البحر، والعجوز ترمب

هل سيخرج عجوز واشنطن من هذه المعركة بسمكته، أم بهيكلها العظمي فقط؟

تصاعدت وتيرة تطورات الحرب الإقليمية القائمة خلال الأسبوع الأخير، على نحو أنتج حالة غير اعتيادية: دولتان تغلقان في الآن نفسه ممرًّا بحريًّا واحدًا.

تحادثت مع الدكتور مأمون فندي حول هذه التطورات، فقال إن ما يحدث يشبه بصورة عجيبة روايةً ما!

في مقالة هذا العدد الاستثنائي، يعلِّق الدكتور مأمون على أحداث الحرب ومآلاتها على المنطقة، عبر مقاربتها مع أحداث رواية «العجوز والبحر» لإرنست همنقواي.

قراءة ماتعة!

عمر العمران


تصميم: أحمد عيد
تصميم: أحمد عيد

البحر، والعجوز ترمب

مأمون فندي

إنني آسف لكِ أيتها السمكة، لقد مضى كل شيء بشكل سيئ.

- إرنست همنقواي

العجوز هنا ليس سنتياقو؛ الصياد الكوبي الذي صاغه همنقواي في روايته الخالدة، بل عجوز واشنطن: دونالد ترمب. والبحر ليس مياه كوبا الدافئة، بل مضيق هرمز؛ تلك السمكة الجغرافية الهائلة التي علقت في حلق العالم، فاختنق معها الاقتصاد، واضطربت معها إيقاعات الأسواق، وتبدَّل معها مزاج السياسة الدولية.

في هرمز، لا تسير السفن كما ينبغي، بعضها يُسمح له بالمرور، وبعضها يُحتجز أو يتباطأ، وخلفها يتكون طابور طويل من الناقلات، كأن الزمن نفسه قد أصابه العطب. تتأخر البضائع، وترتفع الأسعار، وتتضخم أقساط التأمين، ويصبح البحر -الذي كان يومًا وسيطًا للتبادل- طرفًا في النزاع. لم تعد الضريبة تُفرض فقط من الدول، بل من الجغرافيا ذاتها حين تُسلَّح.

هنا يبرز السؤال الذي يشبه سؤال همنقواي الأخلاقي: هل سيخرج عجوز واشنطن من هذه المعركة بسمكته؟ أم بهيكلها العظمي فقط؟ وهل يكون الانتصار، إن تحقق، مجرد انتصار رمزي على حساب خسارة مادية أوسع؟

في رواية همنقواي، لم يكن الصراع مجرد صيد بل كان امتحانًا للكرامة، كان سنتياقو يصارع الزمن والوهن وشبح العجز. لم يصطد شيئًا طوال ثمانين يومًا، لكنه حين ظفر بالسمكة الكبرى، لم يكن يسعى إلى الغذاء بقدر ما كان يسعى إلى استعادة معنى ذاته. هذا البعد الوجودي هو ما يجعل المقارنة مع عجوز واشنطن مغرية ومقلقة في آن.

ترمب في معركته مع إيران لا يخوض نزاعًا على ممر مائي فحسب، بل يخوض اختبارًا للقدرة: قدرة أمريكا على فرض الإرادة في عالم لم يعد يرضخ بسهولة. إنها محاولة لاستعادة صورة القوة أكثر من كونها سعيًا إلى تحقيق مصلحة محددة بوضوح. وهنا، كما في أدبيات المدرسة الواقعية، يكمن الخطر: حين تختلط الرمزية بالاستراتيجية، تصبح الحسابات أقل دقة، وأكثر ميلًا إلى المغامرة.

إيران في هذا المشهد تشبه سمكة همنقواي: لا تُهزم بسهولة، ولا تُدار بقوة مباشرة فقط. إنها لا تواجه بأساطيل تقليدية بقدر ما تواجه بتكتيكات التعطيل، وبقدرة على تحويل الجغرافيا إلى أداة ضغط. إنها تفهم، بحس واقعي بارد، أن الضعف النسبي يمكن تعويضه بالتحكم في نقاط الاختناق، وأن السيطرة لا تعني الهيمنة الكاملة بل القدرة على الإزعاج المستمر.

في هذا السياق، مضيق هرمز ليس مجرد ممر بل عقدة في شريان العالم، ومن يعبث بهذه العقدة لا يملك فقط تعطيل تدفق النفط، بل التأثير في المزاج العالمي كله. وهنا تفرض الواقعية السياسية توصيتها الأولى: تجنب تحويل نقاط الاختناق إلى ساحات صراع مفتوح، لأن كلفة تعطيلها تتجاوز بكثير أي مكسب تكتيكي مؤقت. فالدول العاقلة لا تختبر قوتها في الأماكن التي يمكن أن تنقلب فيها القوة إلى عبء.

الفارق الجوهري بين سنتياقو وترمب يكمن في طبيعة النهاية. الصياد العجوز عاد بهيكل عظمي؛ انتصر أخلاقيًّا وخسر ماديًّا. أما في حالة هرمز، فإن «الهيكل العظمي» لن يكون سمكة، بل نظامًا اقتصاديًّا متعبًا، وسلاسل إمداد مضطربة، وثقة دولية متآكلة. هنا لا تكون الخسارة فردية، بل جماعية.

ثمة بعد آخر في المقارنة: العزلة. سنتياقو كان وحيدًا في البحر متروكًا لمصيره، أما عجوز واشنطن، فرغم قيادته أقوى دولة في العالم، يبدو أحيانًا كمن يخوض معركته منفردًا. الحلفاء مترددون، وبعضهم يعلن صراحة أن هذه ليست حربه. في عالم متعدد الأقطاب، لم تعد الاصطفافات تلقائية، ولم تعد الهيمنة تُمارس دون تكلفة سياسية.

وهنا تبرز توصية واقعية ثانية: القوة لا تُمارس في الفراغ، بل ضمن شبكات تحالف، وأي سياسة تتجاهل مزاج الحلفاء أو تفترض طاعتهم تُعرِّض نفسها للعزلة. والعزلة في النظام الدولي ليست ضعفًا فقط، بل دعوة مفتوحة للخصوم لتوسيع هامش حركتهم.

يستدعي هذا المشهد كلمات الشاعر الإيرلندي وليم بتلر ييتس: «الأفضل يفتقرون إلى اليقين، والأسوأ ممتلئون بحماسة صاخبة.» إنها لحظة اختلال في التوازن: حيث تتراجع الحكمة، ويعلو الضجيج، وتُتخذ القرارات تحت ضغط الصورة لا تحت هدوء الحساب.

بحر همنقواي كان فضاءً للتأمل؛ زمنًا بطيئًا يسمح للفكرة أن تنضج. أما بحر هرمز فهو زمن سريع تُقاس فيه القرارات بالدقائق، وتتحرك الأسواق في اللحظة ذاتها. أي خطأ صغير في الحساب يمكن أن يتحول إلى موجة ارتدادية تضرب عواصم بعيدة لا علاقة مباشرة لها بالصراع. وهنا، تقدم الواقعية درسها الثالث: في عالم مترابط، لا توجد أزمات محلية خالصة، وكل قرار في نقطة ضيقة قد يُنتج آثارًا عالمية.

كان البحر في تقاليد كثيرة فضاءً للتبادل لا للصراع، فضاءً لبناء الشبكات لا لهدمها، من سواحل الجزيرة العربية إلى شرق إفريقيا. لكن نقل الحرب إلى البحر -كما يحدث في هرمز- يغير طبيعته، ويحوِّله من وسيط سلام إلى مسرح توتر. إنها ليست مجرد معركة على ممر، بل إعادة تعريف لدور البحر نفسه.

السؤال الأخلاقي الذي طرحه همنقواي يعود هنا بإلحاح: هل تستحق السمكة كل هذا العناء؟ هل يستحق هرمز أن يتحول إلى ساحة صراع بهذا الحجم، وهو الذي كان يؤدي وظيفته بكفاءة قبل أن تُحمَّل عليه رمزية الصراع؟

في لحظات كهذه، تُذكرنا الواقعية بأن الغاية ليست إثبات القدرة، بل تحقيق المصلحة. والمصلحة هنا ليست في إغلاق المضيق ولا في استعراض القوة فيه، بل في إبقائه مفتوحًا. فالقوة الحقيقية لا تُقاس بالقدرة على التعطيل، بل بالقدرة على الحفاظ على النظام.

سنتياقو أدرك متأخرًا أن ما تبقى من سمكته لا يستحق القتال، لكنه أدرك بعد أن التهمت القروش معظمها. في السياسة، هذا الإدراك المتأخر قد يكون مكلفًا على نحو لا يمكن إصلاحه. 

وهنا تبرز توصية واقعية رابعة: الانسحاب في الوقت المناسب ليس ضعفًا، بل شكل من أشكال القوة. الإصرار على الاستمرار في معركة فقدت معناها الاستراتيجي هو أقرب إلى عناد نفسي منه إلى حساب عقلاني.

لو التقى سنتياقو ترمب اليوم ربما لن يحسده. الأول خسر ماديًّا لكنه احتفظ بسلام داخلي وبقصة تُروى، أما الثاني، فإن انتصاره -إن تحقق- قد لا يمنحه ذلك السلام، وخسارته قد تكون أثقل بكثير من مجرد سمكة.

وهكذا، تبقى «العجوز والبحر» أكثر من مجرد رواية؛ إنها مرآة صراعاتنا الحديثة. الفرق أن البحر اليوم أوسع، والسمكة أكبر، والثمن أفدح.

هرمز يبدو صيدًا سمينًا، لكنه في الحقيقة شوكة في حلق العالم. ومن يتعامل معه كغنيمة لا كمسؤولية قد ينتهي -كما انتهى سنتياقو- حاملًا هيكلًا عظميًّا لشيء ظن أنه انتصار.


ما تحتاج كُتب وجلسات طويلة لتقرأ،

جرب تقرأ مع «مشروع ق.ق» التابع لمبادرة «الأدب في كل مكان».

للمزيد: «اضغط هنا». 📚


*تعبّر المقالات عن آراء كتابها، ولا تمثل بالضرورة رأي ثمانية.

نشرة الصفحة الأخيرة
نشرة الصفحة الأخيرة
أسبوعية، الثلاثاء منثمانيةثمانية

مساحة رأي أسبوعية تواكب قضايا اليوم بمقالات ولقاءات تحليلية في مختلف المجالات، لتمنحك فرصة استكشاف الأحداث وتكوين رأي تجاهها.

+30 متابع في آخر 7 أيام