بيت يتحول إلى متحف!

في شرق الرياض، جولة داخل بيت حوّله صاحبه إلى متحف.


ذكريات المدرسة هي واحدة من ذكرياتي المفضلة. يمكن لأنها المرحلة اللي جرّبت فيها كل شيء تقريبًا؛ بعت سمك، وصيصان ملوّنة، غنّيت في الإذاعة، وحتى شاركت في أمسيات شعرية. 😁

وكنت أتحمس لحصة الانتظار، عشان أبيع سواليف وقصص على البنات. وهذي البيعة الوحيدة اللي ما آخذ عليها مقابل... لأني أحبها. 

عشان كذا أحب كل ما له علاقة بالمدرسة؛ لأنها تذكرك بمرحلة كاملة من حياتك.

ومكان هالأسبوع استرجعت فيه ذكريات المدرسة، اللي عشتها، وحتى اللي ما عشتها، مع العم علي المبيريك. زرت بيته اللي حوّله إلى متحف لكل ما له علاقة بالتعليم. 


متحف في بيت شخصي، وصاحبه قضى أكثر من ثلاثين سنة يجمع مقتنياته، ويستقبل الزوار بنفسه، ومع ذلك ما يفرض أي رسوم على الزيارة! ليش؟ 

قبل شهرين في عصرية دوام عادي كنت أسولف مع شهد وقالت لي تدرين أن جارنا عنده متحف صغير داخل بيته؟ ومن هنا بدت القصة.

لفت انتباهي أنه متحف في بيت صاحبه قضى أكثر من ثلاثية سنة يجمع مقتنياته، ويستقبل الزوار بنفسه وما يفرض أي رسوم للزيارة، ليش؟

أخذت الموقع وتوجهت للمكان في شرق الرياض، وصلت الظهر واكتشفت أن المتحف فعلًا داخل البيت.

تحصّل لوحة صغيرة مكتوب عليها «متحف قديم التعليم»، معلقة على بيت اعتيادي يشبه أي بيت سعودي تعرفه. 

دخلت، واستقبلني العم «علي المبيريك». طول ما أنا ماشية، الشيء الوحيد اللي في بالي أني داخلة بيت عائلة حقيقية؛ تشم ريحة القهوة والبخور، لكن أنت مو جاي للبيت. 

بعد درجتين، توصل على مدخل المتحف مباشرة، وتلقى الجَلسة تنتظرك: قهوة وتمر وموية.

قبل أتعرف على العم علي، أخذت لفّه سريعة في المكان. كان بيت بغرف متعددة وصالة وجلسة وممرات، لكنه مليان بكم هائل من مقتنيات الكتب واللوحات، والدفاتر .

بعدها جلست أتعرف على العم علي، حسيت وقتها أني قالطة في بيت عمّي بعصرية يوم مسايير. وهو يمدّ لي فنجال القهوة والتمر.

العم «علي المبيريك» أستاذ فنية متقاعد، قضى حياته في التعليم. وبعد ما تقاعد كمّل هوايته اللي يحبها: اقتناء القطع التراثية الخاصة في التعليم.

شخصيته هادية وبشوشة، ويتحمس وهو يشرح التفاصيل. يعطيني التواريخ من ذاكرته، ويربط الأحداث ببعضها، وفي بعض اللحظات حسيت أني رجعت إلى حصة مدرسية أكثر من كوني في جولة داخل متحف شخصي.

حتى المتحف نفسه امتداد لهذه الشخصية. فالعم علي مو مجرد هاوي يجمع مقتنيات قديمة، بل محب للتراث من الأساس. حتّى في مشبّ بيته يحتفظ بمقتنيات تاريخية من مجالات مختلفة ما يبغى يفصح عنّها، وقبل أكثر من ثلاثين سنة بدأ يركّز على مجال واحد تحديدًا: التعليم.

خلال زياراته للمتاحف، لاحظ أن كثير من المجالات لها اللي يوثق تاريخها ويحفظه، بينما التعليم -وهو المجال اللي قضى عمره فيه- ما فيه أحد وثّقه من بين المتاحف. فقرر أنه يبدأ بنفسه متحف شخصي، مرخص من هيئة المتاحف.  والمتاحف الشخصية هي متاحف مستقلة، يؤسّسها أصحابها لجمع وحفظ مقتنيات أثرية وتاريخية بدون أهداف تجارية.

بدأ بمعرض صغير داخل المدرسة اللي كان يدرّس فيها، وبعد ما تقاعد، نقلها لبيته. ثم كمل في جمع الكتب والدفاتر والصور والحقائب واللوحات المدرسية وكل ما يتعلق بتاريخ التعليم في السعودية.

كان يبحث في المزادات، والأسواق، ومحلات الأنتيكات، والمدارس القديمة، لين بدؤوا يعرفونه ويعرفون اهتمامه. وفي وحدة من المرات، عُرضت قطع نادرة تخص «معهد أنجال جلالة الملك سعود» في مزاد بسوق الزل في الرياض. وأحد الزوار لاحظ القطع، وتواصل مع العم علي مباشرة يقول لها عنّها، ويقول طلبت منه يشتريها لي وجازيته عليها.

ومع مرور السنوات، صار له اسمه بين المهتمين والباحثين. فبدأ بعض الناس يتواصلون معه بأنفسهم لبيع مقتنيات مدرسية احتفظوا فيها في بيوتهم لعقود طويلة من آبائهم.

في البداية كان يجمع لبناء متحف، بعدها بدأ يركز بالرحلة داخل المتحف؛ رحلة كاملة ياخذك فيها بتاريخ التعليم السعودي. 

المتحف فيه حوالي 40 قسم، مقسّمة على عشرة مناطق بين الغرف والممرات في البيت. 

ييدأ من قسم ألواح الكتاتيب، بعدها بتشوف المناهج من عام 1344هـ، العام اللي تأسست فيه مديرية المعارف،ثم تمشي بين جميع المراحل المختلفة للتعليم.

بعدها تنتقل إلى مرحلة تعليم البنات، بمناهجها والملابس المدرسية الخاصة فيها. وحتّى بين المعروضات بتحصل ملابس ومريول أصلي يرجع لذيك الفترة.

وتستمر رحلة المتحف وتأخذك بين الأنشطة الرياضية والكشّافة، والتربية الفنّية، وتنتهي بقسم فيه صور من الأرشيف ومراجع ومؤلفات.

الجولة فيها تفاصيل دقيقة، من ضمنها التغذية المدرسية . بتلقى فيه كل أنواع المنتجات اللي كانت تباع بالمقاصف بعلبها الأصلية! 

إيه ما زالت هذي العلب مليانة وما فتحت. بعضها كانت توزّع في سنة 1391هـ على الطلّاب في المدارس، وتستورد من ألمانيا. 

ومن بين آلاف القطع الموجودة في المتحف، فيه قطعة وقّف عندها العم علي أكثر من غيرها، في كل الزيارات اللي جيتها للمتحف، لأني زرته عدّة مرات.

وهي دفتر عمره تقريبًا تسعين سنة، يرجع لفترة (المملكة الحجازية النجدية وملحقاتها)، ويعتبره العم علي من أثمن مقتنيات المتحف. ويرفض بيعها، أو التخلي عنها. وهي الوحيدة بالمتحف ممنوعة اللمس. 🤔

وفي مدخل المتحف نفسه، لفت انتباهي صورة معلّقة على الباب. سألته عنها، وقال إنها رسمة من أحد الكتب القديمة اللي يحبها، احتفظ بنسخة من رسمة الكتاب، وأعجبته وطبعها وحطّها عند المدخل.

تفصيلة صغيرة، لكنها تكشف ارتباطه بالفنّية والرسم. 

بالجولة، لاحظت أن العم علي ما يكتفي بعرض المقتنيات وبس، بل ركّز أنه يطعّم كل جزء من المكان بتفاصيل تخليك تعيش التجربة وتتخيلها. فلما تشوف شنطة قديمة عمرها 70 سنة، بتلقى صورة أصلية لطالب شايل نفس الشنطة. بس عشان تتخيل المشهد. 

وهو يحبّ يستكشف بنفسه هذي المقتنيات بعدما يشتريها. فيقول لي أنه في أحد المرات، لقى بين مجموعة من الدفاتر القديمة، دفتر يعود للشاعر السعودي أحمد الدامغ؛ كاتب وأديب سعودي مهتم بالتراث الشعبي والشعر النبطي.

وهو يتصفح الدفتر، لقى داخله قصائد وملاحظات مكتوبة بخط يده. كان يقدر يحتفظ بالدفتر ضمن مقتنيات المتحف، لكنه حس أن هذا الدفتر ممكن يعني للشاعر أكثر مما يعني له.

فبدأ يبحث عنه، وخلال البحث لقى خبر عزاء منشور باسمه، وعرف أنه توفى، فحاول يوصل لعياله، ووجد أرقامهم. وتواصل معهم وقال لهم عن الدفتر. 

وجو بعدها إلى عنده في المتحف، وجلسوا يتصفحون الدفتر معه صفحة صفحة.

ويقول العم علي أنهم سألوه: «وش المقابل اللي تبيه؟» كانوا يعتقدون أنه بحث عنهم عشان يبيع الدفتر عليهم. لكن ما كانت هذي نيّته.

كل اللي فكر فيه أن هذا الدفتر ممكن يكون ذو قيمة لأصحابه، وأن من حقهم يعرفون بوجوده. ❤️‍🩹

هذا الموقف تحديدًا وضّح لي أصالة العم علي، وأنه ما يجمّع الأشياء لأنها نادرة فقط. لكن يشوف قيمة لهذي القطع ومن وراها. والذكريات التي تحملها.

أنهيت الزيارة ووعدته بزيارات جاية مع أهلي. 

فأنصح تاخذ أمك أو أبوك، أو حتّى جدّانك، بيستمتعون في التجربة وبتعطيها جانب مختلف خصوصًا للي عايشوا الفترة. 

تتذكر لما قلت في البداية أني حسيت أني مسيّرة على عمي؟

منظر العم علي وهو نازل من المتحف، وبيده صينية القهوة، وداخل بيتهم من الباب الرئيسي.. عزز هذا الشعور مرة ثانية. 😂


للأدب.. كُل الأماكن📍

تحوّل مبادرة «الشريك الأدبي» الأماكن العامة في المدن السعودية إلى مساحات للقاء القراء والحوار حول الأدب؛ قد تذهب للمقهى لاحتساء قهوتك، فتجد الجميع يناقشون رواية 📚

اطّلع على جدول الفعاليات. أو تعرف على المزيد


📍الموقع: متحف قديم التعليم، الفيحاء. 

⏰أوقات العمل: بالتنسيق مع العم علي المبيريك.

📞رقمه: 0506149792

  • المتحف كبير من ناحية عدد المقتنيات رغم حجم المكان.

  • طاقته الاستيعابية عشرين شخص تقريبًا.

  • فيه أرشيف كبير، بيخدم المهتمين والباحثين، وبيستمتع فيه الشخص اللي يحب يشوف التاريخ والتراث. ويحب يسمع حكاويها.

دليلة الرياض
دليلة الرياض
أسبوعية، الأربعاء منثمانيةثمانية

تحس أنّك تعرف الرياض؟ سواءً كنت ساكن فيها، أو مختّمها، أو جديد فيها، هذه النشرة لك. قبل نهاية الأسبوع، نرسل لك تجارب وتوصيات وجديد الرياض وأماكنها المعروفة، والأهم، السريّة.