ألفة متأخرة مع «دون كيخوته» ⚔️

زائد: أنا أعترف، إذن أنا موجودة ✍️

شهدت الأيام الماضية فعاليات الدورة الحادية والثلاثين لمعرض الرباط الدولي للكتاب، الذي تزامن مع اختيار الرباط عاصمةً عالمية للكتاب لعام 2026. وقد حلّت فرنسا ضيف شرف على هذه الدورة التي تميزت ببرنامج حافل بالندوات الفكرية وحفلات توقيع الكتب، أهمها ندوة الكاتبة الفرنسية الحائزة على جائزة نوبل للآداب آني إرنو، كما شهدت الدورة توزيع جوائز ابن بطوطة لأدب الرحلة.

اتّخذ المعرض من «الرحلة» شعارًا له تكريمًا لابن بطوطة، صاحب أحد أهم كتب الرحلات، على ما يثار حولها من جدل، وهي الرحلة التي حققها الدكتور عبد الهادي التازي في كتابه الضخم المكون من خمسة أجزاء: «رحلة ابن بطوطة: تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار».

خيّم عليّ وأنا بالمعرض شعور بالضجر والملل؛ إذ بات المعرض -على غرار معارض الكتاب العربية الأخرى- يهتم بكثرة الفعاليات والضيوف، ويمنح مساحةً واسعة لصنّاع المحتوى والاستعراض، في حين يغيب عنه جوهره الحقيقي: الكتاب والقارئ.

في هذا العدد، نتعرف عن قرب إلى تجربة قرائية تقدّمها الكاتبة السعودية هناء جابر، ربما تغيّر نظرتك لقراءة الكلاسيكيّات. وأحدثكم في فقرة «هامش» عن تجربة آني إرنو الإبداعيّة، وذلك من وحي ندوتها، بالإضافة إلى توصيات كتب متنوعة قد تحظى باهتمامكم.

إيمان العزوزي


رسم: الفنان عمران
رسم: الفنان عمران

ألفة متأخرة مع «دون كيخوته» ⚔️

هناء جابر

أُسندت إليَّ في ديسمبر الماضي مهمة مناقشة رواية «دون كيخوته» للروائي الإسباني ميقيل دي ثربانتس. لم أكُن أميل عادةً إلى هذا النوع من الروايات، لكنّي آثرت قبول التحدّي لاختبار قدرتي على تجاوز المألوف. ومنذ الصفحات الأولى، انتابني نفورٌ بسبب الحشو المُمل، والخطاب الوعظي المباشر الذي يقاطع السرد، والمبالغات الدرامية التي تُثقِل المَشاهد، لا سيما في تصوير الشخصيات النسائيّة التي تُختزَل فيها المرأة في هشاشتها الجسدية أمام الصدمات.

كما اعتمدَت الرواية كثيرًا على الصدفة بجعلها أداةً سردية، وهو ما يشي بضعفٍ بنيوي، فضلًا عن التحوّلات النفسية والأخلاقية غير المقنعة لغياب السياق. لازمني إحساسٌ بالتورّط، ولم يستحثّني على إكمال القراءة سوى دافع الواجب، مع ميلٍ مستمر للتهرّب. كان أشدّ ما يُربكني هو كيفية الإفصاح عن رأيي صراحةً في جلسة المناقشة؛ فهي في أعين القرّاء والنقّاد نصٌّ مؤسِّس راسخ المكانة، وتخيّلت نفسي أقف وحيدةً في وجه موجٍ من الاستهجان.

غير أنّ هذه العلاقة المتوتّرة لم تدُم طويلًا، ففي منتصف الرواية تقريبًا، حدث ما غيّر قناعتي، إذ بدأتُ ألتقط إيقاع النصّ الخفيّ، وأدرك منطقه الداخلي، وأكوّن تأملاتي حوله. وقبل أن أستعرض أثر هذا التحول في قراءاتي، أستعرض بعض هذه التأملات خاصًّة تلك التي منحتني ألفةً غير متوقَّعة بيني وبين بطليه: «دون كيخوته» و«سانشو بانثا».

كل رحلة تحتاج إلى رفقة

أول ما لفتني في الرواية شخصية «سانشو»، الذي رافق سيده طمعًا في جزيرةٍ موعودة، فتعلَّم لغة الأحلام، وشرع في الدفاع عن سيده، وتبرير أفعاله، بل والإيمان -وإن جزئيًّا- بعالمه. ولكن سرعان ما تسلّل الوهم إلى قلبه. لقد أدرك «سانشو» أن الواقع وحده لا يكفي، وأن الإنسان بحاجةٍ إلى حلم، مهما بدا هشًّا. وفي المقابل، كان «دون كيخوته» يَلين لصوت «سانشو» فيصغي لنصحه، ويبوح له بمخاوفه، ويجد فيه رفيقًا يضفي على الوهم صبغةً إنسانية، ويخفف عنه وطأة العزلة في عالمٍ لا يفهمه. وهكذا، تحولت العلاقة من تبعيةٍ إلى صداقة، وازداد كلاهما إنسانيةً بفضل الآخر.

تصل الرواية هنا إلى ذروتها، وبدأتُ أندمج مع وعي ثربانتس وأُعجب بأفكاره؛ فهو لا يمنح الوهم انتصارًا مطلقًا ولا الواقع غلبةً نهائية، بل يؤكد أن استقامة الإنسان لا تتحقّق إلا باجتماعهما معًا. فـ«دون كيخوته» و«سانشو» وجهان لعملة واحدة تمثل حاجة الإنسان إلى المعنى والحياة. لذا لا يستقر أحدهما في الذاكرة دون الآخر، إذ يُستحضران معًا كصورة مكتملة للكيان الإنساني.

معركة طواحين الهواء

أخذني هذا التأمل إلى تأملٍ آخر أثبت راهنية الرواية في عصرنا، وهو مشهد «معركة طواحين الهواء»، فهو العمود الفقري للرواية وجزؤها الأشهَر، إذ يختزل الصراع بين الوهم والواقع، ويقبل تأويلات رمزية بوصفه استعارةً لمواجهة الأعداء الوهميين. ولهذا السبب، شاعت عبارة «محاربة طواحين الهواء» في لغات عدّة للدلالة على المعارك العبثية التي تُهدر فيها الطاقات بلا طائل.

ولا تزال عالقةً بذهني تلك القراءة الرمزية التي طرحها أحد المشاركين في جلسة النقاش، حين رأى في الطواحين تجسيدًا للسلطة.

ولعلّ سر بقاء الرواية حيّةً عبر القرون يكمن في أن ميقيل دي ثربانتس صاغها نصًّا مفتوحًا ورحبًا، إذ يمكن قراءتها على أنها سخريةٌ من أدب الفروسية، أو احتفاءٌ بالخيال، أو مساءلة للجنون، أو نقد للبنى الاجتماعية. إن هذه القابلية لتجدد المعنى هي ما يمنحها حيويةً متجددة، وهي التي بدَّدت لديَّ ذلك الملل الذي قد يصيب القارئ عند مواجهة عملٍ كلاسيكي يُظن أنه استوفى قراءته وتأويله.

غلاف «دون كيخوته»
غلاف «دون كيخوته»

حادثة حرق الكتب

تطرح حادثة حرق كتب الفروسية إشكالًا يتجاوز حدود الرواية، هل يُعدّ إتلاف المعرفة حلًّا للمشكلة؟ أم مجرد محاولة لإخفائها؟ تكمن المفارقة في أن الفعل يبدو عقلانيًّا ووسيلةً لحماية البطل، لكنه في جوهره ممارسة قمعية تفتح باب النقاش حول الرقابة والوصاية على وعي الفرد. على الرغم من حرق الكتب، لم يتعافَ «دون كيخوته»، فقد ترسّخ الوهم في بنيته الإدراكية. وبذلك، يوضح الحدث أن المشكلة أعمق من مسبباتها الظاهرة، ويكشف عن قصور الحلول السطحية أمام التحولات العميقة في الوعي.

خطاب مارثيلا الثوريّ

من أكثر اللحظات جرأةً وتميّزًا في الأدب الإسباني، التي بدّدت ما بقي لديّ من ملل، هي خطاب «مارثيلا» عند قبر عاشقها «قريسوستومو»، الذي انتحر بعد أن رفضته. فقد أعلنت «مارثيلا»، أمام الجميع، أن لا ذنب لها في وفاته، مؤكدةً حقها في الحرية، وألّا تمنح نفسها قسرًا لمن لم تبادله الحب ولم تقطع له وعدًا. يرى النقاد في «مارثيلا» تجسيدًا لأول صوت نسائي حُرٍّ في الرواية الأوربية، إذ تمرّدت على الصورة النمطية التي فرضها الرجال على النساء في ذلك العصر. لقد كان هذا الموقف ثوريًّا وجريئًا في زمن ميقيل دي ثربانتس، الذي ساد فيه الاحتفاء بالنساء اللواتي يذبن خضوعًا أمام حب العشّاق. وهذا مما يحلو لي في القراءة، أنها تسمح بالتعرّف على بدايات أمورٍ كثيرة مما نعيشه حاليًّا.

صدى الجوقة

تُعد حادثة نهيق الحمار من اللحظات الجديرة كذلك بالتأمل في الرواية، إذ يحاول رجلٌ استعادة حماره الضائع عبر تقليد نهيقه، فيبادره رجل من قرية أخرى بتقليدٍ ساخر. وما لبث هذا العبث أن تحوّل إلى صراعٍ وعداءٍ بين القريتين، حيث اتّخذ كل فريق من نهيق الآخر وسيلةً للسخرية، حتى غدا هذا الصوت الأجوف طقسًا للولاء ورمزًا للكرامة الجماعية. لقد نجح الكاتب في تقديم نموذجٍ دقيق لكيفية تحوّل العبث إلى هوية مشتركة. 

يريد ثربانتس أن يقول: أحيانًا لا نشارك في الجوقة الجماعية لأننا نؤمن بها، بقدر ما نخاف أن نكون وحدنا خارجها. فكلفة العزلة أعلى من كلفة التماهي. ومع بساطة المشهد، يظل قابلًا للإسقاط على مجتمعاتنا الحديثة، وهذا -في رأيي- من أبرز عناصر قوة الرواية.

الواقعية القاتلة

تختتم رحلة «دون كيخوته» بمفارقة قاسية، فالفارس لم يلقَ حتفه في ساحة المعركة. نعاين احتضاره بهدوء على فراشه. يلحظ أهل بيته تحوّله وشروده، وسكونه غير المعهود، وما أصابه من وهنٍ جسدي ونفسي. يحاول «سانشو» -بعد أن انقلبت أدوار الشخصيتين في نهاية الرواية- أن يُحيي حلم سيّده الأخير، فيقترح عليه حياة الرعاة بدلًا عن الفروسية، كخيالٍ أقل صدامًا وأكثر صفاءً، لكن «دون كيخوته» يرفض الفكرة.

يتفاقم هذا الانطفاء الداخلي ليغدو مرضًا رمزيًّا يعبّر عن انتهاء الدور. وفي لحظة تجلٍّ مفاجئة يستعيد «دون كيخوته» عقله، معلنًا تخلّيه عن لقبه الفروسي، ليعود إلى ذاته الأولى «ألونسو كيخانو» العاقل. يأتي هذا الاسترداد خاتمةً، فالعقل لا يعود إلا حين يفقد الحلم قدرته على حمل صاحبه، ولأن حياته أُفرغت من معناها في تلك الصحوة، مات «دون كيخوته» حين شُفي من جنونه، لتكون نهايته شاهدًا على أن الواقعية البحتة قد تكون قاتلة، ونحن نعيش بعض أطوارها حاليًا.

القراءة مرآةً للحياة

هذه كانت بعض التأملات التي حملتها معي حين ناقشت الرواية في مكتبة إثراء في يناير الماضي. فعلت ذلك عن رغبةٍ حقيقية. تحدّثتُ عن أحداثها، وشاركت أفكاري حول شخصياتها ومواضيعها، وطرحنا معًا أسئلة حول الوهم والحقيقة، والعقل والجنون، والفرد والمجتمع. تحوّلت التجربة من مقاومة إلى انخراط جاد، ومن نفور وملل إلى انفتاح واهتمام، حتى أنّي وجدت نفسي أبرّر بعضًا مما عبته عليها أول القراءة، كخطابها الوعظي المتكرّر؛ فثربانتس كان ابن ثقافةٍ خطابية، ولم يكُن الفصل بين الأدب والوعظ قد ترسّخ بعد. فلماذا نحاكم نصًّا كتب قبل أكثر من أربعة قرون بمعايير الرواية المعاصرة؟

لم تكُن علاقتي بالأعمال الكلاسيكية يومًا علاقة انسجام فوري؛ إذ تبدأ أحيانًا بنفور، وكثيرًا ما يتسلّل إلى قراءتها شعورٌ بالغربة. غير أنّ هذا النفور، مع قدرٍ من الصبر والمكابدة، ينقلب تدريجيًّا إلى نوعٍ من الألفة. وهنا يتبدّى لي أن المسألة لا تتعلّق بطبيعة النص أو أسلوب الكاتب بقدر ما تتّصل بمدى جاهزيتي لاستقباله. فلكل مرحلةٍ من العمر والوعي كتبُها التي تُفهم في سياقها، وتُفتح مغاليقها حين نمتلك أدواتها أو نقترب من أسئلتها. إنّ الخروج من الذائقة المألوفة ضربٌ من التمرين الضروري للقارئ الجاد، يقرأ مرةً ما يألفه، ومرّةً ما يقاومه. وفي هذه المقاومة تحديدًا ما يوسّع أفقه ويعيد تشكيل حساسيته تجاه الأدب والحياة.

لا تتوقف تجربة قراءة «دون كيخوته» وتأثيرها عند مدى قدرتنا على قراءة الأعمال الكلاسيكية الطويلة، فقد منحتني الكثير من الدروس التي ربطتها بتجاربي الشخصية، وذكّرتني بعلاقاتي ببعض الناس، أولئك الذين لا تنشأ بيننا ألفة فورية. فغالبًا ما يكون الانطباع الأول مثقلًا بالتحفّظ أو عدم الارتياح. ولكن حين أمنح العلاقة ما تستحقه من الإصغاء والتفهم، يتغير كل شيء، وتتكشّف طبقات خفية، وتظهر معانٍ لم تكُن واضحة في البداية.

إن القراءة تشبه العلاقات في هذا؛ فليست كل ألفة فورية، ولا كل صعوبة تعني الرفض. فما يبدو نفورًا أوليًّا قد يكون بداية لمسارٍ متأنٍّ نحو الفهم، وولادة بطيئة للأنس والمودة، وبعض الكتب تستحق منا هذا العناء.

فكّر في هذا الأمر جيّدًا قبل أن تفتح سباعية بروست، فأنت موعود بالملل المحفز للألفة.


رسم: الفنان عمران
رسم: الفنان عمران

أنا أعترف، إذن أنا موجودة ✍️

إيمان العزوزي

كانت ندوة آني إرنو، الروائية الفرنسية الحائزة على جائزة نوبل للآداب عام 2022، من أبرز فعاليّات معرض الرباط الدولي للكتاب في دورته الحادية والثلاثين، إذ غصّت القاعة بالحضور حتى لم يعُد فيها موطئ قدم. وكان أغلبهم من الشباب، رجالًا ونساءً. ومع دخولها، دوّى التصفيق مطوّلًا احتفاءً بتجربةٍ إبداعية امتدّت لعقود طويلة. بدت إرنو امرأة على أعتاب التسعينات، بجسدٍ نحيل أثقله العمر، وتمشي بخطًى بطيئة -ولكن واثقة- أضفت عليها حماسة الوجوه الشابة ألقًا وحضورًا متجدّدًا يليق بكاتبة اختارت منذ بداياتها مسارًا مغايرًا، ونجحت بأسلوبها الخاص في فرض صوتها بين صفوة الأدباء. وفي وسط الزحام، وجّهتُ إليها سؤالًا سريعًا، لعلّه لم يصلها كاملًا: «لماذا تكتبين؟ ولماذا اخترت أسلوب الاعتراف؟» فأجابت باقتضاب: «الحقيقة». ولعلي أحاول هنا تخيل إجابتها كاملة.

حين نعود إلى تجربة إرنو، نقف أمام قلمٍ تبنّى الكتابة بوصفها فعل تعريةٍ ومواجهة، فعلًا قد يكون عنيفًا أحيانًا ومزعجًا غالبًا، لكنه يظل ضروريًّا دائمًا. وقد رأت لجنة تحكيم جائزة نوبل أن منحها الجائزة مبرّر، إذ علّلت ذلك بـ«الشجاعة والدقة في المعالجة التي تكشف الجذور والاغتراب والقيود الجماعية للذاكرة الشخصية». ترى إرنو أن الكتابة تمنحها قالبًا يحقق غايتها الأولى وهي «الاعتراف»، بعيدًا عن دلالاته الدينية أو الأخلاقية المستمدّة من نموذج القديس أقسطينوس في كتابه «الاعترافات».

لا يبتغي الاعترافُ في أعمالها الغفرانَ، لأنه فعل حقيقةٍ، أقرب في وضوحه إلى الفحص السريري، يرفض التجميل والتزييف. فهي تكتب لتقول ما يُسكَت عنه عادةً، مثل العار الطبقي والرغبة والإجهاض والغيرة والعنف الرمزي الذي تمارسه البُنى الاجتماعية. وهذا الاعتراف لا يتوسّل الإثارة كما قد يظن البعض، فهو جاف ودقيق، وأحيانًا قاسٍ. تعتمد إرنو لغة البساطة، منزّهةً عن البلاغة، فالاستعارة في عرفها قد تخون صدق التجربة.

أغلفة بعض أعمال آني إرنو
أغلفة بعض أعمال آني إرنو

ما يميّز كتابة الاعتراف لدى إرنو هو رفضها للحميمية بوصفها ملاذًا تتوارى خلفه ذاتها. فـ«الأنا» تُعبّر عن الألم الذي يُعاش فرديًّا، ثم تجعله قابلًا للمشاركة. يتحوّل الاعتراف إلى أداةٍ سوسيولوجية، وتتراجع الـ«أنا» من أجل الـ«نحن». فحين تستعيد أصولها المتواضعة، أو علاقتها بالهيمنة الثقافية والعار الطبقي، فهي تكشف، عن عمد، آليات اجتماعية خفيّة. فتغدو الكتابة مكانًا تتحول فيه التجربة الفردية إلى وثيقة جماعية، وهذا ما يميز الاعتراف كتابةً؛ فكرة «التوثيق».

هكذا يصبح الاعتراف أيضًا فعلًا سياسيًّا، إذ تكسر آني إرنو القواعد المفروضة على خطاب الهامش، بموضوعاته التي طالما عُدّت غير جديرةٍ بالأدب. لذا، يُعد الاعتراف الأدبي، بشكلٍ ما، مقاومة؛ مقاومة للمحو والصمت والهيمنة.

غير أنّ هذا الاعتراف ليس تلقائيًّا أبدًا. تؤكد إرنو ضرورة احترام المسافة بين التجربة والكتابة. فالاعتراف لا يتم إلا لاحقًا، حين تتحوّل العاطفة الخام إلى مادةٍ قابلة للتحليل، لأنها تسعى إلى فهم التجربة عوض إحيائها بالكتابة. وهذا يفسّر النبرة الباردة التي تطبع نصوصها، والتي سمّتها في الندوة بـ«الكتابة المسطحة» (l'Ecriture plat)، التي يخطئ بعض القرّاء في تفسيرها بوصفها افتقارًا إلى الإحساس، ومن ثَمّ يرفضون أعمالها ويخرجونها عن نطاق الأدب، الأدب الذي يستحق جائزة نوبل على الأقل. في الواقع، هذه البرودة المتعمدة تساهم في عدم خيانة الحدث بالابتذال العاطفي.

ترتكز كتابة الاعتراف لدى إرنو كذلك على توترٍ دائم بين العار وضرورة القول. فالاعتراف يعرّضك لنظر الآخر، أي الأحكام الجاهزة وتمويه الألم والإحراج. ومع ذلك، تقبل إرنو هذا الخطر، لأن الصمت عندها هو عنف آخر تُعفي نفسها من مواجهته. يصبح الاعتراف وسيلةً لاستعادة امتلاك الحكاية الشخصية، وتحويل العار إلى وعي. فالكتابة تنقل الألم إلى اللغة، وتمنحه شكلًا قابلًا للتداول.

وأخيرًا، يطرح الاعتراف عند آني إرنو سؤالًا جذريًّا حول وظيفة الأدب؛ ما جدواه إن لم يكُن قولَ ما يؤلم ويزعج ويقاوم النسيان؟ تعيد إرنو، عبر رفضها الخيال قناعًا، تعريف الفعل الأدبي؛ فالكتابة هي كشف، وفضاء للحقيقة العارية، حيث يقبل الكاتب أن يتورّط لكي يسمي ما يعجز الآخرون عن تسميته. تذكرنا إرنو أن الأدب، حين يجرؤ على الاعتراف، لا يزال قادرًا على إحداث تحوّلٍ واضحٍ، في الكاتب أولًا ثم القارئ.


كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭

مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨

موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!

هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗

التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁


علينا أن نحذَر من أنفسنا، من وضوح قناعاتنا، من عمق أفكارنا، من طيبة أفعالنا. ينبغي أن نحذر من حقيقتنا

إلزه أيشنقر


أثرك هو القطعة الناقصة 🧩

بين أثير «سحابة أدب» وسطور «ق.ق» وزوايا «شباك» ضع قطعتك في اللوحة الفنية حيث تشبهك.

اصنع محتواك الأدبي. «هنا»


  1. لؤلؤ وحصى: فيض مما كان

تأليف: د.عبدالعزيز بن عبدالرحمن الثنيان/ الناشر: العبيكان

قدّم عضو مجلس الشورى سابقًا، الدكتور الثنيان، في هذا العمل سيرةً تمتد على سبعة عقود، في محاولة لالتقاط أثر الزمن في التجربة الإنسانية حين تُستعاد من مسافة تساعد على تأملها وتفكيكها. بهذا يتجه النص السيري نحو تأويل التجربة ومنحها دلالاتها، حيث تتحوّل الذاكرة إلى أداةٍ تُعيد تشكيل ما مضى وتمنحه بنية سردية تشد القارئ وتثير فضوله.

بالمقارنة مع مؤلفاته السابقة، مثل «بوح الذاكرة» و«سنوات في مجلس الشورى» و«جلسات تدبّر»، يظهر هذا الكتاب أكثر شمولًا واتساعًا، إذ يجمع بين السيرة الذاتية والفكرية ضمن سردٍ واحد. يحمل العنوان دلالة جميلة تقوم على ثنائية الحصى واللؤلؤ، في إشارة إلى أن جمال التجارب وروعتها لا يُنظر إليه بمعزلٍ عن وجعها وقساوة الرحلة.

نجح الثنيان في استحضار تفاصيل البدايات، حيث محدودية الإمكانات وبساطة العيش. فيرسم من خلال اليومي والهامشي صورة لمجتمع متماسك تحكمه علاقات إنسانية مباشرة وقيم واضحة. هذا الاستحضار الغنيّ بالحنين يمنح الماضي صفاءً لافتًا، في مقابل صورة الحاضر بما يحمله من تعقيد وتسارع. هذا التباين يثير التساؤلات ويدفعنا نحو البحث عن الإجابات، ويحتاج في الوقت نفسه إلى مزيد من التفكيك حتى تتضح أبعاده بصورة أوضح.

يعتمد الكاتب على المستوى السردي تسلسلًا زمنيًّا واضحًا يتتبّع محطات حياته، من التعليم إلى العمل الإداري، ثم إلى تجربته في المؤسسات الحكومية ومجلس الشورى، وصولًا إلى العمل الخيري، وهو العمل الأحب إلى قلبه. يبرز في هذا المسار خيط يجمع التجارب المتعددة ضمن رؤية واحدة تبحث عن غاياتها داخل التحولات. وتمنيت لو استفاض الكاتب في سرد بعض المحطات، التي على أهميتها، لم يمنحها الكاتب ما تستحقه من التعبير، ومن ثم تركت فيّ أثرًا أقل من غيرها.

تحضر في الكتاب مواقف إنسانية متنوّعة تجمع بين الطرافة والألم، وتكشف عن منظومة قيم قائمة على المسؤولية والعطاء والانضباط. كما تتميّز لغة النص بالوضوح والسلاسة، مع توظيف إشارات دينية وثقافية تعكس الخلفية الفكرية للكاتب. مما أحببته في هذه السيرة أيضًا، حكاياته ولطائفه مع زملائه وبعض الأعلام الذين سمّاهم، وآخرون فضّل الاحتفاظ بأسمائهم. ولعل أجملها تلك الحكايات التي جمعته بالملوك، مثل الملك فهد، رحمه الله، والملك سلمان، حفظه الله، حين كان أميرًا لمنطقة الرياض.

تتجلّى قيمة العمل في ربطه بين التجربة الفردية بسياق اجتماعي أوسع، إذ تتحوّل الذاكرة الشخصية إلى مرآة لتحولات المجتمع بأسره. تطرح هذه السيرة سؤال الذاكرة الحاضر دائمًا في هذا النوع من الكتابة: هل تُنقل التجربة كما عِيشت بالفعل، أم تُعاد صياغتها وفق منظورٍ متأخر يضفي عليها معنىً مختلفًا؟ ومع نهاية الكتاب، تساءلتُ، كما قد يتساءل معظم القراء: هل يُقاس العمر بغزارة الأحداث، أم بالمعاني التي صِيغت منها؟

  1. أن تقرأ كتبًا في غزة

تأليف: رشيد بن الزين/ ترجمة: عبدالمجيد سباطة/ الناشر: المركز الثقافي العربي

ثمة روايات تكتفي بسرد الحكاية، وأخرى تأخذ بيدك، لتجلسك أمام ما لا يُوصف، وتهمس في أذنيك: «انظر، تأمّل». تنتمي رواية «أن تقرأ كتبًا في غزة» للكاتب المغربي الفرانكفوني رشيد بن الزين إلى هذا النوع الأخير؛ إذ يرى بن الزين أن التخيل فضاءٌ غير قابل للاحتلال، لذلك يستطيع أن يَشرع نوافذه نحو الممكن.

تبدأ أحداث الرواية في غزة عام 2014، حيث تترنّح المدينة تحت هدنة هشة. نلتقي بـ«جوليان ديمونج»، مصور فرنسي ضاق ذرعًا بالبحث عن الإثارة التي تفرضها عليه وكالته. فصار يتجول في شوارع غزة بعينين تبحثان عن الصورة التي لا تكذب، حتى وجد ضالته في مشهد رجلٍ مسنٍّ جالس أمام مكتبة نصف مُدمّرة، تحيط به الكتب المبعثرة، غارقًا في القراءة، وكأن العالم من حوله قد توقف عن الدوران.

قبل أن يضغط المصوّر على زر الكاميرا، أوقفه الرجل قائلًا: «ألا تعتقد، أن الصورة الشخصيّة تزداد جمالًا بمعرفة ما هو مخفيّ… أليس وراء كل نظرة قصة؟ قصة حياة، بل قصة شعب كامل أحيانًا. ألا تعتقد، أيها المصوّر، أن بإمكانك الاستماع إلى قصتي؟»، ليبدأ القارئ «نبيل الجابر» -المولود عام 1948، عام النكبة- في سرد رحلته التي تتقاطع مع محطات قاسية، مخيم «عقبة جبر»، وحرب الأيام الستة، والسجن، وفقدان ابنه وزوجته. وفي قلب كل ذلك كانت الكتب رفيقة دربه.

وعلى أهمية هذا النص، فإن له حدوده. فقد تظهر فيه ثغرات قد يراها البعض سذاجةً في الطرح، أو افتقارًا لعمق الشخصيات، كما تقترب السردية من نمطية الروايات المماثلة. كذلك، يمكن لوم الكاتب على محاولته حصر قرنٍ من التاريخ في 120 صفحة فقط، معتمدًا على شخصيات بدت في الخلفية ببساطة وكأنها تتقبل بيسرٍ أحداث الحرب.

لكن هذا يعني تجاهلَ مشروع الكاتب. لا يكتب رشيد بن الزين هنا وثائقيًّا، ولكن يؤلّف «حكاية إنسانية» تحمل في طياتها نقائصها. العنوان الأصلي بالفرنسية «الرجل الذي كان يقرأ كتبًا»، هو إيماءة إلى الكاتب الفرنسي جان جيونو وروايته الشهيرة «الرجل الذي كان يزرع الأشجار»، التي تحكي عن رجل اختار زرع الأشجار في أرض بور. في القصتين، يتعلق الأمر بالصبر، والمرونة الصامتة، وما ينمو بجوار الدمار. أي بشكلٍ ما، وضعية الإنسان الكوني في مواجهة مصيره.

تكمن قوة العمل في سؤاله الجوهري، المطروح ببساطة: هل كل الأرواح البشرية متساوية؟ هل يمكن للمرء أن يكون صالحًا في زمن الحرب؟ وكيف يمكن للكلمات أن تنقذ ما تدمّره القنابل؟

ما يربك القلب في هذا السرد هو نظرته للأدب، الذي يتحوّل إلى سلاحٍ للبقاء، فأسماء مثل محمود درويش وشكسبير وفرانز فانون، وما قدموه من مؤلفات، شكّلت لـ«نبيل» شظايا حياة وذاكرة، وندوبًا لشعبٍ بأكمله. حين كان يُسأل: «هل تعتقد أن الكلمات ستنقذنا؟»، كان يردّ بالإيجاب، قبل أن يتسلّل إليه الشك ليقول: «لم أعُد متأكدًا، سأقول إنها تنقذ بصمت؛ فالواقع لا يتغير، والظلم باقٍ، لكن الروح هي التي تحلّق».

يعود «جوليان» إلى غزة بعد السابع من أكتوبر ليجد المكتبة قد مُحيت، وقد اختفى «نبيل» مع الكتب وغيرها من الأشياء، حتى إنه عجز عن التقاط الصورة التي أرادها: صورة الغياب.

لن تجد في هذه الرواية دروسًا وعظية، أو حلولًا للصراعات أو مفاتيح سحرية، هي تقدم ما هو أندر وأكثر ضرورة: تجسيد الواقع؛ فتمنح وجهًا واسمًا وصوتًا لما تحوّله نشرات الأخبار المتلاحقة إلى مجرد أرقام صماء. وكما يصفها «نبيل»: «هذا هو الكتاب العظيم؛ إنه عالم، وملجأ، ومرآة». ولعل رواية «أن تقرأ كتبًا في غزة» -بما لها وما عليها من عيوب- تستحق هذا الوصف بجدارة. إنها دعوة للقراءة المتأنية، لنتذكر دائمًا أن فلسطين قبل أن تكون أرضًا، هي حيوات آمنت بالحياة وسعت إليها.

صدرت الترجمة العربية للرواية حديثًا عن المركز الثقافي العربي، بترجمة الروائي عبدالمجيد سباطة. وقد فضّل المترجم، بالاتفاق مع الكاتب، تغيير العنوان من «الرجل الذي كان يقرأ كتبًا»، إلى «أن تقرأ كتبًا في غزة»، وهو العنوان المعتمد في باقي الترجمات، سعيًا إلى تأكيد حضور غزة في وجدان القارئ العالمي. ولأول مرة أؤيد فكرة تغيير العنوان، حتى وإن كان ذلك قد عدّل قليلًا من رؤية الكاتب في ربط العنوان برواية أخرى.

كما يبدو أن غلاف الرواية، في كلتا النسختين، مستوحى من مشهد أشهر مكتبيٍّ مغربي: محمد العزيزي، الذي كرّمته وزارة الشباب والثقافة والتواصل المغربية شهر أبريل الماضي خلال حفل إطلاق برنامج «الرباط عاصمة عالمية للكتاب 2026».

  1. خائفون

تأليف: آراش جوانبخت/ ترجمة: حجّاج أبو جبر/ الناشر:  مشروع كلمة

يُعد كتاب «خائفون، فهم وظيفة الخوف وتسخير قوة القلق»، للدكتور آراش جوانبخت، مرجعًا علميًّا معاصرًا لفهم الخوف والقلق، إذ يُعيد صياغتهما ضمن إطار بيولوجي ونفسي متكامل، متجاوزًا التصورات التقليدية التي تختزلهما في كونهما حالات سلبية يجب التخلص منها.

ينطلق المؤلف من فكرة أن الخوف آليةٌ تطورية جوهرية نشأت عبر ملايين السنين لضمان بقاء الكائن الحي، حيث يعمل الدماغ على رصد التهديدات بسرعة فائقة عبر «اللوزة الدماغية»، التي تعمل كنظام إنذار مبكر، فتطلق سلسلة من الاستجابات الجسدية، مثل تسارع ضربات القلب، وزيادة تدفق الدم للعضلات، لتمكين الفرد من القتال أو الهروب أو التجمّد في مواجهة الخطر.

تكمن أهمية هذا الكتاب في تفسير استمرار هذه الآليات في الحياة الحديثة، حيث لم يعُد الإنسان يواجه أخطارًا بدائية، وإنما مواقف اجتماعية ونفسية مثل ضغط العمل، أو التوتر اليومي. ومع ذلك، يستجيب لها الدماغ بالنمط نفسه. هذا التفاوت بين تطور الحضارة وبطء تكيف الدماغ يفسر العديد من السلوكيات الاندفاعية، إذ قد تصدر ردود فعل سريعة قبل أن تصل الإشارات إلى المراكز الإدراكية العليا، وهو ما يجعل الفرد يتصرف أحيانًا بطريقة يندم عليها لاحقًا.

يميز المؤلف في كتابه بين الخوف والقلق، حيث يرتبط الأول بتهديد مباشر وواضح، في حين يعكس الثاني حالة من الترقب لتهديد غير محدد أو مستقبلي، وهو تمييز يتيح فهمًا جيّدًا لآليات التفكير الإنساني في مواجهة المخاطر.

يمنح الكاتب القلق قدرةً معرفية ذات وظيفة استباقية تساعد الإنسان على التنبؤ بالمخاطر والتخطيط لها. فالقلق المعتدل يمكن أن يعزّز الأداء ويحفّز التفكير، في حين يتحوّل إلى عبءٍ عندما يتجاوز حدوده الطبيعية ويؤثر في التوازن النفسي. كما يشير المؤلف إلى أن الخوف قابلٌ للتعلّم والاكتساب من خلال التجربة أو البيئة الاجتماعية، وقد ينتقل بين الأفراد أو عبر الأجيال، وهو ما يعكس تعقيد التفاعل بين العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية في تشكيل الانفعالات.

المميّز في هذا الطرح، أن الكاتب يدعمه من خلال عرض تطبيقات علمية حديثة، خاصةً في علاج اضطراب ما بعد الصدمة، حيث تظهر الأبحاث أن الدماغ قادر على إعادة التعلم، مما يسمح بتقليل شدة الاستجابات الخوفية عبر تقنيات علاجية متقدمة مثل العلاج بالتعرض أو استخدام الواقع المُعزَّز.

هذه النتائج تفتح آفاقًا جديدة لفهم الخوف بوصفه ظاهرةً قابلة للتعديل والتوجيه. كما يتناول الكتاب دور الخوف في تشكيل السلوك الجماعي، موضّحًا كيف يمكن توظيفه في مجالات مثل السياسة والإعلام للتأثير في القرارات، وهو ما يبرز أهمية الوعي بهذه الآليات لتفادي الانقياد لها.

القراءةالكتب
نشرة إلخ
نشرة إلخ
أسبوعية، الأربعاء منثمانيةثمانية

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.

+30 متابع في آخر 7 أيام