رحلة إدارة الحشود في الحج

كيف تُدار حركة ملايين البشر في وقت واحد؟ وكيف غيّرت التقنيات من تجربة الحج وسهّلتها على الحجاج؟

في سياق من ثمانية

في عام 1949 كتب الصحفي مُحيي الدين رضا مقالًا نشرته مجلة الحج والعمرة، عبّر فيه عن تعجبه وذهوله من إدارة الحج إبان عهد الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- ووصفه بأنه عمل الجبابرة الأقوياء، يقول مُحيي الدين: «كيف تتصوّر أن يجتمع عشرات الآلاف من أقطار المعمورة في أرض الحجاز في أيام معدودات، فتتَّسع لهم وتغذيهم وتؤويهم وتنقلهم بسرعة البرق، من الميناء إلى مكة، ومن مكة إلى عرفات، ومن عرفات إلى مزدلفة، ومن مزدلفة إلى منى، ومن منى إلى مكة، ثم تعود بهم من مكة إلى منى ليقيموا فيها ثلاثة أيام، ثم يعودون إلى مكة؟ إن هذا، والله، لهو عمل الجبابرة الأقوياء. ومع هذا كله أقول إنه لولا عناية الله لتعذّر الفوز بهذا العمل الجبّار!»

هذه الملاحظة التي تعجّب منها مُحيي الدين قبل سبعين عامًا، تتكرّر عليّ في كل مرة أشق فيها طريقي اتجاه أحياء شمال شرق مكة، التي يتحتّم المرور بمنى للوصول إليها، فيتبادر إلى ذهني كيف لمنطقة لا تتجاوز ثمانية كيلومترات أن تسع كل هذا الخلق، لا سيّما أن أعداد الحجاج تضاعفت مع السنوات ووصلت إلى أرقام مليونية، فكيف لوادٍ رُسمت حدوده الجغرافية قبل 1,400 عام بين تضاريس جبلية وعرة أن يستقبل هذا الجمع الغفير؟ وكيف أصبحنا ندير الحشود وننقلهم عدة مرّاتٍ بين مناطق هذا الوادي بسرعة البرق كما ذكر محيي الدين في مقالته؟

وللإجابة عن هذا السؤال تتبعت في هذه الحلقة رحلة الحاج منذ يومه الأول في مكة، لفهم الحلول التقنية والتنظيمية التي تقوم عليها منظومة إدارة الحشود في كل موسم حج، وطرق عملها، والمنطق وراء قواعدها. 

هذه السياقة أتاحت لي فرصة لتأمل التغيّر الجذري الذي طرأ على رحلة الحاج، وأدركتُ خلالها أن جميع هذه الحلول والتقنيات ظهرت وتطوّرت خلال سنوات قليلة مقارنة بعمر مكة، لكنها غيرت -بعد الله- تجربة الحاج كاملة.

سياق
سياق
منثمانيةثمانية

نتقاطع مع كثير من المفاهيم والظواهر يوميًّا؛ فتولّد أسئلة تحتاج إلى إجابة، وفي «سياق»، نضع هذه الأسئلة في سياقها الصحيح.