عرار: قصة وريث العطّار الفرنسي

يحكي لنا فهد التركي قصّة أقدم دار عطور نيش في الرياض، وعطر يفضّله الملك فهد والملك حسن الثاني.


هذا العدد هو رحلتي في اكتشاف عالم عطور النيش. والفضول اللي وصلني لتفاصيل قصة فهد التركي؛ المستحوذ على واحدة من أعرق دور عطور النيش في العالم.

قبل ما أبدأ بقولك أن العدد أخذ مننا ثلاثة أشهر لمقابلة شخصية العدد، عشان يحكي لنا قصة المكان اللي زرناه.

وحتى تتحمّس تكمل معنا القصة اسمع هذا التسجيل.


وصلنا طرف علم عن قصة غريبة بعنوان: مهندس معماري سعودي استحوذ على واحدة من أعرق دور العطور النيش الفرنسية بعد وفاة مالكها! كانت هالمعلومة تكفي لنبدأ ننبش أكثر عن القصة. 

وعن عطور النيش؟ هي عطور تنتجها دور متخصصة بالعطور فقط. والعطر ما يُشترى بسبب ريحته، بل بسبب القصة خلف صناعته، أو المكونات المستخدمة فيه (اللي أحيانًا تكون مميزة أو غريبة أو نادر استخدامها). وتتميز هالعطور بأنها تُنتج بكميات محدودة وحصرية.

العجيب لمّا بدينا نتعمق ونبحث أكثر، وصلنا لجدار مسدود؛ مقابلات محدودة، ومعلومات ناقصة. ما لقينا إلا مقطعين فقط، ومقالة قديمة بالفرنسية.

وهنا قرّرنا نزور المحل مرة ومرتين وثلاث. كان المحل في أحد شوارع العليا، وفي أغرب مكان ممكن تلقى فيه دار عطور نيش؛ بين مقهى صغير ومحل نظارات، لقينا «عرار».

وقتها قرر يحاول الاستحواذ عليها حتى ما تموت ويموت الصرح اللي بناه جان. وتموت الجودة والشغف.

لكن الموضوع ما كان سهل. دخلت شركتين عالميتين في المنافسة معه، ووصلت القضية إلى المحكمة.

المحل من الخارج ما يعطيك انطباع أن في خلفه قصة تمتد لعقود، تبدأ بلقاء في المغرب، وتمر بفرنسا، وتنتهي هنا في الرياض.

المحل صغير، بتصميم كلاسيكي قديم؛ ألوان دافية مثل الأخضر الغامق والبرقندي والذهبي. وورود معلّقة من السقف، تحسّ أنه من فتح المحل ما تغيّر فيه شيء. على حطته. 

لكن يتميز المكان بريحة العنبر الطاغية، وتصميمه اللي يراعي ترتيب أنواع العطور الثقيلة، والخفيفة، والمعطّرات. وعند كل عطر بتحصل وصف لافتتاحية العطر والقلب والقاعدة لكل عطر.

وعشان نجمع أكبر كم من المعلومات، التقينا أكثر من مرّة بالمسؤول عن البوتيك «أشرف».

علّمنا أشرف عن أسماء العطور اللي ارتبطت بشخصيات هامة، مثل عطر عنبر اللي كان يستخدمه الملك فهد والأمير سلطان، وعطر ثاني كان يحبّه الملك حسن الثاني -رحمهم الله- وكل هذه العطور ما زالت اليوم موجودة بنفس تركيبتها من الثمانينيات.

لكن رغم الزيارات المتكررة، ما قدرنا نوصل لمعلومات جديدة، كانت الإجابات متشابهة.

عرفنا أن القصة الكاملة ما بنأخذها إلا من شخص واحد، من فهد التركي نفسه؛ مالك الدار. ومن هنا بدأت المشكلة الحقيقية!

كانت محاولات التواصل معه أصعب مما توقعنا. تمر أسابيع بدون رد، وتجي بعض الردود بعد أكثر من تذكير. ومع الوقت بدأنا نبني صورة كاملة عن شخص ما قابلناه أصلًا.

صار عندنا تصور أنه شخص متحفّظ جدًّا، وصعب الوصول له، وما يبدو أنه مهتم كثير بأن يروي قصته، لدرجة أني بدأت أعتقد أن اللقاء نفسه يمكن ما يصير.

وفي أثناء محاولات تنسيق موعد مع فهد، كنت أبحث يمين ويسار مع أشخاص متخصصين في المجال، وهاوين ومحبين لهذا العالم، عشان نسأل عن عرار لكن مافيه أحد قدر يجاوبنا.

كان عندي فضول أعرف الدافع اللي يخلي مهندس معماري يراهن على دار عطور نيش ويجيبها الرياض، وفي هذاك الوقت! وش قصته؟ هل كان لغرض تجاري؟ أو لأنه هاوي؟ أو فيه جانب مختلف من القصة؟

بعد أشهر من الصولات والجولات… وصلتنا رسالة.

خلال فترة البحث الطويلة، كنت مجهزة قائمة طويلة من الأسئلة؛ وبجانب كل هذي الأسئلة عندي تخوف كبير من الشخص اللي بقابله: أن يكون متحفظ وما يبي يشارك تفاصيل قصته، كيف ممكن نقنعه بمشاركة قصته معنا؟

لكن لحظة اللقاء الأولى كانت كفيلة بأن تلغي كل المخاوف.

في الساعات الأخيرة من دوام يوم الخميس، دخل فهد المكتب، وبيده أربع أكياس حمراء، وبابتسامة عريضة. رحّب واعتذر عن كل المرات الماضية اللي ما تجاوب معنا فيها وبرّر انشغاله. كان سَمح، وعكس توقعاتي بالكامل، كان متحمس يحكي قصته لدرجة سبقني بالأجوبة.

بعد ساعة وأربعين دقيقة تقريبًا، اكتشفت أن العطور أصلًا مو بداية القصة. بداية القصة كانت بفنان يهوى العمارة. 

فهد هو بالأساس مهندس معماري تخرّج من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وفي بداية مسيرته تعرّف على مهندس فرنسي اسمه «أندريه باكار» في أحد المشاريع اللي كان يعمل عليها.

من بعد هالمشروع نشأت بينهم صداقة طويلة، وكان أندريه ياخذ فهد معه في رحلات ومشاريع معمارية مختلفة بين فرنسا والمغرب. يقول فهد إن أندريه «تبنّاه» في ذيك المرحلة.

في أحد الرحلات إلى المغرب، كان فهد وأندريه يعملون على مشروع بناء قصور خاصة بالملك الحسن الثاني، وفي نفس القصر كان هناك العطّار «جان بورسوا لابورت» يعمل على صناعة عطور خاصة.

عرّف أندريه فهد على جان لابورت؛ وهو واحد من أشهر العطّارين الفرنسيين في ذاك الوقت، لدرجة أن كبرى شركات العطور كانت تستعين فيه للبحث عن المواد الخام حول العالم. وهو المالك لأحد أعرق دور العطور النيش «ميتر بارفمور اي غونته» (Maître Parfumeur et Gantier) اللي تُعرف بـ MPG.

فهد وقتها ما كان يعرف أي شيء عن العطور أصلًا. ويقول بصراحة: «الهواية جاءت بالصدفة، ولّا أنا ما كنت أفهم بالعطور أصلًا.» بس الصدفة أحيانًا تغيّر مسارات كاملة.

التقى فهد بجان وهو يجهّز ورد مجفّف للقصور الملكية المغربية بطريقة «عجيبة» مثل ما يوصفها فهد؛ كان جان يخمّر الورد المجفف بالعنبر عشان تتشرب الرائحة بالكامل! وهذه لحظة غيّرت كل شيء عند فهد!

ويقول: «بالنسبة لي لما شميتها، كانت كأنها سحر!»

توطدت العلاقة بين الاثنين، وصار فهد يستغل إجازاته للسفر ولقاء جان والبحث أكثر عن هذا العالم. ومع الوقت، اقترح عليه جان أنه يفتح بوتيك عطور نيش في السعودية.

لكن الفكرة ما كانت منطقية لفهد وقتها.السبب الأول أن ثقافة العطور النيش ما كانت دارجة، وما فيه دار عطور نيش في الشرق الأوسط بالكامل وقتها.

والسبب الثاني رواه لنا وهو يضحك: «ما كان عندي فلوس وقتها.» لكن جان كان مقتنع بالفكرة أكثر وقال له: «أنا بعطيك البضاعة، أنت بس استأجر محل.»

وفعلًا، فتح فهد في الرياض. يقول كنت أول بوتيك عطور نيش في الشرق الأوسط. وكان الناس يستغربون الفكرة كلها، وينتقدونه.

لأنه يبيع عطور بأسعار أعلى بكثير من المعتاد وقتها، في سوق ما يعرف العطور النيش. عطور بـ 300 ريال تقريبًا، في وقت كان أغلى عطر بـ 50 ريال مثلما يقول. لكنه استمر.

ومع السنوات، تحولت العلاقة بينه وبين جان إلى صداقة وشراكة أكبر.

لكن تقدّم جان في العمر. وصارت قرارات الشركة بيد أشخاص آخرين، وكان يلاحظ فهد تغيّرات في الجودة.

وبعد وفاة جان في 2011 بدأ فهد يلاحظ أن الدار تغيرت أكثر.

الجودة اللي عرفها بدت تختفي، والتفاصيل اللي كان يعايش صناعتها مع جان ما صارت موجودة في العطور.

وقتها قرر يحاول الاستحواذ عليها حتى ما تموت ويموت الصرح اللي بناه جان. وتموت الجودة والشغف. لكن الموضوع ما كان سهل. دخلت شركتين عالميتين في المنافسة معه، ووصلت القضية إلى المحكمة.

وفي النهاية، استدعى القاضي ستة موظفين يشتغلون في الدار، وسألهم عن الأكفأ لحمل إرث العلامة: فهد، ولّا إحدى الشركتين؟

المفاجأة أن الموظفين الستة كلهم اختاروا فهد! لأنهم كانوا مؤمنين أن فهد كان الأقرب لعقلية جان، وللعلامة وتاريخها. وفعلًا، حصل فهد في 2013 على حق الاستحواذ عليها بالكامل.

جان عاش حياة وحيدة. يقول فهد: «في آخر أيامه كان يحسسني أني حامل إرثه».

لكن التحدي الحقيقي بدأ من هناك. كيف ممكن يعيد إحياء دار عطور عريقة، ويحافظ في الوقت نفسه على روحها؟

بدأ يهتم بالتفاصيل من جديد. استعان بمصممين متخصصين بالعبوات. وركز على بقاء الجودة. كان فهد يحتفظ بملفات وأوراق فيها تركيبات وتوليفات العطور اللي عرفها من جان، وركز أنه يستمر عليها ويطور منها بشرط أن تظل الجودة نفسها.

واليوم، وبعد كل هذه السنوات، لا يزال عرار يحتفظ بطابع MPG الخاص، ويمثل امتداد له، مع فرعه الأساسي في فرنسا، والموزعين في دول أخرى.

العجيب أن «عنبر برسو» (Ambre Précieux) كان من العطور اللي علقت معنا في زيارتنا الأولى لعرار، قبل ما نعرف أي شيء عن القصة. عجبتنا رائحته، وعرفنا أنه أحد العطور اللي كان يستخدمها الملك فهد.

وقتها قلنا إننا بنرجع نشتريه. لكن فهد سبقنا، وأهدانا العطر نفسه في نهاية اللقاء.

فهد إلى اليوم يعمل في المجال، ودخل اثنين من أبنائه معه. يقول فهد: «عرار» وMPG أكبر من عيالي، وهم كبروا معها، وفيها، واليوم يعملون عليها معي.

في النهاية يقول:

قلت لعيالي أن هذي أمانة ووصية بعدي ما يستسلمون لتغيرات السوق ويحولونها لمشروع تجاري، وتخسر أصالتها وفنّها.


للأدب.. كُل الأماكن📍

تحوّل مبادرة «الشريك الأدبي» الأماكن العامة في المدن السعودية إلى مساحات للقاء القراء والحوار حول الأدب؛ قد تذهب للمقهى لاحتساء قهوتك، فتجد الجميع يناقشون رواية 📚

اطّلع على جدول الفعاليات. أو تعرف على المزيد


📍موقع المكان: دار عرار، العليا.

⏰ ساعات العمل:

  • السبت - الخميس : 02:20 الظهر - 10:30 المساء.

  • الجمعة : مغلق.

الموقع الألكتروني للدار : 👈🏻 هنا

دليلة الرياض
دليلة الرياض
أسبوعية، الأربعاء منثمانيةثمانية

تحس أنّك تعرف الرياض؟ سواءً كنت ساكن فيها، أو مختّمها، أو جديد فيها، هذه النشرة لك. قبل نهاية الأسبوع، نرسل لك تجارب وتوصيات وجديد الرياض وأماكنها المعروفة، والأهم، السريّة.

+10 متابع في آخر 7 أيام