دليلك الأدبي لكوريا الجنوبيّة 🇰🇷
زائد: الكِتاب في الدراما الكورية 📺

أشاهد هذه الأيام مسلسلًا كوريًّا، ولفتني كم هو قريبٌ عالم (k-drama) من عوالم جين أوستن!
غالبًا ما نصادف فتاةً متواضعة الحال، يتيمة أو مسؤولة عن أسرتها، تقع في حب شاب ثري، سواء كان الابن البكر الوريث أو الابن المدلل الذي يثير الصراعات العائلية. الأماكن محدودة ومتكررة (بيت، مكتب، حديقة) وسرعان ما تصبح مألوفة، والسفر يُستخدم حيلةً لتمرير سنوات الانفصال دون مناقشته.
الحب هنا أيضًا يحتاج وقتًا طويلًا ليتشكّل، يبدأ غالبًا بإنكار أو كراهية، وقد يصل إلى خللٍ عاطفي، بينما يظل البطلان بعيدان عن بعضهما البعض جسديًّا. لكن ما يميز الدراما الكورية عن عالم جين أوستن هو البعد الروحاني والطفولي؛ يكتشف البطلان أن لقاءهما الحالي هو صدًى لماضٍ خفي، وغالبًا ما يكونان قد التقيا في الطفولة. هذا السر يمنح حبهما قوة خارقة لا تُقهر، فلا أبٌ طاغٍ ولا زوجة أم شريرة يستطيعان كسر علاقة تُحقّق وعدًا قادمًا من الماضي.
في هذا العدد، سنسافر مع الكاتب الكويتي علي الصباح إلى كوريا الجنوبية، وأُتمم حديثي عن ظاهرة الدراما الكورية وعلاقتها بالكتب في فقرة «هامش»، بينما نخصص توصيات هذا العدد لهذا البلد الآسيوي.
أتمنى لكم رحلة سعيدة.
إيمان العزوزي


دليلك الأدبي لكوريا الجنوبيّة 🇰🇷
علي الصباح
قبل رحلتي إلى كوريا الجنوبية، حرصتُ على قراءة مجموعة من الأعمال الأدبية الكورية، لأتعرف على ملامح البلد من خلال نصوصها وسردياتها، وأضع قائمةً بالمزارات الثقافية المرتبطة بتلك الكتب ومؤلفيها. لقد اتخذتُ من هذه الأعمال دليلًا سياحيًّا لوجهاتي، وفي أثناء ذلك وقفت على كيفية توظيف الكُتّاب لرمزية الطعام، كما اقتربت من الدوافع الكامنة وراء كتابة تلك الأعمال.
المزارات الثقافية
كانت أولى تلك النصوص رواية «سأكون هناك» للكاتبة كيونق سوك شين، التي بدت وكأنها كُتبت لتوثيق حقبة الثمانينيات وما شهدته من حراكٍ سياسي شبابي. تصف الساردة، وهي طالبة في جامعة سول، تجربتها قائلة: «اتَّخذتُ القرار الصحيح بأن أتعرَّف على المدينة من خلال التَّجوال في شوارعها. جعلني المشيُ أفكَّر أكثر وأركز في العالم من حولي. التحرُك إلى الأمام، وَضعُ قَدِمٍ أمام الأخرى، ذكَّرني بقراءة كتاب». وتتابع الساردة وصف مشاهداتها في طريقها إلى الجامعة، حيث الميادين التي يحتشد فيها المتظاهرون، والمَحال التي يرتادها المثقفون، فتقول: «وأنه كان هنالك تُرام وقاعات موسيقى ومقهى حيث اعتاد الطلبة احتساء الشاي والاستماع إلى الموسيقى ومناقشة الأدب والسياسة. نظرتُ حيث أشار. كانت هنالك لافتة لمقهى هاكريم دابانق. لقد كنت أمشي أمام المقهى طوال الوقت من دون أن أدرك مدى قِدَمه».

زرت المقهى، وما إن عبرتُ بابه حتى شعرت وكأنني عدت بالزمن إلى حقبة الأبيض والأسود، فديكوره الخشبي العتيق، ومقاعده ذات اللون الرملي، والعديد من صور البورتريه المعلقة، كلها أمور تروي ذاكرة هذا المكان الذي ظل لعقودٍ ملاذًا لمثقفي العاصمة سول. يبعث هذا الجو العام حنينًا إلى ذكريات لم أعِشها، وهنا تكمن قوة الكتابة الجيدة، فهي قادرة على جعلك تتقمص الشخصيات التي تقرأ عنها، حتى لتشعر أحيانًا أنها ترافقك.
أخذني الروائي كيم يونق-ها بدوره في روايته «حقي في تدمير نفسي» إلى مزارٍ جميلٍ هو شارع «إنسادونق» الثقافي. تتناول الرواية بأسلوبها الغريب أفكار العدمية والرغبة في الانتحار لدى الشباب الكوريين في تسعينيات القرن الماضي، حيث يتأمل السارد مليًّا العلاقة بين الموت واللوحات الفنية، قائلًا: عادة ما أتوقف بمنطقة إنسادونق بعد مغادرتي المكتبة لألقي نظرة على اللوحات الفنية أو لشراء بعض الأقراص المدمجة من المتاجر الموسيقية. وإن كنت محظوظًا كفاية فربما أقابل عميلًا يتجول بين اللوحات. أراقب الأشخاص الذين ينظرون إلى اللوحات الفنية بعمق وتمعُّن وبطء شديد دون أن يتفقدوا ساعتهم حتى بعد ظهر عطلة السبت، فهؤلاء ليس لديهم مكان آخر ليذهبوا إليه، ولا ينتظرهم أحد. فيتسمرون لساعات أمام اللوحات التي تأسرهم، وتلك اللوحات تكشف رغباتهم الخاصة.
رغبةً مني في رؤية ما رآه الكاتب، زرت الشارع وتأكدت أنه وجهةٌ مثالية لهواة الفن، إذ يمكنك قضاء يومٍ كاملٍ فيه بين المعارض الفنية والمحلات الحرفية والمتاحف. وللبدء بجولتك، أرشح لك زيارة معرضين فنيين متجاورين متعددي الأدوار في قلب الشارع، لتنطلق بعدها في استكشاف بقية أرجائه وهما: (Insa art plaza gallery) و(Insa art center).

بما أننا في العاصمة سول، أقترح عليك زيارة حي «سيوتشون»، حيث توجد مكتبة «داي-أو» (Dae-o)، وهي أقدم مكتبة للكتب المستعملة في المدينة، وقد تحولت اليوم إلى مقهى يحافظ على الطابع التقليدي للبيوت الكورية القديمة، وتفوح من جدرانه عبق الذكريات. وعلى مقربة منها، تقع مكتبة أخرى تحولت بين ليلة وضحاها إلى مزارٍ شهير في أكتوبر 2024؛ فبعد فوز الكاتبة هان كانق بجائزة نوبل، تهافت القراء على مكتبتها «أونول» (Onul Books) التي أسستها عام 2018، والتي تميزت بتركيزها على الكتب النوعية عوض الأكثر مبيعًا. ونظرًا للمساحة الصغيرة للمكتبة واكتظاظها بالزوار وملتقطي الصور عقب إعلان فوزها، أعلنت الكاتبة في نوفمبر أنها ستتوقف عن إدارتها، على أن يتولى أفراد أسرتها هذه المهمة من بعدها.

شاركت بلدية غوانقجو بدورها في هذا الاحتفال، فخصصت أرضًا تبعد 40 مترًا عن منزل طفولة هان كانق لإنشاء صالون ثقافي على هيئة مقهى، تقديرًا لروايتها «أفعال بشرية» التي وثقت فيها مجزرة غوانقجو عام 1980. حكت كانق عن الحدث بأسلوبٍ يبعث على القشعريرة، إذ وظّفت ضمير المخاطب في بعض الفصول، بينما سُردت الأحداث في فصلٍ آخر على لسان أحد الموتى: «غمرني غضبٌ غريب لا ينبع من حقيقة أنني ميت بل من تلك الأفكار التي لا تتوقف عن التدفق عبري: من قتلني؟ من قتل أختي؟ ولماذا؟!».
كما استحدثت البلدية مسارين سياحيين؛ الأول سُمي «طريق الفتى» -وهو العنوان الكوري لروايتها «أفعال بشرية»- ويضم الأماكن المرتبطة بتلك المجزرة التي سار فيها بطل الرواية، أما المسار الثاني فيتعلق بالطريق الذي سلكته الكاتبة في أثناء جمعها مادة الرواية، وبالأماكن التي اعتادت التردد عليها في طفولتها. يُذكر أن الكاتبة عاشت هناك حتى بلغت التاسعة، قبل أن يقرر والدها الانتقال للعمل في سول قبل وقوع المجزرة بأربعة أشهر، لتنجو عائلتها بينما قُتل جيرانهم وأصدقاؤهم، وهو ما أصابها بـ«عقدة الناجي» ودفعها للكتابة عن الحدث.
ومن الكتب التي اخترتُها، بسبب شهرتها الواسعة، «أريد أن أموت ولكنني أشتهي التكبوكي»، الذي يتضمن تسجيلًا لحوار المؤلفة بِك سِهي مع طبيبها النفسي. نال الكتاب شهرة واسعة فور نشره في 2018 وزادت شهرته بعد انتحارها، حيث تحدثت بانفتاح عن معاناتها ونقاط ضعفها ولجوئها إلى طبيب نفسي، في مجتمع لا يزال يرى في اللجوء إلى الأطباء النفسيين علامة ضعف.
ذكرتْ في العمل مدينة غيونقجو: «لم أدرِ إلى أين أذهب، ولم أجِد لديَّ حافزًا إلى مكانٍ بعينِه، ثم أرسلَت لي صديقتي صورًا من رحلتها إلى غيونقجو، فأعجبتني المعابد القديمة والمباني، وبدا أنَّ المدينةَ هادئة، فجذَبَتْني. اشتهيتُ أن أمشي في رِحابِ تلك المعالم العتيقة». بحثت عن هذه المدينة التي لم أسمع بها من قبل، فعرفت أنها كانت العاصمة القديمة لأغلب شبه الجزيرة الكورية حتى القرن العاشر الميلادي. هي وجهة مثالية للابتعاد عن صخب المدينة، فالمشي فيها يشبه التجوّل في متحف مفتوح، وإن أردت المبيت فيها، عليك بمكتبة سبرنق داي التي توفر ما يُعرف بخدمة «البوكستاي» لعشاق الكتب، أي الإقامة في المكتبة.

رمزية الطعام في الأدب الكوري
يحتلُّ الطعام مكانة جوهرية في السفر مثله مثل المزارات الثقافيّة، وكأننا نسعى للتعرّف على الآخرين من خلال موائدهم، فكيف صوّر الأدباء الكوريون الطعام في نصوصهم؟
ارتبط الطعام في رواية «النباتية» لهان كانق بالتمرّد واختيار الطريقة المثلى للحياة، فالبطلة ترفض تناول اللحوم وتواجه مقاومة عنيفة من زوجها ووالديها. في حين نجده في «سأكون هناك» حنينًا إلى الماضي، إلى مائدة الأم، حيث تستحضر البطلة والدتها البعيدة عنها في أثناء تناولها الطعام مع اثنين من زملائها في الجامعة: «كانت أمي لتستمتع بمشاهدتكِ تأكلين. تقول: يجب على الناس الاستمتاع بطعامهم، وتلك هي الطريقة التي تحصلين بها على نصيبك في الحياة أينما كُنتِ.»
أما كيم يونق-ها فيرى السفر تجربةً للاكتشاف، فقد نصح، في أحد مؤلفاته التي تضم مقالات عن السفر، الكاتب ألا يكتفي باختيار الأطباق المألوفة الموجودة في مقدمة القوائم، لأن المطاعم عادةً ما تعرض فيها الخيارات الأكثر أمانًا وشيوعًا، وحثّه على تجربة الأطباق المغمورة في أسفل القائمة، حتى وإن كانت أقل جودةً أو انتهت تجربتها بالخيبة، فتلك التجربة السيئة ستظلُّ عالقةً في ذاكرته، مما يمنحه مادةً ثرية للكتابة، كما يؤكد على التأثير العميق لتنوع وجبات الطعام في مزاج الكاتب.
وارتبط الطعام لدى مؤلفة كتاب «أريد أن أموت ولكنني أشتهي التوكبوكي» بالرغبة في مواصلة الحياة، فالعنوان يعكس علاقتنا المضطربة مع الحياة، حيث نمر بلحظات من القلق والاكتئاب، تليها فترات نستعيد فيها الشغف بملذات الحياة البسيطة، مثل تناول «التوكبوكي». وبالطبع، لم يفتني البحث عن أفضل مكان لتناوله في سول، وهو -بحسب ما ذكرت المؤلفة في إحدى لقاءاتها- يقع في منطقة «هونقداي» واسمه: (Ttobogetji Tteokbokki).

لماذا نكتب؟
لقد أفادني الأدب الكوري بنحوٍ ما في رحلتي هذه، لكنه دفعني في الوقت ذاته وأنا أكثر ما يكون قربًا من فضاءات الكتابة، إلى التفكير في ماهية الأدب بعيدًا عن غاياته «السياحيّة». فكما رأينا، كانت نجاة هان كانق وأسرتها من مجزرة غوانقجو جرحًا يؤنّب ضميرها لسنوات، حتى دفعتها الأحلام لكتابة عملٍ أدبي يوثّق ما حدث على لسان الضحايا. أما كيونق سوك شين، فهي تنتمي إلى «جيل 386»، الذي اتَّسم بنشاطه السياسي في الثمانينيات وميوله اليسارية الواضحة. وبذلك، نجد أن الأولى سعت لتوثيق حادثة تاريخية من منظور ضحاياها، بينما تكتب الثانية أدبًا ملتزمًا.
أما كيم يونق-ها فقد تجاوز الصراعات الإيديولوجية وصار يكتب عمّا يعانيه الفرد الكوري المعاصر. ويعالج في أعماله الأدبية سؤال المعنى والهوية والانتماء، وهذا ما يجعل كتاباته تتجاوز القضايا المحلية. ولعل بِك سِهي أكثر فردانية منه في كتاباتها، لكونها تكتب عن تجربتها الشخصية. كلاهما لا يكترثان بتوثيق التاريخ أو الحديث على لسان الضحايا أو إعادة نسج البكائيات. فلكلٍّ منهما دافع مختلف يدفعه إلى الكتابة.
تقول بِك سِهي في الجزء الثاني من كتابها: «كلّما حاولتُ أن أعتني بنفسي، مدفوعةً بخوفي من أن أبدو قبيحة، أنتهي بتشويه حتى ما كان مقبولًا في ملامحي. سئمتُ من أن يُحكَمَ عليَّ فقط من خلالِ وجهي. في طفولتي، كانوا دائمًا يقارنونني بأختَيّ الكُبرَبَين الجميلتين. وفي لقاءات العائلة، ما انفكَّت عمّاتي يسألن أولاد أعمامي أن يختاروا: أيّ الأختين الكُبرَيَين أجمل؟، وكأنِّي لستُ موجودة أصلًا».
السؤال الذي يثيره هذا الاقتباس والأدب بمختلف لغاته هو: هل تصير معاناتنا الفردية أقل قيمة للكتابة عنها، لمجرد أن هناك من يعاني أكثر منا؟ والإجابة عن هذا السؤال وما يشبهه هو في نظري غاية الأدب وجوهره.

.jpg)
الكِتاب في الدراما الكورية 📺
إيمان العزوزي
لا تستهويني الدراما الكورية عادةً، ولا أعدُّ نفسي من جمهورها الوفي، إذ أشاهدها على فترات متباعدة، وغالبًا ما أفضل الروايات على المسلسلات. ومع ذلك، أقرُّ بأنني لم أجد حتى اليوم تجربةً تلفزيونية تمنح الكتب هذا القدر من الحضور والاحترام كما تفعل الدراما الكورية. فبينما يظهر الكتاب في الدراما العالمية كإشارةٍ عابرة لا تشفي غليل القارئ، يغدو في الدراما الكورية جزءًا حيًّا من القصة، يؤثر في مسارها، ويشكّل هوية أبطالها، بل يتحول أحيانًا إلى بطلٍ خفيٍّ يوجّه الأحداث.
ومع تكرار الأمر من عملٍ إلى آخر، بدا لي أن العلاقة بين الأدب والدراما في كوريا الجنوبية أكبر من مجرد مصادفة فنية. ولعل أوضح مثال على ذلك مسلسل «الرومانسية هي كتاب إضافي»، الذي اختار أن يجعل دار نشر كاملة مسرحًا للأحداث، وهكذا نجد الكتب في كل مكان وكل مشهد. كما فتح المسلسل أبواب عالم النشر أمام المشاهد، من استقبال المخطوطات ومراجعتها إلى تصميم الأغلفة والتسويق وإطلاق الكتب الجديدة. وبينما تتطوّر العلاقات الإنسانية بين الشخصيات، يتعرف المشاهد أيضًا إلى التحديات التي تواجه صناعة النشر في عصر المنصات الرقمية وتراجع معدلات القراءة.

نجد صنفًا آخر من الكتب في مسلسل «لا بأس أن لا تكون بخير»، حيث تتحوّل كتب الأطفال التي تكتبها البطلة إلى مفاتيح لفهم الجروح النفسية التي يحملها الأبطال. فالقصص الخيالية التي تبدو موجهةً للأطفال تخفي خلفها أسئلة عن الوحدة والخوف والفقد والتعالي. وبين كل حلقة وأخرى، يجد المشاهد نفسه يقرأ الشخصيات من خلال القصص التي تكتبها البطلة بقدر ما يقرأها من خلال أفعالها.
كما تمنح الروايات والدواوين الشعرية والاقتباسات الأدبية شخصيات المسلسلات لغةً ثانية. إذ يلجأ الأبطال إلى الشعر حين يعجزون عن التعبير عن مشاعرهم، أو يتبادلون الكتب بدل الهدايا التقليدية، أو يستعينون بنصٍّ أدبي يفسّر لهم تجاربهم الحياتية، حتى إن بعض الروايات شهدت ارتفاعًا ملحوظًا في مبيعاتها بعد ظهورها في أعمال درامية ناجحة.
ويتجاوز هذا الحضور مجرد الاستشهاد إلى الاستلهام الفكري، فمسلسل «لأن هذه هي حياتي الأولى» يتبنى مفهوم فرجينيا وولف في كتابها «غرفة تخص المرء وحده»، أو فكرة دوريس ليسنق في قصتها القصيرة «الغرفة 19»، ليُسقطها على بطلته التي تسعى لامتلاك مساحة مستقلة تتيح لها الكتابة، كما يظهر في المسلسل نفسه ديوان «البكاء لن يغيّر شيئًا» للشاعر بارك جون. وإلى جانب ذلك، هناك مسلسلات أخرى تتحدث عن الكتابة بوصفها تعبيرًا عن الهوية، مثل «شهرزاد كوريا»، أو عن تاريخ الأدب الكوري كما في مسلسل «آلة كتابة شيكاغو».

يعود هذا الحضور المُكثّف إلى عوامل ثقافية متعددة، فالمجتمع الكوري الجنوبي منح التعليم والقراءة مكانةً خاصة منذ عقود، وارتبط الكتاب في المخيال الاجتماعي بالارتقاء الشخصي والثقافي. لذلك لا تبدو المكتبات العامة أو المكتبات المستقلة أو المقاهي المخصصة للقراءة أماكن غريبة داخل الدراما، بل جزءًا طبيعيًّا من الحياة اليومية. وحين يضع كاتب السيناريو شخصيتين في مكتبة أو يجعلهما تتبادلان كتابًا، فهو يستلهم فقط واقعًا مألوفًا للمشاهد الكوري.
ساهم هذا الحضور المستمر للكتب في تعريف العالم بأعمالٍ أدبية كورية لم تكُن لتحظى بهذا الانتشار لولا ظهورها على الشاشة، إذ بادر الكثير من المشاهدين إلى البحث عن الروايات والقصائد التي تضمنتها مسلسلاتهم المفضلة، وبدأ بعضهم رحلته مع الأدب الكوري من بوابة الدراما لا العكس. وبذلك تقترب الشاشة مما تفعله الموسيقى الكورية، فنجد الجمهور مثلًا يترقب ترشيحات أعضاء فرقة (BTS) لتتصدر تلك الكتب قوائم الأكثر مبيعًا والأكثر رواجًا على منصات مثل قودريدز ووسوم أكس.
وربما تكمن فرادة «الموجة الكورية» أو ما بات يُعرف عالميًا بـ«الهاليو»، في قدرتها على بناء جسور بين مختلف الفنون بدل التعامل معها كعوالم منفصلة. فالدراما لا تعيش بمعزل عن الأدب، والأغنية لا تنفصل عن السينما، والكتاب لا يُنظر إليه باعتباره منافسًا لباقي الفنون. وعلى العكس من ذلك، تقوم هذه التجربة على تفاعل مستمر بين أشكال التعبير المختلفة، بحيث يدعم كل فن الآخر ويمنحه جمهورًا جديدًا.
كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭
مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨
موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!
هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗
التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁

إنّ قدوم أيّ شخصٍ هو في حقيقته إنجازٌ هائل
إذ يأتي محمَّلًا بماضيه وحاضره ومستقبله،
يأتي برفقة حياته كلها
يأتي ومعه قلبٌ هشّ
قلبٌ قد تتوغّل الرياح في ثناياه
ولو استطاع قلبي أن يحاكي تلك الرياح
لأضحى ملاذًا مضيافًا.
الشاعر جونق هيون-جونق ( عرّفنا به مسلسل «لأن هذه هي حياتي الأولى»)
مساحات العمل، مكان يرافقك ساعات طويلة في يومك.
ولراحتك، ننتقي كل عنصر ليعكس شخصية علامتك ويمثلها.
تعرف على منتجاتنا و خدماتنا في «أوفيس هب» من هنا

Every Day I Read

تأليف: هوانق بو-روم/ الناشر: Bloomsbury
هناك كتب نقرؤها لنستمتع، وكتب نقرؤها لنتعلم، ولكن هناك أيضًا كتب نقرؤها لأننا بحاجة إلى من يفهمنا. كتاب «كل يوم أقرأ» للكاتبة الكورية هوانق بو-روم، التي عرفها العالم من خلال روايتها الأكثر مبيعًا «مرحبًا بك في مكتبة هيونام-دونق»، ينتمي إلى الصنف الثالث. الكتاب هو احتفاء حميمي بالقراءة نفسها، وليس دليلًا إرشاديًّا يخبرك كيف تقرأ أكثر، هو رسالة حب من قارئة إلى جميع القرّاء، تدعونا بهدوء لأن نتوقف ونتأمل: لماذا نقرأ حقًّا؟ وماذا نأمل أن نأخذ من هذه التجربة الذاتيّة للغاية؟
أدهشني في هذا الكتاب قدرته على منح صوتٍ لمشاعرنا الغامضة في أثناء القراءة، تلك التي ظنناها حكرًا علينا، فكأنما تلمس الكاتبة جروحنا بلطف حين نفتح كتابًا في لحظة حزن، أو نشعر -ونحن وسط حافلة مزدحمة- بأننا لسنا وحدنا في هذا العالم. تعيدنا الكاتبة إلى القراءة وكأننا نكتشفها للمرة الأولى، تجلس مقابلنا في مقهًى صغير، تروي لنا قصتها مع الكتب: متى بدأت، وأي القصص صاغت وجدانها، وكيف هجرت القراءة ثم عادت إليها، لتجد فيها ملاذًا في أوقات الشدة.
يحتوي الكتاب على ثلاثة وخمسين مقالًا قصيرًا، كل منها يضيء زاوية مختلفة من علاقتنا بالكتب، وهي مصممة لتكون قصيرة ومكتفية بذاتها، مما يجعل هذا الكتاب مثاليًّا للقراءة المتقطعة، يمكنك فتح أي فصل وتجد فيه شيئًا قريبًا من قلبك، ومريحًا، أو محفّزًا. بعض هذه المقالات يتناول الأسئلة التي طالما ترددنا في طرحها على أنفسنا: ماذا لو لم تعجبني رواية الكاتب الذي أحبه؟ هل من الخطأ أن أتوقف عن قراءة كتاب لا يروق لي في منتصفه؟ لماذا أشعر أحيانًا أنني لا أتذكر شيئًا مما قرأته بالرغم من أنني أحببته؟ في أحد فصول الكتاب، تحررنا الكاتبة من هذا القلق الجميل عندما تكتب: «إذا كنتُ شخصًا مختلفًا قليلًا بعد قراءة كتاب، فلا بأس إن لم أتذكر كل كلمة فيه».
أعجبتني جرأة الكاتبة وصدقها، فهي لا تخشى الاعتراف بأن ليس كل كتاب مشهور أو مصنف كلاسيكيًّا يستحق القراءة، أو حتى إكمال قراءته لمجرد سمعته. هذا النوع من الصدق نادر في الكتب التي تتناول القراءة، والتي غالبًا ما تبدو كأنها تلقننا الدروس بدلًا من أن تحادثنا كأصدقاء.
هوانق لا تفرض رأيًا، هي فقط تشاركنا تجربتها بتواضع، وتذكرنا بأن آراء النقاد وتقييمات القراء قد تساعدنا في اختيار قراءاتنا، لكنها لا يجب أن تملي علينا خياراتنا. في المقابل، لا تخلو رحلة القراءة هذه من بعض التحفظات، فالكثير من الإشارات الأدبية في الكتاب تميل بشدة إلى الكلاسيكيات الغربية، مثل همنقواي وأورويل، وإلى الأعمال الكورية المعاصرة التي قد لا تكون متوفرة للقارئ العربي، مما يجعل بعض تلك الإحالات أقل تأثيرًا لمن لم يطّلع عليها. كما أن للكاتبة رأيًا في القراءة الرقمية قد لا يتفق معه قرّاء اليوم، إذ توحي بأن الكتب الإلكترونية لا تمنح العمق والحضور الذهني الذي تمنحه الكتب الورقية، وهو رأي قد يجده عشّاق الألواح الإلكترونية مجحفًا. لكن ربما هذه الاختلافات هي ما يضفي على الكتاب سحره، فهو عمل مصمم لبدء محادثة، لا لإنهائها.
دعونا نتوقف قليلًا إذن، نجلس بهدوء مع أنفسنا، نفتح كتابًا، ونسمح لكلمات شخصٍ آخر بتغييرنا قليلًا، كما فعلت هوانق.
وحوش أرض صغيرة
.jpg)
تأليف: جيوهي كيم/ ترجمة: عبد الوهاب المقالح/ الناشر: نادي الكتاب
تنقلنا الرواية إلى كوريا في النصف الأول من القرن العشرين، خلال فترة مضطربة يمتزج فيها الحلم بالواقع على وقع تحولات تاريخية عنيفة تشهدها المنطقة. تحكي الرواية عن أشخاص يعيشون تحت وطأة الاحتلال الياباني، حيث ترسم الكاتبة لوحةً دقيقة التفاصيل عن الحياة اليومية، وتُظهر كيف يقلب التاريخ مصائر شخصياتها ويعيد تشكيلها من جذورها.
على رأس الشخصيات نلتقي بـ«جايد»، فتاة تنشأ في ظروف قاسية، وتجد نفسها محاصرة في عالم الكيسنق، حيث يمتزج الثراء بالفقر، والسلطة بالفساد. ومن خلال رحلتها، نتعرف على طبقات المجتمع الكوري، فبينما تستسلم شخصيات لواقع الاحتلال، تختار أخرى طريق المقاومة أو الهروب نحو حياة مختلفة. وإلى جانب «جايد»، يظهر «جونق هو»، الفتى الممتلئ بالطموح والأحلام، الذي يسعى إلى انتزاع مكان له في عالم لا يمنحه الفرصة إلا بصعوبة.
يتنقل السرد بين شخصيات تنتمي إلى طبقات وخلفيات متنوعة، من مثقفين وحالمين إلى جنود وتجار وفنانين. يمنح هذا التنوع القارئ نظرة فاحصة على المجتمع الكوري، إذ لا ينفرد بطل واحد بالرواية، بل تتعدد المصائر وتتقاطع العلاقات وسط أحداث كبرى. ومع تقدم الزمن، تتداخل قصص الحب والصداقة مع صراعات الخيانة والطموح في ظل تصاعد الأحداث السياسية، ليجد القارئ نفسه في حالة من التوتر لا يستطيع معها التمييز بين الحق والباطل.
تتميز الرواية بعنايتها الفائقة بالتفاصيل الوجدانية، فالمدن والشوارع والبيوت والأسواق تشارك جميعها في تشكيل حياة سكانها، وتعكس التحولات في المظاهر والعادات والأزياء عبر الزمن، كأن المكان يروي حكاية البلاد بأسرها. وبعيدًا عن الإسهاب الممل، نجحت الكاتبة في توظيف هذه التفاصيل لتعزيز نجاح السرد وكماله، ناقلةً الأحاسيس ورابطةً الماضي بالحاضر عبر سلسلة من التقاليد التي تتوارى ببطء أمام واقعٍ جديد يفرض نفسه بقوة.
تطرح الرواية تساؤلاتٍ وجوديةً حول مفهومي الحرية والهوية، إذ تُصور الشخصيات في مواجهةٍ مع الاحتلال الذي يتغلغل في تفاصيل خياراتهم وعلاقاتهم وأحلامهم. فبينما يسعى بعضهم للنجاة بمفرده، يرى آخرون أن الخلاص يكمن في التضحية من أجل قضايا جماعية والاستقلال. وتتجلى الرواية في ختامها كملحمةٍ إنسانيةٍ عن البقاء، تروي حكاية أفرادٍ عاديين كافحوا للنجاة مع الحفاظ على كرامتهم في عالمٍ دائم التغير، لتُشكّل بذلك عملًا أدبيًّا ضخمًا يمزج بين الخصوصية والتاريخ، ويفكك تعقيدات النفس البشرية العالقة بين الحب والسلطة والحرية.
أرجوك اعتني بأمي

تأليف: كيونق سوك شين/ ترجمة: محمد نجيب/ الناشر: التنوير
لا أستطيع بأي حال من الأحوال أن أختم هذه التوصيات دون أن أشير إلى هذه الرواية العظيمة التي قرأتها منذ سنوات طويلة، ولا أزال أشعر بطعمها المر على لساني كلما تذكر تفاصيلها.
لطالما اعتقدتُ أن وجود الأم في حياتنا أمرٌ بديهي، وأنها ستظل دائمًا بقربنا، تراقبنا بصمت وتغمرنا بحبٍّ غير مشروط. ولكن وفي أثناء قراءتي لرواية «أرجوك اعتني بأمي»، وجدتُ نفسي أتوقف مرارًا لأتأمل أمي، وألحظ تلك التفاصيل الصغيرة التي تقوم بها يوميًّا دون أن نلتفت إليها. شعرتُ حينها أن الرواية تسرد قصصنا، وتدفعنا إلى التساؤل: هل نعرف حقًا الأشخاص الذين نحبهم أكثر من غيرهم؟
تدور أحداث الرواية حول اختفاء الأم في إحدى محطات القطار المزدحمة في العاصمة الكورية سول. وبينما تنشغل العائلة بالبحث عنها، يبدأ كل فرد في استرجاع ذكرياته معها، فيكتشف القارئ جوانب مختلفة من شخصيتها ومن حياتها التي ظلت مجهولة حتى لأقرب الناس إليها. ومن خلال هذه الأصوات المتعددة، ترسم الكاتبة صورة مؤثرة للأم التي كرّّست حياتها من أجل أسرتها، بينما لم تجد الوقت أو الفرصة لتحقيق أحلامها الخاصة.
ما يميز الرواية هو أسلوبها السردي القائم على تعدد الأصوات والذي سمح بتعدد وجهات النظر. فكل فصل يقدّم رؤية مختلفة للأم من خلال أحد أفراد العائلة، مما يسمح للقارئ بفهم العلاقات الإنسانية المعقدة داخل الأسرة. كما أن هذا البناء السردي يجعل الغياب أكثر حضورًا، إذ تصبح الأم المفقودة محورًا تدور حوله جميع الذكريات والاعترافات والندم، مثل شبح يتجول في الأرجاء دون أن نمسك به حقيقة.
تناقش الرواية مجموعة من القضايا المهمة، من أبرزها التضحية الأسرية، وعلاقة الأبناء بوالديهم، وتأثير الحداثة في الروابط العائلية التقليدية. كما تثير إشكالية المكانة التي تشغلها الأم في الأسرة، فهي، قبل أن تكون راعية الأسرة وعمادها، إنسانة لها مشاعرها وطموحاتها ومعاناتها الخاصة. ومن خلال هذا التناول، تدعو الكاتبة القارئ إلى إعادة النظر في الطريقة التي يتعامل بها مع والديه وإلى تقدير ما يقدمانه قبل فوات الأوان.
وقد تأثرت بشكل خاص بالطابع الإنساني الصادق للرواية، فالأحداث ليست استثنائية أو بطولية، لأنها تنبع من تفاصيل الحياة اليومية التي يعيشها الجميع. لهذا السبب استطاعت الرواية أن تلامس مشاعر القراء في مختلف أنحاء العالم، بغض النظر عن ثقافاتهم أو خلفياتهم.
خرجت من الرواية ألوم نفسي عن أمور كثيرة كان من الممكن قولها أو فعلها قبل فوات الأوان، وتيقنت أن الأشخاص الذين نعد وجودهم أمرًا مسلّمًا به قد يرحلون يومًا ما، تاركين وراءهم أسئلة كثيرة وكلمات لم تُقل، كما شعرت برغبة حقيقية في العودة إلى أمي، لأشكرها، ولأتعرف إليها من جديد، فربما فاتني شيء لم أدركه في صمتها.

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.