه. وفي الموسيقا لا يستقيم العمل الفني إلا بوجود ثلاثي مهم: مغنٍّ وملحن وشاعر.
فماذا لو كان القاسم المشترك بينهم أن المغني هو الملحن، وجاءت الكلمات توافق مقتضى الإلهام المفضل لديه؟

هذا ما ستجده في علاقة عبادي الجوهر مع البحر في كلمات أغانيه، ولو تعمقنا في عبادي الموسيقار سنجد أنه متّسعٌ موسيقيًّا ومبتكِر وغير مُتوقع في التنقل بين المقامات واستخدام جمل موسيقية متدفقة تعطي دلالة على أن المغني يعشق قصة «البحر»، ذلك الفضاء الغني الذي يخشاه الجميع رغم ما فيه من كنوز لا يعلمها إلا البحّار الذي يحب البحر أكثر من اليابسة.

وفي أغاني عبادي حضرت مفردة «البحر» في قرابة العشرين أغنية طوال مسيرته، ويتنوّع ذكر البحر فيها ولكنه يبقى الملهم الأول في معنى: «كلما أبحرت بعيدًا زاد بعدك عن قيود اليابسة وزاد شجنك الموسيقي».

تتجلّى عبقرية عبادي في استخدام مفردة «البحر» أنها حينما تلازمه في أي سياق تجده يعطيها حقها من مقامها الموسيقي والنطق، ولا يكتفي بأن يجعل البحر مقصودًا في المحبة وحسب، فهذه المفردة يمكن أن تحضر حتى في سياق أغنية وطنية!

في أغنية «السفينة»، من كلمات الأمير عبدالرحمن بن مساعد، ابتكر أسلوبًا لحنيًّا للأغنية الوطنية مختلفًا عن أقرانه من الأغاني الوطنية آنذاك، فاتجه لوصف البحر بأنه مصدرٌ لمسيرة الحياة التي لا تنتهي «بحرها هو الحياة … والسفينة هي بلدنا»، وقد استخدم فيها أسلوبًا تلحينيًّا جعل من كوبليهات الأغنية تشبه ألحان الأغاني التي يردّدها البحارة.

وحينما يحتاج عبادي إلى أن يصف التعمّق في الحب، يتجه إلى القصائد التي يجد في البحر عمقًا شديدًا يغوص فيه العاشق دون حدود، كما كان في أغنية «يا عيونها»، من كلمات «النادر»، التي يصف فيها عيون المحبوب بالبحر «يا بحور غرقت فيها ... وتهت فيها»، لأن لا شيء يجيد استخراج إلهام المحبة التي تتشكل في العين لديه كما يفعل البحر، ولا يوجد من يصف دلالة عمق الألم في أغانيه كما يفعل البحر أيضًا!

وفي أغنية «مثل السواحل» من كلمات عبيد الدبيسي اختصر معاناة المحبة في تشبيه رحلة الحب برحلة بحّار «كم لي معاك يا بحر الأشواق لي كم ... أضحك لموجك والمواجع دفينة». ولتأكيد ما يفعله البحر بعبادي، نجد أحد أشهر أغانيه «قالوا ترى» -من كلمات الأمير عبدالرحمن بن مساعد- مصحوبة بأحد أشهر اللازمات الغنائية حينما يصف مرحلة الحب الحالية بالطريقة التي اشتهر بها عبادي الجوهر «قدني غرقت في بحرها … ها ها» التي شكّلت لزمة موسيقيةً شهيرة جعلت الأغنية من أشهر ما قدمه هذا الموسيقي السعودي طوال سنواته الغنائية، وهي الأغنية التي لا يتوقف الجمهور عن طلبها منه في جميع حفلاته.

وفي ختام رحلته مع البحر، نجده في أغنية «كفاك غرور» -من كلمات الأمير بدر بن عبدالمحسن- يخبرنا أن على المحب ألّا ينكر أن لكل محبوبٍ عيب، وإلا سيكون مهووسًا به؛ فيذكر عيب البحر الوحيد، بعدما غنّى عليه كل هذه الأغنيات: «صحيح إن البحر مالح ... ولكن العطش قتّال»، وكأنه يغفر للبحر عيبه.. كما يفعل مع من يقارنه به!

يمكن تفسير هذه العلاقة بين عبادي والبحر أنه من مواليد جدة، ويصف عبادي نفسه بأنه أحب الصيد في مرحلة ما بحياته، والبحر كان وما زال سببًا ملهمًا له في التلحين والغناء. فيمكننا القول إن كان البحر يُخرِج دُررًا من داخله، فإحدى هذه الدرر التي حصدناها كانت أغنيات عبادي الجوهر عنه.


أكثر من 65% من سكان السعودية يلعبون الألعاب الإلكترونية؟  😲

يعني أن ثلثي من حولك الآن ممن يملك جهاز ألعاب سواءٌ في منزله أو الاستراحة، قد يكون مشاركًا في بطولات الرياضات الإلكترونية. 🎮

وضمن رحلة ثمانية لإثراء المحتوى العربي، قررنا أن نلعب!

في «ألعاب ثمانية» نقدم محتوى متكاملًا للّاعب العربي من أخبار ومراجعات، إلى تغطية البطولات.

مهتم تعرف أكثر؟ تابع حساب «ألعاب ثمانية».


شيء من القسمة العادلة: 

أُقَسِّمُ جِسمي في جُسومٍ كَثيرَةٍ 

وَأَحسو قَراحَ الماءِ وَالماءُ بارِدُ

  • عروة بن الورد

شيء من ذبول النخيل: 

أُمَّ النَّخِيل! ..هَبِينِي نَخْلَةً ذَبُلَتْ

هَل يُنْبِتُ النَّخْلُ غَضًّا بَعْدَ أَنْ ذَبُلا؟!

  • غازي القصيبي 

شيء من عزة النفس: 

يا عزة النفس لا هنتي ولا ملتي

لو كان بعض الأوادم بان تقصير

  • سعد بن جدلان


  1. ديوان امرئ القيس - امرؤ القيس

كنت أخشى قراءة الشعر وأهرب منها، وسبحان مبدل الأحوال، فالآن لا أنفك عن قراءة الشعر إطلاقًا، لذلك يقال: «الذي يهرب من الجني يخرج له». وأعتقد أن المقصود بالجن هنا هم جن وادي عبقر الشهير، الذي يصدر لنا سنويًّا نخبةً من الجن الشعراء (تُرى هل مصدر المواهب كلها أودية الجن؟) والآن التقيت بـ«ديوان امرئ القيس» الذي يقول إن جنّيه يُسمَّى «لافظ بن لاحظ».

وصدقني أنني أتمنى لو التقيت بالشاعر في قصائده ولم ألتقِ بجنّيه!

امرؤ القيس غني عن التعريف. لن أحدثك هنا عن أنه أول من عُرِف عنه أنه وقف واستوقف، وبكى واستبكى، وذكر الحبيب والمنزل، وأنه «الملك الضليل» ومن نسل الملوك. فيقال أحيانًا إن الترف قد لا يوجِد الموهبة، وهذا ما نفاه عن نفسه امرؤ القيس بجدارة.

أنا، في الفنون والأدب، لا أضع تقييمًا وتقسيمًا بين الأفضل والأسوأ؛ فالفن والأدب تعبيرٌ عن الذات، قد تجد فيهما ما يطربك ويؤنسك عند أبسط المبدعين أكثر مما تجد عند الكبار منهم. لكن اسمحوا لي أن أقول إنني وجدت عند امرئ القيس ما يكفي لأن أعتذر إلى الدواوين الأخرى عن أي لقاء قريب؛ فما يشدني دومًا هي الأوصاف، وامرؤ القيس يتحكّم بالمفردات والأوصاف تحكمًا عجيبًا مهيبًا، كأنه يبتدع الكلمات التي تُطوّع لقصيدته وهي راضية راغبة.

فتجد وصفًا للحرب يذهلك بقدر ما يذهلك الغزل في قصيدته (وبين الغزل والحرب طريق طويل للملك الضليل). فهو كان يتنقل من مكان إلى آخر في حياته، قبل أن تلاحظ تغيّر شؤون الحياة من حوله مرغمًا؛ فطلبه ردَّ الثأر لوالده (الملك) يجعلك تتلمّسه حتى في قصائده التي أتت بعد هذه المرحلة، إذ تظهر عليها نزعة مختلفة.

أعتذر منك، عزيزي القارئ، لو بدأ مني الآن سردٌ لأحداث حياته عوضًا عن ذكر أجمل أبياته، ولكن ألم أقل لك إن الأدب لا يُعرَف إلا حينما يُجرَّب، فيصبح نديم الروح وسببًا للحماسة في اللقاء به؟

لذا أوصيك بزيارة سريعة للمكتبة، واقتناء «ديوان امرئ القيس». وجنّبك الله لقاء سكان وادي عبقر، ما ظهر منهم وما بطن!

  1. عملٌ تحبه - آلان دون بوتون

أعمل في الكتابة وأحبها، ودائمًا أردد بأني محظوظ لأنني أعمل فيما أحب. بالطبع، لكل عمل تحدياته التي تجعل منه ممتعًا حينًا ومرهقًا أحيانًا، وهذا شأن الحياة في شتى شؤونها.

في صباح كل يوم، وأنا ذاهب إلى عملي، أتأمل من حولي في أثناء وقفي في زحام السيارات، فأرى وجوه السائقين شاحبة، وأخرى متوترة، وبعضها يغطُّ في نعاس عميق. كلهم، وبلا استثناء، في طريقهم إلى شيء واحد نتفق جميعًا على تسميته: «العمل». لطالما تساءلت عن هذا الشيء الذي يحقّق سعادتنا أحيانًا، ويسبّب إرهاقًا لنا بعض الأيام؛ لماذا نفعله؟ وما الذي يعنيه حقًّا، بعيدًا عن كسب لقمة العيش؟ لم أجد إجابة تلامس قلبي وتقنع عقلي حتى وقع بين يدي كتاب «عملٌ تحبه»، للفيلسوف المعاصر آلان دو بوتون.

في هذا الكتاب، لم يعطِني نصائح عن كيف أصبح الموظف المثالي (أخبرتكم سابقًا أنه يستحيل ذلك)، أو كيف أجد وظيفتي المفضلة القادمة، إنما كانت رحلة سردية يتأمل فيها عالم المهنة الغريب، بأسلوبه البسيط والعميق في آن. ينتقل فيها من مكاتب المحاسبة الباردة ذات الإضاءة البيضاء (ولمكتب المحاسب شكلٌ واحد في كل العالم)، إلى خطوط الإنتاج في المصانع، وصولًا إلى موانئ الشحن الضخمة.

ما أحبه في هذا الكتاب هو قدرة دو بوتون العجيبة على إيجاد القصة في الأشياء العادية واليومية، وهذا شأن أحبه في الكتب حينما تتجه إلى السرد القصصي. ومن خلال هذه الرحلة الطويلة، يرينا كيف أن حياتنا الحديثة والمريحة تعتمد كليًّا على سلسلة طويلة من الأشخاص الذين يعملون بصمت في الكواليس. أشخاص لا نعرفهم، ولن نلتقي بهم أبدًا، لكنهم يجعلون تفاصيل حياتنا ممكنة. هذا الفصل وحده جعلني أنظر إلى كل شيء أستهلكه بامتنان ودهشة.

ينتقل بنا الكتاب بعد ذلك ليتأمل مآسي العمل الحديث. ففي عالمنا المعاصر، انفصلنا عن رؤية ثمرة تعبنا بشكل ملموس. بينما في الماضي، كان النجار يصنع طاولة بيده ويرى إنجازه ماثلًا أمامه، فيشعر بالرضا والامتنان. أذكر أن أمي كانت تقول لنا دومًا: «نبي الله داود كان يأكل من عمل يده».

أما اليوم، فمعظمنا يمثّل فردًا من منظومة عملاقة؛ نرسل رسائل بريد إلكتروني، ونملأ جداول بيانات لا تنتهي، ونغادر مكاتبنا ونحن لا نعرف تمامًا ماذا أنجزنا. يصف دو بوتون تلك الاجتماعات الطويلة والمملة، والابتسامات المصطنعة بين الزملاء أمام آلة القهوة. يكتب عن كل هذا بصدقٍ شديد يجعلك تبتسم تارة، وتتنهد تارة أخرى، لأنك ترى نفسك وتعبك في كل صفحة.

لكن ليس كل العمل سيئًا! فقد عاد ليشرح «مباهج» العمل كما يراها؛ فهو طريقتنا لتنظيم فوضى هذا العالم. إنه يمنحنا شعورًا بالانتماء إلى شيء أكبر منا، ويشغلنا بهدفٍ يومي يبقينا بعيدين عن التفكير المفرط في قلق الوجود والفراغ. حتى تلك المهام الصغيرة والروتينية المكررة، تمتلك قدرة عجيبة على منحنا الطمأنينة وإشعارنا بأننا أفراد مفيدون في هذه الحياة.

إذا كنت تشعر أحيانًا بالملل من وظيفتك، أو تتساءل عن جدوى ما تفعله كل يوم، من الثامنة صباحًا حتى الرابعة عصرًا، فهذا كتاب قد يشرح لك جدوى ما تقوم به. وإن قرأته وشعرت بأنك لا تزال تكره عملك

فأوصيك بجولة على لينكدان صباحًا.

  1. ثم يموت مختنقًا بأيامه - يحيى أحمد

أحب القصص القصيرة، فهي تنقذني من ملل القراءة الذي يصيبني بعدما أنتهي من يوم عمل طويل، فأحتاج إلى أن أعود إلى توازني القرائي. ولو كانت هناك مهارة اشتقت إليها -إلى جانب مزاولة كرة القدم بمرونة طبعًا- فستكون كتابة القصص القصيرة، وهي مهارة تحتاج إلى اهتمامٍ أكبر من الكاتب ليستمر في مجال الكتابة بكل سرور.

قبل أيام، عدت إلى قراءة كتاب «ثم يموت مختنقًا بأيامه». هذا الكتاب حقق لي ما أسميه «الغيرة الأدبية»، وهي أن تتمنى لو كان هذا النص من كتابتك.

وفي كتب القصة القصيرة يهمني التنوع. نعم، بإمكاني أن أقرأ مجموعة من القصص الحزينة التي تُبكي الصخر، أو رواية من روسيا لن تقصّر مع عواطفي، لكنني من جيل تعوّد القصص المتصلة المنفصلة، بدءًا من التلفاز حتى الكتب، لا تعرف سياقًا محددًا؛ بل تتنوّع، ويتلذّذ الكاتب بسماع صوت ضحكك بصوتٍ عالٍ، قبل أن يهوي بك إلى قصة تجعلك راغبًا في البكاء.

هذا الكتاب يرافقني منذ زمن بعيد، وعدت إليه قبل أيام قليلة استبشارًا بالقصص القصيرة التي لا تتطلّب قدرًا عاليًا من استحضار المعرفة والتركيز؛ يكفي أن تبدأ لتنتهي مستمتعًا.

وأعلم، يا معشر القراء، أن هناك من يكره فكرة «القراءة من أجل الاستمتاع»، لكن للناس في القراءة محبة وكره، وأنا أحب ما لا يحب البعض. وكما يقال: «الحب هو أن تحب ما ليس يُحَب، وإلا فإنه ليس فضيلة على الإطلاق».

وأيضًا، مما يميّز القصص هنا أنها تحمل أفكارًا عميقة بلهجة مفهومة، فلا تذهب بعيدًا في تعقيد المعنى أو تحميل النص ما لا يحتاجه القارئ في قصة قصيرة.

القراءةالكتب
نشرة إلخ
نشرة إلخ
أسبوعية، الأربعاء منثمانيةثمانية

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.

+30 متابع في آخر 7 أيام