المسار الأمثل لمستقبل علاقة الخليج باليمن

سيحوّل هذا المسار اليمن من عبء على الخليج ومهدد لأمنه إلى مكمّل إيجابي لأمنه واقتصاده.


لم تغِب اليمن يومًا عن مقاربات الأمن الخليجي، ولا شكَّ أن هذا مدفوع بحقائق الجغرافيا.

ينظر عدد الأسبوع في هذه المقاربات، وأثر الواقع اليمني فيها وعلاقته بالدول الخليجية، ويقترح الشكل العملي الذي يمكن أن يكون واقعيًّا وبناءً للمصلحة اليمنية والخليجية، لتهيئة المسار اللازم لتعميق الانخراط اليمني في المنظومة الخليجية.

قراءة ماتعة!

عمر العمران


تصميم: أحمد عيد
تصميم: أحمد عيد

المسار الأمثل لمستقبل علاقة الخليج باليمن

ضياء السعيدي

لا تبدو علاقة اليمن بالخليج مسألة يمكن إرجاعها إلى ظرف سياسيٍّ عابر، أو إلى مُعطًى أمنيٍّ منفصل، أو إلى مجرد حقيقة جغرافية. فهي تتصل في الوقت نفسه بالجوار وبنية الدولة وحركة الاقتصاد وتعريف الإقليم وصورة الاستقرار الممكن في شبه الجزيرة العربية. ولهذا اكتسبت هذه العلاقة، منذ وقت مبكر، طابعًا ملتبسًا؛ فهي ليست علاقةً خارجيةً كاملة، لأن القرب الجغرافي والامتدادات الاجتماعية والتاريخية تجعل الفصل التامَّ بينهما أمرًا متعذِّرًا، وليست كذلك علاقة تقارب تلقائي، لأن الجوار في ذاته لا يكفي لإنتاج تكامل مؤسسيٍّ أو توافق بنيويٍّ مستقر.

ولهذا ظلَّ النقاش يتحرك غالبًا بين تفسيرين متقابلين. أحدهما يغلب عليه المنظور الأمني، فيتعامل مع اليمن من زاوية ما يمكن أن يولِّده اضطرابه من آثار تتجاوز حدوده. والآخر يغلب عليه منطق القرب الاجتماعي والتاريخي، فيفترض أن وشائج الجزيرة العربية والروابط القبلية وحركة الناس، تكفي لتأسيس صورة من صور الاندماج الأعمق. غير أن المسألة تبدو أكثر تركيبًا من كلا التصورين؛ فالأول لا يحيط إلا بجانب من العلاقة، والثاني يفترض قدرًا من التلقائية لا يسنده منطقٌ ولا تجارب التكتلات الإقليمية الحديثة.

ذلك أن الجوار لا يُنتج بالضرورة تكاملًا، كما أن التاريخ المشترك لا يتحول بذاته إلى مؤسسة. فالإقليم، في صورته الحديثة، لا يتحدد فقط بحدود الخرائط أو شبكات القرابة أو كثافة التبادل الاجتماعي، بل أيضًا بمدى قابلية الوحدات التي يتكون منها لأن تُدار داخل أفق تنظيميٍّ ومصلحيٍّ متقارب. وفي هذه المسافة بالذات تتشكل خصوصية الحالة اليمنية الخليجية: تقارب مكاني واجتماعي واضح، يقابله تباين ملحوظ في طبيعة الدولة ومنطق الاقتصاد وإيقاع الاستقرار المؤسسي والكيفية التي انتظمت بها العلاقة بين المركز والأطراف داخل كل تجربة.

وتزداد أهمية هذه المسألة لأن اليمن لا يقع على هامش المجال الخليجي، بل على تماسٍّ مباشر مع كثير من عناصره الحساسة: الممرات البحرية وحركة العمل والتحويلات والأمن الحدودي والطاقة والتجارة. وما يجري في اليمن لا يبقى محصورًا داخله، كما أن طريقة النظر إليه لا تبقى مسألةً نظريةً أو خطابيةً فقط، بل تنعكس على تصورات أوسع تتصل بمعنى الأمن الإقليمي، وحدود التكامل الممكن، والكلفة المترتبة على الغياب المستمر لترتيب أكثر انتظامًا بين الطرفين.

لهذا تبدو الحاجة قائمةً إلى تناول المسألة خارج الثنائية المعتادة بين ضمٍّ كامل واستبعادٍ كامل، وخارج الافتراض بأن القرب يكفي وحده، أو بأن الخوف يفسِّر كل شيء. فبين الجوار والاندماج، وبين الارتباط والاختلاف، مساحة واسعة من الأسئلة المتعلقة بشكل العلاقة الممكنة وشروطها وحدودها، وما إذا كانت تُفهم على أنها امتداد طبيعي لمجال واحد، أم على أنها علاقة بين مجالين متداخلين جغرافيًّا ومتمايزين بنيويًّا في الوقت نفسه.

ولمقاربة هذه الأسئلة، لا يكفي تعداد مظاهر التداخل بين الطرفين، بل يلزم النظر أولًا في البنية التي تشكِّل كلًّا من التجربتين. فمن دون تفكيك تركيب الدولة في الخليج، من حيث منطق السلطة والجغرافيا والموارد، ثم مقابلته بتركيب الدولة في اليمن، تبقى المقارنة قريبةً من الانطباع العام. ومن هنا، يقتضي النظر أن يبدأ تحليل الشروط التي صنعت هذا التباين البنيوي، ثم مقارنة ما أفضى إليه في كل جانب، قبل الانتقال بعد ذلك إلى سؤال أكثر عملية: ما الصيغة الممكنة لعلاقة تعاون وشراكة قابلة للحياة بين اليمن والخليج؟

المحور الأول: «الشفرة الجينية» للتجانس الخليجي

تستند مقاربات كثيرة في دراسة الاندماج والتقارب بين دول مجلس التعاون الخليجي إلى أدوات المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية؛ إذ يُقرأ هذا التكتل غالبًا من زاوية المصالح البراغماتية، أو يوصف بأنه تحالف دفاعي فرضته هواجس الجغرافيا السياسية، وتمدد القوى الإقليمية المجاورة، وتقلبات أسواق الطاقة العالمية. ومع وجاهة هذه المقاربات في تفسير التفاعلات السياسية المباشرة، فإن النظر في الجذور التاريخية والبنية السوسيولوجية للظاهرة الخليجية يتيح قراءةً أخرى. فالتقارب الخليجي لم يتشكل فقط لأن الجغرافيا دفعت هذه العواصم إليه، ولا لأن التهديدات الخارجية وحدها جمعتها في لحظة إقليمية مضطربة.

يمكن القول إن هذه الكيانات، منذ لحظات تبلورها الأولى دولًا حديثة، قامت على قدر كبير من التشابه في بنية السلطة وتركيبة المجتمع وطبيعة الاقتصاد. وعند النظر إلى هذا القدر من التقارب البنيوي، يصبح من الممكن فهم الاندماج بينها بوصفه مسارًا منسجمًا مع بنيتها المشتركة أكثر من كونه بناءً سياسيًّا مصنوعًا من الصفر، في حين يبدو التفكك أو التنافر أو رسم الحدود الصلبة وضعًا أقل اتساقًا مع هذا التكوين.

ولا يظهر هذا في القراءة التحليلية وحدها، بل ينعكس أيضًا في التأسيس القانوني والمؤسسي للمجلس ذاته. فالميثاق التأسيسي لمجلس التعاون لا يقدمه بوصفه تحالفًا عابرًا لمواجهة أزمة محددة، بل يطرحه إطارًا يجمع دولًا تربطها «علاقات خاصة» و«خصائص مشتركة» و«أنظمة متشابهة» أساسها العقيدة الإسلامية، وغايتها النهائية تحقيق التنسيق والتكامل وصوغ أنظمةٍ متقاربة في المجالات المختلفة. وتوحي هذه اللغة بأن المجلس قام على أرضية سابقة من التشابه البنيوي، ولم يُطرح بوصفه كيانًا ناشئًا في فراغ سياسيٍّ ينتظر من يملؤه بقرارات فوقية.

ولفهم هذه البنية، يبدأ النظر من طبيعة النظام السياسي وتاريخ تشكُّله. فهذه الدول لم تولد من رحم انقلاباتٍ عسكرية متوترة، ولا عبر فرض مشاريع أيديولوجية راديكالية كما حدث في عددٍ من الجمهوريات العربية المجاورة في مرحلة ما بعد الاستعمار. لقد تشكلت هذه الكيانات وتطورت بوصفها امتدادًا عضويًّا لتحالفاتٍ قبلية وروحية قديمة سادت شبه الجزيرة العربية. ولذا لم تكن أنظمة متنافرة في تصورها لمركز السلطة، بل كانت ملكيات أُسَرية وراثية متقاربة في منطق الحكم.

في هذا الهيكل السياسي، لا يحكم الفرد المعزول وحده، بل تحكم العائلة الممتدة بوصفها مؤسسةً سياسيةً قائمةً بذاتها. فهي تتغلغل في مفاصل الدولة، وتدير انتقال السلطة على نحوٍ أكثر هدوءًا، وتحدُّ من الانقسامات الأفقية والعمودية الحادة التي عرفتها جمهوريات عربية كثيرة تنازعت على الهوية والموارد. وهذا النمط من الاستقرار لم يكن أثرًا قانونيًّا مجرَّدًا لمبدأ الوراثة، بل اتصل ببنية اجتماعية أوسع ربطت الأُسَر الحاكمة بالتحالفات القبلية والوجاهات التجارية التاريخية والمرجعية الدينية المحافظة. وقدمت هذه الأنظمة نفسها بوصفها منسجمةً مع التاريخ المحلي والإسلام والتقاليد العرفية، وهو ما جعل شرعية «المشيخات» في الخليج شرعيةً مركبة يجتمع فيها الموروث الاجتماعي مع القدرة السياسية على إعادة إنتاجه داخل قوالب الدولة المعاصرة.

ولذلك لم يكن من المصادفة، في سياق هذا التجانس، أن تكون السلطة العليا والسيادية في مجلس التعاون هي «مجلس الرؤساء»، وأن تبقى القرارات الجوهرية والسيادية فيه رهينة مبدأ الإجماع. ولهذا يبدو المجلس، من حيث منطقه المؤسسي، أقرب إلى مجلسٍ مَشيخيٍّ حديث أو إلى صيغة مؤسسية محدَّثة لحلف قبائل مستقر؛ تجتمع فيه الوحدات المتقاربة أصلًا للتشاور وتنسيق الموقف وتدبير المصالح المشتركة، من دون أن تُذيب كل واحدة منها شخصيتها السياسية المستقلة أو تتنازل عن سيادتها لصالح كيانٍ فوق - دوليٍّ متعالٍ عليها.

غير أن هذه الشرعية التقليدية، مع تجذرها التاريخي والاجتماعي، ما كانت لتأخذ هذا القدر من الاستقرار والاستمرار لولا التحول الاقتصادي الكبير الذي أحدثه اكتشاف النفط. فالثروة الجديدة لم تُبدِّل طبيعة العلاقة العضوية بين الحاكم والمجتمع بالضرورة، بل وسعت إمكانات الدور التاريخي للشيخ. ففي الموروث القبلي والاجتماعي لشبه الجزيرة، كانت شرعية زعيم القبيلة تقوم أساسًا على قدرته على كفالة جماعته وتأمين مصادر الإعاشة وإحلال السِّلم وفضِّ النزاعات. وما فعله النفط أنه منح مؤسسة المشيخة قدرةً أوسع على الوفاء بهذا النمط من العلاقة الاجتماعية والسياسية بصورة أكثر انتظامًا واستدامة، من دون ارتهانٍ شديد لتقلبات شح الموارد أو إلى وسطاء محليين كثر أو إلى دعم خارجيٍّ مباشر للسيطرة على الداخل.

وهكذا، لم تكن الطفرة النفطية انتقالًا كاملًا إلى عقد سياسيٍّ مغاير بقدر ما جاءت امتدادًا للعقد القائم. فقد نقلت الثروة الحاكمَ من شيخٍ يُدير الندرة إلى حاكم يُدير الوفرة، فتحوَّل ما يُعرف في الاقتصاد السياسي بالدولة الريعية، في الحالة الخليجية، إلى امتدادٍ مؤسسيٍّ واسع لما كانت تؤديه «مضافة الشيخ» تاريخيًّا. وبفضل العوائد النفطية التي احتكرت إدارتها السلطة، لم يعد الحاكم مجرد ضامن للحد الأدنى من الكفاف أو الاستقرار، بل صار المعيل الرئيس الذي يضخ الثروة في المجتمع عبر التحديث العمراني والوظائف الآمنة والرعاية الصحية والتعليمية، مع احتفاظه باستقلال ماليٍّ كبير يُخفِّف حاجته إلى فرض ضرائب مباشرة على رعاياه.

وبذلك، لم يكن الولاء السياسي في الخليج مجرد مقايضة مادية بسيطة تنازل فيها المواطن عن حقوقه السياسية مقابل الرفاه، كما تفترض الأدبيات الغربية، بل بدا أقرب إلى الامتداد الطبيعي للولاء الاجتماعي لمن أثبت قدرته على توفير الحماية والإعاشة. وقد سمحت هذه الوفرة الكبيرة باستيعاب مكونات محلية متعددة من امتدادات قبلية ووجاهات أُسَرية وتحالفات تجارية، ودمجها داخل بنية الدولة الحديثة التي يتصدرها الحاكم بصفته راعيًا ومصدرًا رئيسًا للحماية والمنعة. وساعد هذا النمط من الإدارة على ترسيخ درجة عالية من السلم الأهلي، لأنه حدَّ من الأرضية المادية التي يمكن أن تنمو عليها معارضة هيكلية واسعة، عبر تحقيق الغاية الأساس للسلطة في المخيال الاجتماعي المحلي: توفير الأمن والرخاء، وحفظ الدين.

وكان البعد الديمغرافي عنصرًا مُكمِّلًا لهذا التكوين. فالمسألة في الخليج لا تتعلق فقط بانخفاض الكثافة السكانية بالمعنى الجغرافي المجرَّد، بل بخفة الكتلة الوطنية قياسًا إلى ضخامة الموارد والقدرة التوزيعية الكبيرة للدولة. ولضمان استمرار دوران عجلة الاقتصاد وتطوير البنية التحتية والمشاريع التنموية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على شروط العقد الاجتماعي الرعوي الذي يضمن رفاهية المواطن، تشكلت سوق عمل شديدة الخصوصية. فهناك مجتمع وطني محدود ومحمي تمنحه الدولة مزايا عالية ومواضع إدارية أفضل، في مقابل استيعاب أعداد كبيرة من العمالة الأجنبية الوافدة بنظامٍ تعاقديٍّ صارم، لتسيير قطاعات الإنتاج والبناء والخدمات، دون أن تدخل هذه العمالة في العقد السياسي المحتكَر للمواطنين، ودون أن تُشكِّل تهديدًا مباشرًا لهوية السلطة أو لتجانسها الثقافي.

ومن مجموع هذه العناصر تتشكل البنية الخليجية: ملكيات أُسَرية متقاربة لا تعرف التداول الخشن للسلطة، وشرعيات تاريخية تستند إلى الامتداد العضوي القبلي والغطاء الديني، واقتصادات ريعية وفيرة عززت دور الحاكم ليكون كفيلًا وضامنًا للرفاه الاجتماعي، وأسواق عمل مفصولة بدرجة كبيرة تحمي الداخل الوطني من الضغوط السياسية والديمغرافية.

داخل هذا التكوين المتقارب، يمكن فهم مجلس التعاون بوصفه نتيجةً متوقعة لقدر كبير من التجانس البنيوي، لا مجرد استجابة أمنية ظرفية فرضتها صدمات الإقليم. ومن هنا يمكن فهم المعضلة الهيكلية التي تظهر عند التفكير في دمج كيانٍ كاليمن دمجًا عضويًّا وكاملًا داخل المجلس. فاليمن، بجمهوريته المضطربة سياسيًّا، وتاريخه الطويل القائم على التجاذب الحزبي والمذهبي والمناطقي، وكثافته السكانية الكبيرة التي لا تسندها موارد مماثلة، وغياب العوائد الريعية القادرة على بناء دولة رفاه واسعة، يُمثِّل عنصرًا بنيويًّا مختلفًا بوضوح عن هذه الصيغة الخليجية الاستثنائية.

المحور الثاني: «الشفرة النقيضة».. الجغرافيا الضاغطة، ومأزق الندرة، والاستلاب الأيديولوجي

ليس المقصود هنا تقديم اليمن بوصفه استثناءً مأزومًا في ذاته، ولا مقاربته باعتباره «نقصًا» قياسًا إلى النموذج الخليجي المستقر، بل قراءته بوصفه تكوينًا تاريخيًّا وسوسيولوجيًّا مختلفًا من الأصل. ففي مقابل الكتلة الخليجية التي قامت فوق فضاءٍ صحراويٍّ مُنبسطٍ نسبيًّا وأقل ازدحامًا، يقف اليمن بوصفه حالةً شكلت فيها الجغرافيا عاملًا ضاغطًا وقويًّا: سهل ساحلي، ومرتفعات غربية، وكتلة جبلية مركزية شاهقة، وهضاب شرقية، وامتداد صحراويّ يُفضي إلى الربع الخالي.

وهذه التقسيمات ليست مجرد أوصاف طبوغرافية جامدة، بل حدود فعلية لتوزيع السكان وأنماط المعاش وموازين القرب والبعد عن المركز. فحين يكون البلد في الوقت نفسه ساحلًا وجبلًا وهضبةً وصحراء، فإن المجتمع لا ينمو ككتلة واحدة متجانسة يسهل تطويعها، بل يتشكل على هيئة عوالم محلية أو «جزر سوسيولوجية» متجاورة، متصلة أحيانًا، ومشدودة إلى خصوصياتها أحيانًا أخرى. ويزداد هذا التعقيد مع المتغير الديمغرافي؛ فاليمن يضم كتلةً سكانية كبيرة لا تضاهيها أي دولة خليجية منفردة، إذ يقدِّر البنك الدولي عدد السكان بأكثر من 40.5 مليون نسمة في عام 2024. وهكذا، لم تكن الجغرافيا اليمنية مجرد مسرحٍ تقوم عليه الدولة، بل كانت عاملًا رئيسًا في تعثر نشوء مركزيةٍ هادئة على النمط الذي عرفته دول الخليج.

ولا تتسم هذه الجغرافيا بالتعقيد وحده، بل بالشح كذلك. فالمرتفعات اليمنية، مع ما فيها من خصوبة نسبية قياسًا إلى بقية أرجاء الجزيرة العربية، قامت تاريخيًّا على توازن بيئيٍّ دقيق بين الجبل والمطر والمدرجات الزراعية. وتشير تقارير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن اليمن يعاني شحًّا مائيًّا بنيويًّا شديدًا، وأن الزراعة فيه تعتمد بدرجة مقلقة على الأمطار المتذبذبة. ومن هنا لا تبدو الزراعة الجبلية ونظام المدرجات التقليدية مجرد مظهر تراثي، بل آلية تكيفٍ وبقاء في بيئة يظل فيها المورد الحيوي نادرًا.

وفي ظل هذه الندرة الهيكلية، وغياب العوائد الريعية الواسعة التي تستطيع السلطة توزيعها، لم تنشأ العلاقة بين المجتمع والدولة الحديثة في اليمن على قاعدة الوفرة والتوزيع المريح المعروفة خليجيًّا، بل على قاعدة الندرة والتكيف المحلي والتفاوض المستمر، والمسلح أحيانًا، حول الموارد المحدودة. ومن هنا يمكن فهم سبب احتفاظ الروابط المحلية والقبلية بوزنها السياسي الكبير. فالقبيلة في اليمن ليست نقيضًا بدائيًّا لفكرة الدولة، بل هي مؤسسة عملية لإدارة المكان والناس والموارد في بيئة شحيحة ودولة رخوة يصعب عليها إخضاع مجتمع قويٍّ ومسلح من أعلى.

ومن رحم هذه الأرض المركبة والندرة القاسية نشأ مجتمع شديد التنوع. وهذا التنوع ليس شعارًا ثقافيًّا عامًّا، بل أثر مباشر لاختلاف البيئات التاريخية التي أنتجت هويات فرعية متماسكة؛ فليست التهامية في الساحل كالزيدية في الجبل، ولا عدن بوصفها مركزًا بحريًّا وتجاريًّا وكوسموبوليتانيًّا تُشبه صنعاء بوصفها مركزًا جبليًّا سياسيًّا تقليديًّا، ولا حضرموت ذات الامتداد التجاري العابر للمحيطات تُشبه صعدة أو الهضاب الوسطى المحافظة. ولهذا ظلَّ اليمن تاريخيًّا أقرب إلى فضاء متعدد المراكز منه إلى كتلة سياسية ملساء، فالإقليمية اليمنية ليست طارئًا حديثًا، بل نمط متكرر يعيد إنتاج نفسه في التاريخ السياسي للدولة، بحيث تبدو إدارة يمنٍ واحد مسارًا شاقًّا من التفاوض المستمر بين مراكز وأطراف متنافرة، لا مجرد صهر إداريٍّ مباشر بمرسوم فوقي.

وإذا كانت الجغرافيا وندرة الموارد قد ساهمتا في تعثر بناء دولة مركزية متماسكة، فإن التاريخ السياسي الحديث زاد هذا التشظي، وأبعد اليمن أيديولوجيًّا عن محيطه الخليجي أكثر. فاليمن الحديث لم يدخل القرن العشرين بوصفه دولةً موحدة مستقرة، بل دخل عبر انقسام سياسيٍّ واستلاب أيديولوجيٍّ عميق. ففي الشمال تحوَّلت البلاد من الإمامة الزيدية المغلقة إلى جمهوريةٍ ناصرية مدعومة بالمدِّ القومي الناصري بعد عام 1962، لتدخل في حرب أهلية طاحنة تحولت إلى ساحة صراع بالوكالة.

أما في الجنوب، فقد اتخذت الدولة الجديدة الخارجة من عباءة الاستعمار البريطاني في أواخر الستينيات مسارًا ثوريًّا راديكاليًّا وتحالفت مع الاتحاد السوفيتي، لتصبح الدولة الماركسية الوحيدة في شبه الجزيرة العربية. ولم يقتصر الأمر على تبني لغة أيديولوجية بعيدة عن المحيط، بل امتد إلى رعاية حركات تمرد يسارية في الجوار، وإلى خصومات متكررة مع الشمال والمحيط الملكي.

وبذلك لم يكن الانقسام اليمني مجرد خطوط حدودية، بل انقسامًا في نمط الدولة وشبكات التحالف الخارجي، وفي العقل السياسي نفسه. ففي الوقت الذي كان الخليج يعيش هاجس الاستقرار وتراكم الرفاه والتنمية في سبعينيات وثمانينيات القرن المنصرم، كان اليمن بشطريه يعيش أسئلةً سياسية كبرى تتصل بالشرعية والثورة والوحدة والانفصال والتجاذبات والحزبية والهوية.

وعليه، فإن الفارق بين اليمن والمنظومة الخليجية لا يُختزل في القول إن هذا البلد أفقر وذاك أغنى، أو إن هذا مضطرب وذاك مستقر. الفارق هنا بنيوي (في تركيبة الدولة وعلاقتها بالمجتمع)، وتباين إبستمولوجي عميق في العقلية السياسية والإدارية ناتج عن الفروقات في توافر الموارد وعن اختلاف مسارات تكون الدولة حديثًا. فقد تشكلت دول الخليج داخل مسار ملكيٍّ ريعيٍّ هادئ نسبيًّا ومتقارب، سمح بتراكم مؤسسيٍّ وتوزيعيٍّ متصل ومحمي من الداخل، بينما تشكل اليمن في سياق معقد اجتمعت فيه الجبال القاسية، وندرة الموارد، والكثافة السكانية الكبيرة، والتعددية المناطقية، والاستلاب الأيديولوجي الساخن.

ولهذا بدت الدولة اليمنية، في أكثر من طور من أطوارها، أقل قابليةً للتمركز الهادئ، وأكثر عرضةً لتمزقها بين الأطراف، أو لتسرب الولاءات المحلية والتحالفات الخارجية إلى داخل هياكلها. ومن هنا يظهر التباين بين اليمن والخليج بوصفه تباينًا في بنية الدولة والمجتمع، وهو تباين تاريخي وجغرافي صلب لا يزول بقرار سياسيٍّ عابر أو برغبة عاطفية في اندماج إقليميٍّ كامل.

المحور الثالث: من وَهْم «الحتمية الجغرافية» إلى استحقاقات «القابلية المؤسسية» للاندماج

كثيرًا ما تميل المقاربات السياسية العربية، عند تناولها لمسألة التكتلات الإقليمية عمومًا والحالة اليمنية الخليجية خصوصًا، إلى تصورٍ يغلب عليه الطابع الرومانسي؛ إذ يُفترض، على نحوٍ تبسيطي، أن روابط الجوار الجغرافي والتاريخ المشترك والصلات القبلية والعاطفية تُمثِّل رافعات كافية لبناء وحدة سياسية أو اقتصادية ناجحة. غير أن التكتلات الاقتصادية الحديثة لا تقوم على القرب المكاني أو الانتماء الحضاري وحدهما، بل تحتاج إلى حدٍّ أدنى من القابلية المؤسسية للاندماج: اقتصاد سوق عامل، واستقرار ماكرو اقتصادي، وقواعد تشريعية قابلة للتقارب، وبنية تحتية وتشغيلية قادرة على تحمل الضغوط التنافسية داخل الكتلة دون إحداث صدمات بنيوية. فالاندماج العضوي يفترض أعضاءً يستطيعون إضافة قيمة تكاملية إلى الشبكة، لا أعضاء يحتاجون منذ البداية إلى إعاشة إنقاذية دائمة.

ولذا، فإن أيَّ اتحاد اقتصاديٍّ جاد لا يقاس فقط بما يرفعه من شعارات وحدَوية، ولا حتى بقدرته التقنية على تبسيط الإجراءات عبر الحدود، بل بما يفترضه من تقارب أعمق في بنية الاقتصاد نفسه. فمسألة الاندماج لا تقف عند إزالة الرسوم الجمركية أو توحيد بعض المواصفات والاعتمادات، بل تمتد إلى أسئلة أكثر جوهرية: ما الذي يعنيه الانضمام إلى هيكل الاقتصاد الوطني؟ وكيف ينعكس على حركة رأس المال وسوق العمل والقدرة التنافسية وأنماط الإنتاج والسياسة المالية واستقرار العملة وإدارة الاختلالات بين الاقتصادات الأعضاء؟ فالاتحاد الاقتصادي، في معناه الأبعد، ليس مجرد تسهيل للتبادل، بل إعادة تموضع كل اقتصاد داخل شبكة أوسع من الاعتماد المتبادل، بما يفرض على الدول الأعضاء قدرًا من التقارب في الإيقاع الاقتصادي، وفي القدرة على امتصاص الصدمات، وفي تحمل كلفة الانفتاح المتبادل من دون أن يُفضي ذلك إلى اختلالات مدمرة أو إلى تبعية غير متوازنة.

وعلى هذا الأساس، لا تبدو المعضلة في الحالة اليمنية مشكلة نقص في الروابط الاجتماعية، بل مشكلة غياب واضح لشروط التقارب العميق التي تتطلبها العضوية الكاملة. فاليمن، كما تبين من مساره التاريخي وبنيته الراهنة، ليس فقط أقل نموًّا وأكثر كثافةً سكانية من الاقتصادات الخليجية، بل هو كيان لا يزال بعيدًا عن انتظام المجال الاقتصادي. فهو يفتقر إلى قدرة الدولة المركزية على فرض القواعد وإنفاذها، ويعاني من هشاشة في المنظومة الإدارية، وضعف في التحكم الموحد بالمنافذ. ولذا، فإن إدخال اقتصاد مثقل بأزمات الشرعية، وفيه قدر كبير من التشوه وعدم الرسمية، إلى داخل منظومة خليجية تقوم على السرعة اللوجستية والثقة التنظيمية والتنسيق السيادي العالي، يُرجَّح أن يحول الاتحاد من آلية تكامل بين وحدات متقاربة إلى مشروع امتصاص اختلالاتٍ وإدارة استثناءاتٍ دائمة.

ومن المنظور الاقتصادي، لا يُرجَّح أن يؤدي الإدخال المتعجل إلى تعميق السوق الخليجية بقدر ما قد يربكها ويضغط على كفاءتها. فالسوق المشتركة لا تستقيم إذا كانت حرية الحركة للسلع ورؤوس الأموال والأفراد تحتاج منذ لحظتها الأولى إلى استثناءات واسعة وقيود انتقالية ودعم تعويضيٍّ كبير وضبط أمنيٍّ مشدد. وفي مثل هذه الحالة، تغدو العضوية الكاملة لليمن أقرب إلى آلية دعمٍ وتعويضٍ دائم وإدارةٍ لفروق هيكلية، منها إلى عملية اندماجٍ متوازن.

أما من الزاوية الأمنية، فالمسألة تمثِّل مأزقًا استراتيجيًّا مزدوجًا؛ فالاستبعاد التام والاندماج الكامل كلاهما ينطوي على كلفة مرتفعة. فمن جهة، إدخال اليمن قبل استقرار الدولة وتوحد أدوات السيادة، وفي ظل سيولته السياسية الراهنة وتجاذباته الأيديولوجية ووجود التشكيلات المسلحة، قد يدفع دول الخليج إلى رفع مستوى التنسيق الأمني والرقابي الحدودي إلى درجةٍ تخنق الحريات الاقتصادية للمجلس، وتحول فضاءه من مجال انسيابيٍّ مفتوح إلى مجال أمنيٍّ شديد الانشغال بالفرز والمراقبة وتجنب استيراد الهشاشة إلى الداخل المحمي.

ومن جهة أخرى، فإن الاستبعاد الكامل وتجاهل الجرح اليمني ليس بلا ثمنٍ استراتيجي. فترك اليمن خارج أي إطار تعاون جاد يفتح فراغًا أمنيًّا تستفيد منه الميليشيات العابرة للحدود، وتستغله القوى الإقليمية المعادية لتحويل اليمن المنهك إلى منصة ضغط على المجال الخليجي نفسه. لذلك لا تبدو المسألة اختيارًا بين ضمٍّ كامل يكسر المنظومة أو قطيعةٍ كاملة تفتح بابًا لفوضى ممتدة، بل بحثًا عن صيغة تعاون تنزع فتيل التهديد دون أن تهدم الجدار المؤسسي.

وخلاصة القول: العضوية الكاملة في الاتحادات الإقليمية ليست قرارًا رمزيًّا أو مكافأة سياسية، بل تتويج لدرجة من التقارب الهيكلي القابل للتحويل إلى ممارسة مؤسسية. واليمن، بحكم الفجوة الاقتصادية والسياسية والديمغرافية، فضلًا عن الأمنية، لا يبدو مهيأً لهذا التتويج من دون أن يحمِّل المنظومة الخليجية كلفة كبيرة تغيِّر طبيعة المجلس ذاته.

المحور الرابع: المقاربة الوظيفية المتدرجة.. من «إدارة التهديد» إلى «هندسة الشراكة»

لم تكن المشكلة يومًا في أن اليمن بعيد عن الخليج بحيث يستحيل الوصل بينهما، ولا في أنه قريب بما يكفي ليُضم بقرار سياسيٍّ رمزي. المشكلة أن صيغة العضوية الكاملة تظل، في المدى المنظور، أثقل من أن يحتملها الهيكل المؤسسي للطرفين. ومع ذلك فإن ترك اليمن خارج أي ترتيب إقليميٍّ منظم يُبقي كلفة التدهور ممتدةً من الداخل اليمني إلى العمق الخليجي، فاستبعاد اليمن تاريخيًّا لم يُنتج منطقة خليجية آمنة ومغلقة على نفسها، بل ساهم في إبقاء شبه الجزيرة العربية منقسمة، وأضعف فرص النمو الإقليمي، وترك هشاشة اليمن تتحول إلى فراغ أمنيٍّ واقتصاديٍّ امتد أثره إلى جواره.

وفي الواقع الميداني، لم يؤدِّ غياب الترتيب المؤسسي إلى وقف الحركة البشرية، بل إلى فوضويتها. فقد سجلت المنظمة الدولية للهجرة أكثر من 100 ألف من الإعادات من السعودية إلى اليمن والقرن الإفريقي في عام 2023²⁵. وهكذا، فالخيار عند العمالة مثلًا، ليس خيارًا بين «حركة» و«لا حركة»، بل بين حركةٍ منظمة ذات قواعد ومنافع متبادلة، وحركةٍ فوضوية تتحول إلى عبء أمنيٍّ وإنسانيٍّ على الجميع.

ولفهم آلية الخروج من هذا المأزق، تبدو بعض التجارب المقارنة لافتة، ومنها علاقة الولايات المتحدة بالمكسيك. فالقوة الاقتصادية الكبرى التي تشترك في حدود واسعة مع دولة أقل دخلًا وأكثر كثافة سكانية، ولم تخلُ علاقتها بها من تحديات أمنية معقدة، لم تجد الحل في ضمِّها سياسيًّا، ولا في قطع كل صور التواصل معها، بل في بناء أطرٍ للاندماج الوظيفي والاقتصادي عبر التجارة وسلاسل الإمداد وإدارة ممرات العمالة. ولم يُلغِ ذلك الفوارق البنيوية بين الطرفين، لكنه حولها إلى علاقة أكثر تنظيمًا وأعلى منفعة.

وباستهلام هذا المنطق، تبدو المقاربة الوظيفية المتدرجة في الحالة اليمنية الخليجية أقرب إلى الواقعية العملية من خطاب العضوية الكاملة.

جوهر هذه المقاربة أن يبدأ التكامل من القطاعات التي تُنتج منفعة مباشرة وقابلة للقياس والضبط. وأول هذه القطاعات هو العمل. فاقتصادات الخليج لم تُبنَ على اكتفاء ذاتيٍّ في سوق العمل، بل على اعتماد بنيويٍّ واسع على العمالة الوافدة، وتشير البيانات إلى أن دول الخليج استضافت نحو 31 مليون أجنبي في 2022، بما يساوي قرابة 55% من مجموع سكانها. وهذا يعني أن المدخل الأجدى ليس فتحًا عشوائيًّا للأسواق، ولا تركها لوسطاء الاستقدام وتجار الأزمات، بل إنشاء ممرات عمالية يمنية خليجيةٍ منظمة، عبر اتفاقيات ثنائية أو قطاعية تُحدِّد المهارات المطلوبة، وتضع آليات للمطابقة والاعتماد المهني، وتضمن التدرج في الاستيعاب بحسب حاجة كل سوق. فالمطلوب ليس مجرد تصدير فائض بشريٍّ من اليمن، بل تحويل العمل اليمني إلى مورد منظم يخدم الاقتصاد الخليجي ويخفِّف الضغط المعيشي داخل اليمن في آنٍ واحد.

غير أن فتح قنوات العمل وحده لا يكفي ما لم يقترن ببنية حمايةٍ مالية وقانونية حديثة. وهنا تبدو الاستفادة من الخبرة الخليجية القائمة أمرًا مهمًّا. فأنظمة حماية الأجور التي أدخلتها دول المجلس توفر آليات للتحويل الإلكتروني ومراقبة دفع الرواتب في القطاع الخاص. ويمكن البناء على هذه الخبرة لخلق ترتيبات مرحلية تشمل حماية الأجور وضبط العلاقة التعاقدية بين العامل وصاحب العمل. والفرق هنا أن الممر العمالي المنظم يرفع جودة السوق ويحد من التهرب والتستر ويوفر قدرًا من الحماية، بينما يراكم الممر الهشُّ الاقتصاد الموازي والخصومات الاجتماعية.

والشق الثاني من المقاربة الوظيفية يجب أن يكون ممر المال بقدر ما هو ممر الناس. فالتحويلات المالية ليست أثرًا جانبيًّا للهجرة، بل جزء مهم من بنية الاستقرار الأسري والاجتماعي، وكلفتها وسرعتها وشفافيتها تُسهم في تحديد ما إذا كانت الهجرة ستتحول إلى أداة تنمية أم إلى اعتماد مشوَّه. ومن هنا، بدلًا من بقاء تحويلات اليمنيين موزعة بين قنوات ظلٍّ متفاوتة الشفافية، يمكن بناء ممرٍّ ماليٍّ يمنيٍّ خليجيٍّ منظم يعتمد على بنية رقمية حديثة، ويربط العمالة القانونية بحساباتٍ ومحافظ رقميةٍ خاضعة لرقابة مشتركة، بما يفيد الاقتصاد اليمني ويمنح دول الخليج قدرةً أكبر على فرض الامتثال ومراقبته والحد من القنوات المالية غير الرسمية المرتبطة باقتصاد الحرب.

ثم تأتي البنية التحتية لا بوصفها مجرد أدوات نقلٍ وخدمات، بل بوصفها وسيلة لإعادة ربط المجال اليمني ببعضه وبمحيطه. فاليمن، بحكم جغرافيته المتعددة وتاريخه الموزع بين مراكز وأطراف، لا يحتاج فقط إلى مشاريع تنموية أكثر، بل إلى مشاريع ذات رؤية استراتيجية موحدة تربط الساحل بالداخل، والجنوب بالشمال، والمواني بمناطق الإنتاج، بحيث تتوزع المنفعة الاقتصادية على الأقاليم بدل أن تتركز في نقطة واحدة. ومن هنا يظهر للبنية التحتية بُعد سياسيٌّ يتجاوز الجانب الإنشائي؛ فهي لا تختصر المسافات فحسب، بل ترفع كذلك كلفة النزاع والانقسام، وتحوِّل الاعتماد المتبادل بين الأقاليم من شعار وطنيٍّ مجرَّد إلى مصلحة يومية محسوسة.

ويبدو هذا المعنى أكثر أهميةً إذا قورن ببعض الأنماط التي حكمت الإنفاق الخليجي في اليمن في مراحل سابقة. فالمشكلة لم تكن دائمًا في حجم الأموال، فلطالما كان الخليج سخيًّا، بقدر ما كانت في وجهتها ومنطقها. ففي أحيانٍ كثيرة، اتجه جزء من هذا الإنفاق إلى إدارة أفراد في الداخل اليمني، وهو مسار ربما أتاح تهدئة مؤقتة أو ضمانات ظرفية، لكنه لم يُنتج استقرارًا قابلًا للاستمرار، لأنه ربط العلاقة بأشخاصٍ لا بمؤسسات، وبموازين قوى متبدِّلة لا بمصالح عامة مستقرة. وفي أحيانٍ أخرى، اتخذ الإنفاق شكل مساعداتٍ أو مشاريع متفرقة ذات طابع إغاثيٍّ أو تنمويٍّ عشوائي، دون أن تنتظم داخل تصور تكامليٍّ واضح يربط بين ما يُنفَق وما يراد تحقيقه على مستوى إعادة بناء المجال اليمني نفسه. ولهذا بقي الأثر، في كثير من الحالات، محدودًا أو سريع التبدد؛ لأن المال حين لا يُوجَّه إلى خلق ترابطاتٍ اقتصادية ومؤسسية طويلة النفس، يظل أقرب إلى إدارة مؤقتة للأعراض منه إلى معالجة للشروط التي تعيد إنتاج الهشاشة.

ولهذا يجب إعادة فهم الاستثمار الخليجي في البنية التحتية اليمنية بوصفه استثمارًا تكامليًّا مزدوج الأثر. فهو من الداخل يعزز الترابط بين الأقاليم اليمنية، ويخفف دوافع التفكك عبر خلق شبكات إنتاجٍ ونقل وخدماتٍ عابرة للانقسامات المحلية. وهو من الخارج يربط الاقتصاد اليمني تدريجيًّا بالاقتصاد الخليجي عبر ممرات التجارة والطاقة والمواني والمعايير. فالممر الذي يصل الميناء بالداخل لا يربط مدينة بمدينة فقط، بل يربط المزارع بسلسلة التوريد، والعامل بسوق العمل، والإقليم المُهمَّش بمركز الدولة، واليمن بجواره الخليجي.

وهنا تظهر الإضافة الأهم في معنى الربط الاقتصادي. فكلما ارتبط اليمن بخليجه عبر طرقٍ وموانٍ ومناطق لوجستية وسلاسل توريد وتحويلات وأسواق عمل منظمة، لم يعد استقرار الخليج شأنًا خارجيًّا بالنسبة إلى الداخل اليمني، بل أصبح جزءًا من شروط استقرار المصلحة اليمنية نفسها. وعندما تصبح معابر التجارة، وفرص العمل، وحركة الصادرات والواردات، والطاقة، والتحويلات، مرتبطةً بسلامة المجال الخليجي وأمنه، يكتسب الداخل اليمني مصلحةً أوضح في تجنب أيِّ مسار يهدد هذا المجال أو يقطع منافعه. وبالقدر نفسه، يصبح تشكل الحركات العدائية نحو الخليج أقلَّ إمكانًا، لا لأن النزاعات تختفي أو لأن الفوارق البنيوية تزول، بل لأن شبكة المصالح المشتركة ترفع كلفة العداء، وتخفض جدوى تحويل اليمن إلى منصة استنزافٍ لجواره. فكلما اتسعت دائرة الارتباط الاقتصادي المشروع، ضاقت مساحة القوى التي تعيش على اقتصاد الفوضى والقطيعة.

وعلى المدى الاستراتيجي، تكتسب هذه المقاربة بُعدًا جيوسياسيًّا يتجاوز الاقتصاد المباشر. فهشاشة ممرات الطاقة العالمية تجعل الربط البنيوي بين اليمن والخليج مسألة أمن اقتصاديٍّ أيضًا، حيث تمر عبر مضيق هرمز وباب المندب تدفقاتٌ حيوية تجعل استقرار هذه الممرات ذا أثرٍ يتجاوز الدول المطلة عليها. فكل استثمار يربط اليمن ببنية خليجية أوسع، سواء عبر الطرق أو المواني أو الطاقة أو المناطق اللوجستية، يمنح اليمن فرصًا تنموية، ويمنح الخليج كذلك عمقًا بحريًّا إضافيًّا وتنوعًا في المسارات ومصلحةً مباشرة في استقرار الداخل اليمني.

ومن هنا أيضًا يبرز جانب التعاون الأمني بوصفه امتدادًا طبيعيًّا للمقاربة الوظيفية، لا بديلًا عنها. فحين يكون اليمن جزءًا من معادلة حماية الممرات البحرية، لا مجرد ساحة يُخشى منها، يصبح من الممكن تصور صيغ تعاونٍ أمنيٍّ تدريجية، من بينها تشكيل قواتٍ بحرية مشتركة أو أُطر تنسيقٍ بحري بين اليمن ودول الخليج، تتولى حماية الممرات البحرية ومكافحة التهريب والقرصنة وتأمين السواحل ومراقبة خطوط الملاحة والطاقة.

وكلما اقترن الربط الاقتصادي بهذا النوع من التنسيق البحري، أصبح الاستقرار أقل تعلقًا بالردع المُجرَّد، وأكثر اتصالًا ببنية مصالح يومية متشابكة. فالدولة اليمنية، حين تستفيد مؤسساتها ومناطقها وسوقها من أمن الممرات البحرية والتجارة الإقليمية، تصبح أكثر حرصًا على صون هذا الأمن. كما أن القوى المحلية، التي ترتبط سبل عيشها بحركة المواني والنقل والعمل والتجارة، تصبح أقل ميلًا إلى دعم أو احتضان قوى تُعادي الخليج أو تستهدف الملاحة فيه. وهكذا يلتقي التعاون الاقتصادي بالتعاون الأمني عند نقطة واحدة: تحويل الجوار من مصدر دائم للقلق إلى مجال متدرج للشراكة والانضباط المشترك.

ويفترض هذا كله أن يمضي البناء الوظيفي والاقتصادي جنبًا إلى جنب مع دعم سياسيٍّ ومؤسسيٍّ يساعد اليمن على الخروج من حالة الاستقطاب الحاد في مراكز القوة، ويحد من آثار التجاذبات الأيديولوجية والتشوهات الجيوسياسية التي ورثها من حقبة الحرب الباردة. فإرساء قدرٍ أكبر من فاعلية الدولة المركزية، وإعادة مواءمة البوصلة السياسية والمؤسسية لليمن باتجاه أكثر انتظامًا، من شأنه أن يوفر البيئة التي تستند إليها شبكة المصالح الاقتصادية والأمنية معًا.

وهكذا تبدو هذه الصيغة أقرب إلى مسار عملي: لا ذوبان مؤسسي متعجل يضغط على المنظومة الخليجية فوق طاقتها، ولا قطيعة كاملة تُبقي كلفة اللادولة متسربة إلى الخليج. فالمقاربة الوظيفية المتدرجة لا تلغي مسألة العضوية من حيث المبدأ، لكنها تُرجِئها من مستوى الشعار السياسي إلى مستوى نتيجةٍ قد يُهيِّئ لها التراكم التدريجي، إن توافرت شروطها يومًا.

الخاتمة: إعادة تعريف العلاقة الخليجية اليمنية

ليست المسألة بين اليمن والخليج مسألة قرب جغرافيٍّ لم يكتمل سياسيًّا، ولا مسألة روابط اجتماعية لم تجد ترجمتها المؤسسية بعد. المسألة أن القرب وحده لا يصنع اندماجًا، وأن التاريخ المشترك لا يلغي الفوارق العميقة في بنية الدولة والاقتصاد والمجتمع. ولهذا بدا التعويل الطويل على العضوية الكاملة تعويلًا على صيغة أكبر من شروطها الفعلية، وأثقل من أن يحتملها الطرفان في المدى المنظور.

لكن الإقرار بذلك لا يعني التسليم بمنطق القطيعة. فاليمن ليس هامشًا خارجيًّا بالنسبة إلى الخليج، ولا فراغًا يمكن تطويقه من بعيد إلى ما لا نهاية، واستقراره جزء من أمن الخليج، كما أن اضطرابه لا يبقى محصورًا داخل حدوده. فالهجرة والطاقة والممرات البحرية والأسواق وشبكات التهريب، كلها تشير إلى أن ما يجري في اليمن لا ينفصل عن المجال الخليجي، بل يعود إليه بصورة أو بأخرى، مباشرة أو عبر الأثر المتراكم.

ولهذا تبدو الصيغ القصوى أقل حكمة من المسار الأوسط العملي، فلا عضوية كاملة تُفرض قبل نضج شروطها، ولا استبعادٌ كامل يترك الكلفة تتفاقم في صورة فوضى مزمنة. والأجدى بناء ترابط تدريجي يقوم على المصالح الملموسة: تنظيم حركة العمل وضبط التحويلات وربط البنى التحتية، ومواءمة المعايير وتوجيه الاستثمار نحو ما يعزز تماسك الداخل اليمني ويربطه في الوقت نفسه باقتصاد الخليج ومجاله الاستراتيجي، إلى جانب بناء تنسيق بحريٍّ وأمنيٍّ يحمي الممرات ويحدُّ من التهديدات المشتركة. فحين تُبنى العلاقة على هذه الأسس، لا يعود اليمن عبئًا مؤجلًا ولا ملفًّا أمنيًّا دائمًا، بل يتحول تدريجيًّا إلى شريك وظيفيٍّ تتسع معه دوائر المنفعة المتبادلة.


كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭

مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨

موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!

هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗

التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁


فقرة حصريّة

آسفين على المقاطعة، هذه الفقرة خصصناها للمشتركين. لتقرأها وتستفيد بوصول
لا محدود للمحتوى، اشترك في ثمانية أو سجل دخولك لو كنت مشتركًا.

اشترك الآن

داوود حسين: من جدران «العشة» إلى عتبات المسارح

بدأت حياة الفنان داوود حسين العملية بمقابل بسيط، لا يتجاوز صفرًا أو صفرين، حتى أضافت مسرحية «باي باي لندن» صفرًا ثالثًا للمحفظة، معلنةً انتهاء حياة الفقر واعتلاء عتبات جديدة.
3000 دينار كاش استلمها من المسرحية، كانت كفيلةً بأن تجعل والدته -رحمها الله- «تبقّق» عيونها فيه بذهول وشك، ظنًا منها أن ابنها قد سلك طريقًا غير مشروع، ليرمي المبلغ تحت قدميها ويقسم لها باكيًا:

يمّه والله العظيم هذا شغلي مع عبدالحسين عبدالرضا.

هذه القصة أحد التفاصيل التي كشفها الفنان داوود حسين -ولأول مرة- لمستمعي بودكاست «امشِ مع»، ويحكي غيرها في الحلقة، ليكشف التفاصيل المؤلمة خلف قناع الكوميديا.


لماذا تقدَّم الخليج وتأخر اليمن؟

ظلَّ هذا السؤال يراود كاتب عدد الأسبوع، ضياء السعيدي، وجال معه في مختلف مراحله الأكاديمية، ثم أجاب عنه في حلقته ببودكاست فنجان المعنونة بالسؤال ذاته.


*تعبّر المقالات عن آراء كتابها، ولا تمثل بالضرورة رأي ثمانية.

نشرة الصفحة الأخيرة
نشرة الصفحة الأخيرة
أسبوعية، الثلاثاء منثمانيةثمانية

مساحة رأي أسبوعية تواكب قضايا اليوم بمقالات ولقاءات تحليلية في مختلف المجالات، لتمنحك فرصة استكشاف الأحداث وتكوين رأي تجاهها.

+70 متابع في آخر 7 أيام