«ربشة» فِلم بسيط!
زائد: لقاء مع المنتج فؤاد الخطيب.

في صناعة الأفلام، غير كونك مبدعًا، من الضروري أن تعرف كيفية الحصول على الدعم الكافي لصناعة فِلمك. وضيفنا في هذه الحلقة فؤاد الخطيب؛ منتج تنفيذي يجيد لغة الإنتاج والمال. يشرح الخطيب في الحلقة مشكلات الإنتاج، وسبل إقناع المستثمرين، ونمط الأفكار التي حققت نجاحات في شباك التذاكر.
حرصت على أن يكون هذا اللقاء موجهًا إلى صنّاع الأفلام، ليستفيدوا منه قدر المستطاع.
نايف العصيمي

«ربشة» فكرة ممتعة، أثقلتها معالجة ضعيفة
عبدالعزيز خالد


من أكثر المشكلات تكرارًا في الأفلام التي أجدها «غير مُقنعة» أنها تُبنى تقريبًا من النهاية؛ فمن الممكن أن تخطر في بال الكاتب لحظة صادمة، أو تحوّل درامي يعجبه، ثم يبدأ بكتابة نص يبحث عن طريق يوصله إلى هذه الفكرة بأي شكل. تترك هذه الآلية أثرًا في الفِلم، فيبدو كل شيء موضوعٍ في مكانه لخدمة لحظة محددة، لا لأن القصة تفرضه. وهذا بالضبط ما شعرت به في مشاهدتي فِلم «ربشة».
أساس قصصي ممتاز
يدور فِلم «ربشة» حول «فيصل» وزوجته «نهى»، اللذين يعيشان نهاية مرحلة متوترة في علاقتهما بعد خيانة سابقة من «فيصل». ومع بداية الفِلم، تبدو «نهى» قد قررت تجاوُز ما حدث ومنح العلاقة فرصة جديدة؛ يتجسّد ذلك في أجواء يوم ذكرى زواجهما، حيث يحاول الطرفان استعادة قدر من الاستقرار.
لكن هذا المسار ينقطع مع اتصال «ريان»، صديق فيصل، يطلب منه فتح باب منزله بسرعة. يدخل «ريان» وهو يحمل «عائشة» فاقدة الوعي بعد تعاطيها المخدرات، ويتضح أن الثلاثة يرتبطون بعلاقة معرفة قديمة. ينطلق الفِلم في رفع مستوى التوتر مع محاولة «فيصل» إخفاء وجود «عائشة» داخل المنزل، في وقت توجد فيه «نهى» ووالدتها، ما يضعه تحت ضغط متصاعد بين الحفاظ على استقرار علاقته الزوجية، والتعامل مع موقف طارئ يهدّد بكشف أسرار جديدة.
تشويق يتآكل
تعتمد القصة على عنصر التشويق بشكل يجعلها قابلة للاستمتاع بسهولة. يعرف الفِلم كيف يشدّ انتباهك في كثير من مشاهده، ويحاول الاستفادة من محدودية المكان -بيت «فيصل» و«نهى»- لبناء توتر مستمر. لكن هذا الشدّ لا يستمر مع تقدم الأحداث، إذ يبدأ الفِلم بالتخلي عن منطقه، ويتحوّل تدريجيًّا إلى بناء مُفتعل تُدفع فيه الشخصيات والمواقف نحو اتجاهات لا تنبع منها. مثل تصاعد سلوك «فيصل» نحو العنف، ثم تحوّله الحادّ في النهاية؛ لم يعتمد على تراكم نفسي أو مواقف تدفعه تدريجيًّا، بل يبدو كأنه قفزة مفروضة لتبرير النهاية.
المشكلة الأولى والأوضح
أداء بطلَي الفِلم، عزيز غرباوي ونجلاء العبدالله، كان باهتًا في معظم اللحظات، والتناغم بينهما غائب تمامًا؛ ما يُضعف العلاقة الأساسية التي يُفترض أن يحملها الفِلم. وبسبب ضعفها، يصعب عليّ الارتباط بالشخصيتين أو تصديق توترهما. تتفاقم هذه المشكلة بسبب كتابةٍ لا تمنح بعض الشخصيات دوافع كافية، مثل الأم التي تمرّ بتحولات مفصليّة؛ وقوفها بجانب «فيصل» ضد ابنتها، دون تمهيد كافٍ يجعلها مقنعة.
لكنّ رهف إبراهيم تَبرز بوصفها أقوى حضور تمثيلي في الفِلم. كان أداؤها الوحيد الذي يحمل روحًا في التمثيل واتزانًا وواقعية في التعبير، ونجحت في أكثر من مشهد في تقديم مستوًى يتفوّق على بقية الممثلين. يكشف وجودها الفجوة أكثر، ويُثبت أن للفِلم فكرةً مميزة، وكان سينجح لو كانت الأداءات قريبة من مستوى رهف.
خلل النبرة والإيقاع
الجمع بين الغموض وآثار الحدث والكوميديا السوداء داخل مساحة محدودة، يتطلب تحكمًا عاليًا في الإيقاع والنبرة. وأفلام المكان الواحد، على أنها أبسط ظاهريًّا، تعتمد على دقة التنفيذ واختيار الممثلين، وإدارة صارمة للتصاعد، لأن مساحتك بوصفك مُخرجًا ضيقةٌ في استعراض أيّ جوانب أخرى. لكنّ هذا التوازن لا يتحقق في «ربشة»، إذ تتذبذب نبرته، ويُدفع دفعًا نحو نقاط محددة، ما يجعله يبدو متكلّفًا.
تمنّيت لو ركّز الفِلم على الكوميديا السوداء أكثر، أو على الأقل يعطيها حقّها. فكان من الممكن أن يرفع مستوى اللامنطقية، أو يبني نهاية بمشاهد بنفس رتم مشهد القتال في نهاية فِلم «Once Upon a Time in Hollywood». في أكثر من لحظة في نهاية الفِلم تخيّلت هذا التوجّه، لكن ما شاهدته كان مخيّبًا للآمال.
نهاية متسرعة
أغرب ما في الفِلم زمنه الذي يصل إلى ساعة وربع فقط، كأنه حلقة تجريبية (Pilot)! ما المشكلة في استثمار عشرين دقيقة إضافية مثلًا لتطوير الشخصيات ومنح النهاية وزنًا أكبر؟ لكن ما حدث تسريع للوصول إلى تحوُّل «فيصل» إلى الشخصية السايكوباثية، حتى لو جاء ذلك على حساب المنطق والتراكم.
مشكلة «ربشة» واضحة: فكرته قوية وتحمل إمكانية درامية، لكنها تُستنزف بسبب طريقة بناء غير منضبطة. لكن أعتقد أنه يوضّح فكرة أننا لا نحتاج إلى قصص معقدة وضخمة حتى تصبح أفلامنا جديرة بالمشاهدة.

إذا فاتتك الورش التي أُقيمت في السنوات الماضية،
بكل النقاشات والمعارف والأسئلة السينمائية الثرية لكل مهتم بالسينما؛ فلا تأسف.
منصة «سينماء» أرشفت وحفظت كل الورش والجلسات النقدية وأتاحتها للجميع.
ليكتمل المشهد، تعرف على «سينماء».



📽️ في دور السينما
يُعرض اليوم فِلم «EgyBest»، من بطولة أحمد مالك و مروان بابلو. تدور القصة حول صديقين من حي المرج في القاهرة يقرران إنشاء منصة أفلام غير قانونية، لتتحول الفكرة إلى مشروع ضخم يهزّ صناعة السينما، ويثير جدلًا واسعًا حول حقوق النشر في العالم العربي.
كما يُعرض فِلم الرعب «Lee Cronin’s The Mummy»، حيث تختفي ابنة صحفي في الصحراء دون أثر، ثم تعود بعد ثماني سنوات إلى عائلتها. لكن عودتها تتحول إلى كابوس مرعب يكشف أن شيئًا مظلمًا قد رافقها منذ اختفائها.
ويُعرض كذلك فِلم الإثارة «Murder in Cairo»، حيث تُكلَّف محققة خاصة بالتحقيق في جريمة داخل السفارة البريطانية في القاهرة عام 1934، لتكتشف أسرارًا خطيرة ووثائق مسروقة قد تهدد باندلاع أزمة عالمية وسط شبكة من المشتبه بهم داخل مكان مغلق.
📰 أخبار وإعلانات سينمائية
كشف المخرج لين مانويل ميراندا عن مشروعه السينمائي الجديد «Octet»، بمشاركة أماندا سيفريد ورايتشل زيقلر، حيث يستند الفِلم إلى عمل موسيقي يتناول تأثير إدمان الإنترنت في العلاقات الإنسانية. وقد بدأ المشروع فعليًّا مرحلة التحضيرات، مع توقعات ببدء التصوير خلال الفترة المقبلة.
بدأ النجم هنري كافيل تصوير فِلم «Highlander» في اسكتلندا، ضمن إنتاج ضخم من شركة «Amazon MGM Studios»، حيث انطلقت عمليات التصوير في مواقع تاريخية. يأتي الفِلم إعادة تقديم (Reboot) للعمل الكلاسيكي الذي يحمل نفس الاسم، الذي تدور أحداثه حول محاربين خالدين يخوضون معارك تمتد عبر القرون. كان المشروع قد واجه عدة تأجيلات قبل أن يدخل أخيرًا مرحلة التصوير مطلع عام 2026.
تواصل سلسلة «Evil Dead» توسّعها مع فِلم جديد بعنوان «Evil Dead Burn» من إخراج سِبَستيان فانيشيك. حيث عُرضت لمحة أولى منه خلال «CinemaCon» ضمن عروض «Warner Bros»، بوصفه جزءًا من الترويج للفصل الجديد من السلسلة التي ابتكرها سام ريمي. ويُقدَّم الفِلم قصةً مستقلة ضمن العالم نفسه، ليكون الجزء السادس من السلسلة. وقد دخل مراحل ما بعد الإنتاج، على أن يُعرض في دور السينما بتاريخ 24 يوليو، 2026.
📺 عروض المنصات الرقمية
على «+OSN»، يُعرض الموسم الثالث من مسلسل «Euphoria»، الذي تدور أحداثه بعد مرور عدة سنوات على نهاية المرحلة الثانوية. حيث تعيش «رو» حياة أكثر اضطرابًا بعد دخولها عالم تهريب المخدرات، وتجد نفسها عالقة في سلسلة من المخاطر التي تعيد تشكيل حياتها بالكامل.
وعلى «Netflix»، يُعرض الموسم الثاني من مسلسل «Crooks»، حيث تتعرض حياة «شارلي» المستقرة في برلين للاضطراب بعد عودة أشخاص من ماضيه الإجرامي، مما يدفعه إلى تنفيذ عملية سرقة خطيرة والهروب مع عائلته، لتتقاطع رحلته مع «جوزيف» في سلسلة من المطاردات والهروب المستمر من الخطر.
وعلى «Prime Video»، يُعرض فِلم «Balls Up»، وهو عمل كوميدي رياضي يدور حول اثنين من المسوّقين اللذين يطرحان فكرة غير تقليدية لرعاية كأسٍ عبر حملة إعلانية لمنتج موجّه للبالغين، لكن سلسلة من الأحداث الفوضوية بعد ليلة ممتلئة بالمشكلات، تقودهما إلى فضيحة عالمية تجبرهما على الهروب من تبعات ما حدث.
وعلى «+Apple TV»، يُعرض مسلسل «Margo’s Got Money Troubles»، الذي يحكي قصة أم شابة تعاني من ضائقة مالية، قبل أن تقودها نصائح والدها المنفصل عنها إلى دخول عالم صناعة المحتوى الرقمي، لتبدأ رحلة غير متوقعة نحو النجاح والشهرة، لكنها تضعها أمام تساؤلات صعبة حول ثمن هذا النجاح وتأثيره في حياتها.

في عام 1974 قدّم المخرج السويدي إنقمار برقمان نسخته السينمائية من «Scenes from a Marriage». جاءت الفكرة من تجارب المخرج الشخصية وزيجاته وانفصالاته، وهو ما جعله منشغلًا بفكرة الزواج كونه علاقة تبدأ بحب واستقرار، ثم تتحول تدريجيًّا إلى صمت وتباعد وتشقق داخلي غير مرئي.
وعند صدوره، حقق العمل نجاحًا وتأثيرًا كبيرًا وأثار جدلًا واسعًا، لأنه قدّم الزواج لأول مرة بهذه الصراحة القاسية. هذا الطرح هو ما جعله عملًا صادمًا ومؤثّرًا، ومرجعًا أساسيًّا في دراما العلاقات النفسية.
بعد عقود، عاد اسم المشروع للطرح من جديد عبر عائلة المخرج. حيث كان دانيال برقمان، ابن إنقمار برقمان، قد طرح تصورًا أوليًّا لإعادة قراءة القصة من زاوية مختلفة، وشاركها مع المخرج وكاتب الدراما هاقاي ليفي الذي تحمّس للفكرة. لكنه لم يتعامل معها بوصفها نسخة جاهزة، وأعاد تفكيكها وبناءها من جديد لتصبح مشروعًا مختلفًا في الشكل والرؤية.

النسخة الحديثة من «Scenes from a Marriage (2021)» تدور حول الزوجين «ميرا» و«جوناثان»؛ إذ تبدو علاقتهما مستقرة ظاهريًّا، لكنها في العمق ممتلئة بتوترات عاطفية واختلافات عميقة في الرغبات والتطلعات. يجدان نفسيهما مجبرَين على مواجهة قرارات صعبة ومناقشتها باستمرار، رغم تباين احتياجات كل منهما في الحياة واختلاف نظرتهما إلى العلاقة.
لا تتوقع أن تكون الحبكة مختلفة أو القصة مغايرة أو ذات أحداث مفاجئة، على العكس تمامًا؛ فهو عمل يفتقر إلى الأحداث تقريبًا، ويعتمد بشكل أساسي على الحوارات والأداء دون أي أحداث خارجية تُذكر. أنت ببساطة تتابع تفاعل الشخصيتين مع بعضهما فقط، حيث تصبح الإيماءات والنظرات وتناقض الكلام مع لغة الجسد والأفعال عناصر مذهلة تشدّ الانتباه حتى آخر لحظة. يجعلك هذا الأسلوب في حالة مستمرة من المحاولة لفهم ما هو أمامك، من خلال تصرفاتهم، وطبيعة العلاقة، والمقصود الحقيقي خلف الكلمات، والشعور الكامن خلف هذا الجدار الظاهر أمامك.
التمثيل هنا رائع لدرجة كبيرة، ويجعلك تتعقّد داخل مشاعر الشخصيات نفسها، خصوصًا أنهم يظهرون أمام بعضهم بمشاعر مختلفة تمامًا عمّا يظهر عندما يكون كل واحد بمفرده. يضيف هذا التناقض عمقًا أكبر لتجربة المشاهدة، كأنك ترى الشيء المخفي والجانب غير المعلن من العلاقة، ذلك الذي لا يراه الطرفان في بعضهما، بينما أنت -المُشاهد- ترى الحقيقة كاملة في الإحساس والمشاعر بكل طبقاتها.
يُعَد العمل تحليلًا نفسيًّا للعلاقات الزوجية والصراعات الداخلية فيها، ويقدّم نظرة واقعية تمامًا عن العلاقات دون فلاتر، وهو ما جعل تجربة مشاهدته جذابة ومختلفة.
عهود أبو خيرة

«What I Love About Nicole»(3:25)

ارتبط أسلوب الملحن راندي نيومان بطابع ساخر وفكاهي في كثير من أعماله، خصوصًا في أفلام الأنيميشن مثل سلسلة «Toy Story» و«.Monsters, Inc»، حيث قدّم موسيقا تتسم بالدفء والدعابة وبناء شخصيات موسيقية مرحة، إلى جانب لمسات ساخرة في أعماله الغنائية والسردية.
لكن ثقة المخرج نواه باومباخ بقدرة راندي نيومان على تبسيط العاطفة دون تضخيمها، دفعته إلى اختياره لتأليف موسيقا فِلم «Marriage Story»، وهو عمل يدور حول قصة ثقيلة لانفصال زوجين. طلب منه المخرج أن تكون الموسيقا غير مُوجِّهة للمشاعر أو ضاغطة على المُشاهد، بل بأسلوب «محايد عاطفيًّا»، يترك مساحة للأداء التمثيلي ليحمل الثقل الدرامي دون أي ابتزاز عاطفي.
انطلق نيومان في بناء الموسيقا من ثيمات شديدة البساطة، تعتمد على جمل بيانو قصيرة ومتكررة تُطوَّر تدريجيًّا بدل التصعيد التقليدي، بما يعكس طبيعة العلاقة في الفِلم التي تتآكل تدريجيًّا بدل الانفجار المفاجئ. لذلك جاءت الموسيقا في كثير من المشاهد خافتة ومتقطعة وأقرب إلى الصمت أحيانًا، لتعكس عدم اكتمال العلاقة بين الشخصيتين أكثر من كونها تعليقًا عاطفيًّا مباشرًا عليها.
أبرز المقطوعات:
مقطوعة «What I Love About Nicole»
تظهر في افتتاح الفِلم خلال مونتاج بداية العلاقة، حيث يقرأ «تشارلي» الصفات التي يحبها في «نيكول» بناءً على تمرين طُلب منهما من مستشار علاقات زوجية. تعطي المقطوعة إحساسًا حالمًا ودافئًا يعكس الحب والحميمية في بداية العلاقة، مع شعور بالحنين. وتعتمد الموسيقا على البيانو عنصرًا أساسيًّا، ما منحها طابعًا كلاسيكيًّا.
مقطوعة «What I Love About Charlie»
تظهر لاحقًا في مشهد تقرأ فيه «نيكول» ما كتبته عن «تشارلي»، كمرآة للمشهد الافتتاحي لكن من منظورها. بينما تعكس المقطوعة إحساسًا بالحب والامتنان للّحظات البسيطة والمواقف الطريفة التي جمعتهما، مع استمرار نبرة الحميمية.
مقطوعة «Last Critique»
تأتي المقطوعة في لحظة تُجسّد استمرار ديناميكية «التقييم» بين الزوجين حتى بعد قرار الانفصال، خصوصًا حين يعلّق «تشارلي» على أداء «نيكول» المسرحي كما اعتاد سابقًا. تعكس الموسيقا إحساسًا ببداية النهاية، وتمهّد لانهيار «نيكول» لاحقًا في وحدتها. اللحن أبطأ وأكثر هدوءًا من بقية المقاطع، ويمنح شعورًا بثقل عاطفي وصمت يسبق الانفصال الفعلي.
مقطوعة «New House»
تظهر في المشاهد بعد انتقال «نيكول» إلى منزلها الجديد بعد الانفصال، وتعكس إحساسًا محايدًا وهادئًا رغم وجود المحامين وخلافات الحضانة، حيث تبدو اللقاءات بين «نيكول» و«تشارلي» خالية من الكره أو الانفعال. يظهر ذلك في الطابع البسيط والواقعي للموسيقا، الذي يعكس المسافة العاطفية دون تصعيد.
مقطوعة «What I Love About Charlie -Reprise»
يُعاد استخدام المقطوعة بعد الانفصال في مشهد عثور الابن على الرسالة التي كتبتها «نيكول» في بداية الفِلم، ويقرؤها مع والده «تشارلي». كانت تصف فيها صفات «تشارلي» التي كانت تحبها فيه. تعكس المقطوعة إحساسًا بالندم والحزن على ما آلت إليه العلاقة، بطابع مؤثّر يبرز التناقض بين دفء الحب السابق وواقع الانفصال الحالي.
مقطوعة «End of Story»
تظهر في اللحظات الأخيرة قبل النهاية، خلال مشهد مساعدة «نيكول» لـ«تشارلي» على ربط حذائه في أثناء أخذه ابنهما للمبيت، حيث يبرز قدر من التفاهم والتعاون بينهما رغم ما سبق من خلافات. تعكس الموسيقا إحساسًا هادئًا ومؤلمًا في آنٍ واحد، كأنها إغلاق صامت لقصة تنتهي دون انتصار أو خسارة واضحة، بقبول بارد وحنين لما كان.
عهود أبو خيرة


اليوم نقول «أكشن» مع المشهد الصريح من فِلم «Revolutionary Road»، الصادر عام 2008 من إخراج سام ميندز.
تقدّم القصة كيت وينسليت بدور «أبريل» وليوناردو دي كابريو بدور «فرانك ويلر»؛ زوجان يعيشان حياة رتيبة وبائسة، تحوّل فيها الروتين اليومي إلى حالة خنق تدريجي أفقدهما الإحساس بالحياة. «فرانك» موظف عادي يكتفي بفكرة الاستقرار المادي، بينما «أبريل» تبحث عن حياة أكثر اتساعًا، وحركة، واحتمالات لانهائية.
تطرح «أبريل» فكرة الانتقال إلى باريس بوصفها فرصة لإعادة تشكيل حياتهما من الصفر: «فرانك» يترك عمله ليبحث عن شغفه، وهي تتكفل بإعالة الأسرة. يوافق «فرانك» مبدئيًّا، ويبدآن الاستعداد للانتقال، لكن مع ظهور ترقية وظيفية مهمة لـ«فرانك»، وبالتزامن مع حمل «أبريل» المفاجئ، يبدأ هذا الأفق بالانهيار! قبل أن يتراجع «فرانك» عن القرار نهائيًّا، لتتجمد الفكرة وتنهار معها آخر محاولة للهروب.
في هذا المشهد المفصلي، يزورهم مايكل شانون «جون»، الشاب المصنّف مريضًا نفسيًّا، برفقة والدته. ورغم أن حضوره محدود جدًّا داخل السرد، فإن وظيفته الدرامية تتجاوز كونه شخصية ثانوية، ليصبح أداةً تكشف ما هو مخفي داخل العلاقة. من الناحية السينمائية، يمكن فهمه بوصفه «الشخصية النقيض» (Foil Character)؛ تُستخدم لإبراز التناقضات الداخلية لدى الشخصيات الرئيسة عبر التضاد المباشر معهم، وفي الوقت نفسه يقترب من وظيفة «شخصية المرآة» (Mirror Character)، لأنه يعكس واقعهم الداخلي دون تجميل.
بمجرد أن يدرك تراجعهما عن فكرة السفر، ينفجر كلامه بصراحة جارحة وغير محسوبة؛ يواجههما بكل ما يحاولان إنكاره: تناقضاتهما، وضعفهما، ووهم الاستقرار الذي يعيشان داخله. لا يتحدث وفق قواعد اجتماعية أو اعتبار للعواقب، ويقول الحقيقة كما هي، بلا فلترة أو مجاملة.
ومن هنا تتضح المفارقة المركزية في المشهد: الحقيقة تصدر من شخص -غير سوي- وسيلةً للتعبير عن أن الوعي الكامل بالواقع قد يتطلب أحيانًا غياب قيود المجتمع وحسابات النتائج. فالعقلاء، بحكم إدراكهم للعواقب، يميلون إلى الإنكار أو التجميل أو الصمت، وهو ما يجعل العلاقات أصعب، بينما «جون» يرى الزيف مباشرة ويواجهه دون أي حرج.
هذا الانكشاف يضع «فرانك» في موقع دفاعي واضح، إذ يضعه المشهد وجهًا لوجه أمام صورة نفسه التي يرفض الاعتراف بها. لذلك ينزلق إلى حالة من الإنكار والانفعال الدفاعي في محاولة لحماية هذه الصورة من الانهيار. في المقابل، تبدو «أبريل» أكثر استسلامًا وهدوءًا في تلقّي كلام «جون»، إذ إن غياب ردّة فعلها الدفاعية أو استغرابها يوحي ضمنيًّا بأنها غير رافضة لما يُقال، وتميل داخليًّا إلى الاتفاق معه دون أن تصرّح بذلك مباشرةً. وهي طريقة استيعاب مختلفة لدى الشخصيتين، تعكس إدراكًا داخليًّا لدى كلٍّ منهما بأن ما قيل ليس بعيدًا عن الحقيقة، وأنه أقرب إليهما مما يحتملان.
عهود أبو خيرة

فقرة حصريّة
اشترك الآن


في مرحلة من حياة المخرج ديريك سيانفرانس، عاش تجربة شخصية عميقة مع انفصال والديه في شبابه المبكر، وهي تجربة تركت فيه أثرًا نفسيًّا كبيرًا، وشكّلت تحولًا داخليًّا جعله يعيد التفكير في معنى العلاقات العاطفية واستمراريتها.
ومن هنا، بدأ يتكوّن داخله سؤال ظل يلاحقه لسنوات: كيف يمكن لعلاقة حب تبدأ جميلة ومثالية أن تنتهي بانهيار صامت ومؤلم؟ وتحوّل هذا السؤال إلى هاجس دفعه إلى تفكيك فكرة «الرومانسية المثالية»، وتقديم العلاقة الزوجية بصورة واقعية. وهو ما قاده إلى رحلة كتابة فِلم وتطويره، استمرت قرابة اثنتي عشرة سنة، أعاد خلالها صياغة السيناريو عشرات المرات، وكان يعود إليه في كل مرحلة من حياته ليعيد فهم الشخصيات والعلاقة من زوايا جديدة.
خلال هذه الفترة، واجه المشروع صعوبة في الوصول إلى الإنتاج بسبب طبيعته القاتمة وتردد الجهات في دعمه، لكنه استمر في تطويره حتى جمع فريقًا إبداعيًّا مؤمنًا بالفكرة، ليخرج الفِلم في النهاية برؤية مختلفة للحب، وقراءة واقعية للعلاقة الزوجية.
وبهذه المعلومة نستهلّ فقرة «دريت ولّا ما دريت» عن فِلم «Blue Valentine» إخراج ديريك سيانفرانس:
حصلت الممثلة ميشيل ويليامز على نص الفِلم وهي في سن الحادية والعشرين، لكنها لم تبدأ التصوير إلا بعد قرابة ست سنوات عندما كانت في السابعة والعشرين، وهو ما يعكس طول فترة تطوير المشروع.
عاش الممثلان ريان قوسلينق وميشيل ويليامز فترة تحضيرية معًا في منزل مستأجر بهدف تجسيد العلاقة نفسيًّا، حيث تبنّيا نمط حياة يوميًّا يشبه الحياة الزوجية؛ من التسوق وإعداد الوجبات، إلى خلق نقاشات وخلافات مقصودة لتعزيز واقعية العلاقة. كما حُدّدت ميزانية التسوق بناءً على دخل الشخصيتين داخل الفِلم.
كان من المفترض تصوير الفِلم في كاليفورنيا، إلا أن خطة الإنتاج تغيّرت لاحقًا؛ حيث نُقل التصوير إلى نيويورك وبنسلفانيا بعد رغبة الممثلة ميشيل ويليامز في البقاء قريبة من منزلها، نظرًا لتأثُّرها النفسي بوفاة هيث ليدجر. واختيرت مواقع التصوير ضمن نطاق يمكن الوصول إليه خلال ساعة تقريبًا.
بسبب محدودية الميزانية، قرر المخرج الاستغناء عن شاحنة الإضاءة، والاعتماد على الإضاءة الطبيعية والعملية داخل مواقع التصوير. جاء هذا القرار نوعًا من التضحية الإنتاجية، حيث فضّل توجيه الميزانية لإطالة فترة التصوير ومنح مساحة زمنية تفصل بين مراحل تطور العلاقة، بما يعزز واقعية الأداء داخل الفِلم.
أثناء تصوير مشاهد الخلاف، كان المخرج يتعامل مع ميشيل ويليامز ورايان قوسلينق كلٍّ على حدة، بحيث يعطي لكل واحد منهما تعليمات مختلفة دون أن يعرف أحدهما ما الذي قيل للآخر، وذلك بهدف خلق توتر حقيقي بين شخصيتَي «دين» و«سيندي» داخل المشهد.
رغم أن المخرج قضى سنوات طويلة في تطوير السيناريو وصياغة الحوارات، اعتمد اعتمادًا كبيرًا على الارتجال خلال التصوير، خصوصًا في مشاهد العلاقة المتدهورة. حيث كان يطلب من الممثلين تجاوز النص المكتوب والتفاعل بعفوية داخل المشهد، ما جعل الأداء أقرب إلى الواقع من التمثيل التقليدي.
كان في نية المخرج أن ينتظر فعليًّا قرابة ست سنوات قبل تصوير الجزء الثاني من قصة الحب، بهدف جعل تطوّر العلاقة يبدو حقيقيًّا عبر الزمن، إلا أن المنتجين ثنوه عن هذه الفكرة سريعًا ولم تُعتمد.
عهود أبو خيرة

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.