تحت شمس كامو ☀️
زائد: حقوق القارئ الدائمة 📃

صادفتُ هذا الأسبوع حوارًا مع الكاتبة توني موريسون، تتحدث فيه عن مرحلة «النعمة»، وهي المرحلة التي نصل فيها إلى مسامحة الذات بمفهومٍ يتجاوز المألوف. ففي نظرها، ليس الإحساس بالذنب سوى هروبٍ مقنّع وعاطفة بديلة لا جدوى منها، يظل فيها الإنسان على سطح الألم دون الجرأة على الغوص في أعماقه.
أما النعمة الحقيقية، فلا تُنال مجانًا، إذ ترى موريسون أن طريقها يمر عبر «النار»، حيث يواجه الإنسان سقوطه كاملًا، ويختبر مشاعره الخام من عارٍ وكراهيةٍ واحتقانٍ داخلي، بعيدًا عن أي تزييف أو تبرير. ومن يمتلك شجاعة هذه المواجهة، يصل في النهاية إلى نقطة التصالح الصادق مع الذات، بينما يظلّ المتجنب لها أسيرًا في طريق مسدود، يحرمه من بلوغ تلك النعمة.
إن النضج هو بلوغ هذه المرحلة والتحلّي بها، أن نغفر لأنفسنا قبل أن نغفر للآخرين.
في هذا العدد، أحاول تفكيك علاقتنا الرمزية بالشمس من منظور فلسفة ألبير كامو، وتحدثنا خزامى اليامي عن حقوق القارئ الدائمة، كما خصصنا فقرة التوصيات لكتب خفيفة تُرافقكم في أسفاركم أو في مواجهة موجات الحر الخانقة.
إيمان العزوزي


تحت شمس كامو ☀️
إيمان العزوزي
قد يكون الصيف لدينا مجرد موسمٍ نستعد فيه للإجازة ونحزم فيه حقائبنا للسفر من أجل الاستجمام والاستمتاع بالبحر والشمس، وقد نجده في الأدب يُستخدم خلفيةً زمنية تُسرد من خلالها الأحداث، إلا أنه في كتابات ألبير كامو، يصبح تجربة وجودية كاملةً تعكس جوهر علاقة الإنسان بالعالم. ففي معظم أعماله النثرية والمسرحية والفكرية تسطع الشمس ويظهر البحر وينير الضوء المتوسطي كعناصر رئيسة تشكّل الرؤية الفلسفية للكاتب، وتعبّر عن تناقض مركزي في فكره: كيف يمكن للإنسان أن يحب الحياة ويحتفي بجمالها في الوقت الذي يدرك فيه عبثها ومحدوديتها؟
«أعراس»، ألفة الجسد والشمس
احتفى ألبير كامو في باكورة أعماله «أعراس» بالصيف بحماسةٍ تكاد تكون صوفية؛ إذ وصف في الكتاب، الذي يضم أربع مقالات ذاتيّة، سعادته الحسية البالغة التي شعر بها وهو في أرض الجزائر حيث وُلد وترعرع، كما قدّم رؤيةً شعريةً للعالم المتوسطي باعتباره المجال الأمثل لتحقق الانسجام التام بين الإنسان وطبيعته.
نراه يجسّد في نص «أعراس في تيبازة» لقاءَه المباشر مع البحر والشمس والأرض بين الأطلال الرومانية وشجيرات الشيح وأشجار اللوز، واصفًا أثر ذلك على روحه قائلًا: «كنت أتعلم كيف أتنفس، وكنت أحقق نفسي وأندمج، كنت أتسلق التلال الواحد تلو الآخر، فأجد في كل منها مكافأة احتفظَ لي بها..تحت شمس الصباح سعادة كبيرة في الفضاء»، وبهذا الوصف يذهب كامو إلى نحت رؤية وجودية تذيب الحدود بين الذات والموضوع، ليغدو الإنسان جزءًا لا يتجزأ من تناغم العناصر الطبيعية.

يتجلّى هذا التوحد في كل فقرة من نصوص «أعراس» الأربعة؛ ففي قوله: «لا شيء يدعو إلى الفخر، بلى، ثمة ما يدعو إلى ذلك: هذه الشمس، هذا البحر، قلبي المتوثب بالشباب، جسدي بما فيه من طعم الملح، والمدى اللامحدود الذي يلتقي فيه الحنان والمجد في الصفرة والزرقة». يتحول الصيف إلى لحظة امتلاك كاملة للحياة، حيث لا مجال للتساؤلات الميتافيزيقية أو الانشغال بالغايات المتعالية، بل يغدو الحضور الجسدي في العالم الوسيلة الوحيدة للوصول إلى الحقيقة، «حقيقة الشمس التي ستكون أيضًا حقيقة موتي». ولم ينسَ كامو أهل الجزائر، إذ نجده في نص «الصيف في الجزائر» يصف ببلاغة علاقتهم بمحيطهم، قارئًا عاداتهم اليومية في الموانئ والشواطئ والمقاهي؛ إذ يرى: «أن كل ما يفعله الإنسان هنا يدل على النفور من الاستقرار واللامبالاة تجاه المستقبل».
«الغريب»، الوجه المظلم للشمس
كُتبت المقالات الأربعة في «أعراس» بحسٍّ شعريٍّ مبالغ فيه أحيانًا، لكنه لا يخلو من مؤشرات أولى لفلسفة العبث التي عُرف بها كامو وخصص لها دورة كاملة تضم مسرحية «كاليقولا» ورواية «الغريب» و«أسطورة سيزيف». نصادف في «الغريب» الشمس نفسها، غير أن أشعتها التي تغمرنا بالدفء قادرة أيضًا على إعمائنا وتدميرنا.

هنا تتبدل سمات الصيف، إذ تصبح الحرارة على الشاطئ، في المشهد المحوري للرواية، خانقةً وذات طابع عدائي تقريبًا. فـ«مِيرسو»، تحت وطأة هذا الضوء الساطع، يشعر بوعيه يضطرب، حيث تضرب الشمس جمجمته ويحرق العرق عينيه. وفي حالة فرط التشبّع الحسي هذه، يُطلق النار على ضحيته. لا ينبع فعل القتل هنا من قصدٍ متعمَّد بقدر ما ينبع من توتر جسدي، ومن انكسارٍ في الوعي تحت تأثير ضوءٍ صار لا يُحتمل. يصف كامو هذه اللحظة بأن الشمس التي ضربت خدّي «مِيرسو» هي نفسها التي اشتعلت عند إطلاق النار، في تماهٍ كامل بين حدث موت الأم في مطلع الرواية وحدث القتل في نهايتها.
هذا الانقلاب جوهري؛ فالشمس التي كانت في «تيبازة» بابًا للفرح، تغلق هنا كل إمكانية للاختيار الواعي، لتكشف عن الجانب المأساوي في العبث الكاموي، فهي ليست خيّرة ولا شريرة في ذاتها، بل هي لامبالية كالعالم نفسه، وهذه اللامبالاة قادرة على ملء الإنسان كما هي قادرة على تدميره. هذا الالتباس يجعل من الشمس رمزًا متكاملًا للحالة العبثية.
«الصيف»، شمس ليلة ممطرة
سننتظر حتى منتصف الخمسينيات ليكتب كامو عملًا تتخذ فيه الشمس دور البطولة المطلق، وهو «الصيف» (1954)، وتحديدًا في نصه «عودة إلى تيبازة»؛ فبعد أعوام الحرب والاحتلال المظلمة، يعود كامو إلى أماكن صباه ليلاحظ أن شيئًا لم يتغير، فالضوء لا يزال هناك سليمًا لا يبالي بزمن البشر، ويغدو هذا الثبات مصدر عزاءٍ حيويّ، حتى إنه يكتب في هذا العمل أشهر اقتباساته على الإطلاق: «اكتشفت، في عزّ الشتاء، أن في داخلي صيفًا لا يُقهر».
تتضمن هذه العبارة، التي كثيرًا ما تُؤوَّل خارج سياقها بوصفها دعوةً ساذجةً للتفاؤل، فكرةً أكبر؛ فالصيف الذي لا يُقهر يشير إلى قدرة الإنسان على التمسك بحب الحياة حتى وهو يواجه وعيه بالعدم والموت، ولا يعني بأي حال من الأحوال نسيان الشتاء أو إنكار المعاناة. وهذا الموقف يجمع بين عنصرين متناقضين في الظاهر: التشبّث بجمال العالم، والإقرار بأن هذا الجمال ليس أبديًّا ولا يمنح الحياة معنى خارجيًّا متعاليًا.
وقد كان كامو قد طوّر فكرته هذه نظريًّا في «أسطورة سيزيف»؛ فشخصية «سيزيف»، التي تحكم عليها الآلهة بدفع صخرة إلى قمة جبل لتتدحرج في كل مرة، تمثل شرطًا إنسانيًّا عبثيًّا بامتياز. مع ذلك، يحثنا كامو «أن نتخيل سيزيف سعيدًا»، لأن السعادة، في نظره، لا تكمن في التغلب على العبث، بقدر ما تترتب على قبول العبث والعيش ضمن حدوده. والصيف الذي لا يُقهر هو الاستعداد لقبول هذا الشرط دون استسلام، والإصرار على حب العالم مع غياب أي ضمانة.
«الإنسان المتمرد»، من يستطيع تحمل الظهيرة
يعود كامو مجددًا ليتخذ من الشمس استعارةً لأفكاره، فنقرأ في كتابه «الإنسان المتمرد» -الذي يندرج ضمن «دورة التمرد» إلى جانب رواية «الطاعون» ومسرحية «العادلون»- تنظيرًا يستند إلى «فكرة الظهيرة». ففي الظهيرة يكون نور الشمس في أعلى نقطة استقامته، فلا يميل الظل شرقًا أو غربًا؛ ومن هنا استلهم كامو مفهوم «الحدود» التي تنبذ التطرف وتمنع الميل إلى طرفٍ دون آخر.

تمثل «فكرة الظهيرة» عند كامو موقفًا فلسفيًّا يدعو إلى «الاعتدال» بعدِّه قيمةً عليا في مواجهة نزعة «التطرف» التي تهدد الإنسان من جهتين: داخلية تتمثل في إغراءات النفس بالإفراط والانسياق وراء الأهواء، وخارجية تتمثل في الظلم والتطرفات الجماعية. تستمد هذه الفكرة جذورها من التراث الإغريقي ومن فلسفة نيتشه، لكن كامو يجعلها جوهر تصوره الأخلاقي، إذ يراها سلوكًا عمليًّا يتطلب وعيًا ويقظة لمحاربة كل أشكال التجاوز، سواء في النفس أو في العلاقات الإنسانية: «بدلًا من أن نُقتل ونموت لكي نخلق وجودًا ليس هو وجودنا، ينبغي علينا أن نعيش ونترك الآخرين يعيشون، لكي نخلق الوجود الذي هو وجودنا.»
يكمن لبّ «فكر الظهيرة» في قدرتنا على خلق «التوازن الدقيق» بين الميل الفطري للإفراط وبين ضرورة تحقيق العدالة، وهو توازن لا يأتي جاهزًا، بل يفرض على الفرد مسؤوليةً كبرى، وهي تحديد «قيمه الخاصة» بنفسه، ليكون قادرًا على الازدهار دون أن يطغى على الآخرين. بهذا المعنى، لا تقتصر الفكرة على أنها وسيلة للخلاص الفردي، إذ لها بعد كوني في كونها أساسًا للعيش المشترك، إذ تنتقل بالإنسان من منطق العبث والتمرد (الذي شغله في مراحل سابقة) إلى منطق الحب والتضامن. وهكذا، تتحول «فكرة الظهيرة» إلى مشروع إنساني شامل، يرفض التشدد بكل صوره، ويراهن على الوسطية الذهبية طريقًا وحيدًا لتحقيق السعادة الجماعية والسلام الداخلي. ولم يمهل القدر كامو ليكمل ويطور مشروعه الذي بدأه في كتابه «الإنسان الأول» -أولى حلقات «دورة الحب»- ليقضي نحبه في الحادثة التي عدها قمة العبث: حادثة سير، ومعه حقيبة فيها مخطوطة «الإنسان الأول».
شتائي ليس ممطرًا كما اعتقدت
في خضم كتابتي لهذا المقال وقراءة كامو من جديد، شعرت أنني أعيد اكتشاف شمس طفولتي، تلك الشمس التي كانت تضرب جدران بيتنا القديم وتلون أيام العطلة الصيفية بلونها الذهبي الدافئ والمزعج في آن. الصيف الذي لا يُقهر عند كامو هو بالضبط تلك الذاكرة الحسية التي أحملها في داخلي، ذلك المخزون من الدفء الذي يظل مشتعلًا حين تنطفئ كل الأضواء الأخرى. إنه قرار داخلي بأن نقول «نعم» للعالم بكل تناقضاته، أن نتجنب كلمة «لاحقًا»، أن نرقص في المطر كما نرقص في الشمس، وأن نعرف أن السعادة ليست في الغد ولا في الأمس، هي في هذا النَّفَس الذي نأخذه الآن، في هذا الحضور الكامل للحظة التي لن تعود.
في عزّ شتاءاتي الشخصية، أجدني أعود إلى كلماته، أعيد قراءة تلك الفقرة من أعراس في تيبازة حيث يكتب عن «هذه الشمس، هذا البحر، قلبي المتوثب بالشباب»، أقرؤها وكأنه يخاطبني مباشرة: الحياة هنا والآن، فلا تؤجل فرحك إلى الغد، ولا تنتظر خلاصًا خارج ذاتك. الصيف بداخلك، حين تختار أن تكون للحياة بكل ما تحمله من جمال وألم، حين تقبل بأن تحب ما يفنى!


حقوق القارئ الدائمة 📃
خُزامى اليامي
عملت فترةً في التدريس، وكنت أدخل إلى القسم وأنا أحمل قناعة بأن طلبتي سيحبون القراءة كما أحبها، وظننت أن الكتاب يملك من السحر ما يكفي ليغري أي طفل بفتحه، وأن مهمتي تقتصر على وضعه بين يديه. لكنني وجدت أطفالًا ومراهقين يتعاملون مع القراءة كما لو كانت عبئًا مدرسيًّا آخر، يؤجلونه ما استطاعوا، ويبحثون عن أي ذريعة للهرب منه. كانوا يقرؤون لأنهم مضطرون، وكنت أجد نفسي أتساءل باستمرار: متى فقد الكتاب قدرته على الإغواء؟

وجدت الإجابة في كتاب «متعة القراءة» لدانيال بناك، الذي عرف، مثلي، مهنة التدريس واختبر ما تفرضه من إكراهات. حاول بناك أن يشخّص المرض الذي يجعل الأطفال ينفرون من الكتب، ثم اقترح علاجًا بسيطًا سمّاه: «الحقوق الدائمة للقرّاء».
الحق في ألّا نقرأ: لا يعني ذلك تمجيد الجهل، وإنما الاعتراف بأن القراءة التي تُفرض بالقوة لا تخلق قارئًا، بل تخلق شخصًا يربط الكتاب بالإكراه. فالرغبة لا تنمو إلا في مساحة الحرية.
الحق في تجاوز بعض الصفحات: قد يضم الكتاب أجزاءً لا تهم بعض القراء، وليس مطلوبًا من كل قارئ أن يسير في الطريق الذي رسمه المؤلف بحذافيره. المهم أن تستمر العلاقة مع الكتاب، وألّا تتحوّل إلى سباق لإنهاء كل صفحة.
الحق في عدم إنهاء الكتاب: وهو حق يصعب على كثيرين تقبله. لكن بناك يرى أن الحياة أقصر من أن نقضيها مع كتب لا تحرك فينا شيئًا. فكما نختار أصدقاءنا، من حقنا أن نختار الكتب التي تستحق وقتنا.
الحق في إعادة القراءة: يقيس عالمنا الثقافة بعدد الكتب التي نقرؤها. يذكرنا بناك بأن بعض الكتب لا تُقرأ مرة واحدة، لأنها تكبر معنا، ونكتشف فيها في كل مرحلة من حياتنا معنى جديدًا.
الحق في قراءة أي شيء: فهو دفاع عن التنوع في الذائقة. فالرواية البوليسية، والقصص المصورة، وأدب الخيال، ليست درجات أدنى من القراءة، هي أبواب يعبر منها القارئ نحو الأدب الكبير. وما يقتل الشغف أحيانًا هو الشعور بأن هناك كتبًا «مشروعة» وأخرى لا تستحق القراءة.
الحق في البوفارية: نسبة إلى بطلة رواية «مدام بوفاري»؛ ويقصد به حق القارئ في أن يتماهى مع الشخصيات، وأن يعيش داخل العالم المتخيل، وأن يسمح للأدب بأن يهزه ويغيره، فالقراءة هي بدايةً تجربة وجدانية كاملة.
الحق في القراءة في أي مكان: لأن الكتاب لا يحتاج إلى طقوس رسمية، يمكن أن يُقرأ في الحافلة، أو في الحديقة، أو قبل النوم، أو تحت شجرة. المهم أن يجد القارئ اللحظة التي تناسبه.
الحق في التصفح والالتقاط: أي أن نقرأ مقطعًا هنا وصفحة هناك، دون الشعور بالذنب. فبعض الكتب لا تُلتهم دفعة واحدة، وإنما تُرتشف كما تُرتشف القهوة.
الحق في القراءة بصوت مرتفع، لأنه يؤمن بأن الأدب بدأ شفهيًّا قبل أن يصبح نصًا مكتوبًا، وأن للكلمات موسيقى لا تُدرك دائمًا بالعين وحدها. لذلك يدعو الآباء والمعلمين ألّا يتوقفوا عن القراءة للأطفال حتى بعد أن يتعلموا القراءة بأنفسهم، لأن الإصغاء إلى الحكاية جزء من متعتها.
الحق في الصمت: فمن حق القارئ ألّا يشرح ما قرأه، وألا يحول كل تجربة قرائية إلى امتحان أو تحليل أو تقرير. فبعض الكتب تترك أثرها في داخلنا بصمت، ولا تحتاج إلى كلمات لتبرير ما فعلته بنا.
حين انتهيت من الكتاب، أدركت أن المشكلة لم تكُن يومًا في الأطفال والمراهقين، بل في الطريقة التي نقدم بها الكتب إليهم. لقد اعتدنا أن نسأل الطفل: ماذا فهمت؟ بينما كان الأجدر بنا أن نسأله: هل استمتعت؟ لهذا وجدت في مانفيستو «حقوق القارئ» واحدة من أجمل البيانات الأدبية التي كُتبت دفاعًا عن الكتب، لأنها دافعت عن القارئ المحرك الأول لهذه العلاقة.
كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭
مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨
موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!
هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗
التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁

الإحسان إلى الناس لا يقوم بإعطائهم مالًا وقوتًا وثيابًا يتمتعون بها دون تعب، فيحسبون الحصول عليها من حقوقهم، بل الإحسان إليهم في فتح عيونهم وأفهامهم ليدركوا أن الذي لا يؤدي واجبًا لا حق له في شيء.
مي زيادة

أكثر من 65% من سكان السعودية يلعبون الألعاب الإلكترونية؟ 😲
يعني أن ثلثي من حولك الآن ممن يملك جهاز ألعاب سواءً في منزله أو الاستراحة،أو قد يكون مشاركًا في بطولات الرياضات الإلكترونية. 🎮
وضمن رحلة ثمانية لإثراء المحتوى العربي، قررنا أن نلعب!
في «ألعاب ثمانية» نقدم محتوى متكامل للاعب العربي من أخبار ومراجعات، إلى تغطية البطولات.
مهتم تعرف أكثر؟ تابع حساب «ألعاب ثمانية».

قانون الحالم
.png)
تأليف: دانييل بناك/ ترجمة: محمد آيت حنا/ الناشر: تكوين
هناك كتب لا تروي حكاية بالمعنى التقليدي للكلمة، بل تدعونا إلى الدخول في حالة ذهنية خاصة، وإلى الانجراف مع صوتٍ ما، أو إحساسٍ عابر، أو حركةٍ داخلية خفية. وهذا بالضبط ما يقدّمه دانييل بناك في كتابه «قانون الحالم»، العمل الذي يقع على تخوم السيرة الذاتية والمقال الأدبي والتأمل الحالم، وكأنه كتاب بين كتابين كما قال عنه أحد النقاد.
يفتتح بناك كتابه بذكرى من الطفولة تبدو وكأنها خرجت للتو من حلم. فالضوء فيها ينساب كالماء، وتتوالى الصور وفق منطقٍ ضبابي تختلط فيه الحقيقة بالخيال. ومنذ الصفحات الأولى يدرك القارئ أن الكاتب لا يسعى إلى بناء حبكة روائية متماسكة بقدر ما يحاول العثور على المسارات الغامضة للذاكرة والحلم والخلق الأدبي. ومن خلال تنقلاته بين طفولته وعالم المخرج الإيطالي فيديريكو فيلليني، ينسج بناك نصًّا حرًا تتحول فيه الذكريات إلى نوافذ تفضي إلى عوالم الخيال.
يشغل فيلليني مكانة مركزية في هذا العمل، إذ يوجّه له بناك تحية واضحة، مستحضرًا خاصة فِلم «أماركورد» الذي تعني في لغة رومانيولو الإيطالية: «أتذكّر». ولعل هذه العبارة تصلح عنوانًا خفيًّا للكتاب كله، فهو محاولة دائمة لتحويل الذكريات والأحلام إلى مادة سردية. وكما كان فيلليني يرى في الحلم وسيلةً لفهم العالم، يتبنى بناك الرؤية نفسها ويجعل من الحلم أداة للتأمل في الحياة والكتابة.
يتمحور الكتاب حول سؤال أساسي: ما العلاقة بين الحلم والكتابة؟ يتأمل بناك طبيعة الصور التي يولدها العقل في أثناء النوم، وقدرتها على أن تصبح نواة لعمل إبداعي. وهو يميز بين نوعين من الأحلام: أحلام مغلقة تنتهي بمجرد الاستيقاظ، وأخرى مفتوحة تواصل حياتها في الذاكرة وتمنح الكاتب خيطًا يمكن أن يمدّه ويطوره في السرد، فتصبح الكتابة شكلًا من أشكال مواصلة الحلم في حالة اليقظة.
يغدو الحلم إذن مادةً مثالية للإبداع، فالحلم، كما يراه بناك، يخلو من الفراغات والزمن الميت، إنه عالم تتحرر فيه الأحداث من منطقها المعتاد، وتكتسب كثافة خاصة يحاول الأدب استعادتها. ولذلك يتخيل الكاتب شكلًا من الرواية تكون فيه الأحاسيس أهم من الأفعال، وتنبع فيه الأحداث من الانطباعات أكثر مما تنبع من الوقائع.
وهذا قد يربك القارئ الباحث عن حبكة خطية، فالكتاب يتقدم عبر التداعي الحر للأفكار والذكريات والتأملات، دون أن يسعى إلى إثبات فكرة محددة أو الوصول إلى خاتمة نهائية. غير أن هذه السمة نفسها تمثل أحد عناصر جماله، فبناك لا يمنح قارئه قصة جاهزة، بل يهديه سلسلة من الصور الأخاذة التي تظل عالقة في الذاكرة، مثل صورة القرية المغمورة بالمياه أو الضوء الذي ينساب كسائل عبر المشاهد الأولى.
ما ستقرأه في هذا العمل سيدفعك إلى النظر لأحلامك بعينٍ أخرى؛ عين المبدع الذي يرى في نفسه مُلهمه الأول.
لا مكان للملل
.jpg)
تأليف: د. أحمد خالد توفيق/ الناشر: كيان
قضيتُ أغلب أيام الأسبوع الماضي في صالات الانتظار، رهينة لقلق ترقب نتائج التحاليل وما سيُفضِي به الطبيب، وللملل المطبق الذي يلفُّ المكان وسط غرباء ينتظرون مثلي مصير الساعات القادمة. وفي غمرة ذلك، أرسلت لي صديقة كتاب الدكتور أحمد خالد توفيق «لا مكان للملل»، لأضعه، بمجرد قراءة الصفحات الأولى، في قائمة كتبي المخصصة لـ«صالات الانتظار»؛ ولا أقصد بذلك التقليل من شأنه، بل على العكس، فهو الأقدر على انتزاع ابتسامة قادرة على كسر حدة الملل والقلق.
يضم الكتاب مجموعة من المقالات تختزل تجارب حياتية استقاها الكاتب من واقع يومياته، فجاءت قريبة منا لدرجة أنني شعرتُ وكأن الكاتب يخاطبنا جميعًا في تلك الصالة، أو أنه كان أحد الجالسين بيننا. لقد وفّى العنوان بوعوده، إذ حوّل جحيم الانتظار إلى مكانٍ لا ملل فيه، بفضل أسلوبِهِ الساخر والساحر، الذي ينمُّ عن كاتبٍ يجمع بين خفة الظل والقدرة على النقد الاجتماعي للمجتمعين المصري والعربي.
يضم الكتاب ثلاثةً وعشرين مقالًا متنوعًا، يصحبنا فيها الدكتور إلى عالمه الشخصي، مستعرضًا مواقف مرَّ بها، وما يحبه وما يكرهه، إلى جانب انطباعاته حول القضايا الاجتماعية والسياسية. يتناول «العراب» في بعض مقالاته ظاهرة الملل في مصر، ساخرًا من التناقض الذي يعيشه المصريون، إذ «لا مكان للملل» في بلد يدهشك كل يوم بحادث جديد وفريد. كما يطرح تساؤلات حول الذكاء وأنواعه، محذرًا من الركون إلى الذكاء الأكاديمي في مقابل «نصاحة» البسطاء التي قد تتفوق على أرباب العلم في فنون التعامل. ويناقش في موضع آخر ظاهرة الكذب كوسيلة للتلاعب بعقول الناس، مستشهدًا بتقنيات ترويج الأكاذيب في عصر الفضاء المفتوح، وتطرق أيضًا إلى «تأثير الهالة» الذي يجعل النجاح في مصر مرهونًا بـ«أن تبدو لا أن تكون»، مع تحذير من انهيار هذه الهالة في أي لحظة.
حضر «الغضب الساطع» في كتاباته، لكنه كان غضبًا مثقفًا وواعيًا بالقضايا السياسية مثل قضية فلسطين. ومن أجمل مقالاته تلك التي تحدّث فيها عن زيارته لمركز مجدي يعقوب للقلب في أسوان، حيث كتب بانبهار عن نظام العمل والإدارة والتقنيات الحديثة، عادًّا إياه صرحًا جديرًا بالاحترام، وتُعدُّ هذه المقالة من أكثر نصوص الكتاب تأثيرُا. أما المقال الذي قد يهم القراء تحديدًا فهو الأخير، الذي جاء في جزأين بعنوان «بلهاء في الأوقيانوسية وروايات أخرى»، وفيه يستعرض الكاتب أهم الكتب التي شكّلت تكوينه الفكري، مؤكدًا أن هذه القائمة ليست توصيات للقراءة بقدر ما هي مرآة لوجدانه وفكره، ومن بينها: «الجريمة والعقاب» لدوستويفسكي، و«1984» لأورويل، و«مدام بوفاري» لفلوبير، و«العيب» ليوسف إدريس، و«المسيح يصلب من جديد» لنيكوس كازانتزاكيس، و«ثلاثية غرناطة» لرضوى عاشور، إلى جانب مجموعة أخرى من الأعمال العالمية والعربية.
يتميز أسلوب أحمد خالد توفيق بالذكاء والسخرية اللاذعة، مع تشبيهات سلسة تجعل القارئ يرتبط بها بسهولة، ويستخدم عناوين مشوقة مثل «عن اهتبال الفرص» و«لا تتحمس جدًّا»، وهي من ألاعيبه الساخرة التي يعيها قارئه ويستمتع بها. ربما أكثر ما أوجعني في هذا الكتاب هو عندما يذكر الدكتور أنه سيكمل حديثه في مقال آخر، ذُكرت هذه العبارة مرتين أو ثلاثة وكان وقعها صعبًا في كل مرة، وكأنها تذكير بأن الرجل قد رحل ولن نقرأ ما كان يريد نشره مستقبلًا.
رحم الله الدكتور أحمد خالد توفيق عراب قراءة الطفولة.
أن تتذكر المستقبل

تأليف: إيريني باييخو/ ترجمة: مارك جمال/ الناشر: ديوان
هناك لحظات نادرة في القراءة نشعر فيها أن الكلمات لا تمرّ من أعيننا إلى أذهاننا فقط، ولكنها تسللت بخفة إلى مكان ساحر، ذاكرة لا نعرف أننا نمتلكها. كتاب «أن نتذكر المستقبل» لإيرين باييخو هو أحد هذه اللحظات. مجموعة من المقالات الموجزة، كلٌّ منها أشبه بنافذة تطل على فضاء شاسع من الزمن، حيث يختلط صوت شاعرٍ إغريقي قديم بضجيج مترو أنفاق مدريد، وحيث يهمس فيلسوف روماني بكلمة وكأنه يقرأ خبرًا من نشرة اليوم.
يسير بك الكتاب في ممرات ضيقة بين عوالم تبدو متباعدة: أساطير تأسيسية، حكايات عن عبيد وأباطرة، قصاصات من حياة نساء نسيهن التاريخ، كلمات فقدت معناها ثم تستعاد في عصر الإنترنت. بكلِّ ذلك تمارس باييخو سحرها، تحيل التراث إلى دمٍ جارٍ وتنفض عن المتاحف غبارها. تقرأها فتتساءل: كيف يمكن لحدث وقع قبل ألفي عام أن يكون أكثر حداثة مما نعيشه الآن؟ كيف يمكن لسؤالٍ طرحه سينيكا في منفاه أن يكون سؤال طفلك الصغير عن الموت، أو سؤال السياسي عن الحكم؟ وكيف يمكن أن تكون نصيحة أوفيد صالحة لإنقاذنا من خيبات الأمل والحب؟
تمتلك باييخو نعمة نادرة في عصر السرعة، نعمة التأني. هي لا تلهث خلف الفضول المعرفي، ولا تستعرض ما تحفظ من كنوز كلاسيكية، بل تترك للفكرة أن تنضج في حضن الحكاية، وللحكاية أن تتسرب بهدوء إلى روحك كالماء في التربة. أسلوبها المعتمد على لغة بالغة الجمالية والحساسية أو ما نسميه بـالنثر الشعري، تناسب قارئ اليوم، تحكي وكأنها تجلس أمامك على مقهى وتحدثك فيمضي الوقت، ونخرج من الحكي بحياة وذاكرة. هناك جمالٌ شفيف في قدرتها على نقل الشعور بأن كل ما نعيشه اليوم قد عاشه أحدٌ قبلنا بطريقة ما، وأننا لسنا وحدنا في حيرتنا، ولا أول من ارتبك أمام أسئلة الحب والسلطة والموت والحرية.
لا تطلب منك باييخو أن تكون مثقفًا أو أن تفهم الإشارات، فهي تمنحك حق الضيافة في حديقة الأفكار الإنسانية، تدعوك للجلوس حيث تشاء، لتنصت لصوت شعراء الإغريق حين يكتبون عن الغيرة، أو لنصيحة مارسيل عن الصداقة، أو قصة أول أستاذة جامعية، أو أول رجل وُلد في العبودية من أصل أفريقي وحقق نجاحًا أو قصة الفيلة في نومانتيا، أو أصل كلمة «ميم».
الفكرة الأساسية التي تعود إليها الكاتبة باستمرار، دون أن تكررها، هي أن الحاضر واهٍ إن لم يُسند بذاكرة، وأن المستقبل نفسه قد لا يكون سوى صورة أخرى عن الماضي، لأن الإنسان لا يبتكر أسئلة جديدة، بل يعيد صياغة الأسئلة نفسها برداء كل عصر.
قراءة هذا الكتاب فعلٌ يدفعك إلى التروي، وربما هو درسٌ في فنِّ العيش البطيء في عالم يركض. إنه لا يُقرأ بنهمٍ كالكتب الروائية، ولا بجفاءٍ كالدراسات الأكاديمية، يُقرأ كنوعٍ من الصحبة، صفحة أو صفحتان مع فنجان قهوة، أو قبل النوم. إنه كتاب لا يُنهي شيئًا، بل يفتح كل شيء، يفتح نوافذ في عقلك كنت تظنها موصدة، يحرك غبار الأفكار الراكدة، يعيدك إلى أسئلتك الأولى بوجه جديد، ويجعلك تحب الثقافة لأنها، في جوهرها، طريقة لأن تكون أكثر إنسانية.
وإذا كان كتابها الضخم «اللامتناهي في بردية» كتابًا عن حب الكتب، فإن «أن نتذكر المستقبل» كتاب عن حب الأفكار التي تسكن الكتب، وعن تلك الخيوط غير المرئية التي تربط بين روحك وروح إنسان عاش قبل ميلادك بقرون، وما العنوان سوى تذكير بهذه الحتمية أن المستقبل لن يؤثر إلا بقراءة الذاكرة، وكأننا جميعًا، في لحظة تأمل صادقة، نتنفس الهواء نفسه، ونطرح السؤال نفسه، وننتظر، بصبر من يتذكّر، أن يأتي الجواب من حيث لا ننتظر.

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.