هل قتل تك توك السينما؟


كل سينما وصلت إلى العالمية وصلت إليها بثقافتها، وجزء من تلك الثقافة «اللغة». الأفلام الإيرانية والكورية حققت الأوسكار ولم تضطر إلى جلب ممثلين من هوليوود، أو إلى تعليم ممثليها الإنقليزية لكي يفهمها العالم، بل وصلت لأنها فريدة، وجزء من فرادتها هو هويتها.

أعجبتني هذه التغريدة جدًّا، فهي تجسيد لكل ما يدور في هذا الجانب بكلمات بسيطة.

نايف العصيمي


تصميم: أحمد عيد
تصميم: أحمد عيد

ما تعجز السينما عن مجاراته

عبدالعزيز خالد

متى آخر مرة شاهدت فِلمًا كاملًا دون أن تمد يدك إلى جوالك؟ ومتى التزمت بمشاهدته من البداية حتى النهاية دون توقف؟ ومتى تركت الفِلم يأخذ وقته؟ تكشف هذه الأسئلة تحوُّلًا في علاقتنا بالصورة، حيث أصبحت المشاهدة متداخلة مع عادات يومية مشتتة. 

بداية تفكك التجربة

قبل نحو خمسين عامًا، تنبَّه المخرج الإيطالي فيديريكو فيلليني إلى بذور مشكلةٍ مشابهة، حين عبَّر عن رفضه عرض الأفلام على التلفزيون الإيطالي. ولم يكن اعتراضه تقنيًّا بل إدراكيًّا، إذ رأى أن الفِلم يُبنى عبر تدفُّق شعوري متصل يتشكل تدريجيًّا من الإيقاع والأداء والتحرير، وأي انقطاع في هذا التدفُّق يفسد التجربة، في حين يكسر التلفزيون هذا التدفُّق بثلاث آليات: الإعلانات التي تقطع الإحساس، وامتلاك المُشاهد حرية التنقل بين القنوات، والمشاهدة العابرة التي تحوِّل الفِلم إلى خلفية بصرية. 

ولم يكتفِ التلفزيون بتغيير طريقة المشاهدة، بل أثَّر أيضًا في طريقة صناعة الأعمال، فظهرت أفلام «تلفزيونية» ومسلسلات «سوب أوبرا» يُبنى إيقاعها على نقاط قطع تتناسب مع فواصل الإعلانات.

ما رآه فيلليني حينها كان بداية لتفكك هذا التدفُّق، لكن ما نعيشه اليوم هو امتداده الأكثر حدَّة.

تجربة لم تعد تُحتمل 

لم ترتبط رؤية فيلليني فقط بعاداتنا في أثناء مشاهدة الأفلام، بل بطريقة استهلاكنا المحتوى. فعندما تشاهد فِلمًا وتستمتع بمشهدٍ ما، يربط دماغك هذا الشعور بالتجربة فيدفعك إلى الاستمرار. لكن مع ظهور منصات مثل تك توك، يُهدم هذا النمط (الصحي) وتحصل على دفعات سريعة ومتكررة من التحفيز بدل التجربة الممتدة في الأفلام. فيحاول الجسم الحفاظ على توازنه عبر الاستتباب، وهي آلية يحافظ بها الجسم على توازنه عبر تعديل استجابته للمواد الكيميائية، مثل الدوبامين في حالتنا. 

وهنا يقل تأثير المتعة من الأنشطة الأطول، ويرتفع الاحتياج إلى محفزات أسرع، ويصبح الصبر على الإيقاع البطيء أصعب. بمعنى أن المشكلة ليست في أن الأفلام لم تعد ممتعة أو جيدة، لكن التجربة لم تعد تمنح «الإحساس الفوري» نفسه الذي تعوَّده الدماغ.

وأتساءل: كيف انعكست تجربة تك توك على صناعة الأفلام؟ 

شكل الفِلم الجديد 

أشار مات ديمن وبن آفليك، في حوارهما مع جو روقَن، إلى أن المنصات، مثل نتفلكس، تدفع الكتَّاب نحو تكثيف الأحداث وتسريع إيقاعها في أول دقائق الفِلم، أو في الحلقات الأولى من المسلسل، وبناء مشاهد بطريقة تضمن جذب الانتباه المستمر، فلا ينتهي المشهد دون حدث أو معلومة جديدة تصعِّد الأحداث، بهدف الحفاظ على انتباه مشاهد قابل للمغادرة في أي لحظة.

وعلى عكس ما قد تتوقعه، فإن متوسط مدة الأفلام في تزايد، والجمهور مستعد للجلوس لفترة أطول إذا كان منخرطًا. لكننا قد نلاحظ في الأعمال مؤخرًا حوارات مبتذلة تشرح نفسها، ولقطات أقصر، وتركيزًا أكبر على جودة الصورة، وتخصيص فصول لتلخيص الأحداث، وأيضًا قد تُضاف نكات داخل المشاهد للحفاظ على الانتباه، مثلما يحدث في أفلام «مارفل». وهذا الخوف من فقدان الانتباه، برأيي، هو أكبر مسبب لسوء الأفلام. 

صدام مع طبيعة الفِلم

السينما عبر تاريخها لا تملك صفة ثابتة سوى قدرتها على التغير، فقد استوعبت كل تحوُّل وأعادت تشكيله داخلها. فدخول تقنية الصوت في العشرينيَّات قابله استنكار وترويج لفكرة أن السينما الحقيقية قد «انتهت»، والحال نفسه عند دخول الألوان والتحوُّل من شريط الفِلم إلى التصوير الرقمي، وحتى عند دخول الذكاء الاصطناعي. 

لكن ما يحدث الآن مختلف. وهذا التغيير في طريقة مشاهدة المحتوى أراه أسوأ وأخطر من دخول الذكاء الاصطناعي على السينما، لأنه لا يأتي من أداة جديدة قد تجد مكانها واستخدامها، بل من خارج عملية «الصناعة». فأصبح التحدي كيف تتعامل السينما مع مُشاهد لم يعد يحتمل بنيتها الأصلية. لأن السينما فنّ قائم على الزمن، وعلى التراكم، وعلى لحظات تمتد لتُبنى فوقها مشاعر ومعانٍ. وعندما يصبح هذا الزمن «عبئًا»، ويُعاد تشكيل الفِلم ليواكب انتباهًا متقطِّعًا، يتغيَّر شكل العمل إلى شكل سيئ وساذج وغير طبيعي.


أجمل من الفِلم ومشاهدته،

نقده والحديث عنه والقراءة حوله؛ ولذا يجتمع عشّاق السينما دائمًا في نشرات أو منصات أو سينمات.

مبادرة «سينماء» توفّر قاعدة نقد ودراسة وورش عمل تغطّي مساحة كبيرة من الأفلام، بأدوات نقدية متمكّنة ونظرات ثقافية متمعّنة.

ليكتمل المشهد، تعرف على «سينماء».


World’s Greatest Dad» (2009)»
World’s Greatest Dad» (2009)»

في دور السينما 📽️ 

  • يُعرض الفِلم التاريخي «أسد»، من بطولة محمد رمضان ورزان جمّال وعلي قاسم وكامل الباشا. تدور أحداث الفِلم في مصر خلال القرن التاسع عشر، حول عبدٍ متمرد يُشعل حبٌّ ممنوع بينه وبين امرأةٍ حرة مواجهةً خطيرة مع أسياده.


  • ويُعرض كذلك فِلم الرعب «Obsession»، حيث يحاول شاب يائس الفوز بقلب الفتاة التي يحبها عبر كسر شجرة أمنيات غامضة، قبل أن يكتشف أن أمنيته جاءت بثمن مرعب وقوة شريرة تطارده.


  • ويُعرض فِلم الرعب والإثارة «Passenger»، الذي تدور أحداثه حول زوجين شابين يشهدان حادثًا دمويًّا على الطريق، قبل أن يدركا أن كيانًا شيطانيًّا غامضًا تبعهما وحوَّل رحلتهما إلى كابوس مرعب.


  • ويُعرض أيضًا فِلم «The Drama»، بطولة روبرت باتينسون وزيندايا وألانا هايم. وتدور أحداث الفِلم حول زوجين يعيشان أسبوع ما قبل الزفاف، قبل أن تقلب حادثة مفاجئة علاقتهما رأسًا على عقب.


  • ويُعرض أيضًا فِلم الخيال العلمي «Star Wars: The Mandalorian and Grogu»، حيث ينطلق «دين جارين» و«قروقو» في مغامرة جديدة عبر المجرة، في أول عودة سينمائية لعالم «Star Wars» بعد سنوات من نجاح المسلسل.

أخبار وإعلانات سينمائية 📰 

  • تعمل شركة «Lionsgate» على تحويل فِلم الإثارة النفسية «The Housemaid» إلى عرض مسرحي، بعد النجاح التجاري الكبير الذي حققه الفِلم المقتبس من رواية الكاتبة فريدا ماكفادن، والذي لعبت بطولته سيدني سويني وأماندا سايفريد. ويجري تطوير النسخة المسرحية بالتعاون مع شركة الإنتاج البريطانية «Melting Pot»، في حين تتولى الكاتبة بيكا برونستيتر كتابة النص، وهي المعروفة بعملها على المسرحية المقتبسة من «The Notebook».

  • بدأت شركة «Amazon MGM Studios» رسميًّا مرحلة البحث عن الممثل الجديد لشخصية «جيمس بوند»، مع تعيين مديرة الكاستينق الشهيرة نينا قولد لقيادة الاختبارات، في أول خطوة فعلية لإعادة إطلاق السلسلة بعد انتقال السيطرة الإبداعية إلى أمازون. ويقود المشروع المخرج دينيس فيلنوف، بينما يكتب السيناريو ستيفن نايت. 

  • تعمل شركة «Warner Bros» على تطوير فِلم سينمائي مقتبس من مسلسل الأنيميشن الشهير «Rick and Morty»، مع دخول جيكوب هير، أحد أبرز صناع المسلسل، في مفاوضات لإخراج المشروع. ويأتي الفِلم بعد سنوات من تلميحات المشارك في ابتكار العمل، دان هارمون، لرغبته في تقديم نسخة طويلة سينمائيًّا، بالتزامن مع اقتراب عرض الموسم التاسع من المسلسل هذا الشهر.


  • انضمت الممثلة ريا سيهورن، المعروفة بدورها في مسلسل «Better Call Saul»، إلى بطولة فِلم «Running» الجديد، وهو من إنتاج «Apple Studios» وإخراج قافين أوكونور. وتدور أحداث الفِلم حول مراهق مشرَّد يملك موهبة استثنائية في الجري، ويحاول الهروب من ماضيه القاسي والبحث عن حياة جديدة عبر الرياضة.

  • انضم الممثل مايكل شيكليس إلى بطولة فِلم الإثارة الجديد «Tyrant» من إنتاج «Amazon MGM Studios»، إلى جانب تشارليز ثيرون وجوليا قارنر وديمي مور. وتدور أحداث الفِلم، الذي يجري تصويره حاليًّا في لوس أنجلوس، داخل عالم المطاعم الفاخرة في نيويورك، ضمن أجواء توتر وصراع توصف بأنها مزيج بين «Wall Street» و«Whiplash».

عروض المنصات الرقمية 📺 

  • على «+Apple TV»، يُعرض مسلسل الكوميديا «Maximum Pleasure Guaranteed»، الذي تدور أحداثه حول أم مطلقة تجد نفسها عالقة وسط شبكة خطيرة من الابتزاز والقتل.


  • وعلى «Netflix»، يُعرض مسلسل الخيال العلمي «The Boroughs»، حيث تُضطر مجموعة من كبار السن، داخل مجمع تقاعد هادئ، إلى الاتحاد لمواجهة تهديد غامض من عالم آخر يحاول سرقة الشيء الوحيد الذي لم يتبقَّ لهم: الوقت.


  • وعلى «Prime Video»، يُعرض فِلم الأكشن «Jack Ryan: Ghost War»، الذي يتابع عودة «جاك رايان» للعمل مع عملاء الـ(CIA) في مواجهة شبكة معقدة من الخيانة، بينما يطاردهم عدو يعرف كل تحركاتهم ويجبرهم على مواجهة ماضٍ ظنوا أنه انتهى.


لو مُصمم على نجاح منتجك؟ صممه صح ✅

«معمل الصناع» في «المشتل» مساحة توفر لك الأدوات والمختصين؛ لتصميم منتجاتك واختبارها بشكل أمثل قبل وصولها للمستهلك باستخدام أدوات مثل قص الليزر والطباعة ثلاثية الأبعاد 🧩.


إيكو إيشيباشي، واحدة من الموسيقيات اليابانيات الأكثر قدرة على صناعة موسيقا تبدو هادئة على السطح، لكنها تحمل تحتها شعورًا ثقيلًا ومكبوتًا. اشتهرت بأسلوبها التجريبي المتقشف الذي يمزج بين الجاز والموسيقا الإلكترونية والطبقات الصوتية المجرَّدة، والذي ظهر في ألبوماتها مثل «The Dream My Bones Dream» و«For McCoy»، وفي أعمالها السينمائية مثل «The Works and Days». وقد بدأت علاقتها بالمخرج ريوسوكي هاماقوتشي بعدما استمع إلى أحد ألبوماتها وأُعجب بالطريقة التي تبني بها إحساسًا نفسيًّا عميقًا بأقل عدد ممكن من النغمات، ليختارها لاحقًا لتلحين فِلم «Drive My Car».‬

‫تميَّزت تجربتها في الفِلم بأنها دفعت أسلوبها التجريبي الهادئ إلى أقصاه؛ إذ أصبحت الموسيقا أكثر خفوتًا وتجردًا من أعمالها السابقة، مع اعتماد كبير على الصمت والمساحات الفارغة بدلًا من الألحان الواضحة. جاءت المقطوعات بهدوء شديد، كأنها صدًى للمشاعر المكبوتة والعزلة الثقيلة التي يعيشها الأبطال داخل السيارة، بدل أن تفرض حضورها على المشاهد أو تقوده عاطفيًّا مباشرة. حتى أصوات الطريق ومحرك السيارة وأشرطة الكاسيت، تحولت تدريجيًّا إلى جزء من الهوية السمعية للفِلم، ليصبح الصمت نفسه عنصرًا موسيقيًّا أساسيًّا داخل التجربة.‬

بنَت إيكو إيشيباشي موسيقا الفِلم على ثيمات هادئة ومتكررة تتغير تدريجيًّا مع تطور العلاقة بين الشخصيات، مستخدمة البيانو، والطبقات الصوتية الممتدة، ولمسات جاز خفيفة مستوحاة من إيقاع الطريق وحركة السيارة المستمرة. وكان التحدي الأكبر أمامها صناعة موسيقا تصويرية قادرة على الحفاظ على حضورها داخل فِلم يعتمد على السكون أكثر من اعتماده على الموسيقا المستمرة. 

أبرز المقطوعات

مقطوعة «Drive My Car (Misaki)»‬

تظهر خلال المشاهد الأولى التي تقود فيها «ميساكي» سيارة الـ(SAAB) الحمراء بينما يجلس «كافوكو» في الخلف مستمعًا إلى تسجيلات زوجته. تتداخل المقطوعة مع أصوات السيارة والطريق قبل دخول البيانو والإيقاعات الخفيفة تدريجيًّا، لتمنح المشهد إحساسًا بالهدوء والتوتر الصامت بين الشخصيتين.‬


‫مقطوعة «
We’ll Live Through the Long, Long Days, and Through the Long Nights»‬

تظهر خلال مشهد السجائر بين «كافوكو» و«ميساكي» داخل السيارة، في لحظة صامتة يغلب عليها التأمل، حيث يمتزج الدخان بصوت الطريق وحركة السيارة. تعتمد الموسيقا على نغمات ممتدة وبطيئة، تتسلل خلف الصورة دون أن تفرض حضورها، لتجعل المشهد مساحة شعورية هادئة تقوم على الإحساس أكثر من الحوار المباشر.‬


‫مقطوعة ‫«
We’ll Live Through the Long, Long Days, and Through the Long Nights (Different Ways)»‬

تظهر المقطوعة مرة أخرى خلال المشهد ‫الأخير في كوريا، حين تغادر «ميساكي» المتجر وتعود إلى سيارة الـ(SAAB) الحمراء ثم تنطلق بها وحيدة. وهنا تعود إحدى نسخ الثيمة الموسيقية نفسها، ولكن بصياغة أكثر هدوءًا واتساعًا من ظهورها السابق، مع نغمات متأملة وبطيئة تمنح النهاية إحساسًا بالسكينة والتصالح الداخلي، كأن الرحلة الطويلة التي عاشتها الشخصيات تنتهي بقبول هادئ للحزن بدل الهروب منه.‬

عهود أبو خيرة


 فِلم «Lars and the Real Girl»
فِلم «Lars and the Real Girl»

اليوم نقول «أكشن» مع هذا المشهد الصادم من فِلم «Lars and the Real Girl»، الصادر عام 2007 للمخرج كريق قيليسبي.

تدور أحداث الفِلم حول «لارس»، شاب انطوائي يعيش وحيدًا في بلدة صغيرة، ويعاني صعوبة هائلة في التواصل مع الآخرين بسبب صدمات عاطفية قديمة وعلاقة معقدة مع فكرة الحب والخوف من الخذلان. دفعت به هذه المشاعر إلى عزلة طويلة جعلته غير قادر على بناء أي علاقة حقيقية، قبل أن يحاول الهروب من وحدته بطريقة تبدو صادمة وغريبة؛ إذ يشتري دمية واقعية تُدعى «بيانكا»، ثم يبدأ التعامل معها كأنها إنسانة حقيقية بالكامل.

في المشهد، يقرر «لارس» تقديم «بيانكا» لأول مرة إلى أخيه وزوجة أخيه، في حين تبدو الصدمة والارتباك واضحة على وجهيهما منذ اللحظة الأولى. يجلس «لارس» بكل هدوء وجدية إلى جانب الدمية، ويتحدث عنها كأنها تملك مشاعر وحياة كاملة، بينما يحاول أخوه وزوجته استيعاب ما يحدث أمامهما. المربك فعلًا في المشهد ليس وجود الدمية نفسها، بقدر اقتناع «لارس» الكامل بها؛ فهو يتعامل معها بحذر واهتمام حقيقيين، كأنها شخص موجود فعلًا داخل الغرفة.

أداء رايان قوسلينق الهادئ يجعلك تعيش الصدمة معهم، لدرجة تشعر معها بتضارب غريب بين ما تراه بعينيك وبين ما يفرضه عليك أداؤه. يعتمد قوسلينق على نظرات خجولة وصوت منخفض وحركات جسد مترددة، وهو ما يتوافق مع ما تحدث عنه حول الرابطة التي كوَّنها مع «بيانكا» في أثناء تصوير الفِلم، وتعاملِه معها بجدية كاملة داخل موقع التصوير، وهو ما يفسر الإحساس الإنساني الغريب الذي يخلقه أداؤه داخل المشهد.

ويزيد هذا الإحساس ثقلًا طريقة إخراج المشهد، إذ تدور المواجهة داخل غرفة المعيشة الصغيرة في منزل العائلة، وسط إضاءة منزلية هادئة تمنح المكان دفئًا ظاهريًّا يخفي تحته توترًا خانقًا. يعتمد المخرج على كاميرا ثابتة تكاد تُشعرك بأنك عالق داخل الغرفة مع الشخصيات، فيما تبقى العدسة قريبة من الوجوه لترصد أدقَّ التعابير المرتبكة ونظرات الصدمة والتوتر المتبادل بصمت ثقيل. والأهم أن الفِلم يتعامل مع «بيانكا» بجدية مطلقة؛ فلا توجد موسيقا ساخرة أو مبالغة كوميدية تخفف غرابة الموقف، بل يطيل اللقطات ويترك لحظات الصمت المحرجة تمتد إلى ثوانٍ طويلة، لدرجة يصبح معها مجرد تبادل النظرات أكثر توترًا من الحوار نفسه.

وسط هذا التوتر، يمنح أخ «لارس» وزوجته المشهد ثقله الإنساني الحقيقي، فبدل السخرية أو الانفجار في وجهه يحاولان احتواءه رغم الصدمة. وهنا يبدأ الفِلم بكشف فكرته الأساسية؛ فهو لا يناقش جنون «لارس» بقدر ما يكشف هشاشته النفسية، وكيف دفعه الخوف والوحدة والعزلة إلى بناء عالم كامل يحتمي داخله من الألم والخذلان. تصبح «بيانكا» علاقته الآمنة التي لا يمكن أن تؤذيه أو ترحل عنه، قبل أن يكتشف تدريجيًّا مع مرور الأحداث أن التواصل الحقيقي، رغم خوفه منه، قد يكون الشيء الوحيد القادر على إنقاذه.

عهود أبو خيرة


فقرة حصريّة

آسفين على المقاطعة، هذه الفقرة خصصناها للمشتركين. لتقرأها وتستفيد بوصول
لا محدود للمحتوى، اشترك في ثمانية أو سجل دخولك لو كنت مشتركًا.

اشترك الآن

العرض الأول لقصتك. 🎟️

ينقل «شباك» أفكارك من الورق إلى السينما لتشاهِد وتشاهَد.

اصنع مشهدك «هنا».


نشأت صوفيا كوبولا وسط إحدى أشهر العائلات السينمائية في هوليوود، فهي ابنة المخرج فرانسيس فورد كوبولا. وخلال سنوات شبابها، زارت اليابان باستمرار مدفوعة بانجذابها إلى ثقافة طوكيو الفنية، إلى جانب رحلات العمل والسفر مع أصدقائها وزوجها آنذاك سبايك جونز. ومع تكرار هذه الزيارات، لاحظت التناقض الغريب الذي تمنحه المدينة: مكان يعجُّ بالأضواء والناس والحركة المستمرة، لكنه يترك في الوقت نفسه شعورًا عميقًا بالعزلة.

وخلال إقامتها الطويلة داخل الفنادق، ترسَّخ لديها إحساس أشبه بـ«الضياع المؤقت»؛ وجوه متكررة يوميًّا في المصاعد والممرات والمطاعم، دون أي معرفة حقيقية بين أصحابها، كأن الجميع يعيش حياة عابرة ومؤقتة داخل المكان نفسه. ومع الوقت، بدأت هذه التفاصيل الصغيرة تتحول داخلها تدريجيًّا إلى بذرة لفكرة سينمائية: شخصان غريبان يلتقيان صدفة داخل مدينة لا ينتميان إليها، ويجد كل واحد منهما في الآخر مساحة مؤقتة للفهم والراحة.

بدأت صوفيا كوبولا تدوين ملاحظات ومشاهد مستوحاة من رحلاتها، وصوَّرت بنفسها لقطات فيديو من شوارع طوكيو وفنادقها ومطاعمها والحياة الليلية فيها، محاولةً الاحتفاظ بذلك المزاج الحالم والحميمي الذي عاشته هناك. ومع انضمام المنتج روس كاتز ومدير التصوير لانس أكورد، تحوَّلت الفكرة تدريجيًّا من مجموعة ذكريات ومشاعر شخصية إلى فِلم كامل يعتمد على الإحساس أكثر من الأحداث، وعلى التفاصيل اليومية الصغيرة أكثر من الحبكة التقليدية، ليخرج لاحقًا «Lost in Translation»أحد أبرز أفلام الألفينيات وأكثرها ارتباطًا بفكرة الوحدة والاغتراب العاطفي.

وبهذه المعلومة نستهل فقرة «دريت ولَّا ما دريت» عن فِلم «Lost in Translation» من إخراج صوفيا كوبولا:

  • كتبت صوفيا كوبولا شخصية «بوب هاريس» منذ البداية خصيصًا لبيل موري، لكنها بقيت لفترة طويلة غير متأكدة من مشاركته، لأنه لا يملك مدير أعمال أو فريق إدارة تقليدي. حينها اكتفى موري بموافقة شفهية فقط، بينما كان فريق الإنتاج يجهِّز التصوير كاملًا في طوكيو دون أي تأكيد رسمي، قبل أن يصل أخيرًا إلى اليابان قبل التصوير بأسبوع واحد فقط.

  • حاول فرانسيس فورد كوبولا إقناع ابنته بتصوير الفِلم بكاميرات الفيديو عالية الدقة لأنها «مستقبل السينما»، لكنها فضَّلت التصوير على شريط الفِلم التقليدي، لشعورها بأنه يناسب الطابع الحالم والحميمي للفِلم أكثر.

  • لم يُكتب السيناريو بالشكل التقليدي المعتاد، بل كان أقرب إلى وصف عام للمشاهد يترك مساحة واسعة للممثلين للإضافة والارتجال، لذلك جاءت كثير من الحوارات عفوية بالكامل. 

  •  صُوِّرت أجزاء كبيرة من الفِلم داخل شوارع طوكيو الحقيقية، بالاعتماد على طاقم تصوير صغير وخفيف الحركة، سمح للفريق بالتصوير وسط الزحام وأحيانًا دون تصاريح رسمية، لدرجة أن كثيرًا من الأشخاص الذين ظهروا في خلفية بعض المشاهد لم يعلموا أصلًا بالتصوير.

  • تسبب مشهد المطعم الياباني بتوتر داخل الفريق، بعدما بقي الطاقم وقتًا أطول من المسموح داخل مطعم ياباني، ما دفع صاحب المطعم إلى إطفاء الأنوار بالكامل لإجبارهم على المغادرة، بينما واصلت صوفيا كوبولا تصوير المشهد في الظلام. 

  • في مشهد الإعلان الياباني، تعمدت صوفيا كوبولا ألَّا تخبر بيل موري بما يقوله المخرج الياباني له، حتى يبدو ارتباكه حقيقيًّا أمام الكاميرا. واستوحت الفكرة من تجربة شخصية عاشتها في أثناء الترويج لفِلم «The Virgin Suicides»، حين لاحظت أن المترجم الياباني يتحدث لفترة أطول بكثير مما قالته هي فعلًا. 

عهود أبو خيرة

النشرة السينمائية
النشرة السينمائية
أسبوعية، الخميس منثمانيةثمانية

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.

+20 متابع في آخر 7 أيام