«Disclosure Day» سبيلبرغ عالق في الثمانينيات


من السذاجة جعل مدة الفِلم معيارًا لجودته، وفي اعتقادي أن هذا بديهي جدًّا.

حتى في السينما السعودية، هناك قصص تستطيع حكايتها في ثلاث ساعات، مع أننا لم نصل إلى تلك المهارة في الكتابة والإخراج إلى الآن.

نايف العصيمي


تصميم: أحمد عيد
تصميم: أحمد عيد

«Disclosure Day» سبيلبرغ عالق في الثمانينيات

عهود أبو خيرة

أعترف أنني من المشاهدين الذين قد يقررون دخول فِلم كامل بسبب بوستر واحد فقط. نعم، أحيانًا يكفي ملصق ذكي ليجعلني أحجز تذكرتي قبل أن أعرف شيئًا عن القصة أو الشخصيات أو حتى نوع الفِلم. وهو تصرف جعلني أندم على كثير من اختياراتي السينمائية، لكنه في أحيان أخرى قادني إلى أفلام كان البوستر فيها انعكاسًا صادقًا لجوهرها.

وهذا بالضبط ما فعله بوستر «Disclosure Day».

عينٌ واحدة مفتوحة تحدّق في الفراغ، تحيط بها مساحات واسعة، بينما يتصدر العنوان المشهد كأنه وعدٌ بكشفٍ كبير ينتظر في نهاية الطريق. إنه من تلك الملصقات التي لا تشرح شيئًا بقدر ما تطرح سؤالًا. وكلما أطلت النظر إليه، وجدت نفسك تحاول تفكيك رموزه: ماذا رأت هذه العين؟ وما الحقيقة التي تعرفها ولا نعرفها نحن بعد؟

السباق نحو الكشف

تدور أحداث «Disclosure Day» حول «دانيال كيلنر»، خبير أمن سيبراني يعمل داخل منظمة غامضة تُدعى «Wardex»، كرّست عقودًا لإخفاء أدلة ووثائق تتعلق بوجود حياة خارج كوكب الأرض، والتستُّر على حقيقة التواصل بين البشر وكائنات غير بشرية. عندما يكتشف «دانيال» حجم الأسرار التي حُجبت عن العالم لسنوات طويلة، يقرر سرقة الملفات وكشف الحقيقة، ليجد نفسه مطاردًا من المنظمة التي تسعى إلى إبقاء هذه المعلومات طي الكتمان. 

أزمة الدوافع

يضم الفِلم عددًا كبيرًا من الشخصيات الرئيسة والثانوية، وتتحرك أحداثه في بدايته عبر خطين دراميين متوازيين. الأول يتبع «دانيال كيلنر»، الموظف السابق في المنظمة السرية الذي يسرق الملفات، ويمثّله جوش أوكونور. والثاني يتبع مذيعة الطقس «مارقريت فيرتشايلد»، التي تؤدي دورها إيميلي بلانت، والتي تبدأ بالتعرض لظواهر غريبة تقودها إلى قلب هذا اللغز.

من بين جميع عناصر الفِلم، كانت إيميلي بلانت بلا شك أبرز مفاجآته. فالممثلة تحمل جزءًا كبيرًا من العمل على كتفيها، وتقدم أداءً يتمتع بحضور وثقة ونضج يجعل من السهل تصديق رحلتها منذ اللحظة الأولى. بل يمكن القول إن الفِلم بأكمله يجد توازنه كلما عادت الكاميرا إليها.

لكن المشكلة تبدأ عندما نحاول فهم بقية الشخصيات، فشخصية «نواه سكانلون»، رئيس المنظمة الذي يجسده كولين فيرث، تبدو أقرب إلى اللغز منها إلى الخصم التقليدي. فالفِلم يلمّح إلى ارتباطه ببعض الظواهر الغامضة المرتبطة بسر العمل، ما يوحي بأن علاقته بالحقيقة أعمق من مجرد السعي لإخفائها. لكن العمل لا يستثمر هذه الفكرة، ولا يوضح دوافعه أو سبب تمسكه بهذه السرية.

ينطبق الأمر نفسه على شخصية «هيوقو»، الذي يساعد «دانيال» و«مارقريت» في رحلتهما، إذ تبقى دوافعه ورهاناته الشخصية غير واضحة. وهنا تكمن إحدى عثرات الفِلم السردية: غياب الإحساس بالإلحاح. فإذا كانت هذه الملفات مخفيةً منذ أكثر من خمسة وسبعين عامًا، فما الذي جعل كشفها ضرورة ملحّة الآن؟

وبدل الإجابة عن هذه الأسئلة، يفضّل الفِلم الانتقال من مطاردة إلى أخرى. لكن من دون رهانات واضحة أو دوافع مقنعة، تتحول هذه المطاردات إلى حركة مستمرة تفتقر إلى الوزن الدرامي الحقيقي.

الصورة الكلاسيكية للفضائيين

من الصعب اليوم أن تصنع فِلمًا باهرًا لمجرد أنه يخبرنا بوجود فضائيين.

في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، كانت هذه الفكرة وحدها كافيةً لإشعال خيال الجمهور. أفلام مثل «Close Encounters of the Third Kind» و«The X-Files» و«Contact» بُني جزء كبير من تأثيرها على أن وجود حياة خارج كوكب الأرض كان احتمالًا غامضًا ومخيفًا ومثيرًا للفضول في الوقت نفسه. مجرد فكرة أننا لسنا وحدنا في هذا الكون كانت كافيةً لخلق شعور بالرهبة والتساؤل.

أما اليوم، فالوضع مختلف تمامًا.

بعد عشرات السنين من أفلام الفضائيين، ونظريات المؤامرة، والتسريبات المزعومة، والتقارير الحكومية، والنقاشات التي لا تنتهي على الإنترنت، وصولًا إلى تصريحات شخصيات عامة ورؤساء سابقين، مثل آخر مقابلة لباراك أوباما، التي أكد فيها اعتقاده بأن الفضائيين «حقيقيون»، لم تعُد الفكرة تحمل الصدمة نفسها التي كانت تحملها يومًا ما. فقد وصلنا إلى مرحلة يتعامل فيها كثير من الناس مع هذه الفكرة بوصفها احتمالًا واردًا أكثر من كونها اكتشافًا كفيلًا بقلب العالم رأسًا على عقب.

هنا تكمن كبرى مشكلات الفِلم، في اعتماده على أن «وجود الفضائيين» هو المفاجأة الكبرى، بينما لم تعُد هذه الفكرة وحدها كافيةً في عام 2026. بمعنى آخر، لو ظهر فضائي غدًا يتمشى في الشارع، فهناك احتمال لا بأس به أن يلتقط معه بعض الناس صورة سيلفي قبل أن يشعروا بالذعر. 

لهذا كنت أتمنى أن يذهب الفِلم إلى أماكن أكثر جرأة. ليس فقط أن يخبرنا أنهم موجودون، بل أن يكشف لنا شيئًا يغيّر فهمنا للعالم. ماذا لو كانوا جزءًا من أحداث تاريخية لم نفهمها؟ ماذا لو كانوا يعيشون بيننا منذ آلاف السنين دون أن نلاحظ؟ ماذا لو كان مصيرنا مرتبطًا بمصيرهم بطريقة لا ندركها؟ 

فالخيال العلمي في أفضل حالاته ينجح عندما يطرح سؤالًا جديدًا لم نفكر فيه من قبل، وهذا ما فعله فِلم «Arrival» حين استخدم التواصل مع كائنات فضائية لطرح أسئلة عن الزمن واللغة وطبيعة الإدراك البشري. أما هنا، فقد بقي وجود الفضائيين هو السؤال والإجابة في الوقت نفسه. 

تساؤلات تستحق فِلمًا أفضل

من أكثر الأمور التي أعجبتني، أن الفِلم يلمّح إلى أن عواقب بعض الحقائق قد تكون أكثر صدمةً من الحقيقة نفسها. فمجرد تأكيد وجود حياة ذكية أخرى في الكون، يعني إعادة النظر في التاريخ والدين والسياسة، وحتى في تصور الإنسان مكانته داخل هذا العالم. وهي فكرة وجدتها أكثر إثارةً من المؤامرة نفسها، لأنها تنقل النقاش من «هل الحقيقة موجودة؟» إلى «هل نحن مستعدون لها؟».

كما لفت انتباهي تناول الفِلم للجانب الديني، إذ قدّم الإيمان بوصفه إطارًا يتّسع لهذه الفكرة. ومن خلال شخصيات متدينة داخل الكنيسة، يطرح تصورًا جميلًا يرى في اتساع الكون وإمكانية وجود مخلوقات أخرى امتدادًا لفهم الخلق واتساعه.

هذه الأفكار كانت، بالنسبة إليّ، أقوى ما في الفِلم، لكنها بقيت حبيسة التلميحات. لذلك خرجت من التجربة وأنا أتذكر الأسئلة التي أثارها أكثر من الأحداث التي رواها، وربما كان ذلك أكبر نقاط قوته وأكبر فرصه الضائعة في الوقت نفسه.

الخلاصة؟

هل ندمت على دخول الفِلم بسبب بوستر فقط؟ نوعًا ما. فالفِلم لم يفِ تمامًا بوعده الكبير حول «الكشف»، إذ اكتفى بإثارة فضولي أكثر من إشباعه. مع كل إجابة يقدّمها، يضيف طبقةً جديدة من الغموض دون أن يمنح عالمه ما يكفي من التفسيرات لفهمه بصورة كاملة. غير أن هذا الغموض لا يتطور إلى أفكار أكثر جرأة، أو إلى تساؤلات تدفع الفكرة إلى مناطق جديدة.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار ما يملكه من عناصر قوة واضحة؛ فالأداءات التمثيلية جيدة، والإخراج متقن، كما تمنح الصورة البصرية والموسيقا التصويرية الأحداث قدرًا من الرهبة والهيبة، يجعل التجربة ممتعةً حتى عندما يتعثر السيناريو.

في النهاية، ربما كان أكبر اكتشاف يقدمه الفِلم أن الأفكار التي أشعلت خيال الجمهور قبل ثلاثين عامًا تحتاج اليوم إلى ما هو أبعد منها حتى تصنع الدهشة نفسها.


أجمل من الفِلم ومشاهدته،

نقده والحديث عنه والقراءة حوله؛ ولذا يجتمع عشّاق السينما دائمًا في نشرات أو منصات أو سينمات.

مبادرة «سينماء» توفّر قاعدة نقد ودراسة وورش عمل تغطّي مساحة كبيرة من الأفلام، بأدوات نقدية متمكّنة ونظرات ثقافية متمعّنة.

ليكتمل المشهد، تعرف على «سينماء».


Conspiracy Theory» (1997)»
Conspiracy Theory» (1997)»

📽️ في دور السينما

  • يُعرض اليوم فِلم الرسوم المتحركة والمغامرات «Toy Story 5»، حيث يواجه «وودي» و«باز» و«جيسي» وبقية الألعاب تحديًا غير مسبوق عندما تدخل الأجهزة الإلكترونية الحديثة إلى عالم الأطفال، ما يهدد مكانتهم ويضعهم أمام واقع جديد قد يغيّر معنى اللعب إلى الأبد.

  • كما يُعرض فِلم الدراما التاريخية «The Death of Robin Hood»، حيث يواجه «روبن هود» ماضيه المثقل بالجرائم والدماء، بعد إصابته بجروح خطيرة في معركةٍ ظن أنها ستكون الأخيرة، ليجد نفسه بين يدي امرأة غامضة تمنحه فرصةً أخيرة للخلاص والمواجهة مع ذاته.

  • ويُعرض كذلك فِلم الدراما المصري «إذما»؛ الذي تدور أحداثه حول رجل في الثلاثين من عمره يتلقى هديةً غامضة في يوم ميلاده من شخص غير متوقع، لتقوده إلى سلسلة من التجارب الجديدة التي تدفعه إلى مراجعة ماضيه ومحاولة إعادة بناء حياته من جديد.

  • ويُعرض أيضًا فِلم الدراما والرومانسية «القصص»، حيث تدور أحداثه بين أواخر الستينيات والثمانينيات. يتابع أحمد، الشاب المصري الذي يحلم بأن يصبح عازف بيانو محترفًا، قبل أن تتغير حياته عندما تنشأ بينه وبين امرأة نمساوية علاقة مراسلة خلال أجواء حرب عام 1967.

  • ويُعرض أيضًا فِلم الأكشن والرياضة «Beast»، حيث يُجبر أسطورة فنون القتال المختلطة «باتون جيمس»، الذي ترك الحلبات واتجه إلى صيد الأسماك، على العودة إلى القتال عندما يتعرض شقيقه للخطر، فيخوض رحلةً أخيرة نحو مواجهة بطل لا يرحم في نزال قد يحدد مصيره.

  • كما يُعرض فِلم الرعب «The Mortuary Assistant»، الذي يتابع خريجة علوم التشريح «ريبيكا أوينز» بعد حصولها على وظيفة ليلية في مشرحة محلية، قبل أن تتحول مهمتها الروتينية إلى كابوس مرعب مع ظهور قوى خارقة للطبيعة وأحداث لا يمكن تفسيرها.

📰 أخبار وإعلانات سينمائية

  • يستعدّ شون بن لكتابة فِلم درامي جديد وإخراجه، فيما يفاوض برادلي كوبر للانضمام إلى بطولته. تدور أحداث الفِلم على خلفية اقتحام مبنى الكابيتول الأمريكي في 6 يناير، 2021، حيث يتناول صداقةً غير متوقعة تنشأ وسط تلك الأحداث. فيما يُستهدف بدء تصويره خلال عام 2027، بالتزامن مع مفاوضات تجريها «.Warner Bros» للاستحواذ على المشروع.

  • يستعدّ المخرج أليخاندرو مونتيفيردي، مخرج فِلم «Sound of Freedom»، لكتابة فِلم سيرة ذاتية جديد وإخراجه، يتناول حياة المهندس المعماري الإسباني الشهير أنطوني قاودي. يتتبع الفِلم مسيرة «قاودي» الذي ترك بصمةً استثنائية على مدينة برشلونة عبر عدد من أشهر المعالم المعمارية في العالم، فيما تتولى إنتاجه شركات «Onza» و«Methos Media» و«Fábrica de Cine».

  • انضم كل من لاكيث ستانفيلد وقريق كينير وديفيد دوكوفني إلى بطولة فِلم درامي جديد لم يُكشف عن عنوانه بعد، للمخرج جون لي هانكوك لصالح منصة «Netflix»، إلى جانب جوناثان بيلي ولورا ديرن. يستند الفِلم إلى القصة الحقيقية للقضية القانونية الشهيرة ضد شركة الكيماويات الأمريكية مونسانتو، حيث يتتبع محاميًا شابًّا يخوض معركةً قضائية معقدة نيابةً عن رجل أُصيب بالسرطان بعد استخدامه مبيد «Roundup» التابع للشركة.

  • يستعدّ الأخوان مات دافر وروس دافر، صُنّاع مسلسل «Stranger Things»، لكتابة فِلم جديد وإخراجه لصالح «Paramount Pictures». من المقرر طرح الفِلم في دور السينما بتاريخ 3 نوفمبر، 2028، فيما لا تزال تفاصيله طي الكتمان. ويُعَد المشروع أول فِلم سينمائي كبير للثنائي منذ النجاح العالمي الذي حققه مسلسل «Stranger Things».

  • انطلق تصوير فِلم الرعب الكوميدي «Youth Juice» من إنتاج «Live Nation Studios»، وبطولة قيديون أدلون ولونا بليز وسايمون ريكس وقاي هيرنانديز. تدور أحداث الفِلم حول الهوس بالحفاظ على الشباب، في قصة ساخرة تمزج الرعب بالكوميديا، وتستكشف إلى أي مدى قد يذهب الناس في محاولاتهم لمقاومة التقدم في العمر.

  • أُطلق الإعلان التشويقي الجديد لفِلم الرسوم المتحركة «Shrek 5»، كاشفًا عن أولى تفاصيل قصته بعد غياب السلسلة لأكثر من ستة عشر عامًا. تدور أحداث الفِلم حول «شريك» و«دونكي» وعائلتهما في أثناء انطلاقهم في مغامرة جديدة خارج موطنهم، حيث تقودهم الرحلة إلى مدينة كبيرة، في أول الملامح التي كشفها الإعلان للعمل.

📺 عروض المنصات الرقمية

  • على «Netflix» يُعرض مسلسل الإثارة «I Will Find You»، الذي تدور أحداثه حول أب يقضي عقوبة السجن بعد إدانته بقتل ابنه، قبل أن يتلقى دليلًا صادمًا يوحي بأن الطفل لا يزال على قيد الحياة، ما يدفعه إلى الهروب في محاولةٍ لكشف الحقيقة وراء ما حدث.

  • كما يُعرض على «Netflix» فِلم الأكشن والكوميديا الكوري «Husbands in Action»، الذي يتابع زوجًا سابقًا وزوجًا حاليًّا يجدان نفسيهما مضطرين إلى العمل معًا رغم خلافاتهما، عندما تُختطف المرأة التي تجمعهما علاقة بها على يد منظمة إجرامية، لتنطلق بينهما مهمة إنقاذ مليئة بالمطاردات والمواقف غير المتوقعة.

  • وعلى «+Apple TV» يُعرض الموسم الثاني من مسلسل الغموض والإثارة «Sugar»، حيث يعود المحقق الخاص «جون شوقر» إلى لوس أنجلوس في قضية جديدة تقوده إلى شبكة من الأسرار والشخصيات الغامضة، بينما يواصل مواجهة تداعيات الأحداث التي غيّرت حياته في الموسم الأول.


«Tempest» (2:51)

كانت ليزا جيرارد معروفة عالميًّا بفضل فرقة «Dead Can Dance»، التي عُدَّت من أبرز فرق الموسيقا البديلة والـ«World Music» خلال الثمانينيات والتسعينيات، فيما أصبح صوتها الروحاني علامتها الفنية الأبرز. وفي منتصف التسعينيات، عادت جيرارد إلى أستراليا بعد سنوات من العمل مع الفرقة، وهناك تعرّفت على بيتر بوركي، الذي كان اسمًا معروفًا داخل الأوساط الموسيقية الأسترالية بوصفه منتجًا وعازفًا ومهندس صوت.

ورغم اختلاف مسارَيهما، سرعان ما اكتشف الاثنان اهتمامًا مشتركًا بالموسيقا التجريبية والأصوات غير التقليدية. ومع مرور الوقت، تحوّل هذا التقارب إلى شراكة فنية قائمة على تكامل واضح بين أسلوبيهما؛ فقد امتلكت جيرارد قدرة استثنائية على بناء الأجواء العاطفية والصوتية، بينما برع بوركي في تصميم الإيقاعات والطبقات الإلكترونية والتعامل مع التقنيات الحديثة داخل الاستوديو.

أثمر هذا التعاون عام 1998 عن ألبوم «Duality»، الذي مزج بين الغناء الروحاني والأصوات المحيطية والإيقاعات الإلكترونية، في تجربةٍ موسيقية مختلفة لفتت الأنظار فور صدورها. وعندما استمع المخرج مايكل مان إلى الألبوم في أثناء تحضيره فِلم «The Insider»، أُعجب بطابعه المختلف، وطلب من الثنائي تأليف عدد محدود من المقطوعات. لكن النتيجة فاقت توقعاته، ليتوسع دورهما لاحقًا ويصبحا المسؤولين عن الهوية الموسيقية للفِلم بالكامل.

كان التحدي الأبرز ابتكار صوت يناسب قصة مُبلِّغ يكشف فساد شركة تبغ كبرى، دون اللجوء إلى الأسلوب التقليدي لأفلام التحقيقات. لذلك ركّز الثنائي على العالم النفسي للشخصية، مستخدمين مزيجًا من الأصوات البشرية والسينثات والطبقات الإلكترونية بلمسات شرقية وطقسية، لتأتي النتيجة موسيقا ترصد الثمن الإنساني للتمسك بالحقيقة.

أبرز المقطوعات:  

مقطوعة «Tempest»

تظهر المقطوعة خلال المشهد الافتتاحي للفِلم في أثناء رحلة «لويل بيرقمان» إلى لبنان. تبدأ بإيقاعات شرقية وصوت ليزا جيرارد الغامض، ما يمنح المشهد إحساسًا بالدخول إلى عالم مليء بالأسرار والمخاطر. ويهيئ هذا الاختيار الموسيقي المشاهد لطبيعة الرحلة التي سيخوضها الفِلم لاحقًا؛ رحلة البحث عن حقيقة خطيرة، والاقتراب من جهات نافذة تسعى إلى إبقائها طي الكتمان.

مقطوعة «Iguazu»

تظهر المقطوعة خلال مشهد تردد «جيفري ويقاند» قبل الإدلاء بشهادته في المحكمة، بينما ترافقه سيارات الشرطة والحماية الأمنية في الطريق. يعتمد اللحن على عزف هادئ ومتكرر لآلة الرونروكو، ما يضفي على المشهد طابعًا تأمليًّا يعكس الصراع بين الخوف من العواقب والالتزام بكشف الحقيقة، قبل أن يحسم قراره ويواصل طريقه نحو الشهادة.

مقطوعة «Meltdown»

تظهر المقطوعة خلال مشهد مواجهة «جيفري ويقاند» للضغوط المتراكمة التي تلاحقه بعد قراره كشف أسرار شركة التبغ، مع تصاعد المخاوف على عائلته ومستقبله المهني. تعتمد الموسيقا على طبقات صوتية متوترة تتراكم تدريجيًّا دون انفجار واضح، ما يعكس حالة الاختناق والانهيار النفسي التي يعيشها، ويحوّل التوتر من تهديد خارجي إلى صراع داخلي ينهك الشخصية من الداخل.

مقطوعة «Sacrifice»

تظهر المقطوعة نهاية مشهد المكالمة بين «لويل بيرقمان» و«جيفري ويقاند» داخل كشك الهاتف في المدرسة، بعدما بدأت شركة التبغ استخدام تفاصيل من ماضيه لتشويه سمعته. يأتي صوت ليزا جيرارد حزينًا وممتدًا فوق طبقات موسيقية هادئة، ليعكس الثمن المتزايد الذي يدفعه «ويقاند» مقابل تمسُّكه بالحقيقة. ومع تصاعد التوتر بين الحليفين، تتحول الموسيقا إلى مرثية مبكرة للحياة التي بدأ يفقدها تدريجيًّا. 

مقطوعة «Safe From Harm»

تظهر المقطوعة خلال المشهد الختامي، حين يغادر «لويل بيرقمان» مبنى «CBS» بعد استقالته. وللمرة الأولى في الفِلم، يأتي اللحن بنبرة انتصار وثقة بعد ساعات من التوتر والقلق. يمنح هذا التحول الموسيقي المشهد إحساسًا بالتحرر واستعادة السيطرة، كأنه يؤكد أن الحقيقة وصلت أخيرًا إلى العلن، حتى وإن جاء ذلك بعد خسائر مهنية وشخصية كبيرة.

عهود أبو خيرة


فِلم «The Conversation»
فِلم «The Conversation»

اليوم نقول «أكشن» مع هذا المشهد من فِلم «The Conversation» الصادر عام 1974، من إخراج فرانسيس فورد كوبولا.

يتابع الفِلم «هاري كول»، خبير تنصّت يقضي حياته في تسجيل محادثات الآخرين وتحليلها. ورغم مهارته الاستثنائية في المراقبة، يعيش حياةً شديدة العزلة، ويحرص على إخفاء تفاصيله الشخصية. لكن مع تقدّم الأحداث، يبدأ اقتناعه بأن عملية التنصّت الأخيرة التي شارك فيها قد تقود إلى جريمة، لتتحول القضية إلى عبء أخلاقي يلاحقه.

يأتي هذا المشهد في نهاية الفِلم، بعد أن تلقّى «هاري» اتصالًا هاتفيًّا غامضًا يجعله يعتقد أن أحدًا نجح في اختراق خصوصيته والتنصّت عليه، فيبدأ بتفكيك شقته بحثًا عن جهاز التنصّت المفترض. يقتلع الأرضيات، ويمزّق الجدران، ويفكك الأثاث قطعةً قطعة، لكنه لا يعثر على شيء. وفي النهاية، يجلس وسط الخراب حاملًا آلة الساكسفون ويبدأ بالعزف وحيدًا.

يُفهم هذا المشهد بوصفه انقلابًا على موقع الشخصية داخل الفِلم؛ فالرجل الذي أمضى حياته مراقبًا للآخرين يجد نفسه في موقع المُراقَب. لكن الأهم أنه يدخل حالةً من الشك لا يجد لها مخرجًا، وكلما ازداد بحثه ابتعد عن اليقين الذي ظن أن التسجيلات والمعلومات قادرة على منحه إياه. لذلك لا يُهزم «هاري» عبر مؤامرة أو خصم أذكى منه، بل عبر حاجته المستمرة إلى اليقين.

لهذا أرى أن النهاية لا تتحدث عن المراقبة بقدر ما تتحدث عن هشاشة الفهم. فالفِلم بأكمله قائم على سوء تأويل الكلمات والأحداث، وينتهي بشخصيةٍ لم تعُد قادرةً على الوثوق بما تسمعه أو تراه. اللقطة الأخيرة التي تُظهر «هاري» وسط شقته المدمرة، تبدو كأنها تعيد وضعه داخل إطار مراقبة جديد، بعد أن كان هو من يراقب الآخرين. وأكثر ما لفتني طريقة حركة الكاميرا فوق الشقة؛ كأنها كاميرا مراقبة تنظر إليه.

تُعَد هذه النهاية من أكثر النهايات شهرةً في سينما السبعينيات، إذ تترك الشخصية والمُشاهد مع السؤال نفسه، وتحوّل الشك إلى عقوبة لا يمكن الهروب منها. والأجمل أن حتى كوبولا لم يحسم مكان جهاز التنصت، وطرح في تعليقه على الفِلم احتمالات متعددة، منها أن الجهاز قد يكون في الساكسفون، أو ربما لا يوجد جهاز و«هاري» أصبح أسيرًا للشك.

عبدالعزيز خالد


لو مُصمم على نجاح منتجك؟ صممه صح ✅

«معمل الصناع» في «المشتل» مساحة توفر لك الأدوات والمختصين؛ لتصميم منتجاتك واختبارها بشكل أمثل قبل وصولها إلى المستهلك باستخدام أدوات مثل قص الليزر والطباعة ثلاثية الأبعاد 🧩.


فقرة حصريّة

آسفين على المقاطعة، هذه الفقرة خصصناها للمشتركين. لتقرأها وتستفيد بوصول
لا محدود للمحتوى، اشترك في ثمانية أو سجل دخولك لو كنت مشتركًا.

اشترك الآن

في أوائل التسعينيات، كان المنتج التنفيذي لوكاس فوستر يشغل منصبًا قياديًّا في شركة «Don Simpson/Jerry Bruckheimer Films»، الشركة التي وقفت خلف نجاحات ضخمة مثل «Top Gun» و«Beverly Hills Cop». وبينما كانت الشركة تبحث عن فكرة جديدة لفِلم إثارة وأكشن، استدعى فوستر الكاتب ديفيد ماركوني وطرح عليه فكرة بسيطة للغاية: «رجل تُدمَّر حياته إلكترونيًّا».

وفي أثناء حديثهما، لفت انتباه ماركوني بوستر فِلم هيتشكوك الشهير «North by Northwest» المعلَّق خلف مكتب فوستر، فأدرك فورًا الاتجاه الذي يريد الذهاب إليه: قصة رجل عادي يجد نفسه مطاردًا من قوة أكبر منه بسبب أمر لا يفهمه، لكن هذه المرة في عصر التكنولوجيا والمراقبة الحديثة.

خلال بحثه عن الجهة القادرة على تدمير حياة إنسان بالكامل بضغطة زر، عثر ماركوني على كتاب «The Puzzle Palace» للصحفي جيمس بامفورد، الذي يكشف تفاصيل عمل وكالة الأمن القومي الأمريكية «NSA». فتح الكتاب أمامه عالمًا هائلًا من التنصت وجمع البيانات والمراقبة، فوجد فيه «الوحش» الذي كان يبحث عنه، وقرر أن يجعل الوكالة محور الخطر في القصة.

أمضى ماركوني أكثر من عامين في تطوير السيناريو تحت إشراف فوستر، ليتحول المشروع من فكرة بسيطة عن رجل تُدمَّر حياته إلكترونيًّا، إلى واحد من أشهر أفلام الإثارة والتجسس في التسعينيات.

وبهذه المعلومة نستهلّ فقرة «دريت ولا ما دريت؟» عن فِلم «Enemy of the State» للمخرج توني سكوت:

  • في أثناء تطوير الفِلم، كان السيناريو في الأصل أقرب إلى فِلم إثارة سياسي ثقيل، إلى درجة أن المخرج أوليفر ستون أبدى اهتمامًا جادًّا بإخراجه، واتصل بنفسه بالاستوديو والمنتج جيري بروكهايمر طالبًا المشروع. لكن بعد اختيارهم توني سكوت تغيّر اتجاه الفِلم بالكامل، ليتحول من دراما سياسية قاتمة إلى أكشن وإثارة سريع الإيقاع كما عرفه الجمهور لاحقًا.

  • استعان صنّاع الفِلم بالمستشار التقني لاري كوكس، وهو مسؤول سابق في وكالة الأمن القومي الأمريكية «NSA»، لضمان واقعية عالم المراقبة والتنصت الذي تدور فيه الأحداث. لم تقتصر مساهمته على الجوانب التقنية، بل ساعد أيضًا على تطوير شخصية «توماس رينولدز»، مستندًا إلى خبرته السابقة داخل أجهزة الاستخبارات الأمريكية.

  • لم تسمح وكالة الأمن القومي الأمريكية لصنّاع الفِلم بالوصول إلى منشآتها أو استخدام أيٍّ من مرافقها خلال التصوير، ما اضطر الفريق إلى تصوير اللقطات الجوية لمقر الوكالة في «Fort Meade» من المجال الجوي العام، وإعادة بناء أجزاء من المقر داخل الاستوديو اعتمادًا على أوصاف موظفين سابقين في الوكالة. 

  • اعترف ويل سميث بأن أحد أصعب التحديات في أثناء التصوير كان كبح غريزته الكوميدية؛ إذ اضطر للحفاظ على جدية شخصية «روبرت دين» طوال الفِلم، رغم ميله الدائم إلى الارتجال وإضافة النكات في أثناء الأداء.

  • رغم أن أحداث الفِلم تدور في واشنطن، فإن بعض أشهر مشاهده صُوِّرت في بالتيمور، بما في ذلك مخبأ «بريل» الذي كان في الواقع مصنع «دكتور بيبر» القديم بالمدينة. كما صُوِّر هناك أيضًا عدد من مطاردات السيارات التي جرت في المناطق الصناعية المحيطة بنهر باتابسكو.

  • تُعَد شخصية «بريل» التي يؤديها جين هاكمان امتدادًا غير رسمي لشخصية «هاري كول» التي قدمها في فِلم «The Conversation» عام 1974. وحتى الصورة التي تظهر ضمن ملفه الحكومي في أحد المشاهد كانت في الأصل لقطة مأخوذة من ذلك الفِلم، في إشارة متعمدة من صنّاع العمل إلى هذا الرابط الخفي بين الشخصيتين.

عهود أبو خيرة

النشرة السينمائية
النشرة السينمائية
أسبوعية، الخميس منثمانيةثمانية

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.

+10 متابع في آخر 7 أيام