لماذا يتكرر مصير الجمهوريات العربية
حين تصبح الدولة المورد الأكبر للصعود الاجتماعي، لا تعود الجمهورية وعدًا بالمساواة والسيادة الشعبية، بل ساحةً تتزاحم عليها الفصائل
ظلّت التساؤلات حيال نظم الجمهوريات العربية وسبب اختلالها ومآلها شبه المشترك حاضرةً دومًا في الوسط العربي.
وإجابةً عن هذه التساؤلات، يرى كاتب مقالة هذا العدد، ضياء السعيدي، أن الجمهوريات العربية، وبالتحديد جمهورية بلاده اليمن، وُضعت في سياقٍ لا تنتمي إليه، وهذا أفضى إلى أن تُحاكي هذه الجمهوريات تجربة الحكم الشيوعي!
لفتني هذا التشبيه، فاقترح ضياء كتابة هذه المقالة لاستيضاح هذا المنظور.
عمر العمران

.png)
لماذا يتكرر مصير الجمهوريات العربية
ضياء السعيدي
خضعت الأطروحات الشيوعية لتفكيك نقدي مستفيض في أدبيات الاقتصاد السياسي الكلاسيكية والحديثة، إذ تركزت تلك المقاربات على تحليل نسق الحوافز المتناقض، وعجز أجهزة التخطيط المركزي عن استيعاب المعرفة الاقتصادية المشتتة داخل المجتمع، ومعضلة غياب الحساب السعري، فضلًا عن الارتداد الحتمي للملكية الجماعية إلى سلطة بيروقراطية احتكارية تُلغي حرية الفرد بحجة تحريره. وبناءً عليه، ينفلت هذا المقال من غرض إعادة إنتاج المقاربات النقدية التقليدية للشيوعية بوصفها نظرية مأزومة، ليتجه صوب تحليل نمط حوكمي آخر يتسق بنيويًّا مع المنطق المَشاعي ذاته، بيد أنه يظل بمعزل عن النقد السوسيولوجي والاقتصادي المنهجي نتيجة تباين المآلات التاريخية واختلاف الغطاء الأيديولوجي، ونقصد به النظام الجمهوري الحديث. وتكمن الفرضية الأساسية للمقال في أن الجمهورية، حين تُقارَب بوصفها حيازة جماعية مجردة للسلطة السياسية، تتقاطع بنيويًّا مع الأطروحة الشيوعية؛ فإذا كانت الشيوعية تُؤمِّم وسائل الإنتاج المادية باسم الطبقة العاملة، فإن الجمهورية تُؤمم أدوات السيادة والمجال العام باسم الإرادة الشعبية.
إن الجمهورية، في جوهرها النظري القائم على الملكية المشتركة للسلطة، تقترب هيكليًّا من النموذج المَشاعي للشيوعية، مع فارق موضوعي يتلخص في طبيعة الحقل المُؤَمَّم؛ فالشيوعية تحيل الاقتصاد مجالًا مَشاعًا، بينما تحيل الجمهورية الدولة والسيادة والقرار التشريعي إلى مَشاع سياسي. ويقوم كلا النظامين على الوعد اليوتوبي نفسه، وهو أن الجميع يملك استنادًا إلى مساواة تجريدية. غير أن هذه الملكية النظرية الشاملة تصطدم بمفارقة إجرائية حتمية، وهي أن الجميع لا يملك القدرة الإبستمولوجية على الإدارة، والجميع لا يملك أدوات المراقبة الفعالة، والجميع لا يتحمل الكُلفة الهيكلية للقرارات بالقدر نفسه. ونتيجة لهذه الفجوة المتأصلة بين الملكية الاسمية والقدرة الإدارية، ينتقل مركز الثقل الفعلي للسلطة من الجماعة النظرية المجردة إلى الفئة المنظمة القادرة على احتكار لغة التمثيل، مُحِيلَةً الإرادة العامة إلى أداة للهيمنة الخاصة.
.jpeg)
ولا يستهدف هذا التحليل تفكيك مبدأ المساواة أمام القانون، ولا مبدأ المسؤولية العامة للحاكم، ولا فكرة تقييد السلطة عبر الهندسة الدستورية، إذ تُعد هذه العناصر كوابح إجرائية لازمة لانتظام أي نسق سياسي عقلاني، بل يتركز موضوع المقال على نقد بنية الجمهورية التي تفترض الشعب مصدرًا كليًّا ومباشرًا للسلطة، استنادًا إلى مفهوم جان جاك روسو التجريدي حول الإرادة العامة. ففي هذه الحالة، لا تُنتج الجمهورية حكمًا شعبيًّا بالقدر الذي تُنتج فيه مَشاعًا سياسيًّا تتنافس على استغلاله واستنزافه القوى المنظمة ذات المصالح المركزة، مُحيلةً الدولة إلى حقل مفتوح للاستخراج الفصائلي.
وتبدو الجمهورية في الخطاب السياسي الحديث نظيرًا أنطولوجيًّا مضادًا للاستبداد، وهو خطاب روجت له الأنظمة الجمهورية عن نفسها منذ العصور الكلاسيكية وصولًا إلى مسارات التحول الديمقراطي المعاصرة. غير أن الدولة حين تُعْلَنُ أنها ملكية عامة للشعب، لا تتحول تلقائيًّا إلى ملكية فعلية متعادلة لكل المواطنين، بل تتحول إلى موضوع للصراع العنيف أو الناعم بين كتل تمتلك القدرة على التنظيم والضغط والتمثيل والتعطيل، واستعمال اللغة العامة لحماية مصالح فئوية ضيقة. وكلما وسعت الجمهورية من نطاق السيادة الشعبية دون وجود قاعدة مادية ومؤسسية كافية لاستيعابها، فتحت الباب أمام صراع أوسع على حيازة أجهزة الدولة. فكلما غدت الدولة مصدرًا وحيدًا للحق والرزق والاعتراف والهوية، تضاعفت رغبة الفصائل المتنافسة في اختراق هذا المورد وإخضاعه لنفوذها الحصري.
الإطار النظري: مشاعية الدولة، والعمل الجمعي، والسعي وراء المنافع
يستند هذا المقال إلى ثلاث أدوات تحليلية أساسية لتفكيك هذه البنية، الأولى هي مأساة المَشاع كما صاغها قاريت هاردين، مع نقلها من إطار الموارد الطبيعية إلى الفضاء السياسي. والثانية هي منطق العمل الجماعي لمانكور أولسون في تفسيره لتفوق المصالح الصغيرة المنظمة. والثالثة هي نظرية الاختيار العام عند جيمس بوكانان وقوردون تولوك، التي تُعامل الفاعل السياسي والناخب والبيروقراطي بوصفهم فاعلين عقلانيين يستجيبون للحوافز الذاتية.
تطرح مأساة المَشاع، في أطروحة هاردين الأصلية، وضعًا يتصرف فيه الأفراد بطريقة عقلانية ومثالية على المستوى الفردي لتعظيم منافعهم، لكن مجموع أفعالهم التراكمية يُفضي حتمًا إلى تدمير المورد المشترك. وفي النموذج الكلاسيكي، يضيف كل راعٍ ماشية جديدة إلى المرعى العام المملوك للجميع، حيث يحصل الراعي على المنفعة المباشرة والكاملة من الحيوان الإضافي، بينما لا يتحمل وحده كُلفة تدهور التربة واستنزاف العشب، إذ تتوزع هذه الكلفة البيئية على عموم الرعاة توزيعًا هامشيًّا ضئيلًا. ونتيجة لهذا الانفصام الهيكلي بين خصخصة المنفعة وتعميم التكلفة، يستمر كل فرد في استنزاف المورد المَشاع مدفوعًا بنسق حوافز منطقي، حتى ينهار المورد ذاته. هذا المآل الكارثي لا يولد من طمع أخلاقي استثنائي، بل يولد من العيب التصميمي في بنية الحافز المَشاعية.
وينطبق هذا المنطق بكامل حمولته التحليلية على الظاهرة السياسية إذا ما قاربنا الدولة بوصفها موردًا مشتركًا ومَشاعًا هائلًا، فالدولة في جوهرها التشريعي والتنفيذي تحتوي على شبكة معقدة من الوظائف، والعقود، والقدرة على فرض الضرائب، وسلطة القضاء، واحتكار العنف، والأراضي العامة، والديون السيادية. وحين تعلن الجمهورية أن هذه الدولة خاضعة للملكية الشعبية، فإن ذلك يمنح كل فصيل اجتماعي أو مهني أو أيديولوجي مبررًا قانونيًّا للحصول على حصته من هذا الخزان العام.
وفي هذا النسق، لا يتعامل الفصيل مع الدولة كجهاز سيادي محايد لإنتاج المنافع العامة، بل كمورد مفتوح للاستخراج؛ يطلب الحزب وزارة لتمكين أتباعه، وتطالب الطبقة بدعم مالي لحماية مكتسباتها، وتطالب المؤسسة العسكرية باستقلال اقتصادي، وتنزع البيروقراطية نحو التوسع لزيادة ميزانياتها، بينما يضغط رأس المال لانتزاع تشريعات حماية حِصارية. وكل مطالبة فئوية تبدو مشروعة في سياقها المعزول، غير أن تراكم هذه المطالب يضغط على المرفق العام بما يتجاوز قدرته الاستيعابية والتمويلية. وتتمثل العقلانية المشوهة هنا في أن الفصيل المستفيد يجني منفعة مركزة، بينما تتوزع الكلفة الاقتصادية والتضخمية على عموم المواطنين، مما يجعل الدفاع الشرس عن هذه المكاسب المكتسبة وتسمية أي مساس بها اعتداءً على حقوق الشعب سلوكًا سياسيًّا اعتياديًّا.
وكما أوضح أولسون في أدبيات العمل الجماعي، فإن الجماهير الواسعة لا تنتظم من تلقاء نفسها لحماية مصلحتها الكلية؛ ففي الجماعة المشتتة، يسود دافع الركوب المجاني، حيث ينتظر الفرد أن يتحمل غيره كلفة التنظيم السياسي والمراقبة المؤسسية. في المقابل، تمتلك المجموعات الصغيرة ذات المصالح المركزة حافزًا هائلًا للتمويل والضغط وتجنيد الخبراء لاختراق عمليات صنع القرار والمشاركة في صياغة اللوائح القانونية الدقيقة. وهذا يفسر العجز الإبستمولوجي والعملي للبنية الجمهورية عن تجسيد الإرادة العامة، فالمواطن الفرد لا يملك الموارد ولا الوقت ولا المعرفة التقنية لتفكيك الموازنات العامة أو تعقب الامتيازات المخبأة في ثنايا القوانين، بينما تفعل جماعات الضغط ذلك بكفاءة عالية، ليغدو التنظيم والقدرة التعبوية، لا الإرادة العددية المجردة، هما المحدد الفعلي لمسارات المَشاع.
وتتعمق الأزمة بإسقاط المثالية الأخلاقية عن الفواعل المشتغلة في الدولة عبر نظرية الاختيار العام. فالسياسي يبحث عقلانيًّا عن تعظيم فرصه الانتخابية، والبيروقراطي يسعى لتقليل المخاطر وزيادة نفوذ جهازه الإداري. وعندما تُدمج هذه الرؤية مع مأساة المَشاع ومنطق العمل الجمعي، يتبدد الوهم القائل بأن الدولة عقل محايد، لتظهر الجمهورية كساحة لتفاعل حوافز استخراجية، وتصبح المعضلة الكبرى ليست في إقرار مصدر السلطة نظريًّا، بل في تحديد من يمتلك الأدوات التنظيمية واللغوية لاحتكار التصرف في هذا المَشاع باسم الأغلبية الصامتة.
المعضلة الإبستمولوجية للوكالة: الملكية الجماعية وأزمة التمثيل
لا يستلزم التقاطع البنيوي بين الجمهورية والشيوعية تطابقًا في التجربة المعيشة، بل يعكس اشتراكًا عميقًا في أزمة هندسة الملكية الجماعية. فبينما تحيل الشيوعية حقوق الملكية المادية من الفرد إلى الكيان الجمعي، تحيل الجمهورية حقوق الحيازة السياسية من السلالة أو الحاكم إلى الكيان الشعبي. وفي الحالتين، تبرز معضلة الوكالة بحدة مفرطة: من يملك الصلاحية الإبستمولوجية لتحديد المصلحة العليا للجماعة، وكيف يمكن كبح الوكيل المؤسسي من التغول وتحويل وكالته إلى احتكار فعلي ومستدام للمَشاع.
في السياق الشيوعي، كشف فريدريش هايك أن المشكلة لم تكن أخلاقية فحسب، بل هي مشكلة إبستمولوجية في المقام الأول؛ فالمعرفة الاقتصادية والاجتماعية هي معرفة ضمنية ومشتتة بين ملايين الأفراد، ولا يمكن لأي جهاز تخطيط مركزي أن يجمعها أو يعالجها بكفاءة لصياغة قرار عقلاني. أدى هذا العجز المعرفي، بالإضافة إلى غياب الحساب السعري الذي ناقشه ميزس ومعضلة القيد الميزاني اللين التي فككها كورناي، إلى نتيجة حتمية: الملكية الجماعية لا تُلغي سلطة الاحتكار، بل تحيلها إلى طبقة بيروقراطية وعسكرية تدير النظام بقوة القسر، متدثرة بعباءة ديكتاتورية البروليتاريا.
.jpeg)
وينطبق هذا التمذوب المؤسسي والعجز المعرفي ذاته على البنية الجمهورية، ففكرة الإرادة العامة تفترض وجود مصلحة جمعية واضحة وموحدة يمكن استخلاصها سياسيًّا. غير أن المجتمع يتكون من فئات ذات تفضيلات ومعارف متضاربة لا يمكن اختزالها في قرار سيادي واحد يمثل الجميع حقًّا. وحين تتحول الدولة إلى ملكية مجردة، لا تختفي علاقات السيطرة، بل تتخفى داخل الحزب الحاكم، أو المحكمة الدستورية، أو المؤسسة العسكرية، أو تحالفات النخب المالية. وفي حين يُقال في الشيوعية إن وسائل الإنتاج ملك للعمال بينما تديرها اللجنة المركزية، يُقال في الجمهورية إن السلطة ملك للشعب بينما تصيغها مراكز القوى المنظمة والبيروقراطيات العميقة. وفي كلتا الحالتين، يُنتج التنازل عن الملكية الفردية المنضبطة هرمية سلطوية جديدة، يمارس فيها المدير السياسي وظيفة المالك الفعلي، مُعفًى من المسؤولية المباشرة التي تفرضها المِلكية الخاصة، ومحتميًا بلغة تمثيلية تمنحه حصانة أخلاقية.
الفصيل والسيادة الشعبية: آليات الاستخراج والاختزال الدستوري
لم تكن الأدبيات التأسيسية للجمهوريات الحديثة غافلة عن هذا الخطر، إذ تعاطى جيمس ماديسون في الأوراق الفدرالية مع الفصيل بوصفه تهديدًا أنطولوجيًّا متجذرًا في طبيعة المجتمع السياسي واختلاف الملكيات والقدرات. وأدرك ماديسون أن إنكار الفصائل يعني قمع الحرية ذاتها، فصاغ حلًّا دستوريًّا يقوم على شبكة معقدة من الضوابط والتوازنات وتوسيع الرقعة الجغرافية للجمهورية لمنع تكتل أغلبية مستبدة. غير أن هذا الاعتراف الماديسوني ينسف بصورة غير مباشرة خرافة الشعب المتجانس، ويقر بأن السياسة الجمهورية هي في صميمها إدارة مستمرة لصراع الفصائل على الموارد.
ولكن هذا الكبح الدستوري ينهار تدريجيًّا عندما يتضخم الجهاز الإداري للدولة ويتحول إلى غاية في حد ذاته. فالعملية الانتخابية لا تعالج مأساة المَشاع، إذ إنها لا تشكل أداة للكشف عن العقل العام، بل آلية دورية لقياس القدرة التعبوية وكفاءة الآلات الحزبية والإعلامية في تشكيل الإدراك الجماهيري. فالناخب يصوت تحت وطأة العواطف الهوياتية والمخاوف الأمنية أو الوعود المباشرة، والمال المنظم يسبق ويؤطر النقاش العام. بناءً عليه، فإن الانتخابات الإجرائية لا تنقل السلطة إلى الشعب المطلق، بل تُفوِّضها لمن يمتلك الكفاءة الهيكلية لتحويل الإحباطات والمطالب البشرية المشتتة إلى مقاعد برلمانية ومكاسب تشريعية.
هكذا تتحول كل دورة انتخابية، بالضرورة، إلى دورة إحباط هيكلي للناخب بمجرد انقضاء حمى الاقتراع. ولعل التجربة الانتخابية الأمريكية تُقدم أوضح التعبيرات عن هذه الديناميكية، ولا سيما مع إعادة انتخاب دونالد ترمب في عام 2024. فقد تزعَّم الرجل خطابًا شعبويًّا حادًّا قائمًا على معاداة ما يُعرف بـ«الدولة العميقة»، واعدًا باسترداد السيادة الشعبية المنهوبة وتفكيك النخب الإدارية المتكلسة، بيد أن الاصطدام بالواقع المؤسسي الصلب وبنية المَشاع السياسي أفضى به في النهاية إلى الانكفاء واتباع السياسات الهيكلية ذاتها التي طالما انتقدها بشراسة.
.jpeg)
يتجلى مرة أخرى هذا التناقض في تحوُّر خطاب الحقوق المدنية إلى خطاب محاصصة استخراجية. تطلب الجمهورية من مواطنيها تساميًا أخلاقيًّا للعمل لصالح المجموع، غير أن تصميمها المؤسسي وبنيتها المَشاعية ينتجان حوافز تدفع كل فرد إلى البحث عن منفعته المباشرة قبل أن يسبقه إليها فصيل آخر. وعندما تصبح قوانين الدولة هي الوسيلة الأسهل للحصول على الثروة بدلًا من الإنتاج الحر، يتحول المجتمع إلى ساحة احتراب ناعم للاستحواذ على التشريع، وتغدو الدولة غنيمة كبرى تُستنزف مواردها تحت مظلة المشروعية القانونية والديمقراطية.
التوسع الخارجي واستدامة المركز: الآلية المكانية لتأجيل الأزمة
لأن النظام الجمهوري يولد ضغوطًا فصائلية متصاعدة بفعل لغة الاستحقاق والمشروعية السياسية، فإنه يحتاج باستدامة إلى فوائض مادية فائقة لتمويل الاستقرار الداخلي وإرضاء الفصائل المتنافسة. ويمكن التعبير عن ديناميكية بقاء هذا النسق بمعادلة هيكلية ناظمة تتمثل في: (الاستقرار الجمهوري = الموارد المتاحة والفوائض المادية ÷ المطالب السياسية الفصائلية). وحين يختل التوازن الهيكلي في هذه المعادلة لصالح المطالب، يواجه النظام مأزقًا شرعيًّا وجوديًّا. فتخفيض الإنفاق يشعل الغضب الاجتماعي، ورفع الضرائب المباشرة يصطدم بجماعات الضغط القوية، وطباعة النقد تلتهم المدخرات عبر التضخم. ولتلافي هذا الانفجار الحتمي لِمَشاعها الداخلي، لجأت الجمهوريات الكبرى عبر التاريخ إلى تصدير أزمتها الهيكلية إلى الخارج واستدرار الفائض عبر التوسع العسكري أو الهيمنة الاقتصادية الإمبراطورية لضبط بسط هذه المعادلة.
.jpeg)
يُقدم النموذج الأثيني الكلاسيكي شاهدًا تاريخيًّا قديمًا على هذه الضرورة البنيوية. لم تكن الديمقراطية المباشرة في أثينا، التي تطلبت دفع أجور للمواطنين لقاء مشاركتهم السياسية والقضائية، لتستديم لولا تحويل حلف ديلوس الدفاعي إلى إمبراطورية بحرية صارمة تَجبي الأموال والسفن من حلفائها بالقوة. لقد استلزم تمويل المساواة السياسية في المركز استبعادًا منهجيًّا للعبيد والنساء والأجانب في الداخل، واستنزافًا عنيفًا للمدن التابعة في الخارج.
.jpeg)
وتعرض الجمهورية الرومانية تجربة أعمق في توظيف التوسع ليكون صمام أمان سياسي، إذ عملت الآلة العسكرية الرومانية على امتصاص الصراعات الطبقية الحادة بين النبلاء والعامة، وتخفيف احتقان الديون، من خلال الفتوحات المستمرة التي وفرت أراضي جديدة لتوزيعها على الجنود، وغنائم وعبيدًا لتمويل طموحات الطبقة الحاكمة. غير أن هذا التوسع أنتج كتلًا ثروية ونخبًا عسكرية تراكمت لديها ولاءات تفوق ولاءات المؤسسات الجمهورية، مما أدى لتقويض الجمهورية من الداخل وتحولها إلى إمبراطورية صريحة كُلفةً لتوسُّع وعاء الاستخراج.
.jpeg)
وفي العصر الحديث، يتكرر النمط في الجمهوريات الكبرى المعاصرة عبر زواج الخطاب الجمهوري بالملكية الخاصة والفوائض الاستعمارية. ففرنسا الحديثة التي رفعت شعارات الحرية والمساواة الرومانسية، اضطرت إلى بناء إمبراطورية استعمارية واسعة لتحصيل المواد الخام وفتح الأسواق الاحتكارية لتمويل العقد الاجتماعي لمواطنيها في المركز على حساب الرعايا المسلوبين في الأطراف.
.jpeg)
أما التجربة الأمريكية فتقدم أوضح تجلٍّ للاعتماد على المورد المفتوح لتأجيل التناقض الجمهوري. استقر الدستور الأمريكي فوق قاعدة جغرافية ومادية قارية مهولة، حيث شكَّل التوسع المستمر نحو الغرب، الذي تُوج بقانون الهومستيد لتوزيع الأراضي، صمامًا جغرافيًّا لامتصاص الاحتقان الطبقي الناشئ في المدن الصناعية المكتظة بالشرق. هذا التوزيع الديمقراطي للملكية لم يحدث في فراغ أنطولوجي، بل استلزم إزاحة ممنهجة للشعوب الأصلية وتجريدهم من أراضيهم لتحويلها إلى مَشاع داخلي للجمهورية.
وتتبدى خطورة هذه الديناميكية الجمهورية بوضوح أعمق حين نقارنها بجارتها الكندية التي تشكلت كملكية دستورية. فبينما اندفعت الجمهورية الأمريكية، تحت وطأة الضغط الشعبوي للفصائل وحاجتها المحمومة إلى توزيع الغنائم، نحو استئصال قسري واستيلاء مطلق لتلبية نهم الاستيطان، أدار «التاج» الكندي علاقته بتلك الشعوب بمنطق مركزي استند إلى المعاهدات المُنظَّمة والمرسوم الملكي لعام 1763، الذي حصر حق التفاوض على الأراضي بالتاج وحده. لم تكن الملكية الكندية خاضعة للابتزاز الانتخابي المباشر الذي دفع الساسة الأمريكيين إلى تحويل استلاب الأرض إلى «استحقاق ديمقراطي» فوري للفصائل. ولهذا التباين الهيكلي مآلات معاصرة فارقة، إذ لم تنتهِ التجربتان إلى المحصلة ذاتها، بل أفضى العزل المؤسسي في النموذج الملكي الكندي إلى احتفاظ الشعوب الأصلية اليوم بحمايات دستورية صلبة وحقوق معاهدات معترف بها تعصمهم من طغيان الفصائل، في حين أتاحت بنية المَشاع الجمهوري في الولايات المتحدة للفصائل النافذة تصفية حقوق السكان الأصليين بشكل شبه كامل لتمويل توسعها.
ومع إغلاق الحدود القارية، تحولت الجمهورية الأمريكية لضمان استقرارها نحو الهيمنة النقدية وتطويق العالم بالقواعد العسكرية، لضمان استمرار تدفق الفوائض العالمية القادرة على تمويل دولة الرفاه دون تحميل المواطن كلفة تصويتاته السياسية بالكامل.
الاستعمار الزمني: الدين العام واستهلاك مشاع المستقبل
حين تتقلص هوامش التوسع الجغرافي والإمبريالي، ويصعب استخراج الفوائض المباشرة من الخارج، يلجأ النسق الجمهوري إلى آلية أكثر تجريدًا وخطورة لمعالجة أزمته الهيكلية: الاستعمار الزمني عبر مأسسة الدين العام المفرط. في هذا السياق، لم يعد الدين أداة استثمارية محايدة لتمويل البنية التحتية، بل تحول إلى آلية سياسية لمعالجة مشكلة عدم الاتساق الزمني الملازم للجمهوريات. فالسياسي يواجه ضغوطًا دورية قصيرة الأمد للفوز برضى أكبر عدد من الفصائل، ما يدفعه لمنح مزايا ووعود فورية، في حين تُرحَّل كُلَفُهَا وتمويلها إلى الأجيال القادمة.
وبهذا يتحول المستقبل ذاته إلى فضاء استخراجي ومَشاع زمني بلا حراس، إذ تُستنزف قدرات الأجيال التي لم تولد بعد، أو التي لا تملك حق التصويت اليوم، لتغطية مطالبات الفصائل الحاضرة. كل فصيل يستميت لحماية مخصصاته المكتسبة، وكل جهاز إداري يرفض تقليص ميزانيته، والمحصلة هي تراكم التزامات سيادية ووعود تفوق الناتج القومي.
وتتجلى هذه الأزمة الهيكلية في أعتى الجمهوريات الحديثة كالولايات المتحدة، حيث تشير التوقعات المالية المستقلة والمكتبية، مثل تقارير مكتب الميزانية في مجلس الشيوخ والنواب الأمريكي، إلى تصاعد العجز الاتحادي وتجاوز الدين العام عتبة الناتج المحلي الإجمالي بمراحل متقدمة خلال العقد القادم. هذه المؤشرات لا تعكس مجرد أزمة حسابية، بل تفضح مأساة المَشاع السياسي عندما يتعذر على الجمهورية النطق بكلمة «لا» في وجه أي فصيل نافذ، وتكشف كيف أن المساواة السياسية المزعومة تُموَّل إجرائيًّا عبر تحويل المستقبل إلى مستعمرة اقتصادية للحاضر.
الجمهوريات محدودة الموارد: حتمية العسكرة والتضخم البيروقراطي
تتكثف مأساة المَشاع السياسي وتتخذ طابعًا انفجاريًّا ومتسارعًا في الجمهوريات ذات القواعد المادية الهشة والموارد المحدودة، كما هو الشأن في معظم جمهوريات ما بعد الاستعمار في الشرق الأوسط. لقد ورثت هذه الكيانات السياسية حدودًا مصطنعة، واقتصادات ضحلة، وتكوينات اجتماعية بالغة التعقيد والانقسام، مع غياب كلي لأي رافعة إمبراطورية خارجية أو قدرة نقدية عالمية لترحيل كُلَفِهَا.
نشأت هذه الجمهوريات متدثرة بخطابات التحرر القومي والعدالة الاجتماعية، واعدة باسترداد السيادة وإعادتها إلى جموع الشعب. غير أن هذا الوعد أفضى عمليًّا إلى إحالة الدولة وأجهزتها إلى المورد الأكبر، بل والأوحد في كثير من الأحيان، للتراكم والصعود الاجتماعي. وحين تكون الموارد شحيحة ولا توجد أرض مفتوحة للتوسع، يرتد الصراع إلى الداخل؛ فتتحول الدولة من جهاز حوكمي إلى غنيمة تتكالب عليها الفصائل الأيديولوجية والطائفية والمناطقية.
وفي محاولة لاستدامة هذا النسق وتأجيل الانفجار، لجأت هذه الجمهوريات إلى التضخم البيروقراطي الهائل. حيث شكَّل التوظيف الحكومي المتضخم الأداة الجوهرية لاستيعاب المطالب الفصائلية وشراء سكينة المجتمع. لم تكن البيروقراطية هنا تُدار بمنطق الكفاءة، بل بمنطق المحاصصة وتقسيم المَشاع وتوظيف القطاع العام أداةً للهيمنة السياسية. وبمرور الوقت، تحولت البيروقراطية نفسها إلى فصيل مستبد يحمي امتيازاته ويعيق أي عملية إنتاج حقيقية خارج أسوار الدولة.
لكن المآل الأخطر والأكثر حتمية في هذا السياق هو التوجه المنهجي نحو العسكرة. فحين تُستنزف ميزانية الدولة في إعاشة الفصائل وتتآكل قشرة التوافق المدني الهش، تعجز المؤسسات الجمهورية المحدودة عن ضبط الاحتراب المجتمعي، فتنهار الواجهة الديمقراطية وتبرز الحاجة الملحة إلى قوة حسم قسرية لإنهاء الصراع الدائم على المَشاع المتهالك.
هنا تتدخل المؤسسة العسكرية، لا كانحراف مؤسف في مسار التحول الجمهوري، بل كاستجابة بنيوية حتمية لمنطق المَشاع نفسه. يقدم الجيش نفسه كحكم متعالٍ يمثل استمرارية الدولة في مواجهة طمع الفصائل السياسية، لكنه في الواقع الإجرائي هو الفصيل الوحيد الذي يمتلك احتكار العنف المادي والتنظيم الهرمي الصارم. وبمجرد تدخله لإنقاذ الجمهورية، يفرض الجيش طوقًا احتكاريًّا محكمًا حول المَشاع السياسي والاقتصادي.
تتحول العسكرة في هذه الجمهوريات إلى بنية استدامة؛ فيستولي الجيش على مقاليد القرار، ويتوغل في إدارة الاقتصاد والشركات والبنى التحتية، محصنًا ميزانيته وامتيازاته خلف جدار الأمن القومي والتخوين. وبهذا، يحل محلَّ الفوضى الفصائلية التنافسية احتكار عسكري مغلق، يُحيل الجمهورية إلى ثكنة كبرى. إن عسكرة الجمهوريات المأزومة هي الترجمة العملية للحظة التي يبتلع فيها الحارس المَشاع الذي كُلِّفَ بحمايته، مقررًا أن الطريقة الوحيدة لإنهاء تراجيديا المَشاع مصادرته بالكامل بقوة السلاح.
كلفة اليوتوبيا وشرعنة الاحتكار
وفي الخلاصة، تتقاطع الشيوعية والجمهورية في ارتكازهما على سردية يوتوبية بالغة الجاذبية تعِد بإلغاء الاحتكار وتأسيس الفردوس الأرضي عبر الملكية المشتركة لمصادر القوة. لكن هذه السردية تعمي الأبصار عن الكلفة الهيكلية والأنطولوجية الباهظة لإلغاء المسؤولية الفردية المباشرة المترتبة على الملكية الخاصة. فالملكية الجماعية، بحكم طبيعتها الإبستمولوجية والعملية، تستدعي، قهريًّا، تفويضًا إداريًّا، والوكيل المُفوَّض، سواء أكان حزبًا طليعيًّا أم نخبة بيروقراطية وعسكرية، سرعان ما يحول ميزة التفويض واحتكار آليات التنظيم إلى أداة لهيمنة سياسية فعلية يستحيل تفكيكها إلا بانهيار النسق بأكمله.
لا تفشل الجمهورية لأن خطابها ركيك، بل لأنها تمنح رخصة أخلاقية ودستورية لانهائية لمطالبة الدولة بمنافع لا قِبَلَ لها باحتمالها، مُحيلةً المجال العام إلى ساحة استنزاف مشروع باسم الحقوق الشعبية. وإن استقرار وصمود بعض الجمهوريات الكبرى في حقب تاريخية لم يكن دليلًا على نجاعة تصميمها المبدئي، بل كان انعكاسًا لنجاحها المادي في تصدير أزمات مَشاعها الداخلي نحو الخارج الجغرافي بالاستعمار، أو نحو المستقبل بالمديونية المفرطة.
أما في غياب هوامش التوسع المادية، كحال الجمهوريات المأزومة، تسقط الأقنعة لتتبدَّى الجمهورية على حقيقتها: مَشاعًا سياسيًّا مأزومًا لا يقيم مساواة حقيقية ولا يحمي إرادة عامة متوهمة، بل يؤسس لانفلات فصائلي ينتهي حتميًّا بعسكرة شاملة تُصادر حق الفرد في قراره، وتفرض هيمنتها القسرية متخفية وراء قناع الوطنية والأغلبية. إن الوعد بإحالة السلطة ملكًا مَشاعًا للجميع لا يحرر المجتمع، بل ينزع عنه حماية المسؤولية المباشرة، ويتركه فريسة لأقلية مسلحة ومنظمة تجيد لعبة التحدث باسمه لتجريده من مقدراته.
فقرة حصريّة
اشترك الآن

.png)
لماذا تقدم الخليج وتأخر اليمن؟
ظلَّ هذا السؤال يراود كاتب عدد الأسبوع، ضياء السعيدي، وجال معه في مختلف مراحله الأكاديمية، ثم أجاب عنه في حلقته ببودكاست فنجان المعنونة بالسؤال ذاته.
*تعبّر المقالات عن آراء كتابها، ولا تمثل بالضرورة رأي ثمانية.

مساحة رأي أسبوعية تواكب قضايا اليوم بمقالات ولقاءات تحليلية في مختلف المجالات، لتمنحك فرصة استكشاف الأحداث وتكوين رأي تجاهها.