لماذا تفشل المقاهي في صناعة مجتمع أدبي؟☕️
زائد: ابدأ من الآن بناء مكتبة منزلية لطفلك 🐢

تلعب المقاهي أدوارًا أكثر من هدفها الأول في تقديم القهوة أو الشاي إلى الزوار الذين يجتمعون للحديث حول القصص الإجتماعية أو الاقتصادية وحتى السياسية، قبل أن يظهر الدور الجديد في تقديم عالم الأدب والثقافة في شكل تجمعات يقودها عدد من الرواد المثقفين المهتمين بالأحداث الثقافية، مما حول المقاهي إلى مكان يشبه المكتبات العامة.
ومؤخرًا منذ انتقالي إلى مدينة الرياض أصبحت صديقًا للمقاهي في المذاكرة أو القراءة وحتى الكتابة، من المثير للإعجاب هنا أن كل مقهى بات يحمل هوية خاصة، فهناك مقاهي تستهدف القراء وأخرى الكتاب وغيرها من المستهدفات التي يوفر المقهى فيها كل سبل الراحة للمجتمع الخاص بالمقهى.
لكن ماذا عن المهتمين بالمجال الثقافي؟ كيف يمكن جمعهم في مكان واحد وتقديم مادة قيّمة لهم تتشابه مع اهتماماتهم؟
في هذا العدد أشرح فكرة المجتمعات الأدبية في المقاهي، والرسالة القيّمة التي تحتاج إلى قراءة جديدة.
فيصل آل عُمر

.jpg)
لماذا تفشل المقاهي في صناعة مجتمع أدبي؟☕️
فيصل آل عمر
ساقتني الصدفة يومًا لتجمّع أدبي في أحد المقاهي بالرياض لحضور مراجعة كتاب، فرصة جميلة للالتقاء بعدد من المهتمين بالشأن الأدبي في نطاق الحي الذي أعيش فيه. من الجيد أن تجلس في مكان يفهم النكات نفسها التي ستقال أو التحديات التي واجهتك عند القراءة، والتجمعات الأدبية ستحقق لي هذا الهدف، صحيح؟
ما حدث لم يكن كذلك. فالموجودون لم يكن أحد منهم معه الكتاب الذي يُراجَع (والحقيقة ولا حتى الضيف أو المُراجِع… لا أعلم ماذا يمكن تسميته هنا). عدد من المدعوين يجلسون ليلتقوا بضيف لا يهتم بعنوان التجمّع، وزوّار لا يهتمون إلا بالحضور (أشك أنه للحصول على قهوة مجانية).
بدأ الضيف في مراجعة الكتاب مع عدد من الكلمات التي يستخدمها ليشعر الحضور أن الرواية أكبر من أن تُراجَع في ساعة، فراح يكثر من قول «سردية» و«رمزية» و«أبعاد ثقافية خاصة بالكاتب»، وبالتأكيد «بين السطور». هذه المفردات كفيلة بردع كل من تسوِّل له نفسه أن يسأل سؤالًا واحدًا عن الرواية لسيدنا الضيف!
ثم طلب شخص من الحضور مداخلة -وعددنا كان لا يتجاوز العشرة- طرح فيها سؤالًا عن البُعد السياسي للرواية، والرواية رومانسية! (هذا ما جعلني أشك أن السؤال مكتوب بالذكاء الاصطناعي.) كان الجو العام يوحي أنَّ الموجودين هنا قُدّمت إليهم دعوات للحضور والتصوير، لأن المهتمين الحقيقين غير موجودين. لا أعلم كيف رضي البعض منهم أن يكون ضيفًا بكوب قهوة فقط. ولكن من رضي بضياع ساعة من يومه عبثًا فلا شك لن يبالي بـ«تسعيرة» الحضور.
هل كانت هذه تجربتي الوحيدة في حضور بعض تجمعات المقاهي الأدبية؟
ليتها كذلك، لأنني قررت تكرار الحضور في مقاهٍ مختلفة وعناوين مختلفة وتوجهات متنوعة، لكن القاسم المشترك بينهم للأسف واحد: لا أحد يهتم بما يُقدَّم ولا في فكرة «المجتمع الأدبي» من الأصل. البعض يهتم في أن يكون التنسيق على حسب سمعة الضيف، دون اكتراث بموضوع الندوة، أو بما يريد أن يتحدث عنه الضيف. فيحضر ضيف يتكلم عن «تفكيك الأدب الأوربي في العصر الحديث»، في حين أن الشارع الأدبي منشغل بالحديث عن رواية محلية يُقال أن كاتبتها لم تكتبها!
فكيف للزائر أن يهتم بأحداث لا تشبهه ولا يهتم بها حتى بعض المختصين؟
لن أحاول أن أعطي حلولًا وأن أقدم في ذكر المشاكل، فالمسألة ليست «فيزياء» تحمل تعقيدات لا يمكن حلها ويصعب شرحها، العكس تمامًا، هي مسألة بسيطة لكن تحتاج إلى إعادة نظر.
بناء المجتمع قبل إعداد القهوة
لكي لا أكون من جماعة «كوب القهوة عدو الاقتصاد وصديق المثقف»، فأنا أبرّئ نفسي منهم منذ البداية. المقصد هنا أنه من الجيد أن تكون المقاهي منطقة تجمع المهتمين بالكتب والأدب وحتى بالقضايا الثقافية «المحلية تحديدًا»، فتصنع مجتمعًا من المهتمين بالاجتماعات الدورية التي تُقدَّم لهم. فالقضايا التي تُناقَش، والندوات التي تُقام والمراجعات التي تُنفَّذ تأتي من صميم اهتمام هذا المجتمع الخاص بالمقهى، خصوصًا أن مما لاحظته أن عدد الحضور يتراوح بين عشرة إلى خمسة وعشرين شخصًا.
فيمكن أن يكون الكل مهتم والحضور له توجه وهدف من الحضور. فحين تأتي مراجعة لكتاب مثل «الجريمة والعقاب» لديستوفسكي، فهل من الصعب جمع مجتمع مهتم بالرواية والأدب الروسي قبل إخطارهم بأن الكتاب القادم سيُراجَع بعد شهر؟ وخلاله ستُعقَد ندوة عن «الفرق بين دوستويفسكي وتولستوي»، ثم ورشة كتابة لمحاكاة أسلوب دوستويفسكي، وننتهي بمراجعة الكتاب.
(هذه روزنامة كاملة للتبرع لمن يحتاجها في إعداد تجمعات المقاهي وما شابهها.)
إن حضور غير المهتمين -تحديدًا المدعوين للتغطية المصورة في هيئة زائر مهتم- يسبب إرباكًا للذين يحضرون مهتمين، ناهيك عن أن بعض الحضور يأتي بدافع الفضول لأول مرة، فيجد الحضور جميعهم صامتين لا يتفاعلون ولا يهتمون بشيء هنا، فكيف تريد منه تكرار هذه التجربة؟
أقمتُ في «مكتبة إثراء» مراجعة لكتاب «بائع الجُمَل الأولى»، ووجدت ما يقارب الثلاثين حاضرًا، جميعهم معهم الكتاب، ويعرف بعضهم بعضًا. وما إن بدأت المراجعة وفتحت باب الأسئلة بدأ الجميع يسأل عن الرواية، ويتناقشون فيما بينهم عن روايات سابقة، وعن آرائهم حولها وحول تشابهها مع ما سبق من روايات.
هذا النموذج من المجتمعات الأدبية من أفضل النماذج التي تعرضت لها مؤخرًا. فبناء المجتمع أهم بكثير من جمع عدد من «شاربي القهوة» في مكان واحد لتصويرهم!
من ثقافة المجتمع نتحدث
نمتلك ولله الحمد مجتمعًا أدبيًّا ثقافيًّا متسارع الأحداث والقصص، فلا تنتهي قصة إلا تتفجر أخرى ويدوي لها صدى بين الجميع. وفي أثناء انتشار هذا الصدى تجد أحد المقاهي يقيم ندوة عن رواية لا يقرؤها أحد، أو أمسية شعرية عن «الشعر الجاهلي»، ولا تجد مهتمًا واحدًا بين الموجودين (حتى لو أُعطي كوب قهوة مجاني)!
تتميز المجتمعات الأدبية بمناقشتها جديد المجتمع وآخر اهتمامته. فقد يصل الأمر لاستضافة صاحب الشأن ذاته، وطرح القضايا أولًا بأول، مع مراعاة توجهات المجتمع نحو القصص.
إن انعزال المقاهي الأدبية عن المشهد الثقافي والأدبي يورثنا مجتمعات لا تهتم بما يحدث، ولا تقدم جديدًا في ما يحدث، ولا تمتلك هوية تعبر عنها. هل سمعت عن مقهى يجمع «شعراء الرياض» ليناقشوا جديد الشعر وأجمل القصائد؟ أو عن مجلس أدبي يجمع روائيي أبها للحديث عن تأثير أحمد أبودهمان -رحمه الله- في سردية الرواية الجنوبية بعد نجاح رواية «الحزام»؟
إن إعطاء الخبّاز خبزه، وجعل المنسّقين المسؤولين عن المقاهي من أصحاب الاهتمام الأدبي، سيساعدنا على إيجاد مجتمعات تعرف ما يُقال وتتكلم به.
لكي لا يموت من يستحق الحياة
إن ما تقدمه مبادرة «الشريك الأدبي» المقدمة من «هيئة الأدب والنشر والترجمة»، وأيضًا «بيت الثقافة» من «هيئة المكتبات»، من دعم المجتمعات الثقافية، يكفل لنا تقديم مجتمع يتماشى مع ما يتطلبه المجتمع الثقافي لينطلق في صناعة تأثير حقيقي يخدم أهل المنطقة على وجه الخصوص، وثقافة المجتمعات عمومًا.
ما قُدّم منهم هو دعمٌ لا شك أنه شكَّل أثرًا كبيرًا في فترة قصيرة، ووصل لمناطق متعددة، مع أثر ثقافي في طور النمو، وهو مع ذلك يحقق نجاحًا ملحوظًا.
لكن كل ما يحتاجه الأمر لتستمر فيه الحياة، وهو أهلٌ لها، أن تُقدَّم الخطط البرامجية بطريقة تهم المجتمعات التي تُصنَع في البداية بما يستحق أن يصل لهم. وأن لا يرتكز الأمر على ضرب من ضروب الثقافة، مثل الاكتفاء بمراجعات الكتب، بل ينبغي أن يتجاوز الشكل الحالي، ويبدأ في إقامة ورش الكتابة والترجمة وغيرها من أجناس الأدب التي تحتاج إلى اهتمام أكثر.
مع وجود مهتمين في التخطيط لهذه المبادرات وتقديمها، ستنمو أكثر، وستصل إلى المستحقين، وستنتشر ثقافة المجتمعات الأدبية بطريقة سليمة لا تفسدها رغبة تقديم البرنامج لغرض التقديم فقط.
ادّخر بذكاء من كل عملية شراء 🧠
كل ريال تنفقه يمكن أن يصنع فرقًا في مستقبلك المالي. «ادخار سمارت» من stc Bank حساب ادّخاري يعطيك 4% أرباح سنوية وتقدر تسحب فلوسك بأي وقت! ادّخر اليوم، واستثمر في غدك مع
«ادخار سمارت».

رف من مكتبة الأطفال
ربما تظن أنه تأخر الوقت على أن أطلب منك التوجه إلى المكتبة الآن وشراء عدد من قصص الأطفال وتبدأ في قراءتها. لكن الحقيقة غير هذا، فيجب عليك من الآن أن تتعلم قصص الأطفال لتنقذ مستقبل ابنك.
في عملي أمين مكتبة، أدرجت برنامجًا يختصّ بقراءة الأطفال مع العائلة يوميًّا، أهدف فيه بشكل رئيس أن يشاهد الطفل أحد والديه وهو يقرأ، فتأثُّر الأبناء السريع بما يصنع والدهم أمر يجب أن يؤخذ بالحُسبان؛ فعوضًا عن أن يشاهدك تمضي الليل والنهار على هاتفك، ماذا عن أن يشاهدك تقرأ؟
كانت التجربة في البداية صعبة؛ أن يتنازل أحدهم لقراءة قصة «الأرنب والسلحفاة» لطفل قد لا يعرف معنى أرنب ولا سلحفاة، شأن صعب بالبداية. لكن الأمر بدأ يأخذ شكلًا مختلفًا بعد مرور شهر، حينما بدأت أعداد الاستعارة تتضاعف على قصص الأطفال عن الكبار!
والحقيقة لا أمتلك توصيات محددة لأسماء الكتب، فالأمر يعود على «ما الرسالة التي تودّ أن تمررها لطفلك؟». فقصص الثعالب مثلًا مفصّلة لتشرح للطفل أن الحيلة لا تأتي بنتيجة جيدة، وقصص الديك تصف الحكمة التي يفتقدها غيره، وقصة مثل «أُكلت عندما أُكل الثور الأبيض» تصف للطفل أهمية الترابط مع الإخوة.
فالحقيقة أن صناعة مكتبة منزلية للأطفال ضرورة مُلحّة في تطوير مفرداتهم، وزيادة قدرتهم على التعبير الذي سيعود بالنفع عليهم لاحقًا، ولا ضرر إن وجدت نفسك تقرأ كتب أطفالك بنهم يفوق نهمهم لها، فالإنسان بطبعه يحب الفكرة المباشرة، وتصنع هذه القصص سلسلة من المشاعر المباشرة التي لا تتطلب منك قدرًا عاليًا من التركيز.
الطفل بطبيعته يميل إلى الخيال، وما إن يواجه خياله الفسيح عالمًا محدودًا مُقررًا سلفًا مثل الأفلام الكرتونية أو برامج اليوتيوب، يصبح خياله في نطاق العالم المصنوع سلفًا. لكن صُنْع عالم خيالي بالتشارك مع طفلك يجعل منه قادرًا على التفكير بهوية خاصة وفكر إبداعي خاص.
فحينما يسمع قصة لحيوان ناطق، أو لرجل غبي، أو لنبتة تتمشّى، فهذا سيجعل كل ما لا يمكن في داخله ممكنًا، ويسمح له بالوصول إلى نقطة بعيدة في التعبير.

شيء عن ترك ما تحب:
وإنّي لأنهى النّفسَ عنها ولم تكُن
بشيءٍ من الدنيا سواها لِتقنعا
العباس بن الأحنف
شيء من أنواع السيوف:
وﺍﻟﺴﻴﻒُ ﻓﻲ الغِمد ﻻ ﺗُﺨشَى مضاربُه
ﻭﺳﻴﻒُ ﻋﻴﻨﻴﻚ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺎﻟﻴﻦ ﺑﺘّﺎﺭُ
إدريس جمّاع
شيء من الابتعاد:
لا صار ما في البعد راحة لملتاع
بالله وش نفع التعب والكلافة
بدر بن عبدالمحسن

آلة زمن للكتب: من سنوات إلى ساعات!
كم مرة وقفت أمام رفوف المكتبة وتأملت سلسلة «أحمد أمين» الشهيرة؟ تلك المجلدات التي تبدأ بفجر الإسلام وتنتهي بيومه، كانت دائماً توحي بالهيبة والعمق مما يجعلك تضعها في قائمة المحذوفات المؤجلات.
إن لم تسمع بالسلسلة من قبل، قد يتبادر في ذهنك سرد تاريخي للمعارك والفتوحات، إلّا أنها كنز يفصّل سيرة العقل العربي عبر التاريخ، في عشرين عامًا من البحث، يقتفي الكاتب أثر العقل العربي وتطوراته منذ الجاهلية وحتى اليوم!
والمسلم اليوم، وفي عصر راديو ثمانية يمكنه سماع السلسلة كاملة صوتيًا، في تطبيق يمنحه التجربة الأفضل، حيث تضيف كتابك للطابور وتعود إليه لتجده حيثما توقفت، مع العديد من المزايا التي تسهّل عليك سماع السلسلة في أي وقت، وكل مكان.

فضائل الأمور البسيطة

تأليف: مارينا فان زويلين
في عصرٍ يطحننا بمطالبة مستمرة بالبطولة والتفرد، ويضع رقابنا تحت مقصلة «النجاح الاستثنائي»، تأتي الكاتبة مارينا فان زويلين لتشرح فكرة سهلة: «لكل فعل بسيط مفعول أكبر». هذه الفكرة كانت تواسيني حينما اكتشفت أنني أعيش على «متاعب الأمور الكبيرة»، التي تتطلب مني قدرًا عاليًا من محاولة صنع شيء كبير رغم سهولة فعل الأمر ببساطة.
«فضائل الأمور البسيطة» فكرة فلسفية هادئة تصارع فكرة الهوس بالكمال. نحن نركض راغبين وراء الإنجازات والصور المثالية حتى نسينا كيف نتنفس، وكيف نعيش أيامنا العادية دون أن نشعر بالعار من هامشيّتنا، من كوننا أشخاصًا طبيعيين قد نتلذذ بفعل أمور بسيطة على أيامنا أو أيام من حولنا. فشعور أن هذا الفعل «روتيني» يفقده قيمته في ذاتنا، ويجعلنا نعتقد وجوبه الذي يتنافى مع لذة فعله.
تستعين زويلين بإرث الفلاسفة الإغريق وكبار الأدباء لتفكك هذا الوهم المرعب، وتخبرنا أن الحياة الجيدة لا تتطلب بالضرورة منصات تتويج أو بطولات ملحمية. إنها تدعونا إلى معانقة نواقصنا والاحتفاء بالهشاشة الكامنة فينا. هذا التوجه الفلسفي يشبه إلى حد بعيد فن «الكينتسوقي» الياباني، حيث تُرمَّم شروخ الأواني الخزفية بخيوط الذهب، لكون الفكرة أكبر من إخفاء الكسر؛ تكاد تكون للاعتراف بتاريخه وإظهار جماله.
يدعو الكتاب إلى النزول من أبراج المراقبة العالية التي نحاسب منها أنفسنا، من خلال مطالبة ذواتنا بصنع الكثير في وقت محدود. وننتقل لنستمتع في أزقّة ذواتنا البسيطة، لنكتشف أن «العادي» ليس عارًا، بل المساحة الوحيدة التي يمكننا فيها أن نكون بشرًا حقيقيين؛ بضعفنا، وترددنا، وهدوئنا المريح.
الزمن والشمس اللذيذة

تأليف: ناصر العديلي
أحب السلاسل القصصية التي تحكي في وقائعها قصصًا في زمن لم أكن موجودًا فيه ولكنه كان قريبًا منّي، ويزيد حبي لها حينما يكون الكتاب هدية لي، فغالبًا إهداء الكتب رهان لا يقل عن إهداء العطور. وكان «الزمن» في هذه المجموعة لذيذًا حقًا.
حين تقرأ هذه المجموعة القصصية للقاص السعودي ناصر العديلي، التي تعود جذورها التأسيسية لعام 1985 «وأُعيد طبعها ودمجها لاحقًا»، فإنك تمارس طقسًا مكثفًا من طقوس استعادة الزمن المفقود. يكتب العديلي الحدث الصاخب بطريقة هادئة فيها سردية مختلفة من قصة لأخرى، ويكتب «أثر» الحدث في رد فعلك تجاه كل قصة. يقبض على اللحظات العابرة في مقهى عتيق، أو شارع أجنبي بارد، أو في تفاصيل حياة يومية هادئة، ويقدمها في نصوص تجعلك تشعر برغبة في لو كانت القصة أطول. وهذا ما أعرفه دومًا عن أثر القصص القصيرة، فمعيار حبي لها هو تمنيَّ لها «بطول السرد».
يتكئ أسلوب العديلي على بساطة الفكرة، لكن تمتزج ببراعة بين السيرة الذاتية والتخييل، حيث يقف الإنسان بطلاً وحيدًا في مواجهة زمن يتآكل، ويبقى بداخلك الكثير.
ولعل أبرز ما يميز هذه التجربة إيمان الكاتب بأن القصة تُكتَب وتُعاد كتابتها، كأن الذاكرة كائن حيّ ينمو ويتشكل مع كل محاولة تذكُّر. رحلة أدبية لذيذة وموجعة، تذكّرنا بأننا في النهاية لسنا سوى محصلة لأيامنا التي تسربت تحت شمس العمر.
طشّاري

تأليف:إنعام كجه جي
إذا كانت هناك رواية قادرة على أن تجعلك تتذوق طعم الغبار والرماد في حلقك، فهي «طشّاري» للروائية العراقية الفذّة إنعام كجه جي. لكي تفهم عمق الفجيعة، يجب أولًا أن تفهم العنوان؛ «طشّاري» مفردة عراقية شعبية موغلة في القسوة، تعني طلقة بندقية الصيد التي تنفجر وتتشتت شظاياها «الخردق» في كل اتجاه بلا عودة. وهو بالضبط ما ترمز إليه الرواية أنه حدث للعراقيين، وحدث لأبطال هذا العمل، من خلال سيرة الدكتورة «وردية إسكندر»، الطبيبة التي أفنت شبابها في تطبيب جراح العراقيين بمختلف أطيافهم في مستشفيات بغداد، قبل أن تجد نفسها مثل كثيرين غيرها، تحمل حقيبتها إلى المنفى.
ومن هذه السيرة الفردية يتّسع المعنى شيئًا فشيئًا؛ الأبناء يتوزعون بين بلدان مختلفة، والأحفاد يولدون في أوطانٍ جديدة، بينما يبقى العراق حاضرًا في الذاكرة أكثر من حضوره في المكان. تمضي الرواية في تتبع هذا التفرق بهدوءٍ ملحوظ، تفاصيل الحياة اليومية والرسائل والمكالمات والذكريات الصغيرة، كلها تشكل خيوط الحكاية؛ حكاية العائلة. ومن خلال هذه التفاصيل، يتشكل سؤال أعمق من الأحداث نفسها: كيف يبقى الإنسان قريبًا ممن يحبهم، حين تباعد بينهم الجغرافيا؟
فالعائلة التي كانت يومًا تحت سقف واحد، أصبحت موزعةً على خرائط متعددة، وكل فرد منها يحمل معه شظية -قطعة- من العراق. ولهذا تبدو «طشّاري» أقرب إلى تأمل طويل في معنى التشتت/التطشّر!
لغة إنعام كجه جي هنا جارحة، ساخرة حد البكاء، توثق كيف يتحول الوطن الكبير والبيت الدافئ إلى مجرد شاشة هاتف محمول نتابع عبرها جنازات أحبّتنا، وكيف تتقلص العواصم لتصبح مجرد جوازات سفر أجنبية ومقابر مؤقتة في الشتات. «طشّاري» شهادة إنسانية قاسية، تخبرنا بوضوح تامّ أن الأوطان حين تتشظّى، تستقر شظاياها في أجساد أبنائها وتنزف إلى الأبد.

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.