الخلاط: هل كان على قدر التوقعات؟
زائد: لقاء مع الممثل مصعب المالكي
.png)
استضفنا في هذه الحلقة الممثل مصعب المالكي، تحدثنا معه حول بدايته في التمثيل؛ من كاميرا بسيطة ومشاهد صغيرة في منزله، إلى المشاركة في «شارع الأعشى».
تحدثنا كذلك عن دوره في شخصية «ضاري» وقصة عرض دور الشخصية عليه، وصراعه مع شخصية «جهم» في المسلسل، وكثير من كواليس المسلسل. وأخيرًا عن نيّته دخول السينما.
أرجو أن تستمتعوا باللقاء.
نايف العصيمي

مسلسل «الخلاط +»: الصحراء لا تفاوض
حين تتحول الفوضى اليومية إلى هوية سردية متجددة
فواز العدواني

نعود بالزمن إلى عام 2023، حين قررت نتفلكس أن تراهن على تجربة مختلفة في السوق السعودي عبر إيمانها بفريق تلفاز اليوتيوب؛ ذلك الفريق الذي صنع اسمه من خلال محتوى ساخر قريب من نبض الشارع. تُرجم هذا الإيمان إلى إنتاج أول فِلم سعودي أصلي على المنصة بعنوان «الخلاط +»، الذي حمل معه روح تلفاز المعهودة، ولكن هذه المرة داخل إطار سينمائي أكثر نضجًا واتساعًا. لم يكن الفِلم مجرد تجربة عابرة، بل كان بمثابة انتقال نوعي، وقد نجح العمل بالفعل في تحقيق صدًى ممتاز وقت عرضه، سواء من ناحية المشاهدات أو النقاشات التي أثارها.
وبعد هذا النجاح، بدا من المنطقي جدًّا ألّا يتوقف هذا التعاون عند حدود فِلم واحد؛ فالتجربة أثبتت قابليتها للتوسع، وربما كانت تحتاج أصلًا إلى مساحة أكبر لتتنفس بالكامل. وهنا يأتي القرار الطبيعي، إذ من المنطق أن يُنقل هذا التعاون من فِلم إلى مسلسل، ولكن ليس أي مسلسل، بل عمل يحتفظ بروح التجربة الأصلية ويمنحها «سكوب» أوسع وأكثر جرأة، لنجد أنفسنا أمام مسلسل «الخلاط +» بعنوانه الفرعي اللافت «الصحراء لا تفاوض». يقدّم هذا العمل أربع قصص منفصلة بإخراج ثلاثة مخرجين، لكنها تتقاطع جميعًا في ثيمة مركزية واحدة: الصحراء.
طريق الموت
تُفتتح أولى القصص «طريق الموت» بإخراج الكويتي عبدالعزيز الجسمي، في امتداد لظاهرة لافتة مؤخرًا تتمثل في حضور عدد من المخرجين الكويتيين داخل المشهد السينمائي والتلفزيوني السعودي. حيث شاهدنا أسماء مثل عبدالله العراك في «جاك العلم» و«سطار»، وجاسم المهنا في «كحيلان»، وعبدالرحمن السلمان في «يوميات رجل متزوج» و«يوميات رجل عانس»، ليأتي حضور الجسمي هنا ضمن هذا السياق عبر «طريق الموت» وقصة «انتقام جربوع». ولمن لا يعرف الجسمي، فإن خلفيته المهنية متجذرة في عالم الإعلانات، حيث صنع اسمه من خلال لغة بصرية لافتة امتدت لأكثر من عقدين. أذكر أول مرة استوقفني فيها إعلان تحت عنوان «هذا مو فلم هندي» لشركة «كوالتي نت» في رمضان 2012؛ شاهدت تلك الروح السينمائية التي استلهمت أجواء الأفلام الهندية، وقدمت نموذجًا مبكرًا لمخرج يمتلك عينًا دقيقة تفهم الترفيه بصريًّا.
في ذلك الوقت، لم يكن الوصول إلى معلومات الطواقم الإبداعية أمرًا سهلًا، ومع ذلك بقي اسم عبدالعزيز الجسمي عالقًا في ذهني بوصفه واحدًا من الأسماء التي صنعت لنفسها هوية واضحة في عالم الإعلان، وكنت مترقبًا اليوم الذي يصنع فيه فِلمًا. هذه التجربة الطويلة انعكست على أسلوبه، إذ استطاع أن يطوّر لغة سينمائية خاصة به داخل إطار إعلاني سريع الإيقاع، وهو ما يجعل انتقاله إلى الدراما خطوة منتظرة. أذكر تصريحًا له في بودكاست «بدون ورق» قال فيه: «تمثّل الإعلانات بالنسبة إليَّ الجانب الأقل إشباعًا إبداعيًّا»، كأن هذه التجربة مع تلفاز ونتفلكس جاءت في توقيتها الطبيعي تحرّرًا نحو مساحة أوسع.
في «طريق الموت»، تدور الحكاية حول محاولة ابنٍ إثبات جدارته رجلًا يمكن الاعتماد عليه أمام والده المتقدم في السن. وهي شخصية يؤديها مالك نجر بأسلوب يتكئ على مفردات ولهجة بدوية دقيقة تضيف مصداقية إلى النص. تبدأ الرحلة بمشهد عائلي بسيط في أثناء القيادة، قبل أن يتخذ الأب طريقًا يوصف بطريق الموت، لتتصاعد الأحداث عند توقفهم في محطة وقود يديرها رجل أعمى يجسده محمد الدوخي. ومن هنا، تنقلب الأجواء إلى توتر وأكشن حرفيًّا. النص الذي كتبه محمد القرعاوي بالتعاون مع عبدالعزيز الجسمي وبدعم من غرفة كتابة يقودها القرعاوي، يتميز ببناء متماسك في تصاعد الأحداث، وهو ما يلتقي مع إخراج رصين يستثمر أدواته البصرية بذكاء؛ مشاهد الأكشن، والحوارات داخل السيارة مع الأسرة في البداية، وزوايا التصوير… كلها تعكس خبرة الجسمي في التحكم بالإيقاع البصري.
كما أن توظيف الصحراء لم يكن مجرد خلفية، بل عنصرًا دراميًّا يخدم منطق القصة، خصوصًا في تبرير العودة إلى محطة الوقود نقطةً مفصلية تُغلق عندها الدائرة السردية. سلبيًّا، ورغم هذا التماسك، أشاهد خللًا واضحًا في مسار شخصية الابن مع النهاية، إذ إن الدافع الأساسي للقصة، وهو سعيه إلى إثبات نفسه أمام والده، لا يُستثمر كفايةً في الخاتمة. وبدلًا من ذلك، يتشتت هذا الدافع نحو محاولة إثبات ذاته أمام الجميع، بمن فيهم الفتاة وصاحب المحطة، ما يُضعف التركيز على جوهر الصراع الأول، ويجعل النهاية أقل انسجامًا مع التأسيس الذي بُنيت عليه الشخصية منذ البداية.
انتقام جربوع
تأتي القصة الثانية «انتقام جربوع» تحولًا لافتًا في النبرة؛ حيث تميل بشكل واضح إلى الكوميديا العبثية، مع احتفاظها بملامح واقعية خفيفة. تدور الحكاية حول شخصية «عقاب»، حارس الأمن الذي يؤديه زياد العمري، والذي نتعرف عليه منذ البداية في مشهد ساخر وهو يصطاد الجرابيع، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى مهمة مختلفة تمامًا، تتمثل في حراسة عرض أزياء لمصممة أجنبية. تتصاعد المفارقة حين يجد نفسه داخل هذا العالم البعيد عنه، وتحديدًا مع العارضة «جيجي» التي يُعجب بها، لتأخذ الأحداث منعطفًا طريفًا عندما يسرق الجربوع أحد إكسسواراتها، فيبدأ «عقاب» رحلة مطاردة تحمل روح «توم وجيري»، ولكن بطرح محلي واضح. يعتمد النص، الذي يجمع بين محمد القرعاوي وعبدالعزيز الجسمي، اعتمادًا أساسيًّا على المفارقة البصرية أكثر من الحوار، ما ينعكس مباشرة على الأسلوب الإخراجي الذي يتبنّى روحًا تجريبية واضحة.
من أبرز عناصر التميز في هذه القصة اختيار زوايا تصوير غير تقليدية؛ حيث توضع الكاميرا داخل مساحات ضيقة فعليًّا، مثل كادر من داخل حفرة، وآخر من داخل حقيبة عارضة الأزياء، ما يعزز الإحساس بالحركة والتوتر الكوميدي في آن واحد. أعجبني جدًّا حضور «المسباح» في أغلب مشاهد الشخصية، وهو تفصيل بسيط لكنه ذكي، يضيف بُعدًا واقعيًّا ويمنح الشخصية هوية محلية واضحة وسط عالم يبدو غريبًا عنها. أما على مستوى الإيقاع، فيبرز المونتاج بصورة لافتة، خصوصًا في مشهد مشية «جيجي» مع عارضات الأزياء، حيث يُوظَّف القَطع السريع بطريقة تضخّم الإحساس بالحضور والجاذبية.
هذه المعالجة البصرية تضيف بُعدًا أسلوبيًّا واضحًا، وتؤكد أن العمل لا يعتمد فقط على الفكرة، بل على كيفية تقديمها أيضًا، ويجوز أن خلفية الجسمي الإعلانية أضافت قوة ملهمة إلى إخراجه هنا. في المجمل، تقدم «انتقام جربوع» تجربة مختلفة داخل العمل، تميل إلى التحرر البصري والكوميديا القائمة على الفكرة، دون أن تفقد ارتباطها ببيئة الشخصية أو بساطتها. قبل الخوض في النقاش حول بقية القصص، شخصيًّا، أرى أنها أجمل القصص المعروضة. بالمختصر، جمالها يكمن في بساطتها، عبدالعزيز الجسمي هنا في أقصى مراحل الكمال الإخراجي؛ كاميرته على دراية بما تفعل، ومُكملة لما يبتغيه النص.
سباق المريخ
تقدّم هذه القصة زاوية مختلفة تمامًا، تميل إلى الكوميديا السوداء الممزوجة بالسخرية من الصناعة نفسها؛ حيث نتابع شخصية «سعد»، مصور الأعراس الذي يؤديه عبدالله الدريس، والذي يعيش حالة من التناقض بين طموحه إلى دخول عالم السينما، وواقعه العالق في تصوير حفلات متكررة لا تحمل أي قيمة إبداعية بالنسبة إليه. يُختصر هذا التناقض بذكاء في إحدى التفاصيل الساخرة، حين نجده يصوّر عرسًا من دون «ميموري كارد»، كأنها إشارة مباشرة إلى حالة الفراغ التي يعيشها، ليس فقط على مستوى الأدوات، بل على مستوى الشغف نفسه.
تتشابك الأحداث عبثيًّا عندما يجد نفسه متورطًا بعد حادثة اعتدائه على محمد الدوخي، ليدخل بعدها في مشروع غريب مع شخصيات أجنبية تبحث عن مخرجين سعوديين لتزييف هبوط على المريخ، في إسقاط واضح على نظريات المؤامرة المرتبطة بهبوط الإنسان على القمر، وما يُنسب إلى ستانلي كوبريك من مزاعم إخراج ذلك الحدث. هنا، تتحول القصة إلى مساحة لعب ذكي على فكرة «من كذب أولًا؟»، خصوصًا مع دخول رائد فضاء صيني على الخط، ليصبح الصراع ليس فقط حول الحقيقة، بل حول من يملك روايتها.
ومن أكثر عناصر القصة طرافة، حضور علي الكلثمي بشخصيته، في طرح يميل إلى أسلوب «الميتا». حيث لا تكتفي القصة بسرد حكايتها، بل تلتفت إلى ذاتها، وتدخل في نقاش مباشر حول الصناعة، بل حتى نقد أعمال سابقة بطريقة ساخرة. يخلق هذا الحضور طبقة إضافية من التفاعل، تجعل المشاهد واعيًا بأنه أمام عمل يناقش نفسه بقدر ما يقدّم قصته. وتصل القصة إلى ذروتها في مشهد بصري ساخر ومحمّل بالدلالات، حيث تنتهي المواجهة بين رائدَي الفضاء الأمريكي والصيني بلحظة مصافحة على أنغام أغنية «لايف أون مارس» لديفيد باوي، في صورة تجمع بين العبث والسلام في آن واحد، كأن الحقيقة لم تعُد مهمة بقدر أهمية استمرار العرض.
يلخّص هذا المشهد روح القصة التي تلعب على التناقض بين الزيف والتصديق، وبين الصراع والتواطؤ. يقدّم العمل، الذي يأتي بكتابة وإخراج محمد العجمي، تجربةً مختلفة تميل إلى الجرأة في الفكرة أكثر من اعتمادها على البناء التقليدي، ويُختتم برسالة تحمل مفارقة لافتة، حين تصل إلى «سعد» حقيبة أموال مرفقة بعبارة «اصنع شيئًا مهمًّا»، ليقف أمامها بامتعاض كأنه عاد إلى نقطة البداية، في إشارة واضحة إلى ضياع الشغف، أو ربما فقدان القدرة على تعريف «الأهمية» من الأساس.
هنا، أرى أننا أمام قصة مبتكرة تميل إلى الإسقاط السياسي، الذي أفضّل مشاهدته شخصيًّا على أي شيء آخر. ولنا في ستانلي كوبريك خير مثال في فِلم «دكتور سترينجلوف»؛ حيث انتُقدت سياسات دول العالم المجاورة لأمريكا، لضعفها وعدم مجاراتها لشهرة أمريكا وحبها للأضواء والريادة، حتى لو كانت كاذبة ومزيفة. في «سباق المريخ»، تلجأ أمريكا إلى السعودية لصناعة السينما، لصناعة الكذبة، للريادة مجددًا! وهو اعتراف ضمني بسرعة ريادة السعودية لعدة أشياء ملهمة، هذه الأشياء التي وصلت إلى أمريكا وجعلتها تلجأ إلى السعودية.
على الرغم من إعجابي الشديد بهذه القصة، ورغم الطرح الجريء والأفكار الذكية التي تحملها، فإنها لا تخلو من بعض التعثرات الواضحة. التنقل السريع بين السخرية والميتا ونظرية المؤامرة، يجعل العمل أحيانًا يبدو كأنه مزدحم بالأفكار أكثر من قدرته على استيعابها دراميًّا، ما يخلق نوعًا من التشتت في النبرة. كانت حياكة النص ضعيفةً قليلًا على مدار تصاعد الأحداث، واتخاذه جانبًا هوليووديًّا في مشاهد الأكشن بعيدًا كل البعد عن أصالة الفكرة وجمالها. محمد العجمي هنا يعلم جيدًا أن ما كتبه مبتكر وجميل بصريًّا، تمكّن منه ببراعة إخراجية تصويرية.
لسان معقود
تأخذ هذه القصة منحًى مختلفًا يميل إلى الرمزية والفانتازيا، حيث نتابع شخصية الشاعر «مزعل بن شملان»، الذي يؤديه فهد المطيري، أو كما يُعرف بـ«أبو سلو». منذ البداية، يُقدَّم «مزعل» شاعرًا يعاني التهميش، يلقي قصائده أمام جمهور شبه معدوم، بقافية ضعيفة وأداء مرتبك، ولا يجد حتى من يقترب لتوقيع ديوانه، في تجسيد واضح لحالة شاعر يعيش خارج دائرة الضوء، وربما خارج الاعتراف من الأساس.
وسط هذا الفراغ يظهر «الشايب»، الذي يجسده مانع بن شلحاط، يراقبه بغموض من بعيد قبل أن يتدخل في حياته فجأة، مرسلًا إليه موقعًا غريبًا، ومقدّمًا له خاتمًا كأنه مفتاح لعبور مرحلة جديدة. يقرر «مزعل»، مدفوعًا بشيء بين الفضول واليأس، أن يغامر ويلبّي الدعوة، لينتقل إلى عالم مختلف تمامًا، حيث يجد نفسه وسط تجمع شعري يضم أسماء ثقيلة، في أجواء مشحونة بالتحدي والمقارنة. لكن هذا الانتقال لا يكون سهلًا؛ فالمكان نفسه يبدو غريبًا ومربكًا، بألوانه وحركته وحتى قوانينه، ما يزيد من توتر «مزعل» ويعيد إنتاج ضعفه على المسرح، حيث يتلعثم ويخفق مجددًا أمام الحضور.
يصل هذا الإحراج إلى ذروته حين ينسحب إلى زاوية هامشية، يجلس مرتبكًا يأكل في مساحة أشبه بطاولة الأطفال، قبل أن ينفجر داخليًّا فيقرر الانسحاب، ويحرق ديوانه في مشهد يحمل دلالة واضحة على القطيعة مع ذاته السابقة. غير أن القصة لا تتوقف هنا، بل تنزلق كاملةً إلى الفانتازيا، حيث يقوده «الشايب» في رحلة غريبة تتخللها إشارات مقلقة، من انقطاع صوت القرآن في السيارة، إلى قيادته غير الطبيعية، ما يفتح باب التأويل بأن هذه الشخصية تنتمي إلى عالم آخر، ربما من الجن! ومرتبطة بالشعر خاصة. تتعمق الرحلة حين يعود «مزعل»، بصورة تخيلية، إلى ماضيه، ليواجه لحظةً قاسية من الطفولة، حيث يظهر والده وهو يوبخه أمام الآخرين، في مشهد يفسر جذور تلعثمه وضعف ثقته بنفسه. تمثّل هذه المواجهة نقطة التحول الحقيقية، إذ يعود بعدها إلى ساحة الشعر، ولكن هذه المرة بوعي مختلف وثقة مستعادة، ليقف من جديد أمام الجميع، ويُلقي قصيدته كأنه يستعيد صوته المسلوب.
نحن هنا أمام سكة مختلفة تمامًا عن باقي القصص أعلاه، وشخصيًّا لم أتوقع ولو للحظة بأن هذه السلسلة ستتخذ منحًى مشابهًا هذا. تأتي «لسان معقود» بكتابة وإخراج علي الكلثمي، إذ يقدّم تجربة تمزج بين الواقع والخيال، ويطرح فكرة أن العوائق النفسية قد تكون أعمق من مجرد ضعف موهبة، بل امتدادًا لندوب قديمة لم تُواجَه بعد. ثيمة شاهدتها في «طريق الموت» وهي تهميش الآباء أولادهم والتبعات المترتبة على ذلك حينما يكبرون، الفرق هنا أن «مزعل» لم يواجه والده، بل التزم الصمت والتعبير عن ذلك في شعره. جميل جدًّا أن تُطرح قصة فانتازية ضمن قالب «الخلاط» الكوكتيلي إن صح القول، فأصبحت هناك نكهة لمن يفضّل هذا النوع من القصص القابلة للتأويل من جوانب مختلفة.
يأتي إخراج علي الكلثمي في هذه القصة امتدادًا لتجربته السابقة في «مندوب الليل»، لكن بروح أكثر تحررًا وجرأة على مستوى الطرح البصري. إذا كان «مندوب الليل» يميل إلى الواقعية الداكنة والضغط النفسي المتصاعد داخل إطار محدود، فإن هذه القصة تمنحه مساحة أوسع للّعب، خصوصًا في المزج بين الواقع والفانتازيا دون الالتزام بقواعد صارمة. هنا، يبدو الكلثمي أكثر استعدادًا لتفكيك السرد التقليدي، حيث يسمح لنفسه بالانتقال بين العوالم بسلاسة غير مفسّرة بالكامل، معتمدًا على الإحساس أكثر من المنطق.
ظهور شخصية مانع بن شلحاط مثلًا، لا يحتاج إلى تبرير بقدر ما يُبنى على حضور غامض ومقلق، وهو أسلوب يذكّر بمحاولاته السابقة في خلق توتر ينبع من «اللامفهوم» بدلًا من التفسير المباشر. كما أن اهتمامه بالتفاصيل النفسية للشخصيات لا يزال حاضرًا، لكن حضورًا مختلفًا؛ فبدلًا من الغوص التدريجي كما في «مندوب الليل»، نراه هنا يقفز مباشرة إلى الجذور، مستخدمًا الفانتازيا أداةً لكشف الماضي وتفسير الحاضر. عمومًا، يمكن القول إن هذه التجربة تمثّل مرحلة تالية في مسار الكلثمي، حيث ينتقل من ضبط الإيقاع داخل مساحة ضيقة، إلى اختبار قدرته على إدارة عوالم أكثر انفتاحًا وتعقيدًا، مع الحفاظ على بصمته التي تميل إلى القلق النفسي والبحث في هشاشة الإنسان.
محمد القرعاوي.. صوت سردي يربط الفوضى بأسلوب متماسك
يحضر محمد القرعاوي بوصفه أحد الأعمدة الأساسية في بناء هذه التجارب، ليس فقط مؤلفًا مشتركًا، بل صاحب صوت واضح يمكن تمييزه عبر تنقل القصص واختلاف نبراتها. ما يميّز القرعاوي قدرته على التقاط التفاصيل اليومية السعودية البسيطة، وتحويلها إلى مواقف درامية تحمل أكثر من طبقة، دون أن تفقد خفّتها أو قربها من الواقع. تميل أفكاره إلى الاقتصاد في الحوار، مع اعتماد كبير على المفارقة والسخرية الذكية، ما يمنح الشخصيات مساحة لتُعبّر عن نفسها من خلال الموقف أكثر من الكلام.
وبين الكوميديا العبثية في «انتقام جربوع»، والتوتر النفسي في «طريق الموت»، والفانتازيا الرمزية في «لسان معقود»، يظهر القرعاوي كاتبًا ومؤلّفًا قادرًا على التنقل بين الأنماط دون أن يفقد هويته، مستندًا إلى فريق كتابة أشبه بالجنود المجهولين، أحب أن أثني عليهم بالاسم، لأن أهم عنصر في هذه التوليفة الرباعية بالنسبة إليّ كان براعة الكتابة، شكرًا لعلي الكلثمي، والعنود القحطاني، وعبدالعزيز العمري، وفهد حدادي، ومالك نجر، ومحمد العجمي، ومحمد القرعاوي، ونواف المهنا، وسوسن الضويان، وتركي المحسن.
هل للعنوان دلالة؟
بعد الخوض في كل قصة على حدة، شدتني عناوين القصص قبل مشاهدتها. لكن هل العنوان الفرعي يرمز إلى فكرة مشمولة بربط القصص جميعها؟ لا يأتي العنوان الفرعي «الصحراء لا تفاوض» خيارًا جماليًّا عابرًا، بل يحمل في طياته دلالة عميقة تختصر روح العمل بالكامل. فالصحراء هنا لا تُقدَّم خلفيةً جامدة للأحداث، بل قوةً حاضرة ومؤثّرة. يمكن عدُّها شخصيةً لا حوار لها، أو حتى حاضنًا لكل من وقف فوق ترابها ليحكي قصته. وفي الوقت ذاته، تجسد مفهوم «اللامساومة»؛ إذ تختفي الحلول الوسط، ويصبح الخيار محصورًا بين النجاة أو الانكسار.
ومن هنا، يعكس العنوان فكرة أوسع تتجاوز المكان نفسه، ليشير إلى أن هناك لحظات في الحياة تشبه الصحراء في قسوتها ووضوحها، لحظات لا تقبل الالتفاف أو التفاوض، بل تفرض المواجهة الصريحة. وهذا ما يتجلى في القصص الأربع، حيث تجد الشخصيات نفسها في مواقف حادة ومفصلية، مجبرة على اتخاذ قرارات مصيرية دون مساحة للتردد أو التبرير. في النهاية، لا يقتصر العنوان على كونه توصيفًا جغرافيًّا، بل يتحول إلى مفتاح أساسي لفهم طبيعة الصراع داخل العمل؛ صراع الإنسان مع ذاته، ومع الآخرين، ومع بيئة لا تعترف بالضعف ولا تكافئ إلا المواجهة. كما شاهدنا ذلك في شخصيات فِلم «الخلاط +» قبل ثلاث سنوات.
تنوع سردي يراهن على التجريب أكثر من الكمال
بعد «طريق الموت» و«انتقام جربوع» و«سباق المريخ» و«لسان معقود»، يثبت مسلسل «الخلاط +» قدرته على تقديم تجربة متعددة الوجوه، لا تكتفي بالتنوع في القصص، بل تتجاوزه إلى تنوع في النبرة والأسلوب والطرح؛ من التوتر النفسي، إلى الكوميديا العبثية، مرورًا بالسخرية الميتا، وصولًا إلى الفانتازيا الرمزية.
يبدو العمل كأنه مساحة مفتوحة للتجريب، يختبر فيها صُنّاعه حدود الحكاية السعودية المعاصرة. ورغم تفاوت مستوى القصص، فإن الرابط بينها يظل واضحًا في محاولتها التقاط الإنسان في لحظة ضعف أو مواجهة، ووضعه داخل سياق يعرّيه من ادعاءاته، سواء كانت الصحراء، أو المجتمع، أو حتى ذاته. في النهاية، لا يسعى المسلسل إلى المنطق بقدر ما يحتفي بالمحاولة، وهذا بحد ذاته ما يجعله تجربة تستحق المشاهدة والنقاش.

إذا فاتتك الورش التي أُقيمت في السنوات الماضية،
بكل النقاشات والمعارف والأسئلة السينمائية الثرية لكل مهتم بالسينما؛ فلا تأسف.
منصة «سينماء» أرشفت وحفظت كل الورش والجلسات النقدية وأتاحتها للجميع.
ليكتمل المشهد، تعرف على «سينماء».



📽️ في دور السينما
يبدأ اليوم عرض فِلم الأكشن والمغامرة «The Raiders» من بطولة جاكي شان؛ حيث يقود «البروفيسور فانغ» فريقًا من علماء الآثار لاكتشاف قطعة يشم غامضة، تقوده إلى رحلة ممتلئة بالمطاردات والمعارك الحماسية.
كما يُعرض اليوم الفِلم السعودي «ربشة»، كتابة وإخراج محمد مكي. تدور أحداثه حول علاقة زوجين في ليلة ذكرى زواجهما، لكن وصول ضيف غير مرغوب فيه يحوّل الأمسية إلى منعطف مظلم ممتلئ بالأسرار، ويختبر الثقة بينهما.
ويُعرض أيضًا فِلم «They Will Kill You»؛ حيث تتقدم امرأة لشغل وظيفة مدبرة منزل في برج سكني في نيويورك، لتكتشف أن السكان جزء من طائفة شيطانية، ما يدفعها إلى خوض معركة بقاء مرعبة طوال الليل.
ويُعرض كذلك فِلم «Redux Redux»؛ حيث تتنقل إيرين كيلي عبر عوالم موازية بحثًا عن نسخة من نفسها يمكنها إنقاذ ابنتها من القاتل، في مغامرة تجمع بين السفر عبر الزمن والعواطف الحادة.
ويعود اليوم عرض فِلم الدراما والجريمة «Goodfellas» في إصدارٍ مُعاد طرحه، ليروي حياة هنري هيل وعلاقاته مع زوجته وشركائه في عالم المافيا، في قصة كلاسيكية تُعَد من أعظم أفلام الجريمة في السينما.
📰 أخبار وإعلانات سينمائية
كشف فريق عمل فِلم «The Batman: Part II» عن استمرار العمل في مرحلة ما قبل الإنتاج استعدادًا لانطلاق التصوير الرئيس. ومن المتوقع أن يبدأ التصوير الرئيس للفِلم في لندن يونيو، 2026، تمهيدًا لعرض الفِلم في دور السينما بتاريخ 1 أكتوبر، 2027.
حصلت الكاتبة والمخرجة ميقان بارك على صفقة إنتاج كبيرة من «Apple Original Films» لفِلمها الجديد «Die Alive»، الذي يسرد قصة امرأة تواجه مفاجأة صادمة بعد اكتشاف خيانة صديقها المتزوج. ويُعَد المشروع من أكثر أعمال هوليوود ترقّبًا لعام 2026.
بدأ تصوير فِلم «The Statement» في «St. Pete Beach» فلوريدا، بمشاركة النجم بول رود، مع الاعتماد على مواقع طبيعية وسكان محليين كومبارس، لإضفاء أجواء واقعية وحيوية على أحداث الفِلم.
كشف المخرج جيك شراير عن بدء تطوير مسودة جديدة لفِلم «X-Men» ضمن عالم مارفل السينمائي، بمشاركة لي سونغ جين مبتكر مسلسل «Beef»، وجوانا كالو التي سبق أن تعاون معها شراير في «Thunderbolts». ويُعَد هذا التعاون بمثابة لقاء «Beef»، ما يجعل الفِلم من أكثر مشاريع مارفل ترقّبًا في 2026.
📺 عروض المنصات الرقمية
على «Prime Video» يُعرض الموسم الخامس من مسلسل «The Boys»، حيث يعود الفريق إلى مواجهة الأبطال الخارقين الفاسدين ونظامهم الخطير، في سلسلة مواجهات قد تهدد العالم وتؤدي إلى نهاية نهائية مشوقة للموسم الأخير من السلسلة.
وعلى «+Disney» يُعرض مسلسل الدراما والخيال «The Testaments»، الذي يأتي كتتمّة لسلسلة «The Handmaid’s Tale». ويركز على قصص «آقنيس» و«ديزي»، فتاتين شابتين في مجتمع جيلياد القمعي، حيث تتحدان وتبدآن في كشف حقائق جديدة عن النظام القاسي الذي يحكم حياتهما.
وعلى «Netflix» يُعرض مسلسل الكوميديا والجريمة «Big Mistakes»، الذي يتتبع أخًا وأختًا غير كفأين للغاية، يُبتزّان لدخولهما عالم الجريمة المنظمة، ما يقودهما إلى سلسلة من المواقف الفوضوية والمضحكة في أثناء محاولتهما النجاة وسط عصابات خطيرة.
وعلى «Apple TV» يُعرض غدًا فِلم الدراما والكوميديا «Outcome»، بطولة كيانو ريفز وجونا هيل وكاميرون دياز ومات بومر. حيث يلعب ريفز دور نجم هوليوودي يواجه ابتزازًا بفيديو غامض يهدد سمعته، في رحلة ممتلئة بالكوميديا والمواقف الدرامية في أثناء محاولته كشف الحقيقة وإصلاح أخطائه.


اليوم نقول «أكشن» مع واحد من أذكى المشاهد الكوميدية من سكتش «حوار على الدعسة» «خلاط 10»، الصادر عام 2018.
يحكي المشهد عن شابّين في طريق سفر على خط سريع، وفي أثناء رحلتهما يلتقيان سيارة تقودها مجموعة من الفتيات. ومن هنا تبدأ سلسلة حوارات طويلة بين الصديقين، تتمحور حول قرار قيادة المرأة وتحليله من زوايا اجتماعية واقتصادية ودينية، في نقاش يبدو جادًّا، لكنه في الحقيقة ممتلئ بالمفارقات الساخرة.
يأتي هذا الاسكتش متزامنًا مع إعلان السماح بقيادة المرأة في السعودية، فيحاول أن يعكس آراء شريحة من المجتمع -خصوصًا الرجال- من خلال شخصين متناقضين؛ أحدهما رافض بشدة، يكرر المخاوف والاعتراضات، والآخر أكثر انفتاحًا، يدافع عن القرار ويحاول تفكيك هذه المخاوف.
أعظم ما يميز هذا المشهد أنه يبني كوميديته على مفارقة عميقة بين الخطاب والسلوك؛ حيث ينخرط الشابان في نقاش مطوّل عن «خطورة قيادة المرأة» واحتمالية تسبُّبها بالحوادث، في محاولة لتقديم طرح عقلاني يبدو في ظاهره منطقيًّا، بينما تكشف الصورة في الخلفية عكس ذلك تمامًا. الفتيات في السيارة الأخرى يقُدن بهدوء واتزان، وملتزمات بالأنظمة، في حين يتحول الشابان دون وعي منهما إلى تجسيد حي لكل ما ينتقدانه؛ سرعة مفرطة، وتشتت، وانشغال بأمور جانبية، وحركة غير آمنة داخل السيارة.
يُصنَّف هذا الأسلوب ضمن «كوميديا المفارقة» (Irony)، وتحديدًا «المفارقة الدرامية»؛ حيث يمتلك المشاهد وعيًا بالحقيقة التي تغيب عن الشخصيات نفسها، فيرى التناقض بوضوح بينما تستمر الشخصيات في خطابها دون إدراك.
كما أن هذا النوع من الكوميديا يخلق ضحكًا فيه شيء من الإحراج أو الاعتراف الضمني، لأن التناقض المعروض مصمم ليكون قريبًا جدًّا من سلوكيات يومية نراها أو نمارسها، دون المبالغة فيه لدرجة الانفصال عن الواقع. لذلك يوصف بأنه «ضحك واعٍ»، لأنه يعكس للمشاهد صورة مألوفة لكن بكثافة ووضوح.
عهود أبو خيرة

فقرة حصريّة
اشترك الآن

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.