«القبلة الكهربائية» أولى مُبشرات كان السينمائي



تصميم: أحمد عيد
تصميم: أحمد عيد

القبلة الكهربائية – افتتاحية جذابة لدورة مهرجان كان التاسعة والسبعين 

فواز العدواني

قبل أيام انطلق مهرجان كان في دورته التاسعة والسبعين، ليضم مجموعة من مختارات السينما العالمية لعرضها ضمن فئات تنافسية مميزة، إلى جانب عروض خاصة على هامش المهرجان. في مؤتمر صحفي مصاحب لبداية المهرجان، أعرب مديره، تيري فريمو، عن فخره بأهمية المهرجان واستقطابه أسماء كبرى من مختلف العالم للتعبير عن صوتها من خلال شاشاته. لو أخذنا بعين الاعتبار حفل الأوسكار الأخير وفئة أفضل فِلم عالمي، سنشاهد أن أربعة أفلام من أصل خمسة كانت أفلامًا عُرضت لأول مرة في مهرجان كان. هذه الأهمية والاستدامة في الريادة سببها إرث تاريخي يمتد إلى الأربعينيات، ولو تعمّقنا في هذه النقطة، فبلا شك سنتخصص في مواضيع عدة ربما يجب التطرق إليها لاحقًا.

اختير فِلم «القبلة الكهربائية»، للمخرج بيير سلفادوري، لافتتاح هذه الدورة من المهرجان. يحكي الفِلم عن علاقة عاطفية تتشكل وسط فوضى اجتماعية ومواقف عبثية يقدّمها سلفادوري بخفة فرنسية مألوفة، لكنه هذه المرة يبدو أكثر حساسية وهدوءًا من أعماله الكوميدية المعروفة للجمهور. منذ مشاهده الأولى، ينجح الفِلم في خلق طاقة دافئة مع شخصياته، رغم غرابة قراراتهم أحيانًا. شخصيًّا، وبعد حضوري المهرجان في آخر خمس سنوات، لم أشاهد أي فِلم جيد من أفلام الافتتاح، فبدا لي الأمر تشاؤميًّا أكثر، لكن يأتي سلفادوري ليغيّر رأيي. لم أشاهد أي فِلم من أفلامه قبل هذا، فكانت بداية ممتازة للتعرف على أسلوبه، أسلوب يعتمد على البساطة والمشاعر الصغيرة أكثر من اللحظات الضخمة.

يأخذنا الفِلم إلى باريس القديمة من خلال «سوزان»، الشابة التي تعمل ضمن سيرك متنقل وتقدّم عرضًا غريبًا تحت اسم «فينوس الكهربائية»، حيث تُوهم الجمهور بأن القبلات التي تمنحها تحمل طاقة الحب الحقيقي. وسط هذه الأجواء المسرحية والفوضوية، يدخل الرسام «أنطوان» إلى حياتها، وهو رجل محطم بسبب وفاة حبيبته «إيرين»، مقتنعًا بأن خيانته لها كانت السبب في خسارتها. من هنا يبدأ الفِلم ببناء علاقة تجمع بين الوهم والحب والشعور الثقيل بالندم.

أكثر ما أعجبني قدرة الفِلم على جعل مشاهده الرومانسية تبدو صادقةً دون ابتذال أو تصنُّع، مع ذلك، لا أعتقد أن الفِلم متماسك بالكامل. في منتصفه تحديدًا، يفقد إيقاعه قليلًا، وتبدأ بعض الخطوط الدرامية بالتكرار، كأن سلفادوري لا يعرف متى يجب أن يتوقف عن ملاحقة الفكرة نفسها. كذلك، بعض الشخصيات الجانبية بدت أقل اهتمامًا من غيرها، مع أنها تمتلك حضورًا جيدًا كان يمكن استغلاله بصورة أفضل. رغم حيوية الفِلم وخفّته، يفقد إيقاعه شيئًا من توازنه مع كثرة مشاهد الفلاش باك الطويلة الخاصة بالبطلة.

تحاول هذه المشاهد تعميق الشخصية وإعطاء القصة بعدًا عاطفيًّا أكبر، خصوصًا أنها تكشف امرأة أكثر ذكاءً وتعقيدًا مما نتوقع، لكنها في المقابل تؤثّر في انسيابية الأحداث، أو حتى الاندماج الناتج عن التعاطف مع البطلين في أول الفِلم. كان من الممكن أن تعمل بصورة أفضل لو جاءت أقصر وأكثر تركيزًا، لأن الفِلم في النهاية لا ينجح دائمًا في تحويل غرابته وأسلوبه الكلاسيكي إلى تجربة نستطيع أن نقول إنها «نابضة بالحياة». أما من الجانب التقني، فقد شاهدت واحدًا من أكثر الأفلام إتقانًا من ناحية المونتاج، ولعل هذه الحسنة الأهم من استعمال الكاتب لمشاهد الفلاش باك بعيدًا عن سياقها المتوسط في القصة.

لكن بالرغم من هذه الملاحظات، يبقى الفِلم بالنسبة إليّ افتتاحية مثالية للمهرجان؛ فِلم خفيف وإنساني ومليء بالحياة، ويذكّر بسبب حبنا للسينما الفرنسية أصلًا. قد لا يكون أفضل أفلام السنة أو أكثرها عمقًا، لكنه من تلك الأفلام التي تخرج منها بابتسامة حقيقية، وهذا شعور نادر أكثر مما نتوقع. بالمختصر، بشارة لدورة جذابة لأهم مهرجان سينمائي في العالم.


اقرأ وافحص وانقد وشاهد مع «سينماء»،

المكان الذي يعزز المعرفة النقدية ويوسّع من إطارنا لفهم السينما وتناولها؛ في سبيل صناعة سينمائية سعودية أصيلة تعبر بنا الآفاق.

ليكتمل المشهد، تعرف على «سينماء».


Fast & Furious Reunion at Cannes 79
Fast & Furious Reunion at Cannes 79

من سوق كان 🎬

  • أغلقت شركة «Picturehouse Entertainment» خلال سوق كان 79، صفقة توزيع فِلم «Fjord» للمخرج كريستيان مونجيو في بريطانيا وأيرلندا، قبل عرضه الرسمي ضمن المسابقة الرئيسة للمهرجان. الفِلم من بطولة سيباستيان ستان وريناته راينسفه، ويُعَد أول أفلام مونجيو بطاقم عالمي بعد فوزه بالسعفة الذهبية عام 2007.

  • تُطوّر شركتا «Neal Street Productions» و«Elysian Film Group» جزأين جديدين من فِلم «The Magic Faraway Tree» بعد نجاح الجزء الأول تجاريًّا، بينما بدأت شركة «Palisades Park Pictures» بعرض المشروع على الموزعين داخل سوق كان 79. ومن المتوقع عودة طاقم العمل الذي يضم أندرو قارفيلد وكلير فوي وريبيكا فيرقسون، في حين يدرس المنتجون تصوير الجزأين معًا استعدادًا لبدء الإنتاج عام 2027.

  • تعرض شركة «M Studio» التايلاندية فِلم الرعب «Death Whisperer: Saming The Werebeast» للبيع داخل سوق كان 79، في محاولة لتوسيع نجاح سلسلة «Death Whisperer» عالميًّا بعد تحقيقها قرابة ستّين مليون دولار في شباك التذاكر التايلندي. تدور أحداث الفِلم حول أسطورة نمر متحوّل يطارد البشر داخل غابة نائية في تايلند خلال ستينيات القرن الماضي.

  • أغلقت شركة «Magnify» عدة صفقات توزيع لفِلم «Barrio Triste» داخل سوق كان 79، شملت بريطانيا وأيرلندا وإسبانيا وأمريكا اللاتينية وألمانيا، بينما تستمر المفاوضات على بقية المناطق. الفِلم من إخراج ستيلز، المدير الإبداعي السابق للمغني باد باني. تدور أحداثه في كولومبيا عام 1987، حول مجموعة مراهقين يسرقون كاميرا أخبار لتوثيق حياتهم الخطرة.

  • تعرض شركة «Unannounced Film Company» فِلم الرعب الشعبي «Wrath Of The Gods» للبيع داخل سوق كان 79، بالتزامن مع دخوله مرحلة ما بعد الإنتاج. ويُقدَّم الفِلم بوصفه خاتمة لثلاثية «The Wicker Man» المستوحاة من أفكار المخرج الراحل روبن هاردي، بالتزامن مع العمل على وثائقي بعنوان «Children Of The Wicker Man» يتناول إرث السلسلة وكواليس صناعتها.

  • أغلقت شركة «Blue Finch Films» عدة صفقات توزيع لفِلم الرعب «Bury The Devil» داخل سوق كان 79، شملت الولايات المتحدة وكندا وألمانيا والهند ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. تدور أحداث الفِلم، المصوَّر بلقطة واحدة، حول ممرضة تُحتجز داخل منزل مريض بالخرف، لتكتشف وجود قوة شيطانية تتسرّب عبر جدران المنزل القديم.

  • تُسوّق شركة «WestEnd» فِلم الرعب «Unspeakable» داخل سوق كان 79، بالتزامن مع انطلاق تصويره في ويلز، وانضمام الممثل سكاي يانق إلى طاقم العمل إلى جانب إليزا سكانلن وإيسي ديفيس. يتناول الفِلم قصة أمٍّ شابة تعاني صعوبة في التواصل مع طفلها حديث الولادة، قبل أن يبدأ كيان غامض بمطاردتها مستغلًّا خوفها وإرهاقها النفسي.


في الثلاثينيات، لم يكن هناك سوى عدد محدود من المهرجانات السينمائية العالمية، كان أبرزها مهرجان البندقية السينمائي الذي تأسس عام 1932، بدعم مباشر من النظام الفاشي بقيادة بينيتو موسوليني. في بداياته، بدا المهرجان حدثًا فنيًّا ضخمًا يجذب نجوم هوليوود والصحافة العالمية، لكن مع صعود الفاشية والنازية في أوربّا، بدأ يتحول تدريجيًّا إلى أداة دعائية تخدم الأنظمة السياسية.

وفي دورة عام 1938، حضر الدبلوماسي الفرنسي فيليب إيرلانجر ضمن لجنة التحكيم ممثلًا لفرنسا، قبل أن تتعرض اللجنة لضغوط مباشرة من أدولف هتلر وموسوليني، لمنح الجوائز إلى أفلام تدعم الفكر الفاشي والنازي. أثار القرار غضب ممثّلي فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، الذين غادروا المهرجان متعهّدين بعدم العودة.

وخلال رحلة عودته بالقطار إلى فرنسا، بدأت تتشكل في ذهن إيرلانجر فكرة إنشاء مهرجان سينمائي جديد، يمنح السينما مساحة حرة بعيدًا عن التدخلات السياسية والرقابة. وبعد عودته مباشرة، بدأ التواصل مع السلطات الفرنسية لإطلاق المشروع رسميًّا.

وبين عدة مدن مرشحة، نجحت مدينة «كان» في الفوز بحق الاستضافة، بعد حملة ضغط قوية قادها السياسي جورج براد وأصحاب الفنادق في المدينة، ليُعلن رسميًّا في 31 مايو، 1939، اختيارها مقرًّا للمهرجان الجديد قبل أشهر قليلة فقط من موعد افتتاحه. ومع الوقت، أصبحت كان جزءًا أساسيًّا من هوية المهرجان وصورته العالمية الفاخرة. 

وبهذه المعلومة نستهلّ فقرة «دريت ولّا ما دريت» عن مهرجان كان السينمائي: 

  • صباح افتتاح أول نسخة من مهرجان كان السينمائي عام 1939، وبينما كانت الوفود والنجوم قد وصلت بالفعل إلى المدينة، اجتاحت ألمانيا بولندا لتبدأ بعدها الحرب العالمية الثانية رسميًّا. ونتيجةً لذلك، أُلغي المهرجان بالكامل قبل انطلاقه بساعات، وبقي المشروع متوقفًا حتى عاد إلى الحياة أخيرًا عام 1946.

  • في عام 1968، تحوّل مهرجان كان إلى ساحة احتجاج بعد تضامن صنّاع السينما مع مظاهرات الطلاب والعمال في فرنسا، وأوقف عدد من صنّاع السينما، من بينهم جان لوك قودار وفرانسوا تروفو، العروض عبر التعلّق بستائر المسرح، لتنتهي الدورة بإلغاء المسابقة الرسمية بالكامل دون توزيع أي جوائز.

  • إلى جانب السعفة الذهبية، يحتضن مهرجان كان جائزة طريفة تُعرف باسم «Palm Dog Award»، تُمنح سنويًّا إلى أفضل أداء لكلب في فِلم مشارك. ومن بين الأعمال التي ارتبطت بها سابقًا «Once Upon a Time in Hollywood» و«Marie Antoinette».

  • السعفة الذهبية التي تُسلَّم إلى الفائزين في مهرجان كان تُصنع يدويًّا من الذهب عيار 18، وتُثبَّت على قاعدة من الكريستال المقطوع يدويًّا، بينما تستغرق أكثر من سبعين ساعة من العمل الحرفي قبل تسليمها إلى الفائز.

  • مع تحوّل مهرجان كان إلى حدث سينمائي عالمي ضخم، لم يعُد مقرّه القديم قادرًا على استيعاب حجم العروض والوفود، لذلك افتُتح عام 1983 مبنى «Palais des Festivals et des Congrès» الجديد الذي بُني خصيصًا ليكون المقر الرسمي للمهرجان، وكانت افتتاحيته بعرض فِلم «The King of Comedy» للمخرج مارتن سكورسيزي.

  • بدأ مهرجان كان السينمائي بسجادة زرقاء استمرت بين عامي 1946 و1949، إذ عكس اللون الأزرق حينها الهوية الكلاسيكية الفرنسية، قبل أن يُعتمد اللون الأحمر رسميًّا عام 1984، مستوحيًا الفكرة من الطابع الاحتفالي لسجادة الأوسكار، ليتحوّل لاحقًا إلى أحد أشهر الرموز البصرية في عالم السينما.

  • مثل هوليوود، تضم مدينة كان ممشى خاصًّا ببصمات النجوم يُعرف باسم «Chemin des Étoiles» أو «طريق النجوم»، حيث تنتشر بصمات عدد كبير من نجوم العالم ومشاهيره قرب قصر المهرجانات.

  • خلال سنوات الحرب الباردة، تحوّل مهرجان كان السينمائي إلى ساحة مواجهة غير مباشرة بين الشرق والغرب، حتى إن إدارة المهرجان أضافت بندًا يسمح بسحب الأفلام لتجنب الأزمات السياسية، واستُخدم ذلك مع فِلم «Night and Fog» عام 1956، قبل إلغاء البند نهائيًّا عام 1957 واعتماد تقييم الأفلام على قيمتها السينمائية بدل الاعتبارات السياسية.

عهود أبو خيرة

النشرة السينمائية
النشرة السينمائية
أسبوعية، الخميس منثمانيةثمانية

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.

+20 متابع في آخر 7 أيام