ركمجة على صفحات «البحر المحيط» 🌊

زائد: ورشة كتابة مع توني موريسون ✍️

نحن أبناء الساحل، أبناء البحر نشبه الأسماك في حاجتنا الدائمة إلى ماءٍ قريب، إلى أفقٍ مالح نتنفّس بجواره ونطمئن إليه. ولعلّي محظوظةً لأن مدينتي تطل على واجهتين بحريّتين، على ماءين متناقضين: المتوسط، الهادئ نسبيًّا، الذي لا أخشى العوم فيه ولا الإبحار عبره، مجازًا أو حقيقة. والأطلسي، الممتد إلى حيث تعجز العين، المَهيب، الغاضب في أغلب أوقاته.

وبالرغم من هذا التضاد، الذي قد يوحي بأنني أخشى الأطلسي، فإنني أحب الوقوف قربه. أحب فيه ذلك اللامتناهي المفتوح على الأفق، ذلك المزاج الجامح الذي لا يضبط مشاعره. كلما وقفت أمامه، استطعت أن أتخيل الاحتمالات المختبئة بين طيّات أمواجه.

حدث مرّة أن غرقت باخرة في مكانٍ ما، ثم حملت التيّارات شيئًا من بقاياها إلينا. استيقظنا صباحًا فوجدنا الشاطئ ممتلئًا بأشياء شتّى كانت يومًا ما في أيدي بحّارةٍ مجهولين. التقطت تلك الأشياء الباردة المُحطَّمة، والتقطت معها حكايات لم تُروَ، تخيلتها على عجل، ورددت عليها بنظرة.

نحن أبناء السواحل، لنا مع كل حافّةٍ وموجةٍ قصة، والبحر يقف بيننا وبين العالم حارسًا ووسيطًا، أو ربما يكفي القول إنني من مواليد برج السرطان، ولهذا اخترت أن يكون أول أعداد يونيو عن البحر: موطني الأول.

إيمان العزوزي


رسم: الفنان عمران
رسم: الفنان عمران

ركمجة على صفحات «البحر المحيط» 🌊

سري الدين عريف

قد تتخطّى الرواية حدود كونها مجرد قالب سردي، لتغدو نصًّا يزاوج بين الفلسفة والسخرية واللغة الشعرية العذبة، ويصبح «غير المُتوقَّع» بطلها الحقيقي. وهذا حال روايتنا. هناك، حيث البحر يحتضن مصائر واحدة من أعجب الشخصيات الروائية وأكثرها إمتاعًا، يتجلّى هو الآخر بطلًا مُهيمنًا، يفرض حضوره على جميع الشخصيات حتى يغدو المركز الرئيس للحكاية.

هذا البحر هو النقطة الأعمق في دواخل كل من يقترب منه، وملاذٌ تلجأ إليه الشخصيات الأخرى بحثًا عن خلاصها. أتحدث هنا عن رواية «البحر المحيط»، للكاتب الإيطالي أليساندرو باريكو، تلك اللوحة الغامضة التي تتشكّل ملامحها باستمرار، كأنها لا تكف عن إعادة ابتكار ذاتها لحظة بعد أخرى.

في قراءةٍ تشبه صراعًا مع الموج، نقف على حافة البحر متشبثين باليابسة، نخشى أن يجرفنا العمق ونحن بالكاد نعرف السباحة. تتجلى الشخصيات، في عالم باريكو السريالي، وهي تبحث عن ذاتها بالانسياب مع البحر، فبعضهم يسعى لفهم مغزى حياته ومصيره، وآخرون يلوذون بالبحر طلبًا للشفاء، بينما يواصل آخرون صلواتهم التي تُردَّد كأنها مقطوعات موسيقية رائعة. لكن يبقى السؤال: ما سرُّ هذا البحر؟ ولماذا تحديدًا البحر المحيط؟

تتكون الرواية من ثلاثة فصول، أو ثلاثة كتب كما أراد لها مؤلفها. تبدأ رحلة السرد في الكتاب الأول المُعنوَن بـ «نزل آلماير»، حيث رسم «بلاسون» -أحدُ أمهر رسامي الوجوه وأكثرهم تميزًا- ملامحَها الأولى. يتجه «بلاسون» نحو نزل آلماير الواقع على حافة المحيط، في منطقة تتداخل فيها الحدود بين الواقع والخيال، والحقيقة والوهم، والعبث والجدية. تمثَّل هدفه الأول في رسم البحر كما هو، وما يحيط به، مستخدمًا ماءه أداةً للرسم، لنكتشف في نهاية المطاف أن اللوحة التي ستتشكل ليست سوى انعكاس لطبيعة البحر ذاته.

كانت العيون هي نقطة الانطلاق لدى «بلاسون» في رسم أي وجه، لكن البحر وضعه أمام مأزقٍ غريب، أين تكمن عينا البحر ليتمكن من تصويره؟ ألحّ السؤال إلى أن ظهر الطفل «دود» ليمنحنا إجابة مدهشة، فوجه البحر لا يُرى كما يُرى وجه الإنسان، فهو يتجلّى فيما يمر فوقه ويتعاقب عليه، وفي القصص والحكايات المحيطة به التي تبدو عابرة، لكنها وحدها القادرة على رسم ملامحه.

غلاف «البحر المحيط»
غلاف «البحر المحيط»

ينتصر باريكو في رواية «البحر المحيط» للطبيعة، حيث مَنح البحر قوةً تقود مصائر الشخصيات وتحدد نهاياتها. ومن بين هؤلاء تبرز شخصية «بارتلبوم»، رجل النهايات، وهو باحث وجغرافي يغشاه طموحٌ كبير بتخليد اسمه في سجلات التاريخ. فسعى نحو تحقيق حلمه في أن يصبح المؤرِّخ الأول الذي يكتشف نهاية البحر وحدوده. كان البحر عند «بارتلبوم» لغزًا يستحق أن يُحل، وميدانًا يختبر فيه الإنسان حدود معرفته أمام الطبيعة.

في رحلته للبحث عن نهاية البحر، نكتشف نحن القراء أن هذه النهاية لا تكمن في موقع جغرافي محدد، إنما في أعماق شخصيات باريكو ذاتها. ففي الجزء الثالث من الرواية، تحظى شخصية «بارتلبوم» باهتمامٍ كبير من الكاتب، إلى درجة أنني وجدت نفسي أعيش مأزقه وأشاركه حيرته، مردّدًا في داخلي: يا للعبث! فبينما كان يسعى إلى صياغة كتاب عن الحدود، اكتشف أنه مفتون بفكرة تحول موسوعته إلى كتابٍ بلا حدود، وهي فكرة عبثية تكشف هوان الطموح الإنساني أمام البحر اللامتناهي.

البحر الذي نراه من الشاطئ ليس هو البحر ذاته حين ننفذ إلى جوفه. فهناك، في الأعماق، تنكشف حقيقة أكثر قسوة ووحشية. في الكتاب الثاني من الرواية «جوف البحر» ينقل لنا الكاتب وجهًا آخر للمحيط، وجهًا لا نكاد نعرف عنه شيئًا. نعيش حادثة غرق فرقاطة فرنسية في عرض المحيط، ونرافق الناجين وهم يتشبّثون بطوفٍ هشٍّ بحثًا عن نجاةٍ مؤقتة. هذا الحدث العاري من كل زينةٍ حضارية يفضح النفس البشرية في أقصى حالات ضعفها؛ إذ يرويه باكيرو عبر صوت «توماس» والطبيب «سافيني»، كاشفًا كيف اندفع كل فردٍ نحو الحياة ولو على حساب الآخر.

يصوِّر النص مظاهر القتل الشنيع التي انتشرت فوق ألواح الطوف، والجوع الذي حوّل البشر إلى كائنات تحكمها الغريزة متعرّيةً من الأخلاق. وبين هذا الخراب، يطلّ الحب مثل أمل أخير يجمع بين «توماس» و«تيريزا» وسط الفوضى والموت الذي يشتد قساوةً لأنه يطال الجسد والمعنى ذاته. يجعلنا الكاتب، بسرده المشوّق، نعيش هذه التجربة حيّةً، نصغي إلى شعرٍ شفهيّ يتردّد صداه فوق الأمواج، فيغدو البحر مختبرًا قاسيًا للقيم الإنسانية.

ذكّرني هذا المشهد بلوحة تيودور جيريكو «طوف الميدوزا»، التي نعاين فيها أجسادًا مُنهَكة تتكدّس فوق طوفٍ ضائع؛ أيادٍ ممدودة بين رجاءٍ أخير ويأسٍ مطبق، ووجوهٌ تتأرجح بين التمسك بالحياة والاستسلام للموت. كما في الرواية، لم يكُن البحر خلفيةً صامتة، فهو القوة التي تعرّي الإنسان من أوهامه، وتضعه وجهًا لوجه أمام سؤال البقاء. هكذا، ينجح الأدب في أن يتقاطع مع الفن ليقولَا الحقيقة نفسها: حين يسقط القناع الحضاري، لا يبقى سوى الصراع العاري بين الغريزة والقيمة.

كما رأينا، تُظهر الرواية، بصورةٍ مباشرة أو مواربة، أن البطل الحقيقي هو البحر. فالشخصيات التي تابعناها، تلك التي ظننا أنها تشكّل عماد البناء الروائي وتماسكه، تغادر النص تباعًا في الكتاب الأخير «أناشيد العودة»، واحدة تلو الأخرى، ليبقى البحر وحده المقيم داخل العمل، الحاضر الذي لا يرحل ولا يُستبدل.

هي شخصيات استجابت، كلٌّ بطريقته، لنداء البحر، وجعلت منه النقطة الفاصلة في حياتها، والمرآة التي واجهت فيها عيوبها وخطاياها. البحر الذي اعتدنا النظر إليه كمسافةٍ جغرافية تفصل بين بلدٍ وآخر ويُفترض عبوره، يتحوَّل هنا إلى حدٍّ وجودي يفصل الإنسان عن ذاته، ويدفعه إلى مساءلتها في أقصى لحظات ضعفها.

وأنا أكتب عن هذا العمل، يحضرني تلقائيًّا أحد الدروس التي تلقّيناها في الجامعة حول غاستون باشلار ورؤيته للماء بوصفه عنصرًا يرمز إلى الخيال ويحرّضه ويغذّيه. فاللغة التي تُكتب عن الماء، ومن داخله، تكون أكثر تدفّقًا وانسيابًا، أقرب إلى الشعر منها إلى السرد الجاف. وهذا بالضبط ما نلمسه في هذه الرواية، التي تمزج بين الشعر والنثر، وبين الموسيقا والابتهالات، وبين حوارات تُشبه الإصغاء إلى شعرٍ شفهيٍّ يتردّد صداه في فضاء مفتوح.

بالعودة إلى اللغة، فإننا نجدها تشبه الماء في مسارها، إذ هي تنساب عوض أن تمشي بخطواتٍ مستقيمة، تلتف، وتترك أثرها ثم تمضي. لغةٌ لا تبدو شبيهةً بلغة الكاتب في عمله «1900 عازف المونولوج»، على أن البحر يشكّل مسرح الأحداث في كليهما. فهنا، تبدو اللغة وكأنها صيغت بعناية لتتماهى مع روح الرواية ومحتواها، حتى يخال القارئ أن الكلمات نفسها تعلّمت كيف تسبح. عند هذه النقطة، أجدني أقول: إذا كان «بلاسون» قد رسم لوحاته بماء البحر وانتهت إلى البياض، فما الذي يمنعنا من القول إن هذه الرواية كُتبت هي الأخرى بماء البحر، أو لعلّ البحر نفسه هو من كتبها؟

وُلد أليساندرو باريكو في مدينة تورينو، المدينة البعيدة عن البحر، لكنها تتنفَّس الماء عبر نهر بو، أطول أنهار إيطاليا، والمتشعب بروافده التي تطوّق المدينة وتمنحها إيقاعها الخاص. وإذا سايرنا قاستون باشلار في تصوره للماء بوصفه عنصرًا مولّدًا للخيال ومحفّزًا له، يمكننا أن نفترض أن خيال باريكو تشكّل، منذ البدايات، في حضرة الماء. وأن أعماله، التي تتكوّن من جزيئات هذا العنصر، ليست سوى انعكاسٍ أدبيٍّ لبيئة نشأته، حيث كان الماء حاضرًا ودائم الحركة.

أما لغته الساحرة، التي تبدو موسيقية في مواضع كثيرة، فتجد تفسيرها في مسار الكاتب نفسه؛ إذ لم يكُن باريكو روائيًّا فحسب، بل كان أيضًا عازف بيانو وناقدًا موسيقيًّا. وآخر ما قدّمه كان عرضًا عن أعمال لودفيغ فان بيتهوفن، قدّم فيه الموسيقى عبر السرد والحكاية، بعيدًا عن التحليل الأكاديمي الجاف. وهذا ما يتجلّى في كتاباته، حيث يتحوّل النص إلى فضاءٍ تتقاطع فيه الموسيقى والأدب.

وهذه الرواية ليست سوى مثال من الأمثلة الدالة على قوة الأدب في قدرته على احتضان الفنون كلّها، ودمجها في نسيجٍ واحد، يمنح القارئ متعة القراءة ومتعة التأويل معًا. 

أردتُ أن أكتب في هذه القراءة عن البحر المحيط كما رأته عيناي أنا، وليس كما حكاه الآخرون، انطلاقًا من قناعةٍ راسخة مفادها أن من «رأى الحقيقة، سيبقى إلى الأبد بلا عزاء.» فالحقيقة التي بلغتها هي أن البحر كان الحقيقة الوحيدة داخل هذا العمل، وأن كل من وفد إليه تلاشى فيه، على الأقل في أفق هذه الرواية. كل ما أخشاه الآن هل سأكون مثل شخصيات باريكو حين أواجه بحري ومائي؟


رسم: الفنان عمران
رسم: الفنان عمران

ورشة كتابة مع توني موريسون ✍️

إيمان العزوزي

امتلكت توني موريسون قدرةً عجيبة على تحويل الألم إلى مختبرات للفهم والتأمل. تكتب عن الهوية والذاكرة والحرية، مؤمنةً بأن الكلمات قادرة على كشف الحقائق، مع إدراكها أنها تستطيع إيذاء مشاعر القارئ كذلك، وقد نجحت في ذلك، معي على الأقل، في أكثر من رواية. تتميز تأملاتها حول الكتابة بعدم اقتصارها على الجانب التقني، فهي تصر أن السرد في جوهره فعل حبٍّ ومسؤولية. لذلك تقدم موريسون، الحاصلة على نوبل عام 1993، عبر محاضراتها وحواراتها، ورشة كتابة مفتوحة، وعلى من يريد اقتحام عالم الأدب أن يستأنس بما قالته ويتعرّف إلى المبادئ الأساسية للبدء في الكتابة الروائية.

  1.  اكتب الكتاب الذي تشتهي أن تقرأه

تقول موريسون في أحد أقوالها الشهيرة عن سبب توجهها للكتابة: «كتبت أوّل أعمالي لأنني تمنيت قراءته.» هذا الكلام يحض على الإبداع المسؤول، أي أن يكتب الأديب بدافع الحاجة الداخلية، بعيدًا عن رغبته في الشهرة. كتبت موريسون روايتها الأولى «أكثر العيون زرقة» (1970) لأنها لم تجد في المكتبات عملًا يتناول ما تعانيه طفولة السود في أمريكا وسط ثقافة تكرّس معيارًا واحدًا للجمال، فقرّرت أن تسدَّ هذه الفجوة بنفسها. وهكذا تصبح الكتابة، من منظور موريسون، ترميمًا لثغرات العالم واستجابةً لصمتٍ ثقافي طويل.

  1. وجّه كتاباتك إلى جمهور تعرفه

تنصح موريسون الكاتب بأن يوجّه قلمه لقضايا مجتمعه ولأناس يعرفهم ويعرف قضاياهم عن قرب. تستشهد بتولستوي الذي لم يكتب للقارئ الأمريكي وإنما تحدّث عن الروس، وهي فعلت الشيء نفسه بدقة أكبر، فوجَّهت حديثها للسود دون اكتراث بالشهرة أو العالمية. تؤكد موريسون أن الكاتب حين يتحدّث عمّا يعرفه، ويجعل قومه جمهوره الأول، فإن صوته سيبلغ الآفاق لتسمعه باقي الشعوب، شرط أن تكون رواياته «جيدة إلى حدٍّ معقول». ولكن المتأمل للأدب سيكتشف محاولاتٍ أدبية لافتة تحدّث أصحابها عن مجتمعات لا ينتمون إليها، مثل الجزائري ياسمينة خضرا، وقبله البيروفي فرقاس يوسا.

  1. اكتشف طريقتك الخاصة

آمنت موريسون بأن «لكل كاتب مكانه وزمنه الداخلي.» لم تتبع روتينًا ثابتًا، كانت تكتب على الأرائك أو في المقاهي، وأحيانًا فجرًا قبل الذهاب إلى العمل. الأهم ليس شكل طقس الكتابة، وإنما صدقه وانسجامه مع إيقاع الكاتب. كانت تفكّر في الفكرة أيامًا متواصلة قبل أن تنغمس في النص كليًّا، مع معرفتها بأن الانقطاع جزءٌ من الحرفة ذاتها. فالإبداع حسب معتقدها غير مشروطٍ بعزلة تامة، فالكاتب المحترف هو من يستطيع الموازنة بين الحياة والكتابة.

  1. دع النص يفاجئك

من أهم نصائحها: «كن منفتحًا... وثِق بأن ما لا تعرفه سيُتاح لك في لحظة الكتابة.» فالمعرفة تأتي نتيجةً للإبداع وليست شرطًا يسبقه. تدعو موريسون الكتّاب إلى الإصغاء إلى ما يقوله النص نفسه، والابتعاد عمّا خطّطوا له مسبقًا. الكتابة عندها تجربة اكتشاف، والعقل البشري ليس المنتج الوحيد للنص، فهو محكوم أيضًا باللاوعي والذاكرة والمجهول.

بعض أعمال توني موريسون
بعض أعمال توني موريسون
  1. تجنّب القراءة الجهرية المبكرة

حذّرت موريسون من قراءة النص بصوتٍ عالٍ قبل اكتماله، لأن ذلك قد يغري الكاتب بإحساس زائف بالكمال. فالصوت يجمّل ما لم يُصقل بعد. فهي تُفضل أن يظلّ النص في صمته ليعمل داخله ببطء قبل أن يُعرَض على السمع. فالمسافة الزمنية بين الكتابة والمراجعة شرطٌ لتكوين نظرة نقدية حقيقية. غير أنّي أخالفها قليلًا في هذه النقطة، وأتفق مع فلوبير في أن القراءة الجهرية تحسّن صياغة النصوص وتساعد في الوقوف على عثراتها.

  1. الكتابة حرفة

تصف موريسون الكتابة بأنها حرفة، وعلينا أن نتجاوز النظرة الرومانسية التي تختزلها في كونها إلهامًا محكومًا بمعايير نسبية، وتشبِّه عمل الكاتب بعمل النجّار الذي يطوّع الخشب؛ فعليه أن يعرف مادته جيّدًا، من حيث وزنها وملمسها، وكيف يجعلها تتماسك وتتحمل الزمن. المخيّلة عند موريسون هي نقطة بداية، أما الفن الحقيقي فيكمن في المراجعة، وفي القدرة على إدراك متى تخفق الجملة وكيفية إصلاحها.

كانت تقول لطلبتها إن الكتابة الجيدة تخفي جهدها، فعلى القارئ أن يرى الأرنب خارجًا من القبعة دون أن يرى ما يحدث في قاعها. هذا المجاز يلخِّص إيمانها بأن الإتقان الأدبي يتطلّب الدقة والصبر معًا، والقدرة على جعل اللغة تبدو سهلة مع وعي كامل بما وراءها من صنعة معقدة. تُبنى الكتابة عند موريسون كلمةً كلمة عبر الانضباط والتواضع والإخلاص لشغف الكتابة.

  1. تقبُّل الفشل هو جزءٌ من عملية الكتابة

ترى موريسون أن الفشل جزءٌ عضويٌّ من العملية الإبداعية، وامتدادٌ للنّجاح وليس عثرةً في طريقه، تمامًا كما يحتاج النحت إلى ضربات تهدُّ الحجر لتُحرِّر الشكل الكامن فيه. فالكاتب الجيد لا يخاف من المسودة الرديئة، بل يعرف أنها الأرض التي سينبت منها النص الذي يمنحه خصوبة مستدامة تطيل عمره وتخلده. لذلك كانت تشجّع على النظر إلى الفشل على أنه أداة تعلّم، وفرصة لتقوية الحس الداخلي بالنغمة والإيقاع والصدق. والأهم عندها، أن يعود الكاتب لقراءة ما كتبه بعين الغريب، فهذا ذروة التواضع الإبداعي والشرط الأساس لنجاح أي كاتب.

نصائح توني موريسون، بما تحمله من صرامة، تلخص مسارًا كاملًا في الكتابة الأدبية الحديثة، حيث تتجاوز الكتابة كونها تمرينًا لغويًّا، لتصبح سلوكًا روحيًّا وأخلاقيًّا مسؤولًا، ومسافة ضرورية لفهم الذات ومن ثَمّ العالم. وحين ندرك ما لم نكُن نعرفه، ما لم نضبطه بالكلمة، فنحن نفعل ما ذكرته موريسون في خطبة نيلها لجائزة نوبل : «نحن نصنع اللغة، ولعل هذا هو مقياس إنسانيتنا».


كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭

مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨

موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!

هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗

التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁


لا يكتشف المرء أراضٍ جديدة دون أن يقبل بفقدان رؤية الشاطئ لفترة طويلة للغاية.

أندريه جيد


  1. البحر الكبير

تأليف: داوود أبو العافية/ ترجمة: معز مديوني/ الناشر: الجمل

ذكّرتني شخصية المؤرّخ في رواية الكاتب الإيطالي أليساندرو باريكو «البحر المحيط» بالعمل الضخم للمؤرخ داوود أبو العافية «البحر الكبير، في التاريخ البشري للمتوسط»، فهو من بين أفضل الكتب التي قرأتها عن التاريخ الثقافي والاقتصادي لحوض البحر الأبيض المتوسط، وهو الكتاب الذي كان فيه بحر المتوسط الشخصية الرئيسة كما في الرواية أعلاه.

يقدّم داوود أبو العافية، أستاذ تاريخ البحر المتوسط في جامعة كامبريدج، في هذا الكتاب عملًا تركيبيًّا يتحدى عمدًا النموذج «البروديلي» السائد، الذي يرى البحر المتوسط كيانًا واحدًا متجانسًا تحدّده البيئة. فبينما تصوّر فرنان بروديل بحرًا متوسطًا ثابتًا في وحدته، وشكّلته الجغرافيا والمناخ، يؤكد أبو العافية على «تاريخٍ بشري» تحرّكه قوى التواصل والانقطاع، والفاعلية غير المتوقعة للتجّار والحجّاج وبناة الإمبراطوريات. والنتيجة هي سرد حيوي، متعدد الأوجه، يمتد من عصور ما قبل التاريخ (2200 ق.م) إلى عشيّة افتتاح قناة السويس (حوالي 1900م).

لا يتبع الكتاب تسلسلًا زمنيًّا متواصلًا، بل يقسّم فصوله إلى خمسة بحار أو عصور: العصر الفينيقي والعصر اليوناني والعصر الروماني والمتوسطي وعصر التحولات العالمية. ويتتبّع كل جزء تحوّل «جسور» التواصل المتغيّرة، بدلًا من الحدود الثابتة. يرى أبو العافية أن البحر المتوسط أصبح بحرًا عظيمًا حقًّا عندما خلق الفاعلون من البشر، كالتجّار الفينيقيين والقراصنة الأتروسكيين وغيرهم، شبكات من التبادل. وعلى النقيض، عندما انهارت هذه الشبكات (كما حدث بعد انهيار العصر البرونزي أو طاعون جستنيان)، تفتّت البحر إلى عوالم أصغر منعزلة. هذا التركيز على الانقطاع والخيار البشري هو المساهمة الأكاديمية الأهم في الكتاب.

يمتاز أبو العافية بإعادة الأطراف المُهمَّشة إلى المركز. فهو يمنح وزنًا متساويًا لمهرّبي النحاس القبرصيين في العصر البرونزي، والمغامرين النورمان في صقلية، والرسّامين اليهود في خرائط مايوركا. فخلافًا للسرديات الكبرى التقليدية، التي تركّز على روما أو بيزنطة، فإن «الأرض الوسطى» للبحر -كريت ومالطة والإسكندرية وأمالفي- تصبح هي محرك التاريخ. والملفت بشكلٍ خاص معالجته لأواخر العصور الوسطى، حيث يبيّن كيف أبقى الوسطاء المسلمون واليهود الشرايين التجارية حيةً حتى في خضم حملات العنف الصليبي.

سنلاحظ أيضًا أن الكتاب لا يهتم بالقضايا الجغرافيّة. فأبو العافية وإن كان يعترف بالرياح والتيارات والمحدِّدات المادية للبحر، إلا أنه يمنح الأولوية باستمرارٍ للاقتصاد والشبكات الاجتماعية على الحتمية المناخية. ولم يزعجني الأمر كثيرًا، لكن بعض النقّاد رأوا فيه تقصيرًا كان من الممكن تجنّبه. إضافة إلى ذلك، فإن الاتساع الهائل لحوض البحر يفرض أحيانًا تفاوتًا في الحديث: فالعصر الروماني يُعالَج بشكل سريع، وتأثير الموت الأسود الديموغرافي يحظى بمعالجة وجيزة نسبيًّا. لكن نثر أبو العافية الواضح والظريف والخالي من المصطلحات الصعبة، يجعل من الـستمئة صفحة كتابًا يحبّه القرّاء المولعون بالتاريخ والطالب المختص أيضًا.

من ناحيتي، كان من الممتع أن أتعرف إلى ما حدث بالضفّة التي أطلُّ عليها، وأن أعرف تاريخ البحر نفسه، وتاريخ الأشخاص الذين عبروه، وتقاتلوا عليه، وتخيّلوه.

  1. سِماهوي

تأليف: حسين المحروس/ الناشر: مسعى للنشر والتوزيع

تقدّم رواية «سِمهاوي» للمحروس تصويرًا متكاملًا لملامح الحياة في البيئة البحرية الخليجية، حيث تنسج سرديتها داخل قرية ساحلية تعاني الفقر والعزلة، وتثقلها أعباء العيش اليومي. في هذا الفضاء، يمثل البحر عنصرًا مركزيًّا في تشكيل العالم الروائي؛ إذ يجمع بين دلالات متقابلة، فهو مصدر للرزق من جهة، وقوة مهدِّدة للاستقرار والأمان من جهة أخرى. هذا الحضور المركّب ينعكس على تفاصيل الحياة اليومية للسكان، ويسهم في تشكيل ملامحهم النفسية وتحديد مساراتهم.

ترصد الرواية حياة شخصيات بسيطة تنشغل بمحاولة الاستمرار في ظلّ واقعٍ قاسٍ، حيث يتبدّى التعب في علاقاتهم وانتظاراتهم المُمتدة نحو أحلام مؤجلة يصعب تحقيقها. وفي هذا السياق، تطرح الرواية قضية الهجرة باعتبارها خيارًا مفروضًا تُمليه الضرورات الاقتصادية، وما يرافقه من آثارٍ نفسية واجتماعية، خاصةً لدى النساء اللواتي يواجهن تجربة الغياب بما تحمله من قلق وانتظار طويل.

كما نجد في الرواية جملةً من الصراعات النفسية والاجتماعية المرتبطة بسعي الإنسان إلى التوفيق بين انتمائه للمكان ورغبته في مغادرته. وتتجسّد هذه الإشكالية في شخصية «عيسى»، الذي يعود إلى قريته بعد سنوات من الغربة، ليجد نفسه عاجزًا عن استعادة انسجامه السابق، نتيجة التحولات التي طرأت على المكان وعلى ذاته. بذلك، تصبح الغربة حالةً داخليةً راسخة، لا تقتصر على البُعد الجغرافي.

تُقدَّم القريةُ الساحلية فضاءً غنيًّا بالعلاقات الإنسانية المتشابكة، حيث تتقاطع حكايات الأفراد مع تحولات الزمن. ويظل البحر حاضرًا في وجدان الشخصيات، يتردد أثره في تجاربهم، فيمنح الأمل حينًا، ويستدعي القلق حينًا آخر، مما يعمّق ارتباطهم به على المستويين المادي والرمزي.

يتّسم السرد في الرواية بإيقاع هادئ ومتأنٍّ، مع تركيزٍ واضح على البُعد الداخلي للشخصيات أكثر من تتبّع الأحداث الخارجية. ويُعنى الراوي برصد حالات الحنين والوحدة والخوف من الفقد، فيكشف عن اغتراب داخلي تعيشه الشخصيات حتى داخل فضائها المألوف. كما تتجلّى أهمية الذاكرة في تشكيل علاقة هذه الشخصيات بالماضي، حيث تبدو محكومة بمحاولات استعادته، في ظلّ شعورٍ دائم بانفصالها عن الحاضر.

تمنح الرواية مساحةً واسعة لتفاصيل الحياة اليومية في البيئة الشعبية والبحرية، من خلال تصوير العلاقات الاجتماعية وأحاديث الأفراد وصمتهم، بما يحمله من دلالات العجز والانتظار. وتتميّز لغتها بطابعها التصويري المكثّف، حيث تركّز على الوصف الحسي للأمكنة والوجوه، ما يضفي على النص مناخًا مشبعًا بالحنين، ويعزز اندماج القارئ في عالمه.

  1. In Ascension

تأليف: مارتن ماكينيس/ الناشر: دار أتلانتك بوكس

تتجاوز رواية «في الصعود» (In Ascension) للكاتب مارتن ماكينيس حدود التصنيف التقليدي للرواية، فهي تمزج بين الخيال العلمي والتأمل الفلسفي، ضمن بناءٍ سرديٍّ يتميز بالإيقاع الهادئ، الذي يدفعك في النهاية إلى الانغماس كليّةً في معناه وقصد الكاتب. يعتمد ماكينيس لغةً مشحونةً بمسحةٍ شاعريةٍ تحوّل التجربة القرائية إلى متعة تتداخل فيها المشاعر مع الأفكار، حيث يغدو الزمن ممتدًا ومفتوحًا على المشاعر أكثر من كونه محكومًا بتتابع الأحداث.

تستهل الرواية أحداثها بسيرة «لي»، التي نشأت في كنف أسرةٍ مضطربة طغى عليها العنف والجفاء العاطفي، مما ترك ندوبًا غائرة في تكوينها النفسي. وفي ظلِّ هذا الواقع، غدا البحر ملاذها الآمن، لا سيما بعد تجربةٍ وجودية عاشتها في أعماقه، ومنحتها شعورًا مفعمًا بالحياة. قادتها هذه التجربة إلى دراسة الأحياء الدقيقة في أعماق المحيط، سعيًا منها لسبر أغوار أصل الحياة، وكأن مسيرتها العلمية ما هي إلا امتداد لرحلة بحثها الداخلي التي لم تتوقف.

يتصاعد السرد مع انخراطها في بعثة علمية إلى أعمق نقطة مُكتَشفة في المحيط. هناك يمتزج العلم بالغموض وتتداعى حدود المعرفة البشرية. تنتقل الرواية لاحقًا إلى الفضاء الخارجي، في توازٍ جليٍّ بين أعماق البحار واتساع الكون، ليطرح الكاتب تساؤله بصيغتين مختلفتين، عن أصل الحياة، وموقع الإنسان في هذا الامتداد الشاسع.

غير أني أرى أهمية الرواية لا تكمن في جانبها العلمي بقدر ما تتجلّى في بعدها الوجودي. إذ تمثّل شخصية «لي» نموذجًا لإنسان يسعى لفهم العالم من خلال العلم، بينما يظل عاجزًا عن سبر أغوار ذاته أو التحرر من سطوة ماضيه. تهتم الرواية بفهم العلاقات الإنسانية، لا سيما داخل الأسرة، لتوضح أن تعقيدات النفس البشرية تفوق في غموضها أسرار الكون.

ربما يتقاطع هذا العجز في الفهم مع اعتماد ماكينيس إيقاعًا سرديًّا بطيئًا يركز على التأمّل أكثر من تطوّر الأحداث، وهو خيار يعزز الفكرة الفلسفية للنص، وإن كان الأمر قد يسبب شعورًا بالملل بسبب الإطناب في بعض أجزاء الرواية. مع ذلك، تستعيد الرواية زخمها في نهايتها، حيث تترك القارئ في حالة من التفكير المستمر دون تقديم إجابات ترضيه. فالهدف الأول للكاتب هو إرباك القارئ ودفعه إلى إعادة التفكير في موقعه داخل هذا الكون، وفي علاقته بذاته وبالآخرين.

  1. الساحل البشري

تأليف: جون آر. قيليس/ ترجمة: ابتهال الخطيب/ الناشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب

يطرح كتاب «الساحل البشري» لجون آر. قيليس مقاربة مغايرة لتاريخ العلاقة بين الإنسان والساحل، حيث يعيد النظر في هذا الفضاء ليجده حيّزًا للتفاعل المستمر، بدل عدّه خطًّا يفصل بين اليابسة والبحر. يعتمد المؤلف منظورًا تاريخيًّا وثقافيًّا لتتبّع التحوّلات التي طرأت على تمثّل الإنسان للشواطئ، مبينًا كيف انتقلت من فضاءٍ غامض ومقلق إلى موقعٍ محوريٍّ للعيش والنشاط الاقتصادي والرمزي.

ينتقد قيليس التصور الذي يختزل الساحل في حدٍّ ثابت، مثله في هذا مثل داوود أبو العافية في الكتاب أعلاه، ويقدّمه منطقةً متحركةً تتشكّل بفعل قوى الطبيعة وتدخلات الإنسان معًا. يتيح هذا الفهم تتبّع أشكال متعددة من إعادة تشكيل السواحل، سواءً عبر إنشاء الموانئ وتوسيع المدن الساحلية، أو عبر استثمار الشواطئ في مجالات التجارة والسياحة. يظهر الساحل هنا فضاءً مزدوجًا يجمع بين المخاطر والإمكانات، حيث ظلّ البحر مصدر تهديد عبر العواصف والفيضانات، وفي الوقت ذاته بوابة للتواصل والاكتشاف.

يمتد تحليل الكتاب إلى الجانب الثقافي، من خلال استعراض صورة البحر والسواحل في الوعي الإنساني. يبرز تحوّل واضح في هذه الصورة، من الارتباط بالخوف والابتعاد، إلى الانجذاب والرغبة في الاقتراب، خاصةً مع بروز ثقافة الاصطياف وتطورها، حيث أصبحت الشواطئ فضاءاتٍ للراحة والاستجمام. يعكس هذا التحول تغيرًا ملحوظًا في علاقة الإنسان بالطبيعة، حيث انتقل من الحذر إلى السعي نحو التفاعل والاستفادة.

كما يقف الكتاب على التوتر القائم بين الإنسان والبيئة الساحلية، خاصةً في ظلِّ التغيرات المناخية وارتفاع مستوى البحار. يشير قيليس إلى تداعي هذه المناطق، وإلى أن التوسع العمراني غير المدروس يزيد من تعقيد المخاطر البيئية. من ثمَّ يدعو إلى إعادة التفكير في أساليب التعامل مع السواحل، بما يحقّق توازنًا بين الاستغلال والحفاظ عليها.

أحببت في الكتاب أسلوبه السلس وقدرته على الربط بين التاريخ والأنثروبولوجيا والجغرافيا، مما يمنحه طابعًا متعدّد التخصصات يناسب كل القرّاء، وهو من الكتب التي تدفعك إلى إعادة النظر حتمًا إلى مجالك الحيوي، لعلنا نفهم مدى حاجتنا إلى التفاعل معه بما يكفل استدامته لنا وللأجيال القادمة.

القراءةالكتب
نشرة إلخ
نشرة إلخ
أسبوعية، الأربعاء منثمانيةثمانية

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.

+20 متابع في آخر 7 أيام