إيجي بست: الحكاية دون أصحابها

يعتقد البعض أن الحركة النقدية قاسية جدًّا على الأفلام السعودية، ويتحجّج بأنها صناعة وليدة، بل ويصل إلى المطالبة بعدم وجود حركة نقدية. أتفهّم هذا الموقف، وأفهم الاحتياج إلى تراكم التجارب لصناعة أفلام ممتازة.
لكنني أعتقد أن أهمية الحركة النقدية أن تكون مسارًا لتصفية السينما السعودية من غير الموهوبين، فبعض التجارب لا تستحق تجارب أخرى، وهنا دور النقد.
نايف العصيمي

«إيجي بست» لا يمتّ للحقيقة بصلة!
عهود أبو خيرة

أي محب ومتابع للأفلام والمسلسلات يتذكر تلك اللحظة التي ظهر فيها على الإنترنت موقع باسم «إيجي بست». لحظة شعر فيها كثيرون كأنهم عثروا على كنز حقيقي؛ مكان يجمع كل ما كان الوصول إليه صعبًا أو مرهقًا. فجأة، أصبحت أفلامك المفضلة، وأعمال من مختلف أنحاء العالم، وحتى أغرب التصنيفات التي لا تجدها بسهولة، موجودةً في منصة واحدة. مكتبة ضخمة ومرتبة ومترجمة، ومجانية بالكامل!
ذلك الأثر الذي تركه الموقع في ذاكرة الناس بدا واضحًا منذ اللحظة الأولى لوصولي إلى السينما. ذهبت في منتصف الأسبوع، وهو موعدي المفضل للهروب من الزحام، مطمئنة أنني سأدخل متأخرة قليلًا وأجد مكاني بسهولة. لكنني فوجئت بالمكان مزدحمًا على غير المعتاد، ولم يتبقَّ سوى مقعد واحد شاغر، كأنه كان ينتظرني. عندها فقط أدركت حجم الارتباط العاطفي بهذا الموقع، وأن الفضول لمعرفة صُنّاعه قادر حتى على زعزعة هدوء منتصف الأسبوع.
جلست، وانطفأت الأنوار، واشتعل معها فضولي: من يقف خلف هذه المنصة؟ وكيف بدأت رحلتهم؟
حقيقة غائبة
تدور أحداث الفِلم حول الصديقين «شوقي» (أحمد مالك) و«صابر» (مروان بابلو)، اللذين يعيشان في حي شعبي ويواجهان ضائقة مادية. تبدأ الحكاية حين يعجز «شوقي» عن شراء تذكرة سينما لخطيبته «أنوار» بسبب قلة المال، فيساعده صديقه «صابر» على تصوير الفِلم من داخل القاعة وسرقته. ومن هذه اللحظة البسيطة، تنطلق شرارة الفكرة التي ستقود لاحقًا إلى إنشاء منصة «إيجي بست» لقرصنة الأفلام عبر الإنترنت.
القصة، على مستوى البناء، مكتوبة بتماسك واضح، ويُحسب لصنّاع الفِلم أنهم حاولوا إضفاء طبقات إنسانية وعاطفية تمنحها عمقًا أكبر. وبدل الاكتفاء بحكاية موقع شهير، اختار العمل أن يتناول الصداقة والخذلان والطموح، وما قد يفعله الفقر بالعلاقات حين يصبح النجاح فجأة قريبًا من اليد.
لكن في المقابل، كان الفِلم بالنسبة إليّ مخيِّبًا في نقطة أساسية: إذ إنه لا يمتّ لأحداث القصة الحقيقية بصلة مباشرة. كنت أطمح فعلًا إلى معرفة المزيد عن الأشخاص الذين يقفون خلفه، وأن أتعرّف على رحلتهم كما حدثت فعلًا، لا كما تُتخيّل دراميًّا. فاسم «إيجي بست» تحوّل لدى كثيرين إلى حالة من الارتباط الشخصي، كأنك على وشك لقاء أشخاص عرفت أثرهم طويلًا من خلف الشاشة.
إلا أنه لا يقدّم تلك القصة فعلًا، بل يكتفي -بحسب ما صرّح به أحمد حسني مؤلّف العمل في أحد اللقاءات- بالاعتماد على «قصة الموقع» فقط، من خلال تتبُّع محطاته المفصلية على الإنترنت، ولحظات إغلاقه وعودته، إلى جانب الحسابات المرتبطة به على تويتر وغيرها، بعدما تعذّر الوصول إلى صُنّاعه الحقيقيين.
وهنا ضاعت، في رأيي، فرصة ثمينة لصناعة فِلم يوثّق رحلة هؤلاء، ويخلّد ما عاشوه من تحديات، على غرار «The Social Network» الذي تناول بدايات فيسبوك، وحوّل قصة تأسيسه إلى دراما سينمائية لا تُنسى.
هذا الانفصال عن الواقع استشعرته في أثناء المتابعة، حتى قبل اطلاعي لاحقًا على لقاء مؤلف العمل. يتجلّى ذلك بوضوح في تركيزه على العلاقة المعقدة بين «شوقي» و«صابر» وخطيبة شوقي «أنوار». ومع تصاعد الأحداث، تتحول الحكاية تدريجيًّا من قصة تأسيس منصة شهيرة إلى صراع بين صديقين، واختبار حقيقي لمعنى الصداقة.
والإنصاف يُقال هنا: قُدّم هذا المسار الدرامي بإتقان، وكان من أكثر عناصر الفِلم تشويقًا. لكن المشكلة أن هذا التركيز جاء على حساب الجانب الأكثر إثارة فعلًا، وهو عالم سرقة الأفلام نفسه. كيف بدأت العملية؟ كيف تطورت؟ كيف وُفِّر هذا الكم من الأعمال المتنوعة؟ هذه الأسئلة عولجت بسرعة، من خلال مونتاج مختصر، دون التوقف عند حجم المخاطرة أو التعقيد الحقيقي وراءها.
فالحصول على نسخة واحدة مصوّرة من داخل السينما بجودة متواضعة أمر يمكن تصديقه، أما بناء مكتبة كاملة تضمّ أفلامًا كثيرة وبجودة جيدة، فذلك عالم أكثر تعقيدًا وذكاءً وخطورة، وكان يستحق مساحة أكبر بكثير مما منحها له الفِلم.
تفاصيل تصنع التعاطف
بما أن القصة متخيلة أصلًا، كان من الذكاء أن يختار الفِلم أبطاله من الطبقة الكادحة ومن أحياء القاهرة الشعبية. هذا القرار يمنح الشخصيات تعاطفًا فوريًّا، ويجعل دافعهم مفهومًا أكثر: حب السينما في مقابل واقع مادي لا يسمح بثمن التذاكر أو الاشتراكات. كما أنه يقترب من شريحة واسعة من الجمهور الذي رأى في الموقع خيارًا أوفر وأسهل.
لكن تجسيد هذه البيئة ليس أمرًا بسيطًا، لأنه يعتمد على تفاصيل دقيقة في الحركة، والنبرة، ولغة الجسد. وهنا تظهر ملاحظتي على أحمد مالك، الذي ما زلت أرى أنه غير قادر بالكامل على محاكاة هذه الطبقة الاجتماعية بإقناع. كان لديّ الإحساس ذاته في مشاهدتي الأخيرة لمسلسله الرمضاني «سوا سوا». ففي الحالتين، بدا أحيانًا كأنه يؤدي الشخصية أكثر مما يعيشها، ما أثّر نسبيًّا على مصداقيتها وثقلها داخل العمل، رغم موهبته الواضحة في التمثيل.
يظهر الفارق بوضوح عند مقارنته ببابلو، الذي بدا كأنه يعيش الدور أكثر مما يؤديه، ما منح إحساسًا حقيقيًّا بشخص نشأ في بيئة صعبة وفقيرة، من دون أي جهد ظاهر لإقناع المشاهد. الأمر نفسه ينطبق على سلمى أبو ضيف في دور «أنوار»، التي قدّمت الشخصية بدرجة عالية من التصديق، وهو ما بدا امتدادًا طبيعيًّا لنجاحها سابقًا في تجسيد شخصية مشابهة في مسلسل «أعلى نسبة مشاهدة». حضورهما إلى جانب أحمد مالك جعل التباين أوضح، وكشف تفاوت مستوى التصديق بين الممثلين داخل العالم نفسه.
هذا التصديق في رسم الشخصيات هو ما جعل الفِلم ينجح أيضًا في خلق إرباك أخلاقي ذكي. في أثناء المشاهدة، وجدت نفسي أحبهم أكثر فأكثر، وأتفهم أفعالهم، بل وأبررها أحيانًا. أنت تتابع أشخاصًا تعرف تمامًا أن ما يفعلونه سرقة، ومع ذلك تميل إليهم إنسانيًّا وتتفهم ظروفهم. وهذه من أجمل مناطق الفِلم؛ أن يضع المشاهد في مساحة رمادية بين الخطأ والصواب، ويخلق صراعًا داخليًّا بين القانون والتعاطف.
لكن ما ينقص الحكاية أنها لم تتطرق كفايةً إلى الوجه الآخر من هذه القرصنة: أثرها في صُنّاع الأفلام أنفسهم، أولئك الذين تُسرق أعمالهم. ورغم أن الفِلم تطرّق إلى هذا الجانب عبر شخصية المنتج التي مثّلها أحمد فهمي، فإن حضوره جاء سريعًا وعابرًا. ربما لو مُنح مساحة أكبر لكان قادرًا على توسيع الحكاية، وجعل الصراع أكثر تعقيدًا من مجرد «فقراء يسرقون لأنهم محتاجون». كما أن قضايا النيابة، والأحكام التي صدرت ضد أصحاب الموقع، كانت ستحمل ثراءً دراميًّا أكبر لو اقتربنا منها بجرأة أكبر.
وهنا أصل إلى نقطة أراها متكررة في كثير من الدراما العربية: التردد في مواجهة القصة الأصلية بكل تناقضاتها. في حين أن الأعمال الأقوى غالبًا هي تلك التي تقترب من الحقيقة قدر الإمكان، وتمنح المشاهد الصورة كاملة، بدلًا من الاكتفاء بالجانب الأكثر أمانًا منها فقط.
الخلاصة؟
«إيجي بست» عمل درامي ذكي وجيد، عرف كيف يستثمر اسمًا عالقًا في ذاكرة جيل كامل، ويحوّله إلى حكاية شعبية مشوقة، متماسكة البناء، وسلسة الإيقاع.
لكن العتب الحقيقي يكمن في ميل الفِلم إلى الميلودراما أكثر من تعمقه في العالم الحقيقي للموقع؛ فطغت صراعات الصداقة والخيانة على تفاصيل أكثر إثارة، مثل كيفية نشأته، وآلية عمله، واستمراره كل تلك السنوات. ولعل الذاكرة المجتمعية التي عاصرت هذه المنصة، ولا تزال تحتفظ بتفاصيلها حتى اليوم، زادت ذلك الإحساس بالانفصال بين الاسم الراسخ في الذاكرة والحكاية المعروضة على الشاشة.
وتبقى المفارقة الأطرف أن من نقلوا أعمال الآخرين طويلًا، نُقلت قصتهم هي الأخرى… على يد غيرهم.

إذا فاتتك الورش التي أُقيمت في السنوات الماضية،
بكل النقاشات والمعارف والأسئلة السينمائية الثرية لكل مهتم بالسينما؛ فلا تأسف.
منصة «سينماء» أرشفت وحفظت كل الورش والجلسات النقدية وأتاحتها للجميع.
ليكتمل المشهد، تعرف على «سينماء».

.png)

في دور السينما
يُعرض اليوم فِلم «محاربة الصحراء»، أحد أوائل الإنتاجات السينمائية الضخمة التي صُوّرت في نيوم، ضمن إنتاج مشترك مع «MBC Studios». تدور أحداثه في الجزيرة العربية خلال القرن السابع، حيث تهرب الأميرة «هند» من الإمبراطور «كسرى» بمساعدة المحارب الغامض «حنظلة»، في رحلة مستوحاة من أجواء الصراع العربي الساساني ومعركة ذي قار الشهيرة.
كما يُعرض فِلم «سفاح التجمع»، وهو فِلم تشويقي مستوحى من قضية «سفاح التجمع الخامس» التي شغلت الرأي العام في مصر. يتناول العمل قصة قاتل متسلسل يعيش حياة مزدوجة خلف مظهر هادئ، قبل أن تقوده علاقة عاطفية جديدة إلى سلسلة من الجرائم الغامضة التي تكشف وجهه الحقيقي.
ويُعرض كذلك فِلم «I Swear»، الذي يروي قصة شاب شُخّص بمتلازمة توريت منذ طفولته، ليخوض سنوات من العزلة وسوء الفهم من محيطه. يقدّم العمل رحلة إنسانية مؤثرة عن التحدي وتقبُّل الذات، وتجاوز نظرة المجتمع.
كما يُعرض فِلم الرعب «This Is Not a Test»، الذي تدور أحداثه داخل مدرسة مهجورة تتحول إلى ملاذ أخير لمجموعة من الطلاب بعد اجتياح العالم وباء الزومبي. ومع تصاعد التهديد في الخارج، يدخل الناجون سباقًا مرعبًا من أجل البقاء.
📰 أخبار وإعلانات سينمائية
انطلق تصوير فِلم «Superman: Man of Tomorrow»، الجزء الجديد من عالم «DC Studios» السينمائي، مع عودة ديفيد كورنسويت في دور سوبرمان، وسط ترقب واسع من جمهور أفلام الأبطال الخارقين. ومن المخطط عرض الفِلم في دور السينما بتاريخ 9 يوليو، 2027.
انطلقت عمليات تصوير فِلم «Gundam» بنسخة حيّة على ساحل قولد كوست الأسترالي، من إنتاج «Legendary Pictures» وبمشاركة سيدني سويني ونواه سينتينيو، وإخراج جيم ميكل. يأتي العمل اقتباسًا سينمائيًّا ضخمًا لإحدى أشهر سلاسل الأنمي اليابانية، بعد سنوات من المحاولات لتقديمها على الشاشة العالمية.
طرحت شركة «A24» إعلانًا تشويقيًّا جديدًا لفِلم «The Death of Robin Hood»، الذي يقدم رؤية أكثر قتامة لأسطورة «روبن هود» الشهيرة، من بطولة هيو جاكمان وبمشاركة جودي كومر وبيل سكارسقارد. يتولى إخراج الفِلم مايكل سارنوسكي، على أن يُعرض في دور السينما بتاريخ 19 يونيو، 2026.
طرحت شركة «Warner Bros» أول إعلان تشويقي رسمي لفِلم «Practical Magic 2»، مع عودة نيكول كيدمان وساندرا بولوك إلى بطولة الجزء الجديد بعد سنوات طويلة من صدور الفِلم الأصلي. يعيد العمل إحياء العالم السحري الذي اشتهر به الجزء الأول، وسط اهتمام واسع من جمهور الفِلم، على أن يُعرض في دور السينما سبتمبر 2026.
📺 عروض المنصات الرقمية
على «+OSN» تُعرض الحلقة الأولى من الموسم الرابع من مسلسل «From»، الذي يواصل متابعة سكان البلدة الغامضة المحاصرين داخل مكان يستحيل الهروب منه، بينما يكافحون للبقاء وسط تهديدات مرعبة، وأسرار تزداد تعقيدًا كلما اقتربوا من الحقيقة.
ويُعرض كذلك على «+OSN» مسلسل الدراما «Half Man»؛ تدور أحداثه حول «روبن» الذي يظهر فجأة في حفل زفاف شقيقه المنقطع عنه «نايل»، ليشعل حضوره مواجهة عاطفية تعيد فتح أربعين عامًا من الذكريات والتوترات والعلاقة المعقدة بينهما.
وعلى نتفلكس، يُعرض مسلسل الإثارة «Unchosen» الذي يتمحور حول «روزي»؛ الزوجة والأم التي تعيش داخل طائفة مسيحية متشددة، قبل أن يؤدي لقاؤها بسجين هارب إلى زعزعة عالمها بالكامل. لتنطلق في رحلة محفوفة بالخطر نحو الحرية واكتشاف ذاتها.
ويُعرض كذلك على نتفلكس الموسم الثاني من مسلسل الكوميديا «Running Point»، الذي يواصل متابعة «إيسلا قوردون» بعد تولّيها رئاسة فريق «Los Angeles Waves». حيث تواجه تحديات جديدة وصراعات عائلية متصاعدة، بالتزامن مع محاولاتها لإثبات قدرتها على قيادة فريق رياضي.
وعلى «+Apple TV» يُعرض الموسم الثاني من مسلسل الجريمة «Criminal Record»، الذي يواصل متابعة المحققة «جون لينكر» والمحقق «دانيال هيقارتي»، بينما تقودهما قضية جديدة إلى أسرار قديمة وشبكة معقدة من الفساد والتستر.

«Tony’s Theme»(3:10)


حين أخرج براين دي بالما فِلم «Scarface»، لم يصنع فِلم عصابات بالمعنى المألوف، بل كان يوسّع الفِلم إلى شيء أقرب إلى ملحمة عن الطموح والجشع وإعادة تصوّر «الحلم الأمريكي» بطريقة مشوّهة.
وأثار الفِلم عند صدوره انقسامًا حادًّا، وتعرّض لانتقادات بسبب عنفه الفجّ. لكن ما بدا صادمًا وقتها عزّز من مكانة الفِلم لاحقًا، حتى أصبح واحدًا من أكثر أفلام الجريمة تأثيرًا في الثقافة الشعبية. إذ تحوّلت شخصيّاته وعباراته إلى رموز تُستعاد في الفن، مثل موسيقا الهيب هوب أو في أفلام أخرى.
تبدأ القصة مع «توني مونتانا»، لاجئ كوبي يصل إلى ميامي، ثم يشقّ طريقه من هامش الجريمة إلى مركز السلطة داخل تجارة المخدّرات. يعامل الفِلم هذا الصعود بوصفه حركة تراكمية تُنتج معها رغبةً أكبر، وعنفًا أكبر. ولهذا، تبدو القصة في جوهرها أقل انشغالًا بما إذا كان «توني» سينجح، وأكثر انشغالًا بالشكل الذي سيأخذه هذا النجاح حين يتحوّل إلى قوّة منفلتة.
صوت الإمبراطورية
هنا تدخل موسيقا جورجيو مورودور في واحد من أكثر الخيارات الجمالية جرأةً في الفِلم، إذ كان المتوقع مع فِلم جريمة بهذا الحجم، موسيقا أوركسترالية ثقيلة، لكن ذهب الاختيار إلى أصوات إلكترونية باردة، قائمة على السينثسايزر، والـ«LinnDrum»، واختيارات موسيقية متنوعة من أغاني الـ«Synth-pop».
وانسجم هذا القرار مع عالم الفِلم؛ عالم المال السريع، والترف الصناعي، والسلطة. والمثير أن الاستوديو حاول لاحقًا استبدال هذه الموسيقا في إعادة إصدار الفِلم، لكن رفض دي بالما ذلك، وعدّها جزءًا لا يُفصل عن هوية الفِلم.
مقطوعات أيقونية
مقطوعة «Tony’s Theme»
تمثّل الثيمة المركزية للشخصية، وتقوم على لحن يحمل مسارًا صاعدًا، لكن توزيعه لا يمنح شعورًا خالصًا بالانتصار. حضور السينثسايزر فيها كثيف، مع دعم هارموني يضفي طابعًا قدريًّا على اللحن. لذلك قد تُسمع كإنذار، كونها تُستخدم في لحظات مرتبطة بتمدد نفوذ «توني»، لكنها لا تؤكّد استقراره، بحيث تُبقي داخله شيئًا معلّقًا ومهدّدًا.
أغنية «Scarface (Push It to the Limit)» لـ«Paul Engemann»
تظهر في أشهر جزئية في الفِلم، بعد استيلاء «توني» على إمبراطورية «فرانك لوبيز». تعتمد على إيقاع سريع، مع استخدام واضح لآلة «LinnDrum»، وخطوط سينث متكررة تمنح المقطوعة اندفاعًا مستمرًّا، فيما يأتي اللحن والغناء معًا كقوة دفع. تبني الأغنية صعود الإمبراطورية زمنيًّا، إذ تُختصر سنوات من التوسّع وتضخّم الثروة، في جزئية تقودها الموسيقا.
أغنية «Rush Rush» لـ«Debbie Harry»
تظهر في مشاهد مرتبطة بعالم المخدّرات والانجذاب إلى هذا النمط من الحياة، مثل مشهد ملهى بابيلون. تقوم على نبض إلكتروني بارد، وخط غنائي يوظّف التكرار والإيقاع لصناعة حالة إغواء. تعتمد الأغنية على المزاج والملمس الصوتي؛ ما جعلها تكشف البيئة النفسية والأخلاقية التي يتحرّك فيها الفِلم. حتى كلماتها تُقرأ بوصفها متواطئة مع «الإحساس المخدَّر» الذي يحكم هذا العالم.
عبدالعزيز خالد


اليوم نقول أكشن مع المشهد الأذكى من فِلم «The Social Network»، من إخراج ديفيد فينشر، والصادر عام 2010.
تدور أحداث الفِلم حول «مارك زوكربيرغ»، طالب في جامعة هارفارد يعاني من صعوبة الاندماج والانضمام إلى النوادي الطلابية. لكنه مبرمِج شديد الذكاء؛ يفهم لغة الأرقام والبرمجة أكثر من فهمه للعلاقات البشرية. بعد خلاف مع صديقته «إيريكا أولبرايت» يدفعها إلى الانفصال عنه، يعود تلك الليلة غاضبًا، ويقرر إنشاء موقع إلكتروني بدافع الانتقام منها والسخرية من مجتمع طلاب هارفارد.
ورغم أن هذا الاختراع جرّ عليه عواقب ومشكلات داخل الجامعة، كان البوابة الأولى نحو الفكرة الأكبر: صناعة منصة فيسبوك؛ المنصة التي يتواصل عبرها الجميع، والنادي الاجتماعي العالمي الذي لا يستطيع أحد إقصاءه منه.
في المشهد الأخير، وبعد رحلة طويلة كشفت ولادة المنصة، وما رافق صعودها من صراعات وخيانات وعقبات قانونية، وكل الضجيج الذي صاحب صعود المشروع، ينتهي الفِلم بعد وصول «مارك» إلى تسوية في القضايا التي لاحقته، وتخبره محاميته بالأمر.
إلا أن أجمل ما في الختام، أنه يختار نهاية أكثر هدوءًا وذكاءً من أي انتصار تقليدي؛ نراه جالسًا وحيدًا في مكتبه الضخم، وقد أصبح مليونيرًا وقائدًا لإحدى أكبر الشركات في العالم وأكثرها شهرة وتأثيرًا. يفتح حسابه في فيسبوك، ويبحث عن اسم صديقته «إيريكا»، ويرسل إليها دعوة صداقة، ثم يعيد تحديث الصفحة أكثر من مرة ليرى إن كانت قبلت إضافته أم لا. ورغم بساطة النهاية وصغر حجم هذا التصرف، فإنني أراها من أذكى النهايات، لأنها تعبّر عن مشكلة البطل الحقيقية وعقدته الأساسية بطريقة هادئة وعميقة، دون الحاجة إلى شرح مباشر.
فالبطل في المشهد الافتتاحي كان يحاول جاهدًا أن يندمج في مجتمع النوادي والعلاقات الاجتماعية، في محاولة لإبهار صديقته وإثبات مكانته. لكنّ تركها له ورفضها إياه، جعلاه يبني إمبراطورية كاملة للتواصل الاجتماعي، أكبر بكثير من حاجته الحقيقية. وهو شعور نابع في الأساس من غضبه تجاه المجتمع الذي نبذه في البداية، ورفض دخوله إلى دوائره الجامعية المغلقة.
إغلاق الفِلم بهذه اللحظة جاء قويًّا؛ فبعد أن حقق كل ما طمح إليه وبنى أكبر منصة للتواصل، يعود في النهاية إلى نقطة البداية: المشكلة التي لم تُحلّ داخله؛ افتقاده التواصل الإنساني الحقيقي، وليس مجرد اتصال رقمي.
وهنا يعكس الفِلم جوهر التواصل الحديث؛ يبدو أكثر بريقًا واتساعًا، لكنه كثيرًا ما يعجز عن إشباع حاجتنا الحقيقية إلى القرب والصدق والانتماء. حتى لو ربطت ملايين البشر ببعضهم، فقد تظل تبحث في داخلك عن صلة واحدة صادقة ونابعة من القلب.
عهود أبو خيرة

فقرة حصريّة
اشترك الآن


حين كتب ماريو بوزو سيناريو «The Godfather»، لم يكن قد كتب سيناريو واحدًا من قبل. كان كاتبًا روائيًّا يدخل السينما للمرة الأولى، قبل أن يفوز لاحقًا بالأوسكار عن النص نفسه. قرر أن يطوّر من أسلوبه بعد فوزه بالجائزة ونجاح سلسلة الأفلام؛ اشترى كتاب تعليم أصول كتابة السيناريو، ووجد بين صفحاته نصيحة تدعو إلى دراسة سيناريو «The Godfather» بوصفه نموذجًا يُحتذى به.
وبهذه المعلومة نستهلّ فقرة «دريت ولّا ما دريت» عن سلسلة أفلام «The Godfather»:
في أثناء التحضير للجزء الأوّل، لم يكن مارلون براندو الخيار المفضّل لدى الاستوديو، بل كان يُنظر إليه ممثّلًا تراجعت مكانته، ولا يمكن التعويل عليه في إنتاج ضخم. لكن في اختبار أداءٍ صوّره -برغبة شخصية- المخرج فرانسيس فورد كوبولا، أعاد براندو اختراع شخصية «فيتو كورليوني»، وحَشا فمه بمناديل، وصفّف شعره إلى الخلف، وخفّض صوته، وبدأ يتكلم كرجل عجوز. فأُعجب كوبولا بما رآه، وحارب قرار الاستوديو وأصرّ على اختياره، لتولد واحدة من أشهر الشخصيات في تاريخ السينما من اختبار أداء كاد لن يحدث أصلًا!
أيضًا لم يكن آل باتشينو الخيار الأول للاستوديو لدور «مايكل كورليوني»، وعارضوه مرارًا، وعدّوا حضوره «هادئًا أكثر من اللازم». وطُرحت فكرة استبداله في منتصف التصوير، قبل أن يغيّر مشهد المطعم نظرة الاستوديو، ويُثبت أن الهدوء كان جزءًا من تحوّل الشخصية، لا عيبًا فيها.
رغم أن «The Godfather» أشهر فِلم عن المافيا، تكاد كلمة «مافيا» لا تُقال في جزئه الأول، بعد ضغوط مارسها جوزيف كولومبو -زعيم إحدى عائلات الجريمة في نيويورك- أدّت إلى حذفها من النص. لكن في الأجزاء اللاحقة، لم يستمر الضغط بالشكل نفسه، لكن السلسلة حافظت على الأسلوب نفسه، مفضّلة الإشارة غير المباشرة إلى هذا العالم بدل تسميته صراحة.
رُشّح لحن نينو روتا الشهير للأوسكار، ثم سُحب ترشيحه بعدما تبيّن أن المؤلف استخدم مادة موسيقية سبق أن ظهرت في عمل قديم.
تظهر بعض السيارات في الجزء الأوّل بصدامات خشبية بدل الصدامات المعدنية، كون أحداث الفِلم تدور في وقت الحرب العالمية الثانية. فكانت تُستبدل بالصدامات المعدنية أخرى خشبية في بعض السيارات، بسبب نقص المعدن وتحويله للمجهود الحربي.
لم يكن كوبولا يرغب في إخراج الجزء الثاني بعد التجربة الشاقّة في الأول، وحاول الاكتفاء بدور المنتج، ورشّح مارتن سكورسيزي للإخراج. لكن الاستوديو رفض، فعاد إلى المشروع بشروط تضمن له سيطرة إبداعية أوسع.
كاد الجزء الثاني يتوقّف حين أبدى آل باتشينو اعتراضه على أجره في الفِلم، فهدّده كوبولا بإعادة كتابة السيناريو، وافتتاح الفِلم بمشهد جنازة «مايكل»؛ فقبل آل باتشينو العرض واستمر المشروع.
أراد كوبولا عودة براندو لتجسيد «فيتو» الشاب، لكنه رفض بسبب تعامل الاستوديو معه خلال تصوير الجزء الأول، فذهب الدور إلى روبرت دي نيرو، الذي أمضى أشهرًا في صقلية لتعلّم اللهجة المحلّية، وفاز لاحقًا بالأوسكار عن الدور.
في الجزء الثاني، أُعيد تصوير بعض مشاهد الماضي (Flashbacks)، لأن البناطيل احتوت على سحّابات لم تكن موجودة في تلك الحقبة.
تُعَد ثلاثية «The Godfather» واحدة من سلسلتين فقط في تاريخ الأوسكار رُشِّحت جميع أجزائها لجائزة أفضل فِلم. الثانية هي ثلاثية «The Lord of the Rings».
من أكثر ما يُتداول عن سلسلة «The Godfather» أن استخدام البرتقال فيها كان رمزيةً للموت. لكن بحسب روايات من فريق العمل، فإن ظهوره في الجزء الأوّل بدأ لسبب بصري لا رمزي، إذ استُخدم لكسر هيمنة اللون البنّي والدرجات الداكنة في الصورة. وبعد ملاحظة تكراره، استُخدم لاحقًا بوعي أكبر في الأجزاء التالية، ما جعله يُقرأ بوصفه إشارة مرتبطة بالخطر أو الموت.
عبدالعزيز خالد

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.