لقاء العربي بالفارسي في وادي عبقر 🏜️
زائد: أمين مكتبة غير تقليدي 📚

أحب الشعر بكل أشكاله، حتى ذاك الذي كان والدي يقوله في رحلاتنا؛ شعرٌ مكسور لا يقوى على جبره لا لغوي ولا حتى طبيب عظام!
لم يسبق لي أن حفظت قصيدة على الرغم من أنني أقرأ الكثير من القصائد. ودعني أبشرك أن الحفظ هبة ربانية ليس بالضرورة أن تُرزَق بها مع حبك للشعر. أما محاولات نظم الشعر فلن أفعلها، فأنا أخاف من فكرة «المعنى في بطن الشاعر»، ولن يحتمل الخياط وزنًا إضافيًّا في بطني!
في هذه النشرة أشاركك رحلتي مع الشعر الفارسي، وهو شعرٌ جديدٌ عليّ، ولكنها كانت رحلة ممتعة، تحديدًا بعد نزولي مع الشاعر إلى:
وادي عبقر.
فيصل آل عمر

.jpg)
لقاء العربي بالفارسي في وادي عبقر 🏜️
فيصل آل عمر
كنت يومًا من الأيام أتجوّل بالسيارة في شوارع الرياض، التي لا حرمنا الله لذتها الليلية حتى وهي مزدحمة، أتكلم مع صديقي حول كل الأشياء. قائمة الأغاني تعج بتنوّع مذهل، فأسمع طلال مداح يغني «زمان الصمت» وبعدها أم كلثوم «تثور في شَك» قبل أن يقاطعنا عدد من الشيلات، ثم موسيقا للموسيقار السوري إياد الريماوي.
هذا التنوع يتفهّمه الأصدقاء حينما يكونون معي، لكنني كنت أذكر لهم عددًا من القصائد المتنوعة بين شعر حر وتفعلية، وبين جاهلي وعباسي وحداثي، قبل أن يستوقفني صديقي ويقول:
«هل هناك شِعرٌ فارسي؟»
هذا السؤال دفعني لتغيير الوجهة مباشرة إلى أقرب مكتبة، باحثًا عن ديوان شعري فارسي. فوجدت ديوان «جسرٌ لا يوصل أحدًا إلى بيته» لكروس عبدالملكيان وترجمة أصغر علي كرمي من دار تكوين (وهي دارٌ أثق في ترجمتها على العموم). وبدأت رحلتي مع الشاعر كروس!
علاقتي بالشعر المترجم ليست أفضل علاقة أدبية بالحياة، لكنني أستمتع بالمعنى حينما أحاول أن أتخيّله، وأقارب بينه وبين معرفتي بالشعر العربي. لتبدأ رحلتي مع كروس عبدالملكيان في قصيدة يصف فيها المجانين وتنوّعهم؛ ففي وصفه لمن يحلم بالهروب يقول:
مجنون
من أمطروه بالرصاص أمس
وهو ما زال يفكر بالهروب
وهذا يذكرني بقول البحتري حول كثرة أمنياتنا مع عمرنا البسيط:
لَنا في الدَّهرِ آمالٌ طِوالٌ
نُرَجّيها وَأَعمارٌ قِصارُ
وهذه الصورة الشعرية تتقارب بين الشاعرين في فكرة أن الإنسان كائنٌ يعشق الأمل في الحياة. وتتضاعف رغبتنا في الحياة أكثر حينما نعلم عن اقتراب النهاية؛ فهذا هو الطبع البشري الغالب.
أنتقل إلى قصيدة أخرى، حيث يصف كروس عبدالملكيان تعدد الشخصيات بداخله قائلًا:
ثمة شخصيات داخلي
لا يتحدثون مع بعضهم
لم يأكلوا مطلقًا حول مائدة
فتخطر لي المائدة في التراث العربي وتجسيدها معنى التآخي والوحدة. إذ يكفي أن يأكل شخصٌ معك رغيف خبز واحد لتأمن جانبه؛ كما يقال شعبيًّا في وصف المعرفة بمعدن الشخص: «بيننا خبز وملح». وهو وسمٌ يكفي ليبرر لماذا قد تأمن شخصًا ربما لم تلتقِ به إلا دقائق.
ولعل هذه الأبيات كان الشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي بحاجة إليها حينما وصف رحلته التي لا يعلم من كان يقوده فيها:
جئت، لا أعلم من أين، ولكنّي أتيت
ولقد أبصرت قدّامي طريقا فمشيت
وسأبقى ماشيًا إن شئتُ هذا أم أبيت
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟
لست أدري!
فربما كانت إحدى شخصيات إيليا تقوده والآخرون لا يعلمون!
فوصف الصراعات النفسية المتمثلة في «الشخصيات الداخلية» سمةٌ يُحسِن الشعراء استخدامها في تبرير تضارب الأفكار لديهم، ويتلذذون عمومًا بصنع تجربة خارقة للطبيعة في وصفها. فمثلًا يشتهر عن شعراء العرب تأويلهم لمصدر الشعر الذي ينطقون به أنه من «الجِن»، تحديدًا من وادي عبقر، وبعدما وجدتُ تشابهًا كبيرًا بين الشعر العربي وبين كثير من النصوص الشعرية المترجمة، لا أعلم حقيقةً هل مصدر شعر العالم كله من الوادي نفسه!
ويحب الشعراء تخيل أن قرارتهم ومزاجهم ليس صادرًا منهم بل من «الجني»، وهنا قد يتدخل العلم (الذي لطالما تدخل في الأدب حتى أفسده) قائلًا: ليست شخصيات متعددة يا معشر الشعراء، فلربما كانت ثنائي قطب في مرحلته الأولى، ومستشفى الصحة النفسية أولى لكم من وادي عبقر.
ومن أفكاري حول الوادي، أنتقل مع كروس في قصيدة للسلام، يصف فيها حال الجندي ما بعد الحرب:
يحرّك الشاي بماسورة بندقية
يحكُّ رأسه مفكرًا بماسورة بندقية
….
خاض حروبًا عديدة
لكن وحدته لم تكُن يومًا خصمه
….
علينا القبول أنه أبدًا
لم يعُد أي جندي من الحرب حيًّا
وهذا تَفكُّرٌ عجيب. إذ أن كثيرًا من العلماء تحدّثوا عن أعراض تصيب الجنود بعد الحرب، ومنهم عالم النفس البريطاني تشارلز صمويل مايرز، الذي صاغ مصطلح «صدمة القصف»، ليفسر حالات من اضطراب ما بعد الصدمة التي تصيب الجنود بعد الحرب التي ينجون منها جسدًا ويموتون فيها روحًا.
وفي هذا، يقول زهير بن أبي سلمى مُحذّرًا من الحرب وويلاتها:
وَما الحَربُ إِلّا ما عَلِمتُم وَذُقتُمُ
وَما هُوَ عَنها بِالحَديثِ المُرَجَّمِ
مَتى تَبعَثوها تَبعَثوها ذَميمَةً
وَتَضرَ إِذا ضَرَّيتُموها فَتَضرَمِ
ومن عجيب التشابه الشعري أنني كنت أقرأ في ديوان الأمير بدر بن عبدالمحسن، حيث يصف مطرًا يرفض الهطول وهو واقف تحت المظلة:
مطر معلّق بنصف السما
لا ينهمر ولا يرتفع
وكلما بغينا نجتمع
تحت المصابيح الزرقا يطيح منه رْذاذ
إما انْهمِرْ فَرقا وإلا تِقطَّعْ وُصَل
يا ماطر الليل لا تاقف بوسط السما
لأقرأ عن قصيدة كروس عبدالملكيان في ديوانه:
المطر الواقف فوق المدينة لأيام
هطل أخيرًا
و أنتِ بعد سنوات، جئتِ لمنزلي
ولأشرح لك علاقة المطر بالشعراء فهو قدوم الخير، والمطر فيه الخير. ومن أصعب الأمور على النفس البشرية هو الانتظار، فما بالك بانتظار الخير؟
ثم استحضرت الشاعر العراقي بدر شاكر السيّاب، حينما كان يصف المطر في معاناة مع الإنسان، وربما هو الشاعر الوحيد الذي يحضرني واصفًا إياه هكذا:
وَكَمْ ذَرَفْنَا لَيْلَةَ الرَّحِيلِ ، مِنْ دُمُوعْ
ثُمَّ اعْتَلَلْنَا خَوْفَ أَنْ نُلامَ بِالمَطَر
ولأن لكلّ شاعر قضية يدافع عنها ويصفها بكلماته، فقد كانت لكروس عبدالملكيان قضيةً شخصية ضد الحروب التي مزقت بلاده وصارت تُعرَف بها. فقد وُلِد بعد أيام قليلة من الحرب العراقية الإيرانية، ومما لا شك فيه أن الحرب تترك في النفس أثرًا كبيرًا، فما بالك بالذي إن ذُكِر وقت ولادته قيل: ولدتَ بعد الحرب بأشهر.
فيصف كروس شعور نفاذ الحرب في كل تفاصيل حياته:
مستلقيًا
وزوجتي تقرأ قصيدة عن الحرب
هذا ما كان ينقصني
أن تأتي الدبابات إلى سريري
يثقب الرصاص أحلامي
وهو يقصد هنا أن الحرب نافذةٌ في كل مكان، تصل لمن تأذّى منها ضعف من لم يعرفها إلا من شريط الأخبار.
ومما أعجبني في قصائد كروس عبدالملكيان هو التصوير العجيب للمشاعر التي لا يمكن تخيلها، فيصف محاولة إسعاد من لا يمكن إسعاده بقول:
ما الذي يسعدك
في نفض ندف الثلج
عن كتف رجلٍ ثلجي؟
كنت خائفًا أن تجربتي الشعرية التي بدأت بتهكم حول ما أحب أن أقرأ أن تنتهي بطريقة حزينة، وأجد بين يدي ديوانًا شعريًّا مُملًّا. فدائمًا يُقال إن الشعر المترجم يقتل روح القصيدة، لكنني وجدت نفسًا قبل الروح، زاد متعتها أنني لست عدوًّا لتجربة قرائية لقصائد جديدة تشبه ما أعرفه من الشعر العربي، ولا بأس في ذلك.
فهذا ما اكتشفه قبلي فارس بني عبس عنترة بن شداد، بما يزيد على ألف عام، حينما قال: «هل غادر الشعراء من متردم»، ليعلن أن ما من شاعرٍ وصف شيئًا، إلا قد سبقه به شاعرٌ آخر؛ الاختلاف يكمن في المفردات ووقع القصيدة وقافيتها وبحرها، ولكن الفكرة واحدة. ولعلَّ الوادي واحدٌ أيضًا.
كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭
مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨
موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!
هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗
التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁

أمين مكتبة غير تقليدي
كنت في الأشهر الماضية أتواصل باستمرار مع أمناء المكتبات من الدول العربية، بمختلف أحجام تلك المكتبات وجهاتها؛ بين مكتبة عامة وخاصة، وللكبار والصغار. ومن مكتبات الخليج إلى المغرب كان الكثير من أمناء المكتبات يشتكون من قِلة المصادر التي تناولت اهتمام «أمناء المكتبات»، وكنت أرد عليهم بسخرية في شأنين:
الأول: أنهم بين كل هذه الكتب والأسماء، ولكن سبحان من أعجزنا أن نشارك البعض تجاربنا!
والثانية: أنهم يتحدثون مع من يكتب عن رف أمين المكتبة زهاء الأربعة أشهر، فإن لم يقرؤوها فتلك مصيبة، وإن لم يبحثوا فالمصيبة أعظم.
وخلاصة ما اتفقت فيه مع جميع أمناء المكتبات هي ثلاثة توجهات رئيسة ستجعل منك أمين مكتبة مختلفًا عن غيرك:
قبل التوصية وبعدها
كثير من زوار المكتبة يزورونها لغرض التعرف على الكتب، واعلم يا معالي الأمين العام للمكتبة أن أشد أنواع الناس خجلًا من كان خجله نابعًا من رغبة بالعلم يحدُّها الجهل.
وكذلك أغلب الزوار يزورون المكتبة راجين من الله أن تصدف معهم ويجدوا الكتاب المناسب، دون أن يظهر عليهم الجهل بالكتب.
وهنا يأتي دورك أمينَ مكتبة غير تقليدي: عليك التعامل مع الجميع كما يحسن بك أن تعاملهم. تحدثت في عدد سابق عن «الإرشاد القرائي»، وسُررت حينما علمت أن هناك مكتبات بدأت بتطبيقه، ولا ضرر في أن تفعل ذلك، الأهم أن تبقى على تواصل مع القرّاء: اصنع معهم صحبةً قرائية، فمما تتميز به المكتبة أنها كمدرجات كرة القدم، الجميع هنا يجمعهم هدف واحد، وبمجرد الخروج لن يتواصلوا معك إلا عما جمعكم (على الأقل ستضمن أنه لن يفضفض لك أحد)، وسيجمعكم مجددًا الشغف ذاته.
وعي شخصي
حينما نقول للعامة: كتب، سيتبادر إلى ذهنهم الثقافة والمعرفة والذكاء، وغيرها من الصفات التي يود أحدنا أن يتحلى بها لأنه قارئ.
وهذا ما يجب أن يكون عليه أمين المكتبة. لا أقصد أن تقرأ كل الكتب، بل أن تحوي فيك حبًّا للمعرفة، ورغبة مشعّة منك تظهر للجميع، وتجعلهم يرغبون في أن يصبحوا مثل ما أنت عليه من المعرفة. فالمكتبة تعطيك فرصة لزيادة معارفك وإدراكك؛ ولكي يصبح عملك ممتعًا، عليك ألّا تقصره على إعارة الكتب وبيعها واسترجاعها!
هي فرصة كبيرة لك في أن تحوي قدرًا عالي من المعارف الشخصية التي ستفيد الآخرين منها.
مكتبة حيّة
المكتبات لها هيبة تجعل من لا يعرفها جيدًا يقول عنها مملة. نعم، لا خلاف أنها قد تصيب من فيها بلحظات الملل، لكن الأمر نفسه يحدث لمن يعملون في الملاهي الترفيهية، فالملل عرض يصيب كل مكان. لكن يُعاب على المكتبات أنها ترضى بالملل ولا تمنعه أو حتى تخففه.
لذلك أقترح عليك أن تؤنسن المكتبة، وأن تجعلها حيّة نابضة عن طريق صُنع مجتمعات مهتمة بما فيها. مثلًا تصنع مجتمع قراء «غازي القصيبي» وتناقش كتابًا له شهريًّا، وتصنع مجتمعًا لمحبي كتابة الرواية، وهكذا من البرامج المكتبية الشهرية التي تمنح المكتبة أيامًا مرتقبة من الزوار.
المكتبات بحاجة إلى تجديد في آلية العمل والتعرض من الجمهور لأمين المكتبة، لا ترضَ بأن تكون مجرد «حارس كتب»، فالدور الذي يتخذه العامل في أي مكان هو من يجعل من عمله مُملًّا أو ممتعًا. وصدقني ليست كل الأعمال ممتعة، حاول أن تشارك الجميع ما تحب، فربما لن تكون أمين مكتبة الحي فقط، فهناك شخص ما في العالم ينتظر توصيتك.
مساحات العمل، مكان يرافقك ساعات طويلة في يومك.
ولراحتك، ننتقي كل عنصر ليعكس شخصية علامتك ويمثلها.
تعرف على منتجاتنا وخدماتنا في «أوفيس هب» من هنا

شيء من الدعوات الخاصة:
وَمِنَ الْعَجائِبِ في الْهَوَى أَنَّ الفَتَى
يُدْعَى إِلَيْهِ بِأَهْوَنِ الأَسْبَابِ
محمود سامي البارودي
شيء من الملامة:
أَلَم تَرَيا أَنَّ المَلاَمَةَ نَفعُها
قَلِيلٌ إِذا ما الشيءُ وَلّى وَأَدبَرا
تَهِيجُ البُكَاءَ وَالنَدامَةَ ثمَّ لا
تُغيِّرُ شَيئًا غَيرَ ما كانَ قُدِّرا
النابغة الجعدي
شيء من توارد أفكار الوحدة:
بِمَ التعلّلُ؟ لا أهلٌ ولا وطنُ
ولا نديمٌ ولا كأسٌ ولا سَكَنُ
المتنبي
أنا مالي بها الدنيا حبيبٍ عنه تنشدني
غريب الدار لا ربعٍ و لا خلٍّ و لا ديرة
بدر بن عبدالمحسن

ارتياض العلوم - مشاري بن سعد الشثري
.jpeg)
بين حينٍ وآخر تداهمني الرغبة في العودة إلى مقاعد الدراسة. صدقني ليست متلازمة ستوكهولم مع الجامعة، لكن شيئًا ما يجذبني إلى الدراسة؛ أشتاق إلى البحث والترقّب وتناقل العلوم. فأوصاني صديقي أن أقرأ كتابًا يصف طريقة البناء المعرفي عند الرغبة في بناء معرفة علمية عن شيء ما، فكان كتاب «ارتياض العلوم».
في الكتاب مساحة جميلة قلما نجدها؛ فهو ليس بالمتن الأكاديمي الجاف الذي ينفِّر القارئ ويشعره بالعجز، وليس بالطرح التنموي السطحي الذي يبيع الوهم والحلول السريعة. إنه رحلة طريق واضحة المعالم، يفكّك فيها المؤلف رحلة البناء المعرفي خطوة بخطوة، بدءًا من تصحيح النية وتهذيب النفس، مرورًا بكيفية اختيار الفنون والعلوم (وهذا ما يجب أن يبدأ به طالب العلم)، وصولًا إلى أساليب الجرد والقراءة المنهجية المتأنية وطرق الحفظ وتقييد الفوائد.
من أكثر المحطات التي استوقفتني في «ارتياض العلوم» تشريحه الدقيق لآفة «التعالم»، وتشتّت الانتباه التي ابتلينا بها. إذ نعيش في عصر يظن فيه المرء أنه بمجرد قراءة تغريدة عابرة أو مشاهدة مقطع مرئي قصير قد أحاط بالعلم خبرًا وصار حجة في بابه. يرد الشثري على هذه الظاهرة المزعجة بتأصيل فكرة «التراكم المنهجي»، مؤكدًا أن العلم بناءٌ تراكمي لا يرتفع إلا لبنة لبنة، وأن القفز على المراحل وحرق الخطوات لا يورث إلا هشاشة فكرية فاضحة وادعاء علم، كما يحدث الآن من بعض «المتعالمين».
اللغة التي كُتِب بها الكتاب تمزج بين التوجيه مع التوضيح، حيث أخذني الكتاب في تفاصيل أدب الطلب، وأكثر من تحذيري من مطبات الملل وفتور الهمة.
لعلّ هذا الكتاب الإجابة الشافية والواعية لكل حائر -وأولهم أنا- يقف متسائلًا: «من أين أبدأ؟ وكيف أستمر في طريق العلم؟» وتجربة القراءة هنا هي بداية التزام جاد ومسؤولية ثقيلة تجاه العقل والروح. ولأصدقك القول، فإنني بعد قراءته زادت لدي الرغبة في الحصول على معرفة جديدة، لكن بعيدًا عن الجامعة.
خداع الذات - قريقوري بيرنز

دومًا أفكر: ماذا لو أصبح بإمكاني خداع عقلي؟
فحينما نتحدث عن الخداع، يتبادر إلى الأذهان فورًا ذلك السلوك الموجه نحو الآخرين، حيث يخفي الإنسان الحقيقة أو يزيّفها بوعي كامل لتحقيق مكسب مادي أو لتجنب عقاب وشيك. لكنني أود أن أخدع ذاتي حول بعض الأفكار (مثل فكرة أنني أكلت لكي لا أتعشى عشر مرات)، أو أي فكرة يمكنني أن أخدع ذاتي بها وأربح من خدعتي.
في كتاب «خداع الذات»، شرح لي عالم الأعصاب قريقوري بيرنز في طرح علمي ونفسي إجابة السؤال: هل صُمّمت أدمغتنا بيولوجيًّا للبحث عن الحقيقة المجرّدة، أم أنها صُممت لابتكار أكاذيب مريحة تضمن لنا البقاء والاستقرار النفسي في عالم ممتلئ بالفوضى؟
ينطلق بيرنز من فرضية مركزية تنسف الكثير من قناعاتنا السابقة حول العقلانية المفرطة للإنسان. نحن نعتقد بسذاجة أننا كائنات منطقية بحتة، تتخذ قراراتها المصيرية واليومية بناءً على المعطيات والحقائق الموضوعية، لكن الكتاب يكشف، عبر التجارب العصبية، أن الدماغ البشري هو في الواقع «آلة لتبرير المواقف» أكثر من كونه أداة دقيقة لاكتشاف الحقيقة.
عندما يواجه الإنسان تنافرًا معرفيًّا «أي تعارضًا حادًّا بين معتقداته العميقة وسلوكه الواقعي»، فإن الدماغ يفرز فورًا سلسلة من التبريرات التي تعيد صياغة الواقع ليصبح أكثر قبولًا. هذا الخداع الممنهج هو آلية دفاعية بيولوجية محكمة تهدف إلى تقليل مستويات التوتر والقلق. فالاعتراف بالخطأ الفادح أو الفشل الذريع يتطلب طاقة عاطفية هائلة لا يرغب الدماغ في هدرها، لذا يختار العقل الطريق الأقل مقاومة: تزييف الذاكرة، أو تحريف الدوافع، أو لوم الظروف الخارجية لإنقاذ الصورة الذاتية.
أي أن العقل هو من يقرر متى يُخدَع ومتى يكتشف الحقيقة، وقراره يُتخَذ بناءً على الشعور بالخطر.
يحاول الكتاب في أغلب فصوله نزع سلطة التبرير للعقل في تجميل بعض أحداث الواقع، مثل أن يصنع عُقدًا شخصية ليبرر لنفسه عدم فهمه للواقع، وليجعل نفسه منغمسًا فيه، مما قد يصل به لإشكالات أكبر كالأمراض النفسية.
فما دام الإنسان يمتلك هذا الدماغ المعقد، سيظل يميل دائمًا إلى تجميل قبح الواقع. لكن الانتصار الحقيقي والأهم الذي يطرحه بيرنز هو أن تكون واعيًا بالخدعة؛ أن تدرك اللحظة الدقيقة التي يتدخل فيها عقلك ليحميك بوهم كاذب، فتوقفه وتقول: أُفضِّل ألم الحقيقة القاسية على راحة الوهم الزائفة.
في مديح إنسان ليس من هذا العالم - إبراهيم الكوني

أنا ابن قرية، حيث الجبال والوديان والآبار والمزارع، ولو سألتني ما أكثر ما يثير فضولك، سأقول: كل شيء وراء قمم جبال هذه القرية.
ومن أكثر الأشياء التي كنت مسحورًا بها هي الصحراء، فلطالما وددت أن أعرف أكثر عنها، ومن خيرٌ من إبراهيم الكوني ليصف الصحراء وصلابة البدوي؟
سأسرد علاقتي معه لاحقًا إن سنحت الفرصة، لكن في هذا الكتاب كان الكوني يرثي شقيقه أوفنايت، في قصة عن رجل الصحراء. وهذا ما يثير فضولي؛ فأنا مؤمن أن البيئة تفرض على أصحابها صفات شخصية خاصة، وهذا ما وجدته في أوفنايت، هذا الرجل العنيد الصلب، الذي يتحدى قواعد ما لم يألفه في الصحراء؛ فهو تعلم الحرية من الصحراء وآمن أن الخروج منها قيد.
من يعرف أسلوب إبراهيم الكوني جيدًا سيدرك أن هذا الكتاب لم يكن كما عهدنا عنه؛ فجمالية الوصف التي تميَّز بها جاءت خجولةً أحيانًا. ففي رأيي تمثلت الإشكالية البسيطة أن التعبير الجميل كان بحاجة إلى قصة أشد كثافة، وهو نقص قد وصفه المتنبي قائلًا:
وَلَم أَرَ في عُيوبِ الناسِ شَيئًا
كَنَقصِ القادِرينَ عَلى التَمامِ
فما بالك أن يكون نقصًا فيما يكتب الكوني؟
إن لم يسبق لك أن قرأت شيئًا من مؤلفات الكوني، فهذا الكتاب مدخلٌ جميل أقترحه لك في بداية هذه الرحلة الصحراوية.

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.