لا تقيّموا نصوصي في مدونتي الشخصية! 👨🏻⚖️
زائد: زيارة المكتبة ليست للقرَّاء فقط.

الكتابة لها شعور مختلف على الجميع، بدءًا من الطالب الصغير الذي تعلم في بداية حياته كيف يكتب الجملة الأولى، التي غالبًا ستكون «أحبك ماما»، ووقعها عليه وعلى من هم حوله، وانتهاءً بالأديب الكبير حينما يصدر روايته الأخيرة التي سيجزم القرّاء أنها تحفة التحف.
وبين الجملة الأولى والرواية الأخيرة ثمة عدد كبير من محاولات الكتّاب في التعبير عن ذواتهم، بالجمل والنصوص والروايات، وحتى الأبحاث؛ ولكل أسلوب أدبي وطريقة نشر مميزاتها وعيوبها.
في هذا العدد أقدم دعمي لجميع الذين يكتبون في مدوناتهم الشخصية ويخافون الآراء عما كُتِب فيها، تحديدًا من أولئك الذين يعاقبون الكاتب المبتدئ بعقاب يفوق جريمته البسيطة:
كتب لأنه يحب أن يكتب!
فيصل آل عمر

.jpg)
لا تقيّموا نصوصي في مدونتي الشخصية! 👨🏻⚖️
فيصل آل عمر
بدأت علاقتي بالكتابة حينما كنت بالصف الثاني متوسط، وطُلب منّا المشاركة في مسابقة القصة القصيرة جدًّا بالمدرسة، وكنت لا أحب أن أشارك أي إنسان ما أكتب. يُقال إنه خجل الكتّاب قبل الانطلاق. شجعني معلم اللغة العربية على المحاولة، لأنه يؤمن أنه يستحيل أن يحب شخص القراءة «ويشاغب بلسانه» مثلي، لكنه يعجز عن الكتابة!
تحمست، و قدّمت له نصًا من دفتر نصوصي الذي لم يطّلع عليه إنسان، طمعًا بالحصول على جائزة المسابقة البالغ قيمتها 100 ﷼ قبل حلول الإجازة الصيفية، وهذا مبلغ ضخم.
شاركت وفزت!
لكني لم أفُز بسبب نصي ولا لحب المعلم إيّاي، بل لخطأٍ إملائي في النص غيّر معنى المكتوب كاملًا. اعذروني فلقد نسيت عشائي البارحة، فما بالكم بنصٍّ قصير في المرحلة المتوسطة؟
لكن هذه الغلطة زرعت فيّ يقينًا بداخلي أن عليّ ألّا أتوقف عن الكتابة، فهي من تُعبِّر عنّي وتشبهني. وليس بالضرورة أن يكون النص جميلًا بليغًا باذخ الصور والمعاني والمفردات، إطلاقًا! يكفي أنني حينما أنتهي منه أرمي القلم ومعه همومي، وشاعرًا أنني متخفف منها.
نصٌّ يشبه ما أحب عن نفسي، وما أتمنى أن أقرأه. فالنص الذي تشعر برغبة شديدة مجهولة المصدر في كتابته هو النص الذي يشبهك، ولن يكتب مثله شخص آخر.
كبرت، وكبرت نصوصي معي، وكثر عدد الصفحات والكلمات، وتوسّع نطاق الرغبات والمتطلبات، وأصبحتُ أكتب نصوصًا علنية عن ما أواجهه من صراعات، بين البشر والعمل وما فيه من مهمات. لكن ضاق بي الوقت، ولم يعُد بإمكاني الكتابة لأتخفف من الحياة وما فيها من حزن ومسرات، إذ انشغلت بكتابة الإعلانات، وهي، في حال لم تجربها، مُرهقة للقلم والكاتب والذهن والذات. فأصبح شأن الكتابة الشخصية قليلًا في يومي، وبالكاد يحدث، وصارت مهمة قلمي أن يجلب لي قوت يومي حينما يكتب إعلانًا في إحدى القنوات. لذا قررت أن أقوم بأعظم الثورات: أن أعود إلى الكتابة بالطريقة التي عرفتها في البدايات.
قررت أن أعود إلى الكتابة التي تعبِّر عني وأنشرها لأنها تمثلني أنا في أحد الأيام. لكن بدأت تظهر لي مشكلة بسيطة في ظاهرها، كبيرة في حقيقتها، هي:
بعض الكُتَّاب لا يمنحون الثواب، ويفضّلون تقديم العقاب.
فقد أصبحت النصوص التي أنشرها بتجرّدٍ تام من محاولة الضبط والتدقيق والبحث قبل النشر، تلك النصوص التي تُكتَب لأنها عبء في الصدر فتخرجها كيفما كانت وفي أي وقت، هي النصوص التي أحب كتابتها، وهي التي تنال إعجاب من يحبون قلمك وما تكتب. «المعجبون»، زادهم الله عندي وعندك وعند كل مبدع، يعرفون جميع قوالب النصوص التي تقدمها، فلا يستغربون أي نص تقدمه.
فهم يحفزون بداخلك الكثير ويمدحون فيك أحيانًا ما لم تدرك أنه بك، وهؤلاء لا شك أنهم من الذين تستهدفهم في الكتابة، وتريد أن يقرؤوا آراءك في مختلف الأمور. لكنك بالمقام الأول تريد التخفّف من شيء بداخلك، لأنك كاتب يحب الكتابة. فالكاتب مثله مثل غيره من الفنانين الذين يؤدون الفنون لمجرد أنها تعبر عنهم.
في لقاء للفنان طلال مداح رحمه الله تحدث ذات مرة أنه كان ينزل ليغني في الزواجات دون دعوة، ويعلل ذلك فقط لأنه «رايق»، وهو سبب كافٍ ليجعله يقدم ما يحب دون عبء المسرح أو الاستديو. هو الفن لأجل الفن، كما يحدث لنا في الكتابة لأجل الكتابة.
لكن مؤخرًا لاحظت أن بعض النقاد يضربون بسوط من عذاب على نصوص الكُتَّاب الجدد، وحتى القدامى. فأصبحوا يكيلون رأيهم في المقالة أو القصة الشخصية بمكيال رأيهم في مقالة أدبية لكاتب كبير يكتب في منشأة لا يُعمَّد فيها نصه إلا بعدما يمر على قلم المدقق اللغوي، ثم رئيس القسم ورئيس التحرير!
يرفضون المكتوب من الكاتب، جُملة وتفصيلًا، ويستخرجون له عيوًبا لم ينتبه لها سواهم، ويقللون من الفكرة وكاتبها، هذا إذا لم ينهوا رأيهم بتقييم رقمي «1/10». كأن الكاتب يكتب ليستوفي متطلبات النجاح في امتحان مدرسي، لا أنه يعبر عن نفسه في مدونته الشخصية منتظرًا رأيًا لطيفًا، ودعمًا لموهبته «إن وجدت»، أو نصيحةً تساعده على المضي قدمًا.
إن معاقبة صاحب الشغف على ما يحب لها عواقب وخيمة، تحديدًا حينما يكون «العقاب» في شكل نصيحة في العلن بينما في حقيقتها تكسير لمجاديف الكاتب. يقول الشافعي واصفًا سوء النصيحة في العلن:
تَعَمَّدني بِنُصحِكَ في اِنفِرادي
وَجَنِّبني النَصيحَةَ في الجَماعَة
فَإِنَّ النُصحَ بَينَ الناسِ نَوعٌ
مِنَ التَوبيخِ لا أَرضى اِستِماعَه
أما الآن، فيتفنّن الأديب الكبير -أو حتى الذي يظن نفسه كبيرًا- في تقطيع الكُتَّاب الذين ينشرون نصوصهم في العلن، ولكي يُثبِت حجته ينهي نقده الهدّام -بعد التقييم الرقمي- بقول:
لكل مجال أدبياته الخاصة وقواعده، ونرجو أن لا تعبثوا فيها!
عبث؟ أي عبث في أن يقدم كاتب نصوصًا في بداياته منتظرًا رأي الجماهير قبل أن يتطور شيئًا فشيئًا؟ لماذا يُرفَض أن نرى تجارب بسيطة تكبر أمامنا بحجة أنها «لم تكتمل بعد»؟ ومتى كان في الدنيا شيء يولد كاملًا؟
إن تقديم الدعم للكاتب والموهوب ضرورة مهمة ليستمر الجميع في تقديم ما يحبون دون خجل. لن نحصل على موهوب بقلب قوي لا يخاف الانتقاد ويستمر في كل مرة، فهناك مواهب تحطمت قبل أن تنطلق لأن هناك شخص كان «وصيًّا» على الكُتَّاب والأقلام، يمنع ما لا يعجبه ويوافق على ما يعجبه. لا تتقدم المجالات كلها إلا بالوفرة التي تجلب التنافس، الذي من خلاله نحصل على أساليب جديدة نادرة. نعم، أنا مع السجالات الأدبية التي تنتج لنا أجود ما يقدم كل طرف، لكنني ضد أن يُقيَّم الجميع بمعايير التقييم نفسها.
لذلك سأبدأ بنفسي، وسأستمر مسرورًا بالكتابة في جميع أنواعها، متلذذًا بوصول مقال هزليٍّ لي عن تجربتي في القيادة ظُهرًا في الرياض، أكثر من مقال أدبي كتبته بعد بحث مُطوَّل عن علاقة الأدب الروسي بقصائد أحمد شوقي.
اكتب يا صديقي، اكتب، فالدنيا واسعة، وإن كنت خائفًا وتنتظر «صك» القبول الأدبي من بعض الكُتاب، فأبشرك أنه لن يخرج منهم قبل أن تتم عامك الخمسين.
كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭
مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨
موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!
هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗
التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁

المكتبة ليست للقرَّاء فقط
ربما ستشعر بالإرهاق عندما تدخل المكتبة من منظرها الكبير المُحمّل بالأرفف والكتب، وتخشى أسئلة أمناء المكتبة عن كتابك المنشود. لكن الحقيقة أنني لم أكن الوحيد ممن يزورون المكتبة وآخر ما يبحثون عنه هو القراءة! إذ ليس جميع الزوّار يبحثون عن كتاب ما، فأهداف الزيارة تختلف من شخص لآخر، وهي أكثر مما كنت أتخيل.
الباحث عن الهدوء:
المكتبة تعطي شعورًا بالهدوء لا مثيل له، يكفي أن بعض أمناء المكتبات سخّروا أنفسهم حرّاسًا للأصوات، فيمنعون عنك أي إزعاج خارجي.
ولهذا يأتي هذا النوع الشائع من الزوار، وأكاد أقول إنه يتفوق أحيانًا على زيارات القرّاء. هذا الزائر، بكل بساطة، قرّر الهروب من عبء اليوم، فيأتي ومعه حقيبة كبيرة (أدرك أن بداخلها مشروبًا يحاول تمريره على نظام منع الدخول بالمشروبات والمأكولات). ثم يتجه إلى رفٍّ عشوائي، وينظر إلى الكتب دون تركيز، قبل أن يلتقط كتابًا عشوائيًّا، ويرمي به على الطاولة، ثم يخرج من حقيبته دفترًا وأقلامًا وحاسبًا وأوراقًا إضافية (والمشروب السري) والسماعات. ثم لا يستخدم شيئًا منها، سوى أنه يجلس متصفحًا الحاسب دون أن يتكلم.
وفي نهاية اليوم لا يحزم هذا الزائر حقائبه إلا عندما أضطر إلى التوجّه إليه فأخبره أنه حان وقت الإغلاق (متجاهلًا حجم المأكولات على الطاولة) لينظر في ساعته ويخبرني أن الوقت لا يزال «بدري!».
جنة الإنجاز:
لو كنت متعثرًا في مشاريعك ومذاكرتك للدروس أو لتخطيط مشروعك الخاص، فالمكتبة ستوفر لك قدرةً سحرية على الإنجاز لن تحصل عليها في أي مكان.
كنت أحب أن يزور المكتبة أشخاص بأهداف مختلفة؛ مهندس يرسم مخططًا هندسيًّا بالساعات، أو طالب يستذكر دروسه حتى ولو كان منزله بجانب المكتبة، وآخر يكتب روايته الأولى هنا. فالمكتبة تعطيك حافزًا حقيقيًّا للإنجاز، ومساحة فراغ هائلة، وأظن أن منظر الكتب والهدوء الشديد يعطيان شعورًا جليلًا بالرغبة في التعلّم والإنجاز.
لا أزال أمتلك تواصلًا مع عديدٍ من أولئك الزوّار بعد أن تنتهي مهمتهم في المكتبة. وأشعر بسرور كبير حينما يحقق أحدهم إنجازًا بفضل المكتبة. كانت الأحاديث التي تخفف عنهم عبء العمل في وسط اليوم تفتح لي آفاقًا مختلفة لم يقدمها لي أي كتاب. ولا أنسى حينما زارني شخص اسمه ميثم، ليقدم على اختبار في مجال صيانة الطائرات. حينما سألته عن سبب تركه عمله الحالي «مهندس طيران» واتجاهه إلى صيانة الطائرات، برّر ذلك بقوله:
ستكبر وتعرف أن التعرض للحديد أفضل من التعرض للبشر.
زيارة من أجل الصورة:
لا أعرف كيف أصف لك هذا، لكن هناك من يزور المكتبة أسبوعيًّا ليلتقط صورة من كتاب ما، أو صورة لقهوته ومعها كتاب. ولا أبالغ حينما أقول إنه كان يُطلَب مني «كتب اقتباسات» أكثر من دواوين الشعر للمتنبي أو أحمد شوقي.
كان في المكتبة فناء جميل حقّقت صوره المنتشرة مع المطر رواجًا في مواقع التواصل الاجتماعي، ليزداد عدد الزيارات فقط من أجل صورة للكتاب مع المطر!

العرض الأول لقصتك. 🎟️
ينقل «شباك» أفكارك من الورق إلى السينما لتشاهِد وتشاهَد.
اصنع مشهدك «هنا».

شيء من الخوف من الفرح:
لا تبكِ مَيْتًا ولا تَفرحْ بمولودِ
فالميْتُ للدُّودِ والمولودُ للدُّودِ
ناصيف اليازجي
شيء من ضحكة الأطفال:
ويا ربِ من أجل الطفولة وحدها
أفضِ بركاتِ السلمِ شرقًا ومغرِبا
وصُن ضحكة الأطفال يا رب إنها
إذا غرّدت في مُوحِش الرملِ أعشبا
ويا ربِ حبّب كل طفلٍ فلا يرى
وإن لجّ في الإعناتِ وجهًا مُقطِبا
وهيئ لهُ في كل قلبِ صبابةً
وفي كل لقيا مرحبًا ثم مرحبا
بدوي الجبل
شيء من الكثرة القليلة:
ما أكثَرَ النَّاس! لا بل ما أقلَّهمُ
اللهُ يعلمُ أنّي لم أقُـل فَنَـدا
إني لأفتحُ عيني حينَ أفْتَحُهَا
علىٰ كثيرٍ، ولكنْ لا أرىٰ أحدا
دِعبِل الخزاعي

خرافة العادي - د. جابور ماتيه

عندما نمر بصدمات أو مشاعر يغرسها بداخلنا شخص في حياتنا ثم يختفي، أو عندما نعيش أحداثًا تصيبنا ثم ننشغل في زحام الحياة، فإننا كثيرًا ما نقول: سأعود لإصلاحها لاحقًا.
لكن هيهات! فما إن تمر بشيء من ذلك حتى يستقر في مكان بداخلك. وصدقني، سيعجز عن اقتلاعه منك حتى «الجنّي الأزرق» كما يُقال. أنت تعيش في عالم متسارع للقادم وتريد العودة إلى الماضي؟ صعب!
مررت بأرفف المكتبة، ووجدت عنوانًا لافتًا «خرافة العادي»، قدم من خلاله الكاتب مراجعة دقيقة لما حصل لك، وأين وصل بك، وكيف يمكن لموقف نفسيٍّ بسيط أن يصل إلى تعذيبك جسديًّا، دون أن يكتفي بأن يعذب قلبك. هذه القضية جعلتني أفسر لماذا سجل زيارتي حافل عند طبيب الأسنان وقت الاختبارات.
يشير الكتاب إلى أن أمراضنا الجسدية واضطراباتنا النفسية ليست خللًا نستحق أن نلام عليه، بل هي مؤشر لشيء داخل الجسم يعجز اللسان عن البوح به، شيء يشبه حقيقة أنك غريب في وسط جسدك. وأكثر ما استوقفني هنا أنك قد تورِّث الصدمات لمن حولك في حياتك (و أنا كنت أحسب ميراثي مالًا أو أصولًا)؛ فالصدمة التي تلقّاها والدك يومًا في حياته سيعطيك إياها ميراثًا ضمن قائمة المواريث.
فتخيل أن سبب المرض قد يكون الأشخاص من حولك، لتأثيرهم العميق في حياتك، الذي قد يصل إلى صحتك الجسدية! تخيل كم المرات شعرت بألم أعلى الظهر، وسببه ببساطة أنك في اجتماع العمل لم تستطِع الرد على تعليقات مديرك الرديئة.
الصحة النفسية باب طويل يستحق منك التوقف طويلًا. فمثلما تهتم كثيرًا بعيادات الأسنان والجلدية وغيرها من العيادات التي تزورها دوريًّا، فأوصيك بالاهتمام بالعيادة النفسية أيضًا بعد التعرض لمواقف صعبة.
من مآخذي على الكتاب محاولة إقناع القارئ بفكرة أن الصحة النفسية سببٌ رئيس في الأمراض، وهذا ما لم أحب وجوده بكثرة. فيمكن التبرير لقيمة العلاج النفسي والتعرض لمجتمع تألفه وتعرفه، لكن لا يجب شيطنة الحياة الماضية والحالية لتبرير بعض من تصرفاتنا. نعم، الصحة النفسية مهمة، لكن يجب أيضًا أن تؤخذ الأمراض بعين الاعتبار.
ينهي الكتاب هذه الرحلة بنصائح التعافي. ويجب التنويه بضرورة ألّا يؤخذ بكل ما فيها. فهو يوصي في بعض التفاصيل بالتعافي منفردًا، عن طريق الكتابة والحديث مع الناس عن هذه المعاناة. ولا شك أنه أمر مفيد، لكنه خطِرٌ عندما يُستخدَم علاجًا لمشاكل نفسية كبرى كالاكتئاب وغيرها من الأمراض التي تحتاج إلى تدخل طبي.
يتميز الكتاب بقدرته البسيطة على شرح الصدمات وتأصيلها، وهي ميزة تؤخذ بعين الاعتبار، لأن هناك عددًا كبيرًا من الكتب التي تحب تفسير الصدمات النفسية، لكن هذا الكتاب في نظري هو أجود كتاب تكلم عن هذا الشأن.
ديوان البارودي - محمود سامي البارودي
.jpeg)
أعرف أنكم اعتدتم على جديد التوصيات في نشرة إلخ، لكن لا بأس بأن نخرج عن المألوف قليلًا ونوصي بالدواوين الشعرية التي ستسحرك مهما كانت علاقتك بالشعر. وقد يعجز البعض عن فهم القصائد حينما يقرؤها، لذلك قال الإمام الشافعي:
تَعَلَّمْ فَلَيْسَ الْمَرْءُ يُولَدُ عَالِمًا
وَلَيْسَ أَخُو عِلْمٍ كَمَنْ هُوَ جَاهِلُ
والشعر عِلم، تتعلم منه العبرة وطريقة الاستنباط منه. ولم أجعل هذه التوصية إلا لأنه يهمني أمر الشعر في التوصيات، و توصيتي لـ«ديوان البارودي» هي لسحر خاص في قصائده، ستفتتح رحلتك معه بقصيدة رثاء زوجته التي بدأها بقول:
أَيَدَ الْمَنُونِ قَدَحْتِ أَيَّ زِنَادِ
وَأَطَرْتِ أَيَّةَ شُعْلَةٍ بِفُؤَادِي
أَوْهَنْتِ عَزْمِي وَهْوَ حَمْلَةُ فَيْلَقٍ
وَحَطَمْتِ عُودِي وَهْوَ رُمْحُ طِرَادِ
هل لاحظت استخدام مفردات حربية في الرثاء؟ كأنه يقيم الحرب على الموت في قصائده.
وذلك لأنه كان بكباشيًّا في الجيش، أي مُقدَّم بالرُتب الحالية، وحضرة المقدم يريد شن حملة عسكرية على الموت بجيش من الشعر. وهذا ما سبق أن حذر منه أبو تمام حينما قال:
السَيفُ أَصدَقُ أَنباءً مِنَ الكُتُبِ
في حَدِّهِ الحَدُّ بَينَ الجِدِّ وَاللَعِبِ
كأن أبا تمام شعر بأن ثمة شاعرًا سيشن حربًا شعرية على الموت و«السيف». وكان البارودي قد فقد كثيرًا من عائلته، والفقد لا شك محرك شعري كبير للشعراء، وقد قال في رثاء ابنته:
فَزِعْتُ إِلَى الدُّمُوعِ فَلَمْ تُجِبْنِي
وَفَقْدُ الدَّمْعِ عِنْدَ الْحُزْنِ دَاءُ
وَما قَصَّرْتُ في جَزَعٍ وَلَكِنْ
إِذا غَلَبَ الأَسَى ذَهَبَ الْبُكاءُ
فالدمع لا يفيد، والشعر كذلك لا ينفع. فكان الشعر في ديوانه بين العِزة والانكسار. يقول الجواهري عن الحنين:
من بعيد لكم يحنُّ حنيني
وبذكراكمُ تُثار شجوني
وإذا ما خَطَرتُمُ خَطَر اليأسُ
وساوى تَيَقُّني بظُنوني
فالبارودي شاعر الحرب والنفي والحنين لمصر والأحباب، قبل أن يفتح باب بيته بعد العودة إلى مصر للشعر فقط. وكما تعلمنا: الباب المفتوح للفن يجب أن يصبح باب مدرسة، فأصبحت مدرسة النهضة. الدواوين الشعرية هي قصص لأصحابها، فكيف بك وأنت تقرأ ديوان الحرب والحزن؟
بعيدًا عن القرى - روبرتسون فريزرو

أحب قريتي، أعود لها دومًا بدافع الاشتياق قبل أي شعور. عدت الأسبوع الماضي إلى القرية بعد غياب عام كامل عنها، انتقلت من حرارة الرياض إلى برودة الجنوب «بلّحمر»، بدرجة حرارتها التي أخالها تتجاوز العشرين. القرى وكل ما حولها يعنون لي، ولهذا قرأت كتاب «بعيدًا عن القرى».
يتكلم الكتاب عن الهجرة نحو العاصمة، بما تحمل من مشاعر صعبة على سكانها. دائمًا ما تكون تفاصيل رحيل سكان القرى للمدن موجعة، وكان الكاتب روبرتسون فريزرو يتكلم عن تجربته الصعبة عندما كان سبب الرحيل ليس عملًا و إنما «الحرب»، وهي محرك القصة هنا. ما أثار شجوني في الكتاب هو الترجمة تحديدًا، التي قدمها مارك جمال. فقد أخذ القصة لمنطقة أخرى، ودومًا تخيفني قراءة المذكرات الملأى بالأسى خوفًا من ترجمة لا يفهم مترجمها مشاعر الكاتب، وهذا مأزق تجاوزه مارك ببراعة.
حينما نتحدث عن العودة للقرى في القصة فهي عودةٌ ناقصة، وقد أفقدتك الرحلة من جعلوا للقرى قيمة، كما يقول الشاعر:
أحسب عمار الدار ياسعود جدران
وأثر عمار الدار ياسعود أهلها
أثر البيوت بدون أهلها ولا شي
يجلب محبتها غـلا من سكنـها
وفي هذه القصة، القرية وجهٌ جميل تشوّه بالحرب، ونُسِي بالفقد.

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.